— 37 —
لمحةٌ موجزة عن حياته في تلك المرحلة
أولًا: سلك مسلك الحكماء الإشراقيين، فشرع في الزهد والرياضات أملًا في بلوغ حالتهم، إذْ كانوا يَرَون أن الرياضات تورِث الفكرَ صفاءً وإشراقًا، غير أنهم كانوا يعوِّدون أجسامهم عليها وفق قانون التدريج، أما المُلَّا سعيد فقد جَدَّ فيها بغير مقدِّماتٍ أو مراعاةٍ للتدريج، فكان يقتات بقطعة الخبز الواحدة ثلاثةَ أيام، لكنَّ جسمَه لم يتحمل ذلك، فاعتراه الضَّعف والنُّحول.
ثانيًا: أخذَ بقاعدة دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك التي عليها مدار التصوُّف كما ذكر الإمام الغزالي في "الإحياء"، فتورَّع عن سائر المطعومات حتى الخبز، وراح يقتات على الحشائش حينًا من الزمن.
— 38 —
ثالثًا: لزِمَ الصمت، فكان لا يتكلم إلا نادرًا، وكان يختلي عند ضريح "المُلَّا أحمد الخاني" أحدِ أدباء الأكراد الألمعيين، وربما مكث هناك ليلًا، مع أن الدخول إلى ذلك الموضع ولو نهارًا كان مبعثَ رهبةٍ وخوف، فحمَلَ الناسُ أمره على أنه كرامةٌ للشيخ وقالوا: لقد غدا مَظهرَ فيوضاتِ "المُلَّا أحمد الخاني".
كان هذا وهو بين سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة؛ ثم عزم على لقاء كبار العلماء، فاستأذن شيخَه للرحلة إلى بغداد؛ وبينما كان في طريقه إليها مرتديًا زيَّ الدراويش، مجتازًا في الليل طريقًا غير مألوفةٍ بين جبالٍ وعرةٍ، وغاباتٍ كثيفة إذْ بلغ "بِتْليس"، فزار الشيخ "محمد أمين أفندي" وحضر دروسَه مدةَ يومين، فطلب منه الشيخ أن يطرح زيَّ الدراويش ويرتدي زيَّ العلماء، فلم يُجبْه إلى طلبه، وقال له: أنا لم أبلغ الحُلُم بعدُ، فلا يليق بي أن أرتديَ زِيَّ عالِمٍ محترَم؛ وكيف لي أن أكون عالمًا وأنا ما زلتُ صبيًّا؟!
ثم توجَّه إلى "شِيْرْوان" حيث يقيم أخوه الأكبر "المُلَّا عبد اللّٰه"، وكان من الحوار الذي جرى بينهما في أول لقائهما أن سأله أخوه: لقد أنهيتُ من بعدك كتابَ "شرح الشمسية"، فماذا تدرس أنت؟
- بديع الزمان: لقد درستُ ثمانين كتابًا.
- المُلَّا عبد اللّٰه: ماذا تقصد؟!
- المُلَّا سعيد: أتممتُ دراسةَ الكتب المقررة كلِّها، ودرستُ كتبًا كثيرةً سواها.
- المُلَّا عبد اللّٰه: سأمتحنك إذًا!!
- المُلَّا سعيد: أنا مستعد، سَلْ ما شئت.
فامتحنه، فوجد من كفاءته العلمية ما دفعه لأن يتخذه أستاذًا مع أنه هو نفسَه - أي المُلَّا سعيد - كان تلميذَه قبل ثمانية أشهر، وراح يقرأ عليه الدروس بعيدًا عن أعين الطلاب، وظل على هذه الحال لا يُشعِر بها أحدًا إلى أن شاهده الطلابُ ذات مرةٍ خِلسةً جالسًا يقرأ على أخيه الأصغر، فسألوه عن ذلك متعجِّبين، فموَّهَ عليهم مخافةَ أن تصيبَ أخاه العينُ، وقال لهم: إنني أدرِّسُه.
— 39 —
وبعد أن أقام مدةً عند أخيه "المُلَّاعبد اللّٰه" ذهب إلى "سِيْرْت" حيث مدرسة "المُلَّا فتح اللّٰه أفندي" الذي سأله: كنتَ في العام الماضي تَدرُس كتابَ "السيوطي"، فهل تَدرُس في هذا العام كتابَ "المُلَّا جامي"؟ فأجابه: نعم، لقد أنهيتُ كتاب المُلَّا جامي.
فما سأله "المُلَّا فتح اللّٰه" عن كتابٍ إلا قال له: لقد أنهيتُه؛ فاعترتْه الحيرة والدهشة من إنهائه كلَّ هذا العدد من الكتب في زمنٍ يسير، ولم يستوعب الأمرَ، فقال له: لقد كنتَ مجنونًا في السنة الماضية، فهل ما زلتَ على جنونك؟!
فأجابه المُلَّا سعيد: قد يكتم المرء حقيقةً عن الآخرين كسرًا للنفس، لكنه لا يملك إلا أن يقول الحقيقة الخالصة بين يدي أستاذه الأرفعِ قدرًا من أبيه، فإن شئتَ امتحنِّي في تلك الكتب.
فما سأله "المُلَّا فتح اللّٰه" منها سؤالًا إلا أحسنَ الإجابةَ عنه، حتى إن الشيخ المعروف بی"المُلَّا علي صوران" الذي كان أستاذَ أحدِ شيوخِ المُلَّا سعيد قبل سنة، شَرَع بقراءة الدروس عليه بعدما شهِد هذه المحاورة.
فقال له "المُلَّا فتح اللّٰه": إن ذكاءَك لَخارق، فكيف حفظُك؟ وناولَه كتاب "مقامات الحريري" قائلًا: هل تستطيع حفظ بضعة أسطرٍ منه بمجرد قراءتها مرتين؟
فأخذ المُلَّا سعيد الكتاب وقرأ منه صفحةً مرةً واحدةً، فحَفِظها ثم سرَدَها بطلاقة؛ فقال "المُلَّا فتح اللّٰه" مندهشًا: إنه يَنْدُر أن يجتمع في شخصٍ واحدٍ فرطُ الذكاء وقوةُ الحِفظ معًا بهذه الدرجة!!
وهناك عكف على كتاب "جمع الجوامع" يشتغل به ساعتين كلَّ يوم، فأتمَّ حفظه في أسبوع، فقال فيه "المُلَّا فتح اللّٰه" قولتَه: قد جَمَع في حِفْظِه جَمْعَ الجوامع جميعَه في جُمُعة، وكتبها على طُرّة الكتاب.
وشاع خبرُه في "سِيْرْت"، وأثنى عليه "المُلَّا فتح اللّٰه" ثناءً جمًّا أمام العلماء قائلًا: لقد قدِمَ مدرستَنا فتًى يافعٌ أثار إعجابي بذكائه وعلمه وفضله في هذه السن، ما سألتُه سؤالًا إلا أجاب عنه بغير إبطاء؛ فدعاه العلماء إلى لقاءٍ اجتمعوا فيه جميعًا،
— 40 —
وطرحوا عليه أسئلتَهم، فأجاب عنها بلا تردد، وكان أثناء إجابته ينظر إلى وجه "المُلَّا فتح اللّٰه" ويسرُد الإجابة كأنما يقرأ في كتاب؛ فأقرَّوا بفضله وأثنوا عليه، ووصفوه بأنه فتًى خارقٌ للعادة.
وشاع أمره في النواحي، وتسامعَ به الناس، فوقَّروه ونظروا إليه نظرتَهم إلى وليٍّ من أولياء اللّٰه، غير أن هذا أثار غَيرةَ مَن هم دونَه من العلماء وطلبة العلم، حتى إن بعض أولئك الطلبة من الشباب الأغرار لما عجزوا عن مغالبته بالعلم لجؤوا إلى إسكاته بالقوة، وهمُّوا أن يَبطِشوا به؛ فما إن علِم أهالي "سِيْرْت" بالأمر حتى هبُّوا لنجدته لعظيم منزلته عندهم، وحالوا بينه وبين خصومه، وجعلوه في دار؛ إلا أنه لغيرته الشديدة على مسلك العلم، وحرصِه على أهل العلم وطلبته من أن يكونوا غرضًا للجهلة، ولئلا يتدخَّل الجهال في شؤونهم، خرج من الدار وتوجَّه إلى الطلبة الذين همُّوا بإيذائه مخاطرًا بنفسِه وقال لهم: اقتلوني.. لكن حافِظوا على شرف العلم ومكانته.
وحوَّل وجهه عنهم، وأمكنهم من نفسه، فلم يهاجمه أحدٌ منهم، وزال الخِلاف.
وكان مدير المنطقة قد أرسل إليه عناصر من الجنود يبلِّغونه عزمَه على نفي أولئك الطلبة، ويطلبون منه الذهاب معهم إلى مدير المنطقة ليكون في حمايته، فردَّ طلبهم، وقال لهم: نحن طلابَ العلم نتخاصم فيما بيننا ونتراضى، وليس لمن كان خارجَ مسلكِنا أن يتدخَّل بيننا، على أن الخطأ إنما كان مني أنا.
كان هذا وهو في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، لكنه كان رشيق البدن قويَّ البنية، وكان يُعرَف في ذلك الحين بی"سعيد المشهور"، فقد أعلن في "سِيْرْت" عن استعداده لمواجهة مَن شاء أن يناظرَه من أقرانه، وللإجابة على أيِّ سؤالٍ يُطرَح عليه من غير أن يُراجع أحدًا.
وحصل أن ذهبَ إلى "بِتْليس" ثانيةً، فبلَغَه فيها وجودُ خلافٍ بين شيخَيْن لكلٍّ منهما مدرستُه وطلابُه، فسعى لقطع دابر هذا الخلاف، وذكَّر القومَ بأنْ ليس من الإسلام تناقُل الكلام المفضي إلى عواقب سيئة لا سيما الغيبة، فشكَوه إلى الشيخ "أمين أفندي"، فقال فيه: إنه ما زال صبيًّا ليس أهلًا للخطاب.
— 41 —
وبلغ هذا الكلامُ المُلَّا سعيدًا، وهو الذي ما كان يحتمل بفطرته شيئًا من هذا الكلام، فذهب إلى الشيخ وقبَّل يده، وقال له: امتحنِّي يا سيدي، أريد أن أُثبِت أنني أهلٌ للخطاب.
فأعدَّ الشيخ له ستة عشر سؤالًا استخرجها من أعوصِ المسائل في علومٍ مختلفة، فأجاب عنها جميعًا، ثم ذهب على إثر ذلك إلى جامع قريش وأخذ يعِظ الناس وينصحهم، فانقسم أهالي "بِتْليس" بين مؤيِّدٍ "للمُلَّا سعيد" ومؤيِّدٍ للشيخ "أمين أفندي"، وخشي الوالي من نشوب فتنةٍ في المدينة، فأمر بنفي المُلَّا سعيد منها، فغادرَها إلى "شِيْرْوان".
ولا عجب أن يواجه شخصٌ على هذا القدر من التفرُّد كثيرًا من المناوئين، خصوصًا من بعضِ علماء الظاهر الذين غُلِبوا في مجاراته علميًّا، فراحوا يتجسَّسون على أحواله الخاصة، ويسعَون بكلِّ ما أوتوا من قوَّةٍ للحطِّ من شأنه بين الناس؛ وقدَّر اللّٰه أن تفوتَه صلاة الفجر ذات يومٍ لسببٍ ما، فما إن علِم خصومه بالأمر حتى أشاعوا بين الأهالي بأن المُلَّا سعيدًا قد ترك الصلاة!!
فسُئِل: لماذا يتحدث الجميع عن هذا الأمر؟ فقال: أجل، لا ينتشرُ بين الناس أمرٌ بهذه السرعة لو لم يكن له أصل؛ لقد وقع مني خطأٌ، فنزلتْ بي عقوبتان: إحداهما عتابُ اللّٰه تعالى، والأخرى كلامُ الناس فيَّ؛ أما السبب الأساسي لهذا فهو تركي الوِرْدَ الشريف الذي اعتدتُ قراءتَه كلَّ ليلة؛ ولقد شعرتْ أرواحُ الناس بهذه الحقيقة، إلا أنها لم تُحِطْ بها تمامَ الإحاطة ولم تعرف اسمها، فسمَّتْها بغير اسمها خطأً.
وأثناء إقامته في "شِيْرْوان" جاءه رجلٌ من نواحي "سِيْرْت" وقال له: لقد قَدِمَ إلى "سِيْرْت" فتًى لا يتجاوز الخامسةَ عشرة، فألزَمَ جميعَ علمائها الحجةَ، وجئتُ أدعوك لتناظره فتُلزِمَه الحجة؛ فأجاب المُلَّا سعيد دعوةَ الرجل وتأهَّب للذهاب معه إلى "سِيْرْت"، ثم انطلقا، وبعد مسيرهما نحوَ ساعتين سأل المُلَّا سعيد الرجلَ عن أوصاف ذلك العالِم الصغير وزِيِّه، فأجابه: لا أعرف اسمه يا سيدي، إلا أنه كان يرتدي أولَ مجيئِه زِيَّ الدراويش، ويضع على كتفَيه كساءً من جلد الغنم، ثم لبس فيما بعد زيَّ طلاب العلم، وألزَمَ جميعَ العلماء في المناظرة؛ فلما سمع المُلَّا سعيد قولَ الرجل
— 42 —
علِم أنه يتحدث عنه، وأدرك أن حاله التي كان عليها قبل سنةٍ قد شاعت في القرى المجاورة، فعاد أدراجَه ولم يُجِب الدعوة.
وبعد حينٍ من الزمن ذهب إلى قصبة "تِلُّو" التابعة لی"سِيْرْت"، واختلى فيها تحت قبةِ ضريحٍ مشهور، ومن العجائب التي جرتْ له هناك أنه حفِظ عن ظهر قلبٍ شطرًا من "القاموس المحيط" من أوَّلِه حتى باب السين، فسُئِل عن هذا فقال: إن القاموس يُورِد معاني الألفاظ، وأرغب أن أضع معجمًا يورِد ألفاظ المعاني.
وكان أخوه الأصغر "محمد" يأتيه بالطعام طَوالَ خلوته هناك، فكان المُلَّا سعيد ينثر الحَبَّ الذي في طعامه للنمل، ويكتفي بغمس الخبز في المَرَق، فقيل له: لِمَ تعطي الحَبَّ للنمل؟ فقال: لقد شاهدتُ عندهم التزامًا بنظام الحياة الاجتماعية، واجتهادًا في العمل ودأبًا فيه على نحوٍ عجيب، فأردتُ أن أُعيْنَهم مكافأةً لهم على حبِّهم للنظام الجمهوري.
(حاشية): سُئِل في محكمةِ جناياتِ "أسكي شَهِر" في العام ١٩٣٥م: ما رأيك في النظام الجمهوري؟ فأجاب: إن سيرة حياتي التي بحوزتكم تُثبت أنني جمهوريٌّ متديِّنٌ مِن قَبْلِ أن تولدوا أنتم جميعًا باستثناء رئيس المحكمة؛ ثم سرد قصته مع النمل المذكورةَ آنفًا وقال لهم: لقد كان كلُّ واحدٍ من الخلفاء الراشدين خليفةً ورئيسَ جمهوريَّةٍ في الوقت نفسه، فالصِّدِّيق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان بلا شك بمثابة رئيسِ جمهوريةٍ فيها العشرة المبشرون بالجنة والصحابةُ الكرام رضي اللّٰه عنهم؛ إلا أنهم لم يكونوا رؤساء اسمًا بغير مسمًّى، أو شكلًا بغير مضمون، بل كانوا رؤساء جمهوريةٍ متديِّنين، يحملون معاني العدالةِ والحرية الشرعية بحقيقتها.
وذات ليلةٍ رأى في منامه الشيخَ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سِرُّه يخاطبه قائلًا: مُلَّا سعيد.. اذهب إلى "مصطفى باشا" رئيسِ عشيرة "مِيْران"، فادعُه إلى طريق الهداية، ومُرْه أن يُقلِع عن ظُلمه، وأوصِه بالمواظبة على الصلاة والأمرِ بالمعروف، فإن لم يستجب فاقتله.
فتجهَّز المُلَّا سعيد من فوره، وتوجَّه من "تِلُّو" صوبَ مضاربِ عشيرة "مِيْران"، حتى بلغ خيمة "مصطفى باشا"، فدخلَها فلم يجده، فجلس فيها يستريح قليلًا إلى أن جاء الرجل ودخل الخيمةَ، فقام جميعُ مَن فيها إلا سعيدًا، لم يبرحْ مكانه، فأثار ذلك
— 43 —
انتباه "مصطفى باشا" والتفت إلى "فتَّاح بك" أحدِ وجهاء العشيرة وسأله عنه، فأجابه بأنه المُلَّا سعيد المشهور، فانزعج "مصطفى باشا" إذْ لم يكن ينشرح للعلماء أصلًا، إلا أنه كتم انزعاجَه وسأله: ما مجيئُك إلى هنا؟
فأجابه المُلَّا سعيد: جئتُ أدعوك إلى طريق الهداية، فإما أن تُقلِع عن الظلم وتقيم الصلاة، وإلا قتلتُك.
فاندفع الباشا خارج الخيمة مُغْضَبًا، وتجوَّل حولَها قليلًا، ثم عاد فسأله ثانيةً: لِمَ أتيتَ؟
فأجاب المُلَّا سعيد: ألم أقل لك؟! جئتُ لأجل ما قلتُ.
فأشار "مصطفى باشا" إلى سيفِ المُلَّا سعيد المعلَّق بعمود الخيمة قائلًا: أبهذا السيفِ الكَلِيْل؟!
فقال له المُلَّا سعيد: اليد هي التي تَقطع لا السيف.
فخرج "مصطفى باشا" من الخيمة ثانيةً، وتجوَّل قليلًا، ثم عاد وقال له: إنَّ لي بالجزيرة جمعًا غفيرًا من العلماء، إن استطعتَ أن تناظرهم فتُلزِمَهم الحُجَّةَ أجبتُكَ إلى ما طلبتَ، وإلا ألقيتُك في نهر الفرات.
فقال له المُلَّا سعيد: كما أنه ليس من شأني إلزامُ جميع العلماء، فليس لك أن تلقيني في النهر، لكنني أطلب منك - إن أجبتُهم على أسئلتهم - بندقيةَ "ماوْزَر"، فإن أخلفتَ وعدك قتلتُك بها.
وبعد هذا السجال انطلقا على ظهور الخيل صوبَ الجزيرة، ولم يكلِّمه الباشا كلمةً طَوالَ الطريق، إلى أن نزلا مكان استراحة يدعى "باني خاني"، فاستلقى المُلَّا سعيد متعبًا فغلبه النوم، فلما أفاق وجد مِن حوله علماءَ الجزيرة جالسين، وكتبهم بأيديهم ينتظرونه باهتمام.
وبعد الترحيب والتعارف دارتْ بينهم كؤوس الشاي، وقعد العلماء ينظرون في الكتب مترقِّبين أسئلته في حالةٍ من الحيرة والارتباك لِما عرفوا من شهرته، حتى إنهم
— 44 —
نَسُوا شُربَ الشاي، بينما شرب هو كأسه ثم كأسَ واحدٍ أو اثنين منهم دون أن ينتبهوا للأمر، وعندها قال لهم الباشا: أنا لستُ متعلِّمًا، لكنني أعلم من الآن أنكم مغلوبون في مناظرته، فإنني أراكم منهمكين في التفكير والنظر في الكتب حتى نسيتم شرب الشاي، بينما شَرِب كأسَه وكؤوس بعضكم!
وبعد أن تحدَّث المُلَّا سعيد إلى العلماء حديثًا ودِّيًّا قال لهم: أيها السادة.. لقد عاهدتُ نفسي ألا أسأل أحدًا، فها أنا ذا منتظرٌ أسئلتَكم، فطرحوا عليه قرابة أربعين سؤالًا أجاب عليها جميعًا إجاباتٍ سديدةً إلا سؤالًا واحدًا لم يفطُنوا إلى خطئه في إجابته عنه، بل عدُّوها إجابةً صحيحة، ولكنه تنبَّه للأمر عند انفضاضِ المجلس، فبادرهم قائلًا: عذرًا، لقد أخطأتُ في الإجابة عن أحدِ أسئلتكم ولم تنتبهوا لذلك، ثم سرد الإجابة الصحيحة؛ فقالوا له: لقد ألزمتَنا الحجةَ حقًا.
وبعد هذه المناظرة بدأ بعضُهم بقراءة الدروس عليه، كما وفَّى "مصطفى باشا" بوعده فشرع بإقامة الصلاة، وأهداه بندقية "ماوْزَر".
وبالإضافة إلى ما كان عليه المُلَّا سعيد من استعدادٍ علميٍّ منقطع النظير، كان كذلك صحيح البدن قويَّ البُنْية، يحب المصارعة، وكان يصارع الطلبة في المدارس فلا يغلبُه أحد.
وقد ذهب يومًا مع "مصطفى باشا" إلى سباق الخيل، وكان الأخير قد أمر بأن يُجَهَّز للمُلَّا سعيدٍ فرسٌ صعبُ المِراس لم يُروَّضْ ولم يُركَبْ، ولعل القصد من ذلك - واللّٰه أعلم - أن يقع عن ظهره فيموت؛ قدَّم الباشا الفرسَ للمُلَّا سعيد فامتطاه وجالَ به قليلًا، فلما أراد أن يعدوَ به جَمَحَ، فصار كلما أراد أن يُجرِيَه في وجهةٍ عدا في غيرها، ولم تفلِح محاولاته في السيطرة عليه، إلى أنْ جرى إلى موضعٍ يلعب فيه الصبيان، فرفس صبيًّا بين كتفيه فوقع يتخبَّط بين قوائمه، وكان الصبي ابنًا لأحدِ أغَوَات الجزيرة، فأسرع الناس للنجدة، فلما وجدوا الطفل لا يبدي حراكًا كأنه ميت، همُّوا بقتل المُلَّا سعيد، واستلَّ خدمُ الآغا خناجرَهم، فوضع المُلَّا سعيدٌ يده على مسدَّسه وقال لهم: بالنظر إلى الحقيقة فإن اللّٰه هو مَن أماتَه، وبالنظر إلى الظاهر فالفرس هو مَن قتَله، أما
— 45 —
بالنظر إلى السبب فمصطفى الأقرع هو القاتل، لأنه هو مَن أعطاني هذا الفرَس؛ كُفُّوا أيديَكم ولننظر إلى الصبي، فإن كان ميتًا كان بيننا النِّزال.
ثم ترجَّل عن الفرس، وتناول الطفل بيديه فلم يجد به حراكًا، فغَطَسَه في ماءٍ باردٍ ثم أخرجه، ففتح الطفل عينيه وابتسم، وتعجَّب الناس مما شاهدوا.
بقي المُلَّا سعيدٌ في الجزيرة مدةً بعد هذه الحادثة العجيبة، ثم غادرها مع تلميذه "المُلَّا صالح" إلى منطقة "بيرو" حيث مَضاربُ قومٍ من العرب البدو، فأقام بها زمنًا، وبلَغَه هناك أن "مصطفى باشا" قد عاد لسيرته الأولى في الظلم، فذهب إليه ونصَحَه، وجرتْ بينهما ذات مرةٍ مناقشةٌ حادةٌ، ووجَّه إليه المُلَّا سعيد كلامًا شديدًا، وهدَّده قائلًا: لقد عدتَ إلى الظلم من جديد، وسأقتلك في سبيل الحق؛ فتدخَّل كاتب الباشا ليهدِّئ الموقف، لكن المُلَّا سعيدًا استمرَّ في تعنيفه له على ظلمه، فلم يتحمَّل الباشا هذه الإهانة، وهجم عليه يريد قتله، فحجزه وجهاء العشيرة، وفي نهاية الأمر تنحَّى نجلُ الباشا "عبدُ الكريم" بالمُلَّا سعيد جانبًا وقال له: إن أبي فاسدُ العقيدة.. أرجو منك أن تتكرَّم بالتحوُّل من هنا إلى مكانٍ آخر.
ولم يشأ المُلَّا سعيد أن يرد طلبَ "عبد الكريم"، فتوجه إلى بادية "بيرو" وحدَه، وفي الطريق واجه قطَّاعَ طرُقٍ من البدو مسلَّحين بالحِراب، فأطلق باتجاههم بضع طلقاتٍ من بندقيته الی"ماوْزَر" فلاذوا بالفرار؛ ثم تابع مسيرَه فاعترضته عصابةٌ أخرى أكثر عددًا من تلك، وتمكَّنتْ من محاصرته وهمَّتْ بقتله، إلا أن أحد أفرادها قال لهم: إنني أعرفه، إنه شخصٌ مشهور شاهدته مِن قَبْلُ في عشيرة "ميران"؛ فتراجعوا واعتذروا إليه، وعرضوا عليه مرافقتَه لحمايته من المخاطر، لكنه رفض طلبهم وتابع السير وحدَه إلى أن وصل بعد أيامٍ إلى "ماردين"، وهناك انتهض علماؤها لمناظرته، فوجدوا من مقدرتِه العلمية ما دفعهم لأنْ يتتلمذوا عليه مع أنه شابٌّ في عمر أبنائهم.
وفي تلك الآونة التقى باثنين من طلاب العلم قَدِما إلى "ماردين"، كان أحدهما من أتباع "جمال الدين الأفغاني"، وكان الآخر من مريدي الطريقة السنوسية، فاطَّلع منهما على مسلك كلٍّ من جمال الدين الأفغاني والطريقة السنوسية.
— 46 —
انخرط المُلَّا سعيد في وقتٍ مبكِّرٍ من شبابه بالحياة السياسية، وكانت بداية حياته السياسية في "ماردين"، حيث شرع في خدمة الأمة والوطن، وكان من تَبِعات ذلك أنْ نفاه متصرِّف المدينة المعروفُ بصرامته إلى "بِتْليس" مكبَّلًا بالقيود تحت رقابة عددٍ من الجنود، وبينما كانوا في الطريق حان وقت الصلاة، فطلب من الجنود أن يَحلُّوا القيود الحديدية ليؤديَ الصلاة فأبَوا، فحلَّها بنفسه كأنما يحُلُّ عُقدةَ منديل، وألقى بها بين أيديهم، فدُهِشوا مما رأوا وعدُّوها كرامةً، وقالوا له وهم في حالةٍ من التسليم والاستعطاف: لقد كنا إلى الآن حُرَّاسَك، لكننا مِنَ الآن خَدَمُك. (حاشية): سُئِل بديعُ الزمان يومًا: كيف حلَلْتَ القيود؟ فقال: وأنا كذلك لا أدري، لا بدَّ أنها كرامةُ الصلاة.
وحين كان في "بِتْليس" بلَغَه يومًا أن للوالي مجلسًا يشرب فيه الخمر مع بعض موظفيه، فقال غاضبًا: لا أقبل أن يَرتكِب هذا الفعلَ شخصٌ يمثِّل الحكومةَ في مدينةٍ متديِّنةٍ كی"بِتْليس"، وذهب من فوره إلى المجلس واستهلَّ كلامه بحديثٍ شريفٍ حول الخمر، ثم شرع يكلِّمهم كلامًا شديدَ اللّٰهجة، واضعًا يده على مسدَّسه لاحتمال أن يشير الوالي لمن حولَه بأن ينهالوا عليه ضربًا، إلا أن الوالي كان رجلًا على درجةٍ عاليةٍ من الحلم والنخوة، فلم يَنبِس ببنتِ شفة.
ولما غادر المُلَّا سعيدٌ المجلس، قال له مساعد الوالي مُستنكِرًا: ماذا فعلتَ؟! إن الكلام الذي قلتَه يستوجب إعدامك.
فردَّ سعيدٌ الشابُّ: لم يخطر ببالي الإعدام، ظننتُ الأمرَ لا يتعدى السجن أو النفي، لكن على أيَّةِ حال ما ضرَّ إنْ مِتُّ في سبيل دفعِ منكَر؟!.
وبعد عودته من المجلس بنحو ساعتين أرسل الوالي شرطيَّيْن في طلبه، فذهب معهما إليه، فلما دخل عليه استقبله باحترامٍ وتعظيم، وأراد أن يقبِّل يده، وقال مُرَحِّبًا: لكلِّ إنسانٍ أستاذُه، وأنت أستاذي.
٭ ٭ ٭
— 47 —
كانت فطرةُ سعيدٍ الشاب تأبى أن يُفرَضَ عليه قانونٌ ما، أو تُحَدَّ حركتُه بحدود، وكان يحب أن يكون حرًّا في تحركاته وأحواله، وكان يقول: "أنا لا أسمح لأيِّ قانونٍ مزاجيٍّ أن يحدَّ من حريتي واستقلاليتي".
ولهذا نجده قد أصرَّ أولَ ما قَدِم إلى إسطنبول على أن يبقى بعيدًا عن أيِّ قيد يقيِّده، وهذا ما نشاهده في مراحل حياته، وإن هذا العشقَ للحرية والاستقلالِ الكامنَ فيه هو الذي أثمر في الشطر الثاني من حياته صدَّه لهجومِ الضلالة والزندقة الرهيبِ القادم من أوروبا، وهو الذي أثمر أيضًا رفضَه وإباءَه الخضوعَ لمبادئ الاستبداد المطلَق الناشئةِ عن الفلسفة الطبيعية المخالِفةِ للقرآن الكريم، كما أثمر سعيَه ونضالَه لأجل المدنيَّة والحريَّة الإسلاميَّة التي هي الحريَّة الحقيقية المشروعة.
دخل المُلَّا سعيد في سن البلوغ وقارب السادسة عشرة حين كان في "بِتْليس"، ولم يكن يجد في تلك المرحلة ما يدعوه للقراءة المطوَّلة، إذْ كانتْ معلوماتُه حتى ذلك الحين من قبيل السُّنوحات، إلا أن هذه السُّنوحات كانت قد أخذتْ تتضاءل شيئًا فشيئًا من غيرِ أن يَعرِف سبب ذلك؛ أهو البلوغ؟ أم الاشتغال بالأمور السياسية؟ فأكبَّ من ذلك الحين على دراسة المتون من كلِّ العلوم، وحَفِظ في سنتَيْن أربعين متنًا من متون علوم الآلة (كالنحو والصرف والمنطق وغيرها)، والعلوم العالية (كالتفسير وعلم الكلام) فضلًا عن كتابَي "المَطالع" و"المَواقِف"، وكان يراجع جميع محفوظاته بشكلٍ دوريٍّ، فيقرأ منها جزءًا كلَّ يوم، ويُتِمَّ مراجعتَها كلَّ ثلاثة أشهر.
وكانت له حالتان متضادتان: إحداهما حين يكون ذهنُه في حالةِ صفاءٍ وانشراح، وفيها يفهَم أيَّ كتابٍ يقع في يده فلا يَعسُر عليه شيءٌ منه؛ والأخرى حين يكون ذهنُه في حالةِ انقباض، فلا يطيب له التحدُّث فضلًا عن المطالعة.
وشرع المُلَّا سعيد بحفظِ القرآن الكريم غيبًا فكان يحفظ منه في اليوم جزءًا أو جزءيْن، حتى حفظ قدرًا كبيرًا منه، لكن لم يتيسَّر له إتمامه لسانحتَيْن أُخطِرتا على قلبه: إحداهما أن قراءَة القرآن بسرعةٍ زائدةٍ أمرٌ ينافي مراعاة حرمته؛ والأخرى
— 48 —
أن معرفةَ حقائقه ألزَمُ من حفظه؛ ولهذا حَفِظ في عامين أربعين رسالةً من الرسائل التي تدور حول الحكمة والعلوم الإسلامية، لتكون فيما بعدُ مفتاحًا لحقائق القرآن، ولتَصُدَّ الشبهاتِ وتحفظَ منها.
وشرع بحفظِ كتاب "المِرْقاة" لكن بغير شرحٍ ولاحاشية، ثم قابلَ بين فَهمِه وبين ما جاء في شرح الكتاب وحاشيته، فوجدهما متوافقَين في جميع المسائل، عدا ثلاث كلماتٍ لقي توجيهُه لها استحسانَ العلماء.
وذات يومٍ أخبره شخصٌ كذِبًا أن الشيخ "محمدًا الكُفْرَوِيَّ" أحدَ علماء "بِتْليس" يدعو عليه بسوء، فذهب إليه زائرًا، فاستقبله الشيخ بحفاوة، وحضر المُلَّا سعيدٌ درسَه تبرُّكًا، وكان هذا آخرَ درسٍ تلقَّاه من الشيوخ في حياته.
وفي إحدى الليالي رأى في المنام الشيخَ "محمدًا الكُفْرَوِيَّ" يقول له: مُلَّا سعيد.. تعالَ زُرْني فإنني راحل؛ فلبَّى المُلَّا سعيدٌ طلبَ الشيخ من فوره وهو في المنام، وذهب لزيارته فوجده يطير، فانتبه من نومه ونظر إلى الساعة فوجدها السابعةَ ليلًا، فعاد إلى النوم ثانيةً، وما إن طلع الصباح حتى سمع صوتَ المأتم يتعالى من بيت الشيخ، فذهب إلى هناك فأُخبِر أن الشيخ قد توفي الساعةَ السابعةَ ليلًا، فرجع حزينًا يردِّد: إنا للّٰه وإنا إليه راجعون؛ رحمةُ اللّٰه عليه؛ آمين.
٭ ٭ ٭
كان المُلَّا سعيدٌ يُكِنُّ محبَّةً جَمَّةً لكبار العلماء والشيوخ في شرقيِّ الأناضول، كالشيخ "سيِّد نور محمد" والشيخ "عبد الرحمن التاغي" والشيخ "فهيم" والشيخ "محمد الكُفْرَوِيِّ" لِما نَهَل على أيديهم من دروس العلم والعرفان، كما كان يولي مزيدَ محبَّةٍ للشيخ "أمين أفندي" و"المُلَّا فتح اللّٰه" والشيخ "فتح اللّٰه أفندي".
ذهب المُلَّا سعيدٌ إلى "وان" تلبيةً لدعوة "حسن باشا" إذْ لم يكن فيها أحدٌ من العلماء المشهورين، فأقام بها خمسَ عشرة سنةً قضاها في الدراسة والتحصيل، وفي
— 49 —
التنقُّل بين العشائر تعليمًا وإرشادًا؛ وكانت له علاقةٌ وطيدةٌ مع الوالي وموظَّفيه طَوالَ تلك المدة.
وفي "وان" تشكَّلتْ لديه القناعة بأن علم الكلام بطرازه القديم لا يكفي وحدَه في هذا العصر للردِّ على الشكوك والشُبهات المُثارة حول الإسلام، وأنه لا بدَّ من تحصيل العلوم الحديثة، (حاشية): إنَّ العلوم التي اطَّلع عليها بديع الزمان في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من شبابه قد هيَّأت له الأرضية اللازمة للخدمة القرآنية والإسلامية الجليلة التي سيقوم بها في المستقبل، ولقد وفَّقه اللّٰه تعالى بعد نحو أربعين سنةً من إظهاره هذه القناعة لتأليف كلياتِ رسائل النور التي حقَّقتْ تجديدًا في علم الكلام. فراح يَجِدُّ في طلبها حتى حصَّل في مدّةٍ قصيرةٍ أُسسَ علومٍ شتى كالتاريخ والجغرافيا والرياضيات والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء والفَلَك والفلسفة وغير ذلك من العلوم، واستوعبها حقَّ الاستيعاب بمطالعته الشخصية من غير تلقٍّ على يد أستاذ.
فمن ذلك أنه شارك في مناظرةٍ في الجغرافيا مع أحد معلِّميها، فاقتنى كتابًا في الجغرافيا ووعاه في غضون أربعٍ وعشرين ساعة، ثم ناظرَ المعلِّمَ في اليوم التالي بمقرِّ الوالي "طاهر باشا" فألزمه الحجة؛ وعلى نفس المنوال تَوَفَّر على مباحث الكيمياء اللاعضوية مدة خمسةِ أيام، ثم دخل في مناظرةٍ مع أحد أساتذة الكيمياء فألزمه الحجة؛ وعلى إثر هذا أَطلق عليه أهل العلم لقبَ «بديع الزمان» لِیما شاهدوا من عجيب أمره وغزير علمه وهو ما يزال بعدُ في مُقتَبَل الشباب.
وخلال مدَّة إقامته في "وان" اتَّبع بديعُ الزمان منهجًا خاصًّا في التعليم، جمَعَ فيه بين مقررات التدريس الدينيِّ والعلميِّ التي خَبَرَها، وبين الأفكار والمطالعات التي حصَّلها حتى ذلك الحين، مع أخْذِهِ بعين الاعتبار حاجاتِ العصر الضرورية؛ وهو منهجٌ يثقِّف الطلبةَ تثقيفًا عاليًا، إذْ يُقرِّر الحقائقَ الدينية ويوضِّحها بأحدث أسلوبٍ يناسب أفهام العصر.
— 50 —
وطَوالَ مدة وجوده في "وان" كان المُلَّا سعيد يتحلى بصفاتٍ ومزايا تخالف المعهودَ من حال العلماء في تلك الأماكن: (حاشية): وقد دام على هذه الحال طَوالَ الثمانين سنةً من حياته.
فمن ذلك أنه لم يأخذ من أحدٍ مالًا على سبيل الهديَّة، بل لم يقبلْ حتى الراتب؛ أجل، فعلى الرغم من أنه عاش حياتَه لا يملك شيئًا من متاع الدنيا، وقضى عمره فقيرًا وحيدًا تحت وطأة مصائب شديدةٍ من سَجنٍ ونفيٍ متواصل، إلا أنه لم يَحْدُثْ أنْ أخذَ من أحدٍ مالًا أو هديَّةً دون مقابل، وهذا أمرٌ ثابتٌ بالمشاهدة.
ومن ذلك أنه لم يسألْ عالِمًا سؤالًا قط، بينما أجاب هو عن جميع ما سُئِل طَوالَ عشرين عامًا، وكان يقول بهذا الخصوص: أنا لا أُنكِر عِلْمَ العلماء، ولهذا فإن سؤالي إياهم فضول؛ لكنْ من كان في شكٍّ من علمي فليسألْني أُجبْه.
ومن ذلك أنه كان يمنع طلبتَه من أخذِ الزكوات والهدايا تمامًا كما كان يمنع نفسَه منها، وكان يحضُّهم على العمل ابتغاء رضوان اللّٰه تعالى وحدَه، حتى كان في كثيرٍ من الأحيان يتدبَّر أمورَ معايشهم بنفسه.
ومن ذلك تجرُّدُه الدائم وعدمُ تعلُّقِه بشيءٍ من علائق الدنيا، وفي ذلك يقول: ينبغي أن يكون جميعُ ما أملِكُه من الدنيا متاعًا يمكنني اصطحابه بِيَدِي متى شئتُ؛ وقد سُئِلَ مرَّةً عن سبب ذلك فقال: سيأتي زمانٌ يغبطني فيه الناس على حالي، على أن المال والثروة لا يحقِّقان لي أيَّةَ متعة، ولستُ أرى الدنيا إلا دارَ ضيافة.
وخلال إقامته في "وان"، كان لدى الوالي "طاهر باشا" كتبٌ أوروبية، وكان يطالع فيها فيُعِدُّ منها أسئلةً ويطرحُها على المُلَّا سعيد، فيجيب عنها من غير تردُّد، رغم أنه لم يسبق له الاطلاع على تلك الكتب، ولم يشرع في التحدُّث بالتركية إلا منذ وقتٍ قريب، وذات يومٍ شاهد تلك الكتب، وعرَف أن الوالي يُحضِّر أسئلتَه منها، فتَوَفَّر عليها واستوعب مضامينها في زمنٍ يسير.
— 51 —
وكانت أعظم غاياته وأقصى أمنياته في ذلك الحين أن يُنشئ في "وان" و"بِتْليس" جامعةً باسم "المدرسة الزهراء" تكون على غِرار "الجامع الأزهر" بمصر، وكان يسعى لإخراج هذا المشروع من حيز الفكرة إلى أرض الواقع.
وقد اعتاد قضاء أوقات الصيف بی"وان" في مصايفَ تُدعى "باشيد" و"بيت الشباب"، وذات مرةٍ حكى لی"طاهر باشا" عن وجود الثلج على قمم الجبال في تلك الأماكن، فعارضَه قائلًا: لا وجود للثلج مطلقًا هناك في شهر تموز؛ وبينما كان المُلَّا سعيدٌ في تلك المصايف بعد حينٍ من الزمن، تذكَّر مسألته مع "طاهر باشا"، فكتب إليه أول رسالةٍ بالتركية قائلًا: أيها الباشا.. إن الثلج يكسو قمة "باشيد"، فلا تنكِرْ شيئًا لم تَرَه، إذْ لا ينحصر كلُّ شيءٍ في معلوماتك؛ والسلام.
وكان المُلَّا سعيدٌ متى سمع بنزاعٍ بين العشائر بادر من فوره فتدخَّل بينهم بالنُّصْحِ والإرشاد حتى يُصلِح بين الأطراف المتنازعة، حتى إنه صالَحَ بين "شَكَر آغا" و"مصطفى باشا" رئيسِ عشيرة "ميران" اللَّذَيْن عجَزَت الحكومة عن الإصلاح بينهما، وقال لی"مصطفى باشا": ألَمْ تَتُبْ بعد؟!
فقال له "مصطفى باشا": سَيْدا.. أنا طَوعُ أمرِك لا أخالفك؛ وأراد أن يقدِّم له فرسًا ومبلغًا من المال، فردَّها قائلًا: ألمْ يبلُغْك أني لا آخذ مالًا من أحد؟! فكيف آخذ المال من ظالمٍ مثلِك؟! وما أراك إلا قد أفسدتَ توبتَك، فلن تصِل إلى الجزيرة.
وبالفعل، فقد مات الرجل في الطريق قبل أن يصل إلى الجزيرة.
كان بديع الزمان أعجوبةً في الرياضيات، يَحُلُّ مسائلَها العويصةَ بسرعةِ بديهةٍ، حتى لقد ألَّف رسالةً في علم الجبر والمقابلة، وكان يَحضُر المناقشات الرياضية التي كانت تجري بحضرة الوالي "طاهر باشا"، فيَحُلُّ المسألةَ المطروحة ذهنيًّا قبل أن يتوصَّل الآخرون إلى حلِّها على الورق، وكثيرًا ما اشترك في مثل هذه المسابقات فكان هو الأولَ فيها على الدوام.
وفي إحدى تلك المسابقات طُرِحَتْ مسألةٌ على النحو التالي:
— 52 —
لو فرضنا وجود خمسةَ عشر مسلمًا، وخمسةَ عشر غيرَ مسلم، وقد اصطفوا جميعًا في صفٍّ واحد بحيث يكون خلفَ كلِّ مسلمٍ غيرُ مسلمٍ، وطُلِبَ إجراءُ قرعةٍ بحيث تقع على غير المسلم في كل مرة، فكيف يمكن إجراء التقسيم؟
فأجاب: يوجد لهذا مئةٌ وأربعةٌ وعشرون احتمالًا، وبيَّن كيفيَّة حلِّها، ثم قال: أنا أصوغ مسألةً أشدَّ إشكالًا من هذه، فأجعل احتمالاتِها ألفين وخمسَمئة، فألَّفَ خلال ساعتين مسألةً عددُ أفرادها مئة، خمسون منهم مسلمون، وخمسون غير مسلمين، على أن تقع القرعة في كلِّ مرةٍ على غير المسلمين؛ ثم صاغ مسألةً أفرادُها خمسمئةِ مسلمٍ وخمسمئةٍ غيرُ مسلم، وفيها مئتان وخمسون ألف احتمال، وحرَّرها في رسالةٍ قدَّمها إلى الوالي "طاهر باشا". (حاشية):: احترقتْ تلك الرسالة للأسف بإحدى الحرائق التي نشبت في "وان".
كان بديع الزمان أثناءَ إقامته في "وان" يطالع مع واليها الأخبارَ في بعض الصُّحُف، وكان له مزيد اهتمامٍ بما يتعلَّق بالقضايا الإسلامية، وقد تكوَّن لديه من جراء ذلك اطلاعٌ عامٌّ على أحوال العالم الإسلامي، وذات يوم أطْلعَه الوالي على خبرٍ صادمٍ وَرَدَ في إحدى الصُّحُف، مُفاده أن وزير المستعمرات البريطاني أدلى بتصريحٍ في مجلس العموم وبيده نسخةٌ من القرآن الكريم، فقال: "ما دام هذا القرآن بأيدي المسلمين فلن نستطيع أن نُحكِم سيطرتَنا عليهم؛ ينبغي أن ننتزعَه من أيديهم، أو نصرفَهم عنه".
كان لهذا الخبر الصاعق بالغُ الأثر في بديع الزمان، وهو المعروفُ باستعداده الوقَّاد، وأحاسيسه المُرهَفة ولطائفه اليقِظة، وهو المتميزُ بالعناية الربانية والسجايا الرفيعة كالعلم والعرفان والإخلاص والجرأة والشجاعة، فقال معلِّقًا على هذا الخبر: "لَأُثبِتَنَّ للعالم ولَأُظهِرنَّ له أن القرآن شمسٌ معنويةٌ لا يخبو سناها ولا يُطفأ نورُها"، وانطلقت من أعماق روحه عزيمةٌ لا تلين للقيام بهذا العمل.
(حاشية): عندما تلقَّى سعيد النورسي قبل خمسٍ وستين سنة نبأ وزير المستعمرات وتصريحَه في البرلمان الإنكليزي، انبعثتْ في روحه همةٌ لا تعرف الكلل، وحماسٌ لا يعرف الملل؛ واتخذ قراره الحاسم بأن يَنشرَ معجزةَ القرآن في كل الجهات، ويُثبِتَ إعجازَها ويُسكِت كفَّارها.
لقد كان خلال السنوات الخمس عشرة من إقامته في "وان" يراجع باستمرارٍ ما ينوف على ثمانين كتابًا من محفوظاته، وكان في الوقت نفسه يطالع أحوال العالَم الإسلامي الحاضرة، فيعرف منها ما ينبغي أن يُعرَف؛ وإذا كان قد عُرِف عن هذا العلَّامةِ المنقطعِ النظير علمُه وذكاؤه النادر وهو بعدُ في مقتبل الشباب، فإنه قد عُلِّم الحكمةَ القرآنية دون سائر أقرانه، وكان فوق هذا يتمتع بالثبات والأمل والتضحية والاستعداد ليبرهن ويُثبِت للعالَم أن القرآن معجزةٌ تفوق علوم العصر وآدابَه.
فكما أن انبثاقَ شجرةٍ عظيمةٍ كالجبل، من بذرةِ صنوبرٍ صغيرةٍ بحجم حبةِ قمحٍ، يجلِّي القدرةَ الإلٰهية أيَّما جلاء؛ فكذلك ظهورُ فتحٍ معنويٍّ كُلِّيٍّ يغير الأذهان ويترك أثره الملموس لا في تركيا فحسب، بل في العالَم الإسلامي ومعظم أرجاء الدنيا، في حقبةٍ زمنيَّةٍ بالغةِ الشدة من تاريخنا، من خلال خدمة بديع الزمان وحياته الشبيهة بتلك البذرة، مع أنه لا يملك شيئًا من القوة المادية، بل هو على العكس مضطهَدٌ مقيَّد، فظهور هذا الفتح إنما يُجلِّي للقلب والعقل قدرةً مطلقةً واستخدامًا إلٰهيًّا وتوجيهًا ربانيًّا.
والحقُّ أن بديع الزمان كان يحدِّث بنعمة اللّٰه عندما تحدَّث في أحد كتبه عن العنايةِ الإلٰهية التي نالتها الخدمة الإيمانيَّة فقال:
رأيتُ في واقعةٍ صادقةٍ قُبيل الحرب العالمية الأولى أو في أوَّلها، رأيتُني تحت جبل "أغري" المعروف بجبل "أرارات"، وإذا به ينفجر انفجارًا يثير الهول والفزع فتترامى أجزاؤه العظيمة كالجبال على أنحاء الدنيا، فنظرتُ وأنا في هذا الهول الذي غشيني، فإذا بأمي رحمها اللّٰه إلى جانبي، فقلتُ لها: لا تخافي يا أماه.. إنه أمرُ اللّٰه، وإنه حكيمٌ رحيم؛ وبينما أنا في هذه الحال إذا بشخصٍ جليلٍ مَهيبٍ يخاطبني آمِرًا: بيِّنْ إعجازَ القرآن.
فاستيقظتُ وفهمتُ أن ثمة انفجارًا وتحوُّلًا عظيمًا سيقع، وستتهدم على إثره الأسوارُ من حول القرآن، فيدافع عن نفسه بنفسه، وستُشَنُّ عليه الهجمات، وسيكون إعجازُه درعَه الفولاذي؛ وفهمتُ أنَّ شخصًا مثلي سيكون مرشَّحًا بما يفوق حدَّه لإظهار نوعٍ من ذلك الإعجاز في هذا الزمان، وأنني أنا ذلك المرشَّح.
— 53 —
توجَّه بديع الزمان إلى إسطنبول سعيًا لإنشاء جامعةٍ في شرقيِّ الأناضول، تُفتَتَح إما في "وان" وإما في "ديار بكر" ويُطلق عليها اسم "المدرسة الزهراء"؛ وقد صَوَّر أحد الكُتَّاب قدومَه إلى إسطنبول بقوله: "مِن جبال الشرق الشاهقة.. شعلةُ ذكاءٍ وقَّادٍ تتألَّق في سماء إسطنبول".
كان الوالي "طاهر باشا" قال للمُلَّا سعيد يومًا: لقد ناظرتَ علماء الشرق فألزمتَهم، لكن أيمكنك أن تذهب إلى إسطنبول فتُنازلَ الحيتانَ في ذلك البحر؟
— 54 —
وكان أولُ عملٍ قام به بديع الزمان عند قدومه إسطنبول أنْ دعا علماءَها إلى المناظرة، وعلَّق على باب غرفته لوحةً كُتِب عليها: هُنا تُحَلُّ كلُّ معضِلة، ويُجاب عن كلِّ مسألة، من غير أن نراجع أحدًا أو نسأله، (حاشية): لا بد أن نضيف هنا علاوةً على ما سبق أن حياة سعيدٍ النُّورْسِيّ كانت تسير وفق مسارٍ لم يكن من اختياره هو، كما صرَّح بنفسه عن هذا بإخطارٍ معنوي، وكما يُفهَم من خدمته القرآنية وجهادِه الديني المعنوي الشامل، فلقد أحسنتْ إليه العناية والرحمة الربانية أيَّما إحسانٍ برسائل النور في السنوات الثلاثين أو الأربعين الأخيرة من حياته؛ أي: لقد آتاه المولى سبحانه ذكاءً خارقًا وعبقريَّةً فذَّةً، وأحاطه بعنايةٍ عجيبة، تمهيدًا لما سيستعمله فيه مستقبلًا من خدمةٍ قرآنيَّةٍ جليلة؛ وبناءً على هذا ينبغي النظر إلى حياته وأحواله من هذا المنظور كما سبق بيانه في أول هذه السيرة.
ولقد قال لكثيرٍ من طلابه وإخوانه قبل عهد الحريَّة مُخبِرًا عن قيامِ خدمةٍ قرآنيةٍ جليلة: إنني أرى نورًا، وأرنو إلى المستقبل بآمالٍ عظيمة؛ وكان بقوله هذا يستشرف بحسٍّ قبل الوقوع خدمةَ رسائل النور الحالية، إلا أنه كان في ذلك الحين يظن أن الأمر سيتحقق في ميدان السياسة، فاجتهد بكل ما أوتي من قوةٍ حين كان في إسطنبول ليجعل السياسة أداةً في خدمة الدين والقرآن. فجاءه مشاهيرُ علمائها جماعةً إثر جماعة يزورونه، ويطرحون عليه أسئلتهم وهو يجيب عليها إجابةً مسدَّدة، فوجد أهلُ العلم من غزارةِ علمه وهو بعدُ في سن الشباب، ومن قوة عبارته وبلاغتها، ومن عجيب أحواله وأطواره ما دفعهم لتقديره بإعجاب، حتى لقد وصفوه بأنه نادرةٌ من نوادر البشر، جديرٌ بلقب "بديع الزمان"؛ ولم يكن غرضُه من ذلك سوى أن يلفِت الأنظار إلى ما في شرقيِّ الأناضول من جهودِ العلم والعرفان، وإلا فلم يكن يميل لشيءٍ من حب الظهور والأنانية، بل كان أبعد ما يكون عن التظاهر والتفاخر، ولئن كان نادرةً في الذكاء والحفظ والعلم والجرأة، فلقد كان نادرةً بالدرجة نفسِها بل أشدَّ في الإخلاص والصفاء، لا يطيب له شيءٌ من التصنُّع أو التكلُّف.
ووافق وجودُه في إسطنبول قدومَ أحدِ أبرزِ علماء الأزهر إليها في جولةٍ له، وهو الشيخ "بَخِيْت المُطيعي" مفتي الديار المصرية، فطَلَب منه بعض العلماء الذين غُلبوا في المناظرة أن يناظر هذا الشابَّ القادم من أقاصي جبال "كردستان"، فأجابهم الشيخ إلى ما طلبوه، وراح يتحيَّن الفرصة إلى أنْ سنحتْ ذات يومٍ حين انصرف الجميع من الصلاة
— 55 —
بمسجد "أيا صوفيا"، وجلسوا في إحدى صالات الشاي، فأقبل الشيخ "بَخِيْت" نحو بديع الزمان بحضرة جمهرةٍ من العلماء وسأله: «ما تقول في حقِّ الأَوروبائيَّة والعثمانية؟»
ولم يكن مراد الشيخ من هذا السؤال أن يختبر علمَ النُّورْسِيّ الزاخر ولا ذكاءه الوقَّاد، وإنما أراد الوقوف على مقدار معرفته بشؤون العالَم السياسية، ومدى استشرافه للمستقبل.
فأجابه النُّورْسِيّ قائلًا: «إنَّ أوربا حاملةٌ بالإسلامية، فستَلِدُ يومًا ما؛ وإن العثمانية حاملةٌ بالأَوربائيَّة، فستَلِدُ يومًا ما».
فقال الشيخ "بَخِيْت": إن هذا الشابَّ لا يُناظَر، فإني أوافقه الرأي، إلا أن التعبير بمثل هذه البلاغة والإيجاز لا يكون إلا مِن "بديع الزمان". (حاشية): لقد تحقَّق كِلا الأمرَين اللَّذَيْن أخبر عنهما بديع الزمان فعلًا كما قال، فمما يصدِّق هذا الخبر أنه بعد سنةٍ أو سنتين من إعلان المَشروطِيَّة، أُخِذَتْ كثيرٌ من العادات الأجنبية المخالفة للشعائر الإسلامية، وفُرِضتْ شيئًا فشيئًا في تركيا، بينما يُشاهَد اليوم حُسنُ القبول للقرآن والإسلام في أوروبا.
كانت حياة بديع الزمان في إسطنبول سياسيةً إلى حدٍّ ما، ولم يكن دخوله الحياةَ السياسية إلا نتيجةَ تفانيه في خدمة الإسلام، فقد كان على قناعةٍ من القيام بتلك الخدمةِ عن طريق السياسة، كما كان من أنصار الحرية على الدوام، ولم يتردَّد في معارضة جمعية "جون تُرْك" عندما رأى من أعضائها الظُّلم والإجحاف، فقال لهم: لقد أسأتم إلى الدين، وتعدَّيتم حدودَ اللّٰه، واستخفَفتُم بالشريعة، وسوف تكون عاقبتكم وخيمة.
وبعد "إعلان الحرية" أو "المَشْرُوطِيّة" أسس مع رفاقه المجاهدين "جمعيةَ الاتحاد المحمدي" التي سرعان ما انتشرتْ ولقيَتِ القبول، حتى إنه انضم إليها نحو خمسين ألف شخصٍ من مدينتَي "إزميت" و"أضا پازاره" وما حولَهما إثرَ نشرِ بديع الزمان مقالًا عنها.
وكانت له خطاباتٌ يلقيها، ومقالاتٌ ينشرها في الصُّحُف الدينية، يحذِّر فيها باستمرارٍ من إساءة تفسير الحرية، ويؤكد على ضرورة أنْ تُفهَم المَشْرُوطِيّة على أنها
— 56 —
المَشْرُوطِيّة المشروعة لا غير؛ وكانتْ هذه الخطابات والمقالات فريدةً في بلاغتها وقوة إقناعها وتأثيرها، حتى لقد استفاد منها كثيرٌ من أهل العلم والمشتغلين بالسياسة.
وكان يبشِّر أنَّ يقظة الأمة في تلك الفترة هي الفجر الصادق لسعادة آسيا والأناضول، غير أنه لا بدَّ للأمة من المسارعة لامتثال الأوامر الشرعية، وإلا فاتتْها تلك السعادة، وكان ينبِّه إلى أن كُلًّا من المَشْرُوطِيّة والحريَّة إن لم تُفهَما في إطارهما المشروع، ولم تُطبَّقا بما يوافق الشريعة خرجتا من أيدينا واستولت إدارةٌ مستبدَّة على مقاليد الأمور.
ونورد هنا نماذج من خطاباته ومقالاته، ومنها خطابه الذي ارتجله في اليوم الثالث من إعلان الحرية، ثم ألقاه مرةً أخرى بميدان الحرية في "سيلانيك"، ونشرتْه الصُّحُف في ذلك الحين.