— 22 —
مدخل
لا بدَّ لنا بدايةً من الاعتراف بأنَّ هذه السيرة قاصرةٌ عن إيفاء حياة الأستاذ الجليل حقَّها بكلِّ ما حوتْه من معانٍ، فقد أُوجِزتْ فيها مسائلُ كثيرة، وطُويتْ وقائعُ وأحداثٌ عديدة، كان من شأنها أن تسلِّط الضوء على مزايا شخصيته، وتؤيد ما ورد من أفكار وقضايا، ولم يكن سببُ هذا الإيجاز والطَّي سوى أن الأستاذ لم يرضَ بالاستفصال فيها.
لقد جاءت المباحث المتعلقة بشخصه موجزةً غاية الإيجاز لأسبابٍ عدة؛ منها: أن الأستاذ كان يذكر منذ سالف عهده - سواءٌ في دروسه أو في رسائله - أن هذا الزمان زمان الجماعة، وأن أثرَ المزايا والكمالات الشخصية في الخدمة الإيمانية لا يضاهي بحالٍ أثرَ الشخص المعنوي؛ ومنها: أنه كان دائمَ التنبيه على وجوب النظر إلى رسائل النور النابعة من القرآن الحكيم أكثر من النظر إلى شخصه الفاني، وأن جميع القيم والفضائل إنما تعود إلى الحقيقة القرآنية المتجلية في رسائل النور؛ ومنها أيضًا: أنه عندما عَلِم بإعداد هذه السيرة الذاتية أرسل قائلًا : "لا داعي للتفاصيل، اكتبوا المباحث المتعلقة بخدمة رسائل النور فحسب"، ولهذا لم يكن منا إلا أنْ عَمَدْنا إلى الرسائل والمدافعات ذات الصلة بحياته في أوقاتٍ مختلفة، والتي لها تعلُّقٌ بالخدمة النُّورية أكثر من تعلُّقها بشخصه، فأوردناها على هيئة مقالاتٍ وخواطر تعبر بدرجةٍ ما عن أحواله في ذلك الحين.
إن هذا الكتاب بصورته هذه يشكِّل مصدرًا حقيقيًّا للباحثين من طلاب النور في المستقبل، كما يُعدُّ مرجعًا يستفيد منه الأدباء والمحرِّرون المحترمون في إعداد سيرةٍ تمتاز بمزيدٍ من التوثيق، وتكون أوفى وأعظمَ فائدةً من هذه إن شاء اللّٰه، وبهذه المناسبة نودُّ التذكير بأن هذا الكتاب لم يُحَلْ في تأليفه وصياغته إلى أقلام الأدباء التي تجنح
— 23 —
إلى مبالغاتٍ لا أساس لها، ولا إلى الآراء الشخصية للمحررين المنتمين إلى مسالك ومشارب مختلفة، بل بقي خالصًا من جميع ذلك لا تشوبه شائبة.
كما لا بد لنا من الاعتراف أيضًا بأننا لم نتمكن من تقديمِ بيانٍ وعبارةٍ وأسلوبٍ تليق بأوصاف رسائل النور المشرقة الساطعة، ولا بحياة سعيدٍ النُّورْسِيّ وأخلاقه التي هي من أولها إلى منتهاها شجاعةٌ فذَّةٌ وعِفَّةٌ ماثلة.
ولقد كان يمكن لخدمةٍ واحدةٍ من آلاف الخدمات الكُلِّية التي أدَّاها، أو لبطولةٍ فذَّةٍ وشجاعةٍ خارقةٍ أبداها في مرحلةٍ من مراحل حياته المتعددة، أو لأثرٍ واحدٍ من آثاره التي ألَّفها، أن تكون سببًا يدفعنا لإعدادِ سيرةٍ وافيةٍ عنه؛ فكيف وسيرتُه ملأى بما لا يُحصى من السجايا المتفردة، والأخلاق العالية، وعامرةٌ بالخدمةِ القرآنية، والشهامة الإيمانية، ومُكلَّلةٌ بمؤلفاتٍ قيِّمةٍ نفيسةٍ تبلغ المئة والثلاثين، وزاخرةٌ بخدمةٍ كليةٍ مؤثِّرةٍ لم تقتصر على مدينةٍ أو بلدٍ بعينه، بل امتدت لتشمل العالَم الإسلاميَّ والعالَم عامةً، ولا شك إذًا أن مَن كانت سيرتُه كما وصفنا لا يمكن أن يحيط بها كتابٌ كهذا.
كما أننا لم نستطع أن نُعرِّف بمسلك الأستاذ ومشربه وأحواله الخاصة، ولا بشخصيته التي جمعت الكثير والكثير من السجايا والخصال في شخصه وخدمته؛ إذ يَلزَم مقابلةُ كل واحدٍ من طلابه ومن قاموا على خدمته وعاينوا مختلف جوانب حياته عن كثب، والاستماعُ لكلِّ واحدٍ منهم على حدةٍ، حتى يمكن إعداد سيرةٍ عنه تتمتع بقدرٍ من التفصيل.
إنه سيتبين بمطالعة هذا الكتاب أن ثمَّة حقيقةً كبرى قد برزت على أرض الواقع، وأنها لَحقيقةٌ جديرةٌ بأن تُسجَّل وتُوثَّق لا من أجل الأناضول (تركيا) أو العالم الإسلامي فحسب، بل من أجل الإنسانية جمعاء، ولقد نالت هذه الحقيقة صفة العموم والشمول باشتراك شتى فئات الناس فيها، فأُطلق عليها اسم "خدمة رسائل النور الإيمانية" و"بديع الزمان وطلاب النور"؛ وسيتبين في هذه السيرة ماهية هذه الحقيقة وهذا التيار، وما منشؤها وما غايتها؟ وما أثرها في طبقات الناس؟ وما أثرها في
— 24 —
حياة الفرد والجماعة المادية والمعنوية؟ وما دورها مستقبلًا في تحقيق أمننا وسعادتنا أمةً وشعبًا؟ وسيشعر كل فردٍ في نهاية المطاف بالسرور والامتنان إزاء هذه الدعوةِ، اللّٰهم إلا مَن كان سقيم القلب مُفسِدًا محرومًا.
ولعل أحدهم يَطرح سؤالًا فيقول: هل يُراد من هذه السيرة إبراز سعيدٍ النُّورْسِيّ كشخصيةٍ فائقة، ومدحُه وإطراؤه بما يرفعه فوق مستوى البشر؟
والجواب: لا بالتأكيد؛ وإنَّ من عرف حقيقةَ الدنيا وماهيةَ الحياة لم تكن عنده قيمةٌ لجاهٍ مؤقتٍ ولا لسمعةٍ أو شهرة؛ وإن من أدرك الحقيقة لم يبالِ بإطراءاتٍ زائفةٍ زائلة، ولم يُعِرِ التفاتًا لألسنةٍ تلهج بها.
ومن هنا فإن شخصًا كسعيدٍ النُّورْسِيّ يعدُّ بطلًا معنويًّا عظيمًا على هذا الصعيد، فمع أن حياته ملأى ببطولاتٍ شتى تثير الإعجاب، إلا أن ما يلفت النظر أنه كان رجلًا مضحِّيًا من طرازٍ فريد، جرَّد ذاته للحق متفانيًا في سبيله، وغدا مظهرًا للعناية الإلٰهية، إذ تجاوز عقبات كالجبال، وأعلن دعوته القدسيَّة من غير تردُّد، وواجه بها مئات التيارات الهدَّامة في هذا العصر، إلى أن بلغ بها شاطئ السلامة، وهذا ما يؤكد تضحيته وتجرُّده التام عن شخصه الفاني، وفناءه عن نفسه في سبيل الحق.
أجل، فلم يَخُطَّ سعيدٌ النُّورْسِيّ بعبقريته الشخصية مسارًا جديدًا في عالم الإنسانية، وإنما اتخذ الحقيقة الأزلية الحاكمة على جميع الأزمنة والعصور دعوةً له، ووقَفَ لها نفسَه وحياته، ووظَّف لها استعداداته، وليست الكمالات والأوصاف السامية المشاهدة في شخصيته وفي خدمته إلا انعكاسًا لهذه الدعوة القدسية .
وكما يحصل عندما يُوضَعُ مصباحٌ منيرٌ بين آلاف المرايا، إذ ينعكس نوره على صفحة كل مرآة، فيكتسب كُليَّةً وينال قيمةً عظيمةً بعدد تلك المرايا؛ فكذلك الحال مع بديع الزمان، فإنه توجَّه إلى القرآن الحكيم الشمس المعنوية للأكوان والأزمان، وإلى سيدنا محمدٍ (ص) مبلغِ الدين المبين دين الإسلام، فكان وسيلةَ ظهور رسائل النور التي هي مَعْكِس ضيائهما ، فعاش معنًى في عقولِ وقلوبِ وأرواحِ الآلاف بل الملايين ممن
— 25 —
اقتبسوا النور من مؤلفاته، ونالوا من دعوته القوة والمدد، وكُتِبَ له القبول الحسن والذكر الطيب مفكِّرًا عظيمًا وإنسانًا قدوة.
نعم، لقد شكَّل نقطة استنادٍ للمؤمنين، إذ أنشأ من أهل الإيمان المُضحِّين المتفانين شخصًا معنويًّا عظيمًا، وأسس بهذا الشخص المعنوي سدًّا قرآنيًّا وإيمانيًّا منيعًا في وجه تيارات الضلالة، وأظهر العزم والثبات في دعوته القدسية التي آمن بها، فحرَّك قلوب المؤمنين، وأيقظ الوجد والحماس الإسلاميَّين في أرواحهم، ومدَّ يده إلى المساكين البائسين الذين استهوتْهم الفانيات، فأعلن لهم عن حقيقةٍ باقيةٍ لا تموت، واجتهد في لفت أنظارهم إليها؛ فمِثلُ هذه المعاني والقيم هي التي خَلَّدتْه معنًى.
وعلى الرغم من عُلوية وظيفته، إلا أنه كبشرٍ عبدٌ عزيز وفقيرٌ مُسْتغن، يرى ويعلم من نفسه - من خلال وظيفة عبوديته - أنه أكثر الناس عيبًا ونقصًا وعجزًا، فيتضرع بالعجز والفقر عند باب الرحمة، ويطلب الرحمة والسعادة للإنسانية؛ أجل، فهو القائل: "إنني إنْ أنقذتُ إيمانَ شخصٍ واحدٍ كانت جهنمُ عندي روضةَ ورد".
لقد أدى وظيفةً عَلِم من خلالها الجميعُ وشهد العدو والصديق بأنه لم يقف عند تحطيم صنم الأنانية والغرور في نفسه فحسب، وإنما حطَّمَ أصنام عُبَّاد الطبيعة فجعلها جذاذًا، وما التبريك والتقدير الذي كتب بحقه إلا لأجل هذا المعنى.
ويتبيَّن من خلال ما يُنشَر في بعض الصحف بين حينٍ وآخر أن أعداء الدين والإسلام لا يواجهونه مواجهةً مباشرة، بل يهاجمونه في غالب الأمر من خلف الستار، فيوجِّهون ضرباتهم نحو من يخدم الدين ويتحمل المشاق في سبيله، فيطعنون في أمثال هؤلاء بُغيةَ تشويه صورتهم في نظر العامة وتنفير الناس منهم، ليعطِّلوهم عن العمل ويشُلُّوا فاعليتهم، وبذلك يمنعون الدين من الازدهار، ويهيئون الجو المناسب لرواج الكفر والرذيلة؛ وإذا كانت هذه هي الحالَ في عهد الديمقراطية وفي زمان السماح بالحرية الدينية، فلكم أن تتصوروا كيف كانت في حقبةٍ كان يُعلَن فيها من على منبر مجلس الشعب أن الدين سمٌّ زُعاف!!
— 26 —
لقد ظهر بين الذين ساقوا الأستاذ وطلابَ النور إلى المحاكم في العهد السابق، أناسٌ كانوا يتحركون خلف ستار القانون وفقًا لمشاريعهم الهدَّامة، وأحقادهم ومصالحهم الشخصية؛ وبينما كان الواجب على هؤلاء أن يقوموا بما تمليه عليهم وظيفتهم، إذا بهم يهاجمون بديع الزمان وطلابه بصنوف الإهانات والافتراءات، وكأنما قبضوا على خَوَنةٍ للشعب والوطن!! حتى عندما أصدرت المحكمة قرار البراءة، لم يتحرَّج بعض المكلَّفين بتطبيق القانون من بثِّ الشائعات بأن بديع الزمان سيُعدَم عما قريب.
وليس مرادنا من حديثنا هذا التهجُّمَ على هؤلاء، وإنما نريد بيان الحقيقة، ولعل أكثرهم معذور إذْ فَعَلَ ما فَعَلَ مُكرهًا.
ومهما يكن من أمرٍ فإن هذه المعاملة تثبت أنه في الحقبة التي سيق فيها بديع الزمان إلى المحاكم وصدرت بحقه الأحكام، كان الملاحدة واللادينيون المتَخَفُّون على رأس عملهم، وكانت منظمات الإفساد في أوج نشاطها، وأنهم لما عجزوا عن إدانته بيد القضاء، ولم يستطيعوا منع دعوته، لجؤوا إلى تلفيق الافتراءات الظالمة والحملات المغرضة الكاذبة؛ ولم يكن يتردد أي منصف يشاهد ذلك الواقع الأليم في القول بأن هذا الرجل عالمٌ مستقيم ورجلُ حقيقة.
ومن هنا فإن ما أوردناه آنفًا ينبغي أن يكون عاملًا مهمًّا يدفع لنشر ما كُتب بحق بديع الزمان ورسائل النور من تقدير وتقريظ، وأن يستمر الأمر على هذا المنوال دون انقطاع، وألا تُوَجَّه إليه أصابعُ الانتقاد؛ علمًا بأن الذين أمعنوا النظر في سيرة هذا الرجل وفي مؤلفاته لم يملكوا سوى الثناء والتبريك بكمال التقدير .
ولقد جرى مثلُ هذا على نحوٍ خاص مع لجان الخبراء وهيئات المحاكم التي سيق إليها الأستاذ لإدانته، فإنهم بعدما نظروا في سيرته ودققوا في مؤلفاته، صدَّقوا بما هو مشاهَدٌ فيها من الحُسْن والكمالات، وهذا يؤكِّد ما صرَّح به أذكى أبناء الأمة وأبعدهم نظرًا، وما صرَّح به كذلك أهل العقول والقلوب بحق النُّورْسِيّ ورسائل
— 27 —
النور، إذْ اعتبروا الأمر ظهورًا لحقيقةٍ كبرى بدأت منذ نصف قرن، وما تزال مستمرةً تكتسب العمومية والشمول يومًا بعد يوم.
سؤال: ما دام اللّٰه تعالى عليمًا، وعلمه وثناؤه كافيَيْنِ، وما دام الأكابر من أهل الكمال يُؤثرون الخفاء دائمًا، وما دامت الحقائق ستُنْشَر بكل جلاءٍ في عالم البقاء؛ فلماذا الإطناب في ذكر مزايا رسائل النور وما نالته من عنايةٍ وإكرامٍ إلٰهيَّيْن؟! ولماذا الحديث عن الكمالات والتوفيقات العجيبة التي حظي بها سعيد النُّورْسِيّ في أثناء خدمته القرآنية؟! ثم لماذا تنشر؟ حتى لقد أُلحِقت تقريظاتٌ كهذه بالعديد من مؤلفاته العلمية!!
الجواب: تُقدِّم رسائلُ النور إجاباتٍ واضحةً على هذا السؤال في بعض مكتوباتها، خلاصةُ إحداها: أن الخدمة التي أداها بديع الزمان عبر رسائل النور إنما هي خدمةٌ لحساب القرآن الكريم لا غير، وأن تلك المزايا والإكرامات ونحوِها إنما تُذكَر نشرًا لحقائق الإيمان، وشدًّا لأزر المسلمين، وتقويةً لإيمانهم، وبالتالي إعلاءً لدين الإسلام، وصَدًّا لهجمات الإفساد التي يشنها أعداؤه، وغرسًا للقناعة القطعية عند كلِّ إنسان، وإعلانًا للعالَم أجمع أن دين الإسلام هو خلاصة الكمالات المادية والمعنوية وزبدتُها بين بني البشر.
لقد اضطر سعيد النُّورْسِيّ لصدِّ الهجمات الظالمة والافتراءات الباطلة التي شنها عليه أولئك الخصوم المذكورون آنفًا، فتحدَّث عن الإكرام الإلٰهي الذي نالتْه رسائل النور، وبيَّن القبول والعنايةَ الربَّانية التي حظيتْ بها خدمة الإيمان، كي يمنح طلابَ النور الضعفاءَ الفقراءَ القلائلَ قوةً معنويةً، وإمدادًا غيبيًّا، وتشجيعًا وثباتًا وصلابةً في مواجهة ما لا يُحَدُّ من المعارضين والأعداء الأقوياء الكثيرين.
وحسبُنا ما قاله بديعُ الزمان في إحدى رسائله المُدْرَجة في سيرته:
"أعترف بأنني لستُ أهلًا بأيِّ وجهٍ لأن أكون مظهرَ مؤلَّفاتٍ مقبولةٍ كهذه، إلا أن من شأن القدرة الإلٰهية ومن عادتها ومن الدليل على عَظَمَتها أن تخلق من بذرةٍ لا أهمية لها شجرةً عظيمةً كالجبل؛ وإنني أؤكد مُقسِمًا أنْ ليس لي مقصِدٌ من الثناء على رسائل النور سوى تأييدِ حقائق القرآن وأركان الإيمان وإثباتِها ونشرِها.
— 28 —
فالشكر لخالقي الرحيم شكرًا لا يتناهى أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، وأراني عيوبَها ونقائصَها، فلم يُبْقِ لي رغبةً في أن أثير إعجاب الآخرين بهذه النفس الأمَّارة.
وإن رجلًا ينتظر أجله عند باب القبر، مخلِّفًا الدنيا الفانية وراءَه، لن يكون تطلُّعه إليها تطلُّعَ رياءٍ إلا خسارةً مروِّعةً وحماقةً تدعو للرثاء.
إنني بهذه الحالة الروحية أُظهِر مزايا رسائل النور التي هي محضُ ترجمانٍ للحقائق الإيمانية.. أُظهِرها باعتبارها بضاعةً للقرآن الكريم، فليست الحقائق والكمالات التي في رسائل النور بضاعتي، بل هي بضاعةٌ للقرآن، ومنه ترشَّحَتْ.
وما دمت فانيًا راحلًا فلا يجوز ولا ينبغي أن يُناطَ بي كتابٌ أو أثرٌ باقٍ؛ أجل، فخواصُّ العنب اللذيذ لا تُتَحَرَّى في عيدانه اليابسة، وأنا بحكم عودٍ يابس".
نعم، بينما كان سعيد النُّورْسِيّ محتاجًا إلى الكثير من الأعوان، وإلى تشجيع الحكومة والشعب وتأييدها له في خدمته الإيمانية القرآنية ضد تيارات الإلحاد واللادينية، إذا به يتلقى على العكس من ذلك أنواعًا من الافتراءات والتلفيقات والاتهامات لكي يُزَجَّ به في السجون، وتُمحى مؤلفاته، وينفضَّ الناس من حوله!! فلا بد له في هذه الحال من أن يدافع عن مسلكه الحق، ولا بد أن يقول الحقيقة تبرئةً لخدمته مما افتري عليها، كيف لا وهي الخدمة المعنيَّة بشرف القرآن ومقامِ النبوة السامي على صاحبه الصلاة والسلام؟!
أجل، لا بد أن يقوم بذلك حتى وإن لقي من بعض الناس ما لقي من الانتقاص لشخصه، فإنه راضٍ بهذا الضرر الشخصي في سبيل استفادة العامة وسعادتهم؛ فبهذا الاعتبار ينبغي النظر إلى ما يُبيَّن وينشر من الثناء على رسائل النور والتقدير لها، وإلا تضررت الخدمة الإيمانية.
على أننا لسنا في زمان التحرك بفكرٍ ضيقٍ محدود، فهاهم الملاحدة واللادينيون يبذلون قُصارى جهدهم لعرض مناهجهم الضارة، وعقائدهم الهدامة، وشخصياتهم البطولية الزائفة، فيقدمونها للناس تحيط بها هالةٌ من المدح والثناء، بُغيةَ أن تنال الإعجاب وتُقابَل بالتصفيق، مع أنها ليست بأهلٍ لشيءٍ من ذلك أصلًا.
— 29 —
ولا داعي لأن نذهب بعيدًا، فإذا كان زعماء التيارات اللادينية الرهيبة حول العالم يُقدَّمون على أنهم أبطالٌ عظماء، فلماذا لا يَمدح المسلمون دينهم الحقَّ ويثنون عليه؟! ولماذا لا ينشرون كمالاته ومعاليَه؟! ولماذا لا تمدح مؤلَّفاتٌ كانت مرآةً للقرآن، وجابَهَتْ تيارات اللادينية في هذا الزمان، وأدَّتْ أعظم الخدمات للدين؟! ولماذا لا يُمدَح مؤلِّفها المحترم المتواضع الذي تعرَّض لظلمٍ لا حدود له؟!
هذا مع أن الكتابات التي كُتِبت بهذا الصدد لم تكن موضوعاتٍ نظريَّةً مجردة، بل هي في أكثرها حقائق تُنْشر دفاعًا وردًّا على الافتراءات بحقه.
٭ ٭ ٭
تُسْتَعرَضُ حياةُ الأستاذ إجمالًا وبالنظر إلى خدمته الكُلِّية ضمن مرحلتين بارزتين:
المرحلة الأولى: وفيها فصولٌ ومشاهد يُعَدُّ كل واحد منها حياةً بذاتها، بدءًا من ولادته ونشأته، ثم تحصيله العلمي، ثم إقامته في "وان"، ثم قدومه إلى إسطنبول، رَحَلاته، فحياته السياسية، ثم اشتراكه في الحرب العالمية الأولى، فوقوعه أسيرًا لدى الروس، ثم عضويته بدار الحكمة الإسلامية بإسطنبول، فخدمته في القوى الوطنية هناك، ثم مجيئه إلى أنقرة ونشاطه في أول مجلسٍ نيابيٍّ فيها، ثم انسحابه بعد مدةٍ قصيرةٍ إلى "وان" للعزلة فيها.
وتُعَدُّ هذه المرحلة بكل أحداثها وفصولها التي استمرت حتى الخمسين من عمره، مقدمةً وإعدادًا للمرحلة التالية التي أدى فيها خدمته الكبرى الثانية: "خدمة الإيمان والقرآن".
المرحلة الثانية: وتبدأ بنفيه من "وان" شرقًا حيث كان منزويًا، إلى بلدة "بارلا" النائية الواقعة غربًا في ولاية "إسبارطة"، ووضعه تحت الإقامة الجبرية بها؛ وفي هذه المرحلة كان ظهور رسائل النور وانتشارها، والانخراطُ بها في خدمةٍ إيمانيةٍ وجهادٍ دينيٍّ معنويٍّ بمنتهى الإخلاص والتضحية والولاء، وبغاية الثبات والتيقُّظ والاقتصاد.
— 30 —
وقد تزامنت هذه المرحلة من حياته مع الحقبة التي انقرضت فيها الخلافة العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى، وراحت الشيوعية التي اتخذت من محاربة الأديان السماوية أساسًا لها، وقضت على المدنية البشرية في عالم الإنسانية، تستولي على شطر المعمورة، وتنشر الرهبة في أرجاء الدنيا، وتهدد بلادنا وتُعرِّضها لخطر التدمير المعنوي.
إنها حقبةٌ تتطلب دراسةً فاحصةً، تتحلى بالتمحيص الدقيق والنظرة المنصفة تجاه أمةٍ بطلةٍ حملتْ راية القرآن ألف سنة، وخدمت الإسلام عبر العصور.
وكان الأستاذ قد ذكر عند تأليفه رسائل النور أن هذه المؤلفات هي لمعاتُ إعجازٍ للقرآن الكريم، وأنها ستعود بالفائدة والنفع على فئات الناس كلِّهم، وستقف سدًّا قرآنيًّا منيعًا يحمي الوطن والشعب ويصدُّ المدَّ الإلحاديَّ عن بلادنا؛ كما ذكر أيضًا أن خدمة رسائل النور ستحظى بانتشار واسع، فتعود أمةُ الترك من جديد جيشًا مقدامًا من جيوش الإسلام، وفدائيًّا من فدائييه.
وذكر كذلك أن الشعب سيرتقي ماديًّا ومعنويًّا، وسيكسب الإسلام قوةً عظيمةً نتيجةَ ما سيكون في المستقبل من نشر رسائل النور، وتبنِّيها شعبيًّا وانتشارِها رسميًّا، وتمسُّكِ وزارة التربية بالحقيقة القرآنية.
إن رسائل النور عَلَمٌ وعنوان، إنها منظومة الحقائق القرآنية التي ظهرت في هذا الزمان، وهي تعبيرٌ عن تمسُّك شعبنا الأصيل بالإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى، وتعبيرٌ عن يقظته بروحٍ جديدةٍ وحماسةٍ إيمانيةٍ مشبوبةٍ وحبٍّ عميق.
وهي ترجمةٌ للمشاعر الإسلامية الجيَّاشة بتقوية الإيمان وتحكيمِه في مواجهة ظروف الحياة التي غيَّرَها العصر الذي نعيش فيه، وفي مواجهة عالمٍ جديدٍ بنظامه ورُؤَاه.
وهي إشارةٌ إلى نشأة نابهين مضحِّين قد أُترعت قلوبهم إيمانًا ومحبةً نبوية، وفَاخَرُوا الدنيا وما فيها بشرف الانتماء؛ كما أنها إشارةٌ إلى إظهارهم الإيمانَ الراسخَ والأخلاق السامية والبطولاتِ اللائقةَ بماضي هذه الأمة.
— 31 —
لقد عكف بديع الزمان على حقائق القرآن الحكيم التي تخاطب العموم ويمكن أن يستفيدوا منها، ففسَّرها في رسائل النور تفسيرًا مباشرًا، دون أن تخالطها أية مشاعر أو منافع ماديةً كانت أو معنوية، ودون أن يقع تحت تأثير أي مقامٍ أو مشرب؛ وأدى مهمة الترجمان لهذه الحقائق.
فهذه الكتب التي ألَّفَها لا تخصُّ فئةً معينةً من الناس أو طبقةً منهم، بل الاستفادةُ منها متاحة للجميع، وإنما تَلفِت هذه السيرة نظرَ قرَّائها إلى رسائل النور التي هي أنوار حكمة القرآن في هذا الزمان، فتعرض ما يُستفاد منها، أما شأن سعيد النُّورْسِيّ فيبدو في هذه السيرة رجلًا جَدَّ واجتهد مضحيًا في سبيل خدمة القرآن، واتَّبع السنة النبوية فكان نموذجًا يُحتذى.
وبناءً على ما قد يُفْهَم من بعض الرسائل الواردة في السيرة من أن سعيدًا النُّورْسِيّ قد توغَّل زمانًا في مسلك الفلسفة، ثم وصل إلى الحق والحقيقة بإرشاد القرآن الحكيم، فألَّف هذه المؤلفات ليُنقِذ من وقعوا في الشكوك والشبهات من المشتغلين بالفلسفة والعلوم في هذا الزمان، وليخلِّصهم من الشبهات بالدلائل والبراهين العقلية؛ فإن طريق رسائل النور ومسلكَها - بالنظر إلى الشروط الحياتية في هذا الزمان، والأحوال الروحية للإنسان - هي أسلمُ جادةٍ قرآنية وأخصرُها وأعمُّها؛ فهي من أولها إلى آخرها تسلك سبيل العلم والتفكر، وفوائدها للعاملين في شتى ميادين المجتمع كثيرةٌ جمة.
وإن الذين حصلوا على الفكر الإيماني بقراءة الرسائل والتعلُّم منها، سيحصلون على سعادةٍ كبرى باتخاذهم أعمالَهم ووظائفَهم الدنيوية وسيلةً للحياة الأخروية والسعادة الأبدية.
ولا ريب أن جيل الشباب المثقف الذي أدرك هذه الحقيقة الجليلة في دين الإسلام، سينهض لخدمة الدين الحق بسعادةٍ غامرة، وسيجتهد في نشر الحقيقة لهذه الإنسانية التي ما فتئتْ تبحث عنها دون أن تجدها.
— 32 —
نعم، فكل من كان في دائرة المسؤولية، سواءٌ كان طالبًا أو أستاذًا جامعيًّا أو نائبًا في البرلمان، مكلَّفٌ بتنوير محيطه، ولا شك أن من كان مسؤولًا عن مدينةٍ أو ولايةٍ أو حتى بلدٍ ومكلَّفًا بتنويرها وإرشادها وسعادتها وسلامتها، فإنه مطالبٌ بالتصرف بمزيدٍ من اليقظة والوعي.
لقد أسدى سعيد النُّورْسِيّ برسائل النور هذه أعظمَ معروفٍ وخدمةٍ لأبناء هذا الوطن، ولم يطلب لشخصه مقابلَ ذلك جزاءً ولا شكورًا، وعلى الرغم من وجود رسائل تتوجه بالمدح والثناء لشخصه، إلا أنه تلقاها باسم رسائل النور ولحسابها، وعَدَّها علامةً على استفادة قُرَّائها من أنوارها.
وإن ما يطلبه الأستاذ النُّورْسِيّ من هذه الأمة ومن الشباب في حقيقة الأمر هو أن يغنموا بالإيمان السعادةَ الدنيوية والأخروية، ولأجل ذلك يطلب أن تُتَّخَذ رسائلُ النور التي هي درسُ القرآن في هذا الزمان أساسًا، وأن تُنْشَر في كل مكانٍ وكل بيت، وأن تُتَعَلَّم حقائق الإيمان منها.
وكثيرًا ما بشَّر وحذَّر بأن رسائل النور هي الحل الوحيد في مواجهة التيارات التي تهدد الأمة والبلاد، فمن يريد تفسير هذه الخدمة التي شملها الرضا الإلٰهي، وتوجيهَ نشاطها وحركتها لمقاصد وغاياتٍ أخرى، فإنما يعلن عن انعدام بصيرته.
إن السعادة الحقيقية التي تَنشُدها روح الإنسان وماهيتُه السامية لا توجد إلا في الطريق التي بيَّنها القرآن والأفقِ المتلألئ برضا الرحمٰن، وها هو بديع الزمان يبيِّن للإنسانية ذاك الطريق وهذا الأفق، ويعلن لها ويثبت ألَّا بد للإنسان من الالتحاق بالقافلة النورانية أصحاب الصراط المستقيم.
لقد أردنا بهذا المؤلَّف الذي أعددناه - رغم عجزنا - أن نخدم الحقيقة ولو بقدرٍ يسيرٍ، وننشره اليوم ليكون مرجعًا للسعداء المنوَّرين في المستقبل، آملين إعدادَ سيرةٍ أعمق وأشمل؛ ومن اللّٰه التوفيق.
المعِدُّون
٭ ٭ ٭