— 33 —
القسم الأول
حياته الأولى
ولد بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ عام (١٢٩٣ رومي)، في قرية "نُوْرْس" التابعة لناحية "إسپاريت" في قضاء "خِيْزان" من أعمال ولاية "بِتْليس". اسم أبيه: ميرزا، واسم أمه: نورية.
عاش في كَنَفِ أبويه حتى التاسعة من عمره، وفي تلك السِّن دفعتْه حالةٌ روحيةٌ للتأمل في حالِ أخيه الأكبر "المُلَّا عبدِ اللّٰه" المُنكَبِّ على تحصيل العلوم والاستزادة منها، فكان كلما قارن بين أخيه الآخذ في الترقي بالعلم وبين أقرانه الأُميِّين في القرية تملَّكَه العَجَب، فجعل تحصيل العلم نُصْبَ عينيه، وتوجه إلى طلبه بجدٍّ وحماس.
ولقد ذهب بهذا القصد إلى مدرسة الشيخ "محمد أمين أفندي" بقرية "تاغ" الواقعة في ناحية "إسپاريت"، إلا أنه لم يستطع البقاء بها طويلًا، فقد كان بفطرته شديد الحفاظ على عزته، لا يتحمَّل أيَّ أوامر تُملى عليه، (حاشية): إنَّ هذه العزة التي تُشاهَد في المُلَّا سعيد وهو صغير لم تأتِ من حبِّ النفس، وإنما هو القدَرُ الإلٰهيُّ الذي منحَ بعنايته عبدًا من عباده هذه الخصلةَ ليؤديَ وظيفةً عظيمةً في المستقبل، ألا وهي إعلاء كلمة اللّٰه، فكانت العزة العلمية إحدى الخصال اللازمة لأداء هذه الوظيفة على وجهها؛ ولعل المُلَّا سعيدًا لم يكن يدري آنذاك ماهيةَ هذا الأمر ولا حكمتَه، إلا أنَّ الزمان أظهَرَ أن العزة العلمية التي تستلزمها خدمةٌ عظيمةٌ واسعةٌ كرسائل النور، قد غرسَها الحقُّ سبحانه بذرةً صغيرةً في روح المُلَّا سعيد، حتى أضْحَتِ اليوم شجرةً عظيمة. فغادر المدرسةَ بعد زمنٍ
— 34 —
يسيرٍ عائدًا إلى "نُوْرْس"؛ ولم تكن فيها وقتئذٍ أيَّةُ مدرسة، فانحصرت دروسه في يومٍ واحدٍ من الأسبوع كان أخوه الأكبر يأتي فيه إلى القرية لصلة أهلِه.
وبعد مدةٍ من الزمن ذهب إلى قرية "بيرميس"، ثم إلى مَصِيْف شيخِ "خِيْزان"؛ وكان من أَنَفَتِه أنِ اختلف ذات يومٍ مع أربعةٍ من الطلاب هناك ولم ينسجم معهم، فكان هؤلاء يأتونه مجتمعين ويشاكسونه باستمرار، إلى أن ذهب ذات يومٍ إلى الشيخ "سيِّد نور محمد" وقال له من غير إظهار عجزٍ أو بثِّ شكوى: سيدي الشيخ.. قل لهؤلاء إذا أرادوا مشاجرتي أن يأتوني مثنى مثنى، لا أربعةً معًا؛ فأُعجب الشيخ من فُتُوَّة سعيدٍ الصغير، وقال له: أنت تلميذي، وليس لأحدٍ بعد اليوم أن يتعرَّض لك أو يَمَسَّك بسوء؛ وصار يُعرَف بعد ذلك بی"تلميذ الشيخ".
بقي المُلَّا سعيد هناك حينًا من الزمن، ثم ذهب بصحبة أخيه "المُلَّا عبد اللّٰه" إلى قرية "نُوْرْشِين"، وكان الفصل صيفًا، فتوجَّها مع الأهالي والطلبة إلى مَصِيْف "شَيخان"، وحصلَ أنْ تجادل مرةً هناك مع أخيه "المُلَّا عبد اللّٰه"، فتدخَّل "محمد أمين أفندي" المدرِّسُ في مدرسة "تاغ" قائلًا له: لِمَ تخالف أمر أخيك؟!
وكانت المدرسة للشيخ المشهور "عبد الرحمن"، فأجاب المُلَّا سعيد المدرِّسَ "محمد أمين أفندي": سيدي، بالنظر إلى وجودنا في هذه المدرسة فأنت أيضًا طالبٌ مثلي، وفي هذه الحال لا حقَّ لك في تقلُّد مقام الأستاذية.
ثم غادر من فوره المدرسةَ إلى "نُوْرْشِين" واجتاز في الليل غابةً كبيرة يصعب على الأشداء اجتيازُها حتى في النهار.
وكان من النظام المعمول به عند إنشاء المدارس في شرقيِّ الأناضول أن يَفتَتِح عالِمٌ مُجازٌ مدرسةً في قريةٍ يختارها هو، فيُدرِّسَ بها مجانًا حِسبةً لوجه اللّٰه تعالى، ويَسُدَّ حاجات الطلاب الدراسية إن كان مقتدرًا، وإلا تكفَّل الأهالي بها كما يتكفَّلون بسائر لوازم الطلبة وأمور معيشتهم؛ وكان المُلَّا سعيد الوحيدَ من بين هؤلاء لا يأخذ زكاةً بأيَّةٍ صورةٍ كانت، ولا يقبل الدخول تحت مِنَّةِ أحدٍ على الإطلاق.
(حاشية): ذُكِرَ في "المكتوب الثاني" وغيرِه من رسائل النور سببُ عدمِ أخْذِه شيئًا من الزكاة أو الصدقة أو أيِّ شيءٍ بدون مقابل؛ نعم، فلقد غَرَست الرحمة الإلٰهية في روح المُلَّا سعيد منذ صغره فهرسًا إجماليًّا للدستور القدسي: "عدمُ طلبِ أيِّ شيءٍ مقابلَ الخدمة الأخرويَّة"، لكي يؤدي الخدمةَ الإيمانيةَ مستقبلًا برسائل النور بكمال الإخلاص، فتتحققَ على وجهها الأتم.
— 35 —
وبعد أن مكث مدةً بی"نُوْرْشِين" عاد إلى "خِيْزان"، ثم لزِم أباه تاركًا حياة المدرسة، وأقام معه حتى حلَّ فصل الربيع؛ وفي تلك الآونة رأى رؤيا أن القيامة قد قامت، وأن الخلائق قد بُعِثَتْ، وأنه في تلك الأثناء يفكر كيف يمكنه أن يلقى النبيَّ (ص)؟ إلى أن خطر له أن يذهب إلى الصراط فيقف بأوَّله، وقال لنفسه: سَيَمُرُّ الكلُّ من هناك، وهناك سأنتظر، فذهب وتشرَّف برؤية الأنبياء الكرام واحدًا تلو الآخر، إلى أن حظي بلقاء نبينا الكريم صلوات اللّٰه وسلامه عليه، ثم أفاق.
لقد أيقظ المددُ الذي ناله من هذه الرؤيا حماسًا عظيمًا في نفسه لتحصيل العلم، (حاشية): لقد أدركنا فيما بعدُ حقيقةً كان المُلَّا سعيد مَظهَرًا لها في تلك الرؤيا ولم تُدوَّن في سيرته، وهي أنه طلب من النبي (ص) العلمَ، فبشَّره (ص) بأنه سيُعَلَّم علمَ القرآن شريطةَ ألا يسأل أحدًا من أمته سؤالًا؛ وقد تجلَّت هذه الحقيقة بعينها في حياته، إذْ عُرِف منذ أوَّل شبابه بی"بديع الزمان"، وكان يجيب عن جميع ما يُسأل دون أن يُضطر لسؤال أحدٍ أو الاستعانة به. فاستأذن أباه وذهب إلى ناحية "أرْواس" طلبًا للعلم، ولكن المدرِّس المشهور هناك المُلَّا "محمد أمين أفندي" ترفَّع عن تدريسه، وكلَّف أحدَ طلابه بالأمر، فعزَّ ذلك على المُلَّا سعيد.
وبينما كان هذا المدرِّس المشهور يلقي درسًا في المسجد ذات يوم، إذْ خاطبه المُلَّا سعيد معترضًا على بعض ما جاء في درسه، فقال: ليس الأمر كما ذكرت يا سيدي؛ ثم ذكَّره بأنه ترفَّعَ عن تدريسه.
وبعد أن أقام هناك مدةً من الزمن ذهب إلى مدرسة "مِيْر حسن ولي"، فوجدها مدرسةً لا تولي أهميَّةً للطلاب المبتدئين الجدد، فقرر أن يَدرس بدءًا من الكتاب الثامن المقرَّر فيها، تاركًا الكتبَ السبعةَ الواجبَ دراستُها قبلَه.
وبعد أيامٍ ذهب إلى قصبة "وَسْطان" للاستجمام، فلم تَكَدْ تبلغ إقامته بها شهرًا حتى توجَّه بصحبةِ شخصٍ يُدعى "المُلَّا محمد" إلى مدينة "بايزيد" التابعة لولاية
— 36 —
"أرضروم"؛ وهنا بدأ تاريخُ تحصيله الحقيقي، إذْ كان مشتغلًا حتى ذلك الحين بمبادئ النحو والصرف، وقد بلغ متن "الإظهار"؛ فعكف على تحصيلٍ فعليٍّ جادٍّ مدةَ ثلاثة أشهرٍ عند الشيخ "محمد الجلالي" في "بايزيد"، وكان أمره غريبًا حقًا، فقد أتمَّ جميعَ الكتب المقرَّرة للتدريس في شرقيِّ الأناضول بنجاح، بدءًا من "المُلَّا جامي" حتى نهاية الكتب المقررة، وكان يتعلَّم من كل كتابٍ درسًا أو درسين أو عشرةَ دروسٍ كحدٍّ أقصى، ويترك ما تبقى منها؛ ولمَّا سأله أستاذه الشيخ "محمد الجلالي" عن سبب فعله ذلك أجابه بقوله: ليس بمقدوري أن أقرأ كلَّ هذا الكمِّ من الكتب فأستوعبَها جميعًا، إنها أشبه بخزينةِ مجوهراتٍ مفتاحُها لديكم، وأنا أرجو منكم أن تبينوا لي ما بداخل هذه الخزائن؛ أيْ أن أعلَم فيمَ تبحث هذه الكتب، حتى أدرس منها ما يوافق طبعي.
وكان غرضه من جوابه هذا إظهارَ فكر الإبداع والتجديد الموجود في نفسه فطرةً، وإدخالَه في أصول المدارس المنتشرة في ذلك الحين، (حاشية): لقد ظهر تجديدُه في ميدان علم الكلام من خلال مؤلَّفاته المسمَّاة "رسائل النور" المكوَّنة من مئةٍ وثلاثين كتابًا، والتي أتمَّ تأليفَها في ثلاثٍ وعشرين سنة.
أجل، إن تحصيلَه في ثلاثةِ أشهرٍ علومًا يستلزم تحصيلها خمسَ عشرة سنةً، إنما هو إشارةٌ غيبيةٌ إلى أنه سيأتي زمانٌ لن توجد فيه مدارسُ تُدرِّس علمَ الإيمان ولو سنةً واحدةً، ناهيك عن خمسَ عشرة سنة؛ وأنه سيظهَر في ذلك الزمان تفسيرٌ للقرآن بمقدوره أن يُقدِّم للراغبين في خمسةَ عشر أسبوعًا الدروسَ التي تُقدَّم في خمسَ عشرة سنة، وأن المُلَّا سعيدًا سيكون في خدمة ذلك التفسير.
ولقد ظهر هذا التفسير وبرز للعيان؛ فعلى الرغم من هجماتِ منظمات الإفساد والإلحاد السريَّة خلال زمنٍ رهيبٍ دام ثلاثين سنة، نشرتْ رسائلُ النور دروسَ حقائقِ الإيمان بمئاتِ آلافِ النُّسَخ في كلِّ جهة، وأصبحت وسيلةَ تقويةِ إيمان ملايين الناس، وانتشرت دروس القرآن الجديدةُ هذه بأقلام آلاف الكُتَّاب من غير حاجةٍ إلى المطابع، ولفتتْ نشاطاتُها في الأناضول وخدمتُها للإيمان ودروسُها العقليَّة الرفيعة أنظارَ الجميع، حتى لقد أقرأ اللّٰه سبحانه هذه الأنوارَ أهلَ السياسة والحكومةَ عن طريق المحاكم والتدقيقات، وانتشرتْ بين جيل الشباب المثقف، فكثُر فدائيو الإيمان والإسلام، وصُدَّ هجومُ الضلالة والكفر المطلَق وانكفأ، وشرعت تظهر في كل ناحيةٍ من أرض الوطن تياراتٌ توالي الدين، فأظهرت الفجر الصادقَ لسعادة الإسلام الذي سيُشرق في العالَم الإسلامي والإنساني، والحمد للّٰه رب العالمين. وعدمَ إضاعةِ
— 37 —
الوقت في الكثير من الشروح والحواشي؛ كما أنه بهذه الصورة استطاع أن يُتِمَّ من العلوم والفنون ويحصِّل من زبدتها وخلاصتها في ثلاثة أشهرٍ ما يستلزم تحصيلُه وفق الأصول المتَّبعة عشرين سنةً.
فسأله أستاذه: أيُّ العلوم يوافق طبعَك؟
فأجابه: لا يمكنني التفريقُ بين هذه العلوم، فإمَّا أن أعلمَها جميعًا، وإما ألا أعلم منها شيئًا.
كان المُلَّا سعيدٌ يقرأ أيَّ كتابٍ يقع في يده فيفهمه، وكان نِصابُه اليوميُّ من المطالعة مع الفهم والاستيعاب بنفسه مئتي صفحةٍ في كتبٍ كی"جمع الجوامع"، و"شرح المواقف"، و"تحفة المنهاج"؛ وقد استغرق في طلب العلم، وانقطع إليه لدرجةِ أنه لم تعد له صلةٌ بالحياة العامة، وكان يجيب من فوره وبغير ترددٍ على كلِّ سؤالٍ يُطرَح عليه من أيِّ علمٍ كان.
٭ ٭ ٭