— 4 —
كليات رسائل النور
سيرة مؤلف رسائل النور
بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
مُصنَّفاتُه، مَسلَكُه، مَشرَبُه
ترجمة وتحرير
حسين عثمان - خليل جادو - محمد أبو الخير السيد
تدقيق وفهرسة
د. محمد بسَّام حجازي
— 5 —
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
وبهِ نَستَعِين
مقدِّمة
كتبَ هذه المقدِّمةَ عالِمٌ جليلٌ مقيمٌ بالمدينة المنوَّرة
حين يقرأ الإنسان سِيَیرَ العظماء، ويطالع مناقبهم الرفيعة، ويتأمَّل في ذكرياتهم الأثيرة، يخالجه شعورٌ بأنه يدخل عالَمًا آخر، حيث تُلْهِبُ شُعلةٌ عُلْويةٌ فؤادَه بأحاسيس المحبة الصافية، ويَغمر الفيضُ الإلٰهي كيانَه.
ولقد حَفِظَ لنا التاريخ رجالًا يتضاءل أمام عظمتهم العظماء.. هم أبطالُ التاريخ ومفاخرُه، ما إنْ يُذكَروا حتى تسموَ الروح عن الأرض لتُحلِّقَ في عوالمَ رحيبة، ويَلُفَّها من الأعماق ألفُ شذًى، كأنها تشُقُّ طريقًا في خميلةِ وردٍ من عالَم الجِنان.
إنني في هذه المقدمة لأشعر بهذه الحقيقة العميقة بكل جلالها وعَظَمَتِها؛ ذلك أن هذا الكتاب الذي نقدِّمه لقرّائنا الأعزَّاء الأكارِم بعميقِ الصدق والإخلاص، إنما يتناول حياة الأستاذ العظيم فاتحِ القلوب بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ، الذي تَحفِل كلُّ صفحةٍ من صفحات عمره المبارك المديد الذي ناهز قرنًا من الزمان بآلافِ الروائع؛ كما يتصل اتصالًا وثيقًا بمجموعِ آثاره "رسائلِ النور" البالغةِ مئةً وثلاثين جزءًا؛ وبطلاب رسائل النور الذين ما فَتِئُوا يضربون - لا لمجتمعهم فحسب، بل للإنسانية جمعاء - أروعَ الأمثلة في الخلُق والفضيلة، وفي الصدق والإخلاص، وفي الإيمان والعرفان.
— 6 —
وإذا كانت مقدمةُ الكتاب تُعَدُّ خلاصةً لما فيه، فأنَّى لمقدِّمةٍ أن تَستوعِبَ في وُرَيْقاتٍ ما ينطوي عليه هذا الكتاب الجليل من موضوعاتٍ هي من السَّعةِ والعمقِ جديرةٌ بأن يُفرَد لكلِّ واحدٍ منها كتابٌ مستقل؟!
وعلى الرغم من أنني كتبتُ فيما مضى ما شئتُ أن أكتبَ من نظْمٍ ونَثْرٍ، إلا أني لم أكن يومًا بهذا القدر من الشعور بالحيرة والعجز كما هي حالي الآن!! ومن هنا فإن مَن يقرأ هذا الكتاب متذوِّقًا معانيَه بعمقٍ ونشوةٍ عُلويَّة وحماسٍ متَّقِد؛ يجد بإعجابٍ في بديعِ الزمان شخصيةً فذَّةً وعالِمًا فريدًا، نشأ منذ نعومة أظفاره نشأةً غير عادية، وغدا مَظهرًا للتجليات الإلٰهية على امتداد سنوات حياته.
وإنني بعد أن أمعنتُ النظر مدقِّقًا في شخصية هذا الرجل العظيم، ودراسةِ كتبه، والتعرُّفِ إلى طلابه، وبعدَ أن عشتُ في عالَم النور هذا حِسًّا وفكرًا وروحًا؛ أدركتُ حقيقةً بعيدةَ الغَور عبَّر عنها قديمًا شاعرٌ عربيٌّ بقوله:
ليس على اللّٰه بمُسْتَنْكَرٍ أن يَجمع العالَم في واحدِ
٭ ٭ ٭
ولا عجب من أن نرى المنجذبين إلى فَلَكِ هذا القطب يزدادون يومًا بعد يوم، فقد نهلوا من سُموِّ غايته، ورِفعة دعوته، وعَظَمَةِ إيمانه الإلهامَ والمدد، وما يزال هذا الحَدَثُ الربَّانيُّ الجليل المحيِّیرُ للعقول يبعث السرور والانشراح ويُديمهما في قلوب المؤمنين، مثلما يَحزُن المنكرين ويَقهَرهم.
وعن هذا الحَدَث الإلٰهيِّ الماثل حيًّا في القلوب المؤمنة كأنه رابطةٌ معنويةٌ يعبِّرُ أحد المجاهدين الكبار تعبيرًا يبعث الوجد في حنايا الأفئدة، فيقول: "حين طغى الابتذال الخُلُقي في تلك الأيام الحالكة، وعَمَّ كلَّ جهةٍ كالطوفان، ومدَّ يدَه ليُغرِق كلَّ فضيلة.. كان فيضُ بديع الزمان يسري من قلبٍ إلى قلبٍ كَسِرٍّ دفَّاقٍ لا يقاوَم، فنجد فيه السُّلوان.. لقد أظلمتْ ليالينا كثيرًا، ومتى اشتدت ظلمةُ الليالي كان بزوغُ فجرِها وشيكًا".
— 7 —
أجل، إن الذين رأوا فيض هذا النور الساري من قلبٍ لآخر كَسِرٍّ لا يمكن مقاومته، والذي أخذ يَشِعُّ ويَنثُر ضياءه في أرجاء البلاد، أخذوا يسألون بِحَيْرةٍ: مَن هذا الرجلُ الذي عمَّتْ شهرتُه البلاد؟! ما سيرتُه؟ ما آثارُه ومؤلَّفاتُه؟ ثم ما مسلكُه ومشربُه؟ وهل منهجه جمعيةٌ أم طريقةٌ صوفية؟! أم هو تنظيم سياسيّ؟!
ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل سرعان ما بدأت الملاحقاتُ الإدارية والقضائية المشدَّدة، وتوالَتْ عليه صنوفُ التحقيقاتِ الصارمة والمحاكمات الطويلة المتعاقبة.
وفي نهاية المطاف، وبعد أن تبيَّن أن هذا التجلِّيَ الإلٰهي ليس سوى صرحِ إيمانٍ وعِرفانٍ شُيِّدَ في عالم القلوب؛ ظهرت النتيجةُ عدالةً مشخَّصةً أو برهانًا إلٰهيًّا، عنوانها: "براءة بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ ومؤلفاتِه رسائلِ النور".
وأُعلِن هذا القرار رسميًّا، لتسطع حقيقة السُّنَن الإلٰهية التي لا تبديل لها شمسًا مشرقةً على الدوام من الأزل إلى الأبد، متجلِّيةً في غلَبة الروح على المادة، وانتصارِ الحق على الباطل، والنور على الظلام، والإيمان على الكفر.
٭ ٭ ٭
يُقال: إن أصدق معيارٍ يبيِّن حقيقةَ أيِّ مصلحٍ في بيئةٍ ما ويكشِف عن مدى صدقه وإخلاصه، هو التغيرات والفروقات التي تَظهر في حياته الشخصية والاجتماعية والروحية والمادية بعد نجاح دعوته، مقارَنةً بما كان عليه في أيامها الأولى.
فلْننظُر مثلًا في سيرة هذا الرجل في الأيام الأولى من دعوته: إنه رجلٌ متواضعٌ مَهيبٌ، مُؤْثِرٌ على نفسه مُضَحٍّ متفانٍ، مضرِبُ المثل في الجدِّيّة والنقاء والخُلُق والفضيلة، إنه باختصار شخصيةٌ في أعلى درجات التميز والطُّهر.
ثم لْننظُر في سيرته بعد أنِ انتصر في جهاده، وتبوَّأ المكانة المرموقةَ في القلوب والأرواح والمشاعر، هل سيَبقى نقيًّا وأنموذجًا يُحتذى كما عَهِدناه؟ أم يُصبِح كآخرين كُثْرٍ، أخذتْهم نشوة الانتصار، وحَسِبوا أنفسهم عظماء، فلم تعُد تسعُهم أرضٌ ولا سماء!!
— 8 —
أجل، إن هذا هو أجلى مرآةٍ تعكس شخصيةَ صاحبِ أيَّةِ دعوة، وتُجلِّي هُويَّتَه بأوضح صورة، وتُفصِح عن حقيقةِ دعوته وماهيَّتِها صغيرةً كانت أو كبيرة.
وعلى مرِّ التاريخ كان الأنبياء عليهم السلام هم مَن حازوا قصَب السبق في ميدان هذا الامتحان الشاق، لا سيما إمامُهم سيدنا محمد (ص)؛ ثم خلفاؤه وأصحابه الكرام، ثم من سار على ذلك الدرب النيِّر من الشخصيات العظيمة.
٭ ٭ ٭
ويبيِّن الرسول الأكرم (ص) ببلاغته المعجِزة في حديثه الشريف: العلماء ورثة الأنبياء أن شأن العالِم ليس بالأمر الهيِّن، إذْ يلزَم مَن كان مِن ورثة الأنبياء أن يتَّبع الطريق الذي سلكوه في تبليغ الحق والحقيقة ونشرهما، مهما كان في هذا الطريق من مشاقَّ وعقباتٍ ومهاوٍ؛ بل ما هو أسوأ من ذلك: ملاحقاتٌ وتوقيف.. ومحاكماتٌ وسجنٌ وزنازين.. ونفيٌ وتشريد.. وتسميمٌ وأعوادُ مشانق.. وما لا يخطر بالبال ولا في الخيال من أنواع الظلم والاضطهاد.
وها هو بديع الزمان قد سار طَوالَ حياته بجهاده المقدس في هذا الطريق الشاقِّ أزْيَدَ من نصف قرن، ومضى كالبرق يجتاز آلاف العقبات، مُثبِتًا بصورةٍ عمليةٍ أنه عالِمٌ من ورثة الأنبياء. إن أكثر ما يأسرني في علمه وأخلاقه وأدبه وفضائله ومزاياه الجمَّة: إيمانُه الراسخ رسوخ الجبال، العميق عمق البحار، السامي الرَّحب كالسماوات!
يا إلٰهي ما أعظمه من إيمان!! يالَه من صبرٍ لا ينفَد!! يالها من إرادةٍ صلبةٍ كالفولاذ!! ثم بالرغم من كل هذا العَسْف والتهديد وألوان الأذى والآلام التي يرتعد لذكرها الخيال.. بعدَ هذا كلِّه.. ياله من رأسٍ أشَمَّ لا ينحني!! وياله من صوتٍ هادرٍ لا يَیخْیفُت!! وياله من نَفَس لا يهدأ!!
إنني لِما انتابني من الوجد إثر وقوفي على الأشعار البليغة للشاعر الكبير "محمد إقبال"، نَظمْتُ قصيدةً عنوانها: "مییجییاهیید"؛ وقد قيل لي فيها: لقد بالغتَ فيما نظمتَ!! لكنّ من يقرؤها بعد أن يقرأ هذا الكتاب الفريد الذي أتشرف بكتابة مقدِّمته، سيدرك - والوجدُ يغمره مع الإعجاب - كم للّٰه من عبادٍ صنع بهم كمالُ الإيمان الأعاجيب!
— 9 —
إنْ يَحْظَ عزمٌ بهذا القلب يحملُه
أنَّى قيودُ الردى يومًا تكبِّله؟!
يزيدُ قوَّتَه إلهامُ بارئنا
النورُ مِحرابُ قلبٍ، ما يكون هنا
وليس من قولِه ثلجُ الشتا عرَضٌ
يمضي مدى عمره لا شيء يُقلِقُه
وسِرُّ إيمانِ هذا المرءِ يَدخُلُه
يَجِيْشُ بركانه لا شيءَ يُقفِلُه
كلَّ الليالي رجا رؤيا النبيِّ له
بدرُ السماء كقنديلٍ نُدَلْدِلُه
وليس تُرهقُه الأحزان والوَلَه
عذبُ الظلالِ بصيفٍ إذْ يُظللّٰه
ما في الجِنان يرى؛ دنياهُ لو مُحِيتْ
إذا المهاوي أحاطتْ والدُّنى حُلَكٌ
والكربُ قد عمَّ والسبعُ الطِّباقُ هوَتْ
لن تُطفأ الروحُ والإيمانُ يوقِدها
مثل البراكين لا شيءٌ يقومُ لها
يا ساريَ الدرب إن الفجر منبلجٌ
فارْقَ النجومَ، من الجنّاتِ أنتَ يدٌ
للخَطْبِ لا ينحني، كالطَّودِ ماثَلَه
والشمسُ قد طُمِسَتْ والبدرُ مأفَلُه
ما حاد عن دربه.. لم يَخْبُ مِشْعلُه
ما أقدس القلب بالإيمان يُكْمله
صوتٌ من القلب للوجدان ينقله
يُبكي الظلامَ دمًا قد جاء مِشْعلُه
دربَ الخلاصِ إلى الإنسان تحملُه
وكأن هذه الأبيات قد كُتِبَتْ بحقِّ بطلِ الإيمان المجاهدِ الكبير بديع الزمان؛ فهذه الصفات السامية صفاتُه.
لنتأمَّل بِمَ يَعد اللّٰه تعالى المجاهدين في هذه الآية الكريمة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ؛ إنه سبحانه يَعِد مَنْ جاهدوا بالنفْسِ والنَّفيس في سبيل الإيمان والقرآن بتبيانِ طريق الهداية والحقيقة لهم؛ وما دامت شروطُ تَحَقُّقِ هذا الوعد الإلٰهي قد استُوفيت فحاشا للّٰه أن يخلف وعده.
إن هذه الآية الكريمة لَتغدو مرشدًا نورانيًّا لنا في تحليل شخصية الأستاذ، فنستطيع في ضوء هذا النور الصافي أن نرى أدقَّ الملامح والتفاصيل ونعاينَها؛ ذلك أنَّ مَن كان مَظهَرًا لنعمةِ اللّٰه في حفظِه وحمايته، لم يكن لشيءٍ من الخوف أو القلق أو الحزن أو السَّأَم عنده من أهميةٍ تُذكَر.
— 10 —
أجل، إنَّ قلبًا تنوَّر بنور اللّٰه.. أيُّ غيومٍ يمكنها أن تُلبِّد آفاقَه؟!
وإنَّ روحَ عبدٍ غَمَرتْها سعادةُ الأنس باللّٰه في كلِّ آنٍ.. أيَّةُ آمالٍ ورغباتٍ فانية، أم أيَّةُ حفاوةٍ وعطايا زائلة، بل أيَّةُ غاياتٍ ومطامعَ دنيَّةٍ يمكن أن تمنحها الطمأنينة أو السكينة أو السُّلوان؟!
خليلُییه ومربِّيییه ووليُّییه، اللّٰه تغدو جميعُ أحاسيسِه ومشاعره نورًا كلما ذَكَر
يرقى كل لحظة في مقامات المعرفة يفتحُ القیرآنُ لروحیه آفاقًیا مختلفیة
يذكرهُ القرآنُ بمجلس (ألست بربكم) والعاشق بذلك التجلِّي نشوانُ منذ الأزل
إن بديع الزمان شخصيةٌ مبارَكةٌ، ومَظهَرُ عنايةٍ ربّانيةٍ فريدة، لقد غدتْ عنده زنازينُ السجن روضاتٍ يشاهِد منها الآفاق النيِّرة للعوالم الأبديَّة، وانقلبتْ أعوادُ المشانق منابرَ وعظٍ وإرشادٍ يلقي منها على أسماع الإنسانية دروسَ الصبر ورباطة الجأش والثبات والجَلَد في سبيل غايةٍ عُلوية، وتحوَّلت السجون - واحدًا تلو الآخر - إلى مدارسَ يوسفية، يدخلها كما يدخل أستاذٌ كبيرٌ الجامعةَ لإلقاء محاضرة؛ ذلك أن مَن فيها من السجناء هم طلابُه المحتاجون إلى فيضه وإرشاده.
ولقد كان إنقاذُه في كل يومٍ إيمانَ بضعةٍ من أبناء الوطن، وتبديلُ حال الجُناة إلى أناسٍ كالملائكة، سعادةً لا تُقدَّرُ عنده بالدنيا.
إن إنسانًا على هذا القدر الرفيع من مشاعر الإخلاص والإيمان لا شك أنه ترك تأثير البريق الزائف الذي يخلِّفه مفهوما الزمان والمكان على الفانين في عالَم المادة الكثيف، وسما بروحه إلى آفاق عالَمِ المعنويات بأنواره المتلألئة؛ وما المرتبة العليا التي يُعرِّفها ويصِفها كبارُ الصوفية رضي اللّٰه عنهم بی"الفناء في اللّٰه" و"البقاء باللّٰه" إلا نيل هذا الشرف القدسي.
أجل.. إن لكل مؤمنٍ حظَّه من الأُنس والحضور والخشوع والفيض والتجرُّد والاستغراق، وكلٌّ ينهَل من هذا الفيض الإلٰهي بحسَب إيمانه وعرفانه، وبحسَب صلاحه وتقواه، وبحسَب استمداده ومعنوياته؛ غير أن هذا الحال الرفيع والوصال الجميل والعطاء
— 11 —
الفريد مستمرٌّ على الدوام لأولئك المجاهدين العظام أرباب الإحسان المذكورين في الآية الكريمة، فلهذا لا يقعون في غفلةِ نسيان المولى سبحانه، بل هم طَوالَ عمرهم في مواجهةٍ مع نفوسهم كالأُسود؛ تسجِّلُ كلُّ لحظةٍ من حياتهم أسمى ذكرياتِ الترقي والتكمُّل، فينصهر وجودهم وكيانهم برضى رب العالمين المتصف بصفات الجلال والجمال والكمال.
فاللّٰهم ألحقنا بتلك الزمرة السعيدة؛ آمين.
٭ ٭ ٭
لقد تناولنا بالبحث آنفًا عظمةَ إيمانِ الأستاذ التي لم تأخذ بألبابِ أصحابه فحسب، بل حيّرتْ أعداءَه وألقتْ في قلوبهم الرَّوع؛ وكما أن لكلِّ شخصيةٍ مزاياها المختلفة وصِفاتِها المحدَّدة التي تكوِّنها، فللأستاذ كذلك مزايا وصِفاتٌ تكوِّن شخصيتَه، وسنتناول بالبحث أخلاقَ هذه الشخصية الفريدة ومزاياها وكمالاتها التي تَحُفُّ بها مثل هالةٍ من نور؛ فمنها:
تضحيتُه:
إن أهم شرطٍ لنجاح صاحب أيةِ دعوةٍ - لا سيما إنْ كان داعيةَ إصلاحٍ - هو التضحية، فالأنظار والقلوب ميَّالةٌ لِتَتَیبُّع هذه النقطة المهمة، تَلحَظُها بحساسيةٍ فائقة؛ وإن حياة الأستاذ بأجمعها لَتمتلئ وتفيض بأمثلةٍ رائعةٍ في التضحية.
ولقد سمعتُ يومًا من شيخ الإسلام العلّامة المرحوم "مصطفى صبري" أفندي كلامًا عن التضحية قال فيه: "إنَّ الإسلام اليومَ يتطلَّب مجاهدين أفذاذًا، مستعدين للتضحية لا بدنياهم فحسْب، بل حتى بآخرتهم"!!
ولأني لم أستوعب تمامًا هذا الكلام الصادر عن إنسانٍ جليل، فقد شبّهتُه بما يصدر عن الصوفية من أقوالٍ وأسرارٍ حال استغراقهم، ولم أقله لأحد، ولم أتطرق إليه في مجلس؛ إلى أن أتى زمانٌ قرأتُ فيه المقولةَ ذاتها في ثنايا عباراتٍ جَيّاشةٍ تتَّقِدُ نارًا لبديع الزمان، فأدركتُ عندها أن معيار التضحية يَعظُم بحسب العظماء.
— 12 —
نعم.. أيترك اللّٰه - وهو ذو الكرَم تعالى وتقدس - المجاهدين المضحِّين بمُهَجِهم في سبيل الإسلام؟! أيتخلى عنهم وهو أرحم الراحمين؟! أيليق بشأنه أن يحرم عبدَه المضحّيَ من لطفه وكرمه وعنايته ورحمته؟!حاشا وألف حاشا.
وهكذا يتألق بديع الزمان كأسطع مثالٍ لهذا التجلي الاستثنائي، فقد عاش عمرَه كلَّه متجرِّدًا، محرومًا تمامًا من جميع لذائذ الدنيا ومباهجها المشروعة؛ لم يجد وقتًا ولا فرصةً ليبني حياةً عائليةً سعيدةً يأوي إلى وارِفِ ظلالها، ويأنَس برغيدِ عيشها؛ ولكن اللّٰه تعالى أحسن إليه إحسانًا تعجِز الأقلام الفانية عن وصفه لعظمته وفخامته.
فمَن في الدنيا اليوم ربُّ أسرةٍ سعيدٌ كبديع الزمان الذي هو ربُّ أسرةٍ معنًى؟!
ومَن في عالَم اليوم مثلُه أبًا لملايين الأبناء؟! أنعِمْ بهم من أبناء بَرَرَة.
وأيُّ أستاذٍ مثلُه استطاع أن يربِّيَ هذا الجَمَّ الغفير من الطلبة؟!
إن هذه الرابطة الروحية القدسية ستبقى بإذن اللّٰه ما بقيت الدنيا، وستمضي سيلًا من نورٍ إلى أبد الآباد؛ لأن هذه الدعوة الإلٰهية تبلورَتْ وتكوَّنتْ في بحرِ نورِ القرآن الكريم؛ منه انبثقتْ، ومعه وبه ستبقى.
شفقتُه ورحمتُه:
وَجد الأستاذ الجليل طريق الحق والحقيقة منذ صغره؛ حتى إنه أيامَ كان يأوي إلى المغارات لِيصغيَ إلى نداءات قلبه ومناجاة روحه، كان ذلك "العارفَ باللّٰه" الذي يجني من العبادة والطاعة، ومن التفكر والمراقبة أذواقًا وفيوضات، ويحظى منها بالأنس والحضور.
لكنْ في تلك الأيام الرهيبة التي كان فيها خطرُ الكفر والإلحاد الشبيهُ بأمواج الليل الحالكة يوشك أن يلبِّد بظلماته سماءَ العالم الإسلامي وخاصةً بلادَنا (تركيا)، ألقى الأستاذ بنفسه في ساحاتِ الجهاد كأسدٍ يَنْقَضُّ من عرينه، أو كبُركانٍ يقذف بالحُمَم، وبذل في سبيل هذه الدعوة السامية كلَّ سَكينته وطمأنينته وأُنسِه؛ ومن يومها
— 13 —
غدتْ كلُّ كلمةٍ من كلماته جمرةً، وكلُّ فكرةٍ من أفكاره شعلةً توقد القلوب، وتُلهِب الأفكار والأحاسيس.
إن عودة الأستاذ إلى الإرشاد والحياة الاجتماعية بعد انزوائه وعزلته التامَّة، تُشبِه تلك المرحلة التاريخية المهمة من حياة الإمام الغزالي؛ وهذا يعني أن اللّٰه سبحانه وتعالى يكلِّف كبار المرشدين بوظيفة التنوير والإرشاد بعد تربيتهم وتزكيتهم وتصفيتهم في عزلةٍ حينًا من الزمن؛ ولهذا نجد أنفاسَ سرائرهم التي هي أنقى وأسطع من قطرات الندى، ما انعكستْ على القلوب إلا تركتْ فيها آثارًا لا مثيل لها.
وكما حقَّقَ الإمام الغزالي قبل تسعمئة سنةٍ فتوحاتٍ في ميدان الأخلاق والفضيلة، حقَّقَ بديعُ الزمان فتوحاتٍ في هذا العصر في ميدان الإيمان والإخلاص.
أجل، فما ساق الأستاذَ إلى ساحات الجهاد الملتهبة إلا شفقتُه ورحمتُه التي عزَّ نظيرها، ولنستمع منه إلى هذه الحقيقة:
"يقولون لي: لمَ تعرَّضتَ لهذا وذاك؟! لمَ أزعجتَهم؟!
أقول: لم أنتبه لذلك.. فأمامي حريقٌ هائل يبلغ لهيبه عَنان السماء.. يحترق فيه أبنائي.. وتصل ألسنة ناره إليِّ.. فأهبُّ مسرعًا لأُخمِد الحريق وأنقذهم.. فيقف أحدهم في طريقي يريد إعاقتي، فتصدمه قدمي.. ما أهمية ذلك؟ ما قيمة حادثةٍ تافهةٍ كهذه إزاء هذا الحريق الهائل؟ تفكيرٌ ضيقٌ ونظرٌ قاصر".
استغناؤه:
لقد ضَرب الأستاذ على مدى حياته آلاف الأمثلة في الاستغناء حتى غدت مآثرَ تُروى على كلِّ لسانٍ بين طبقات مجتمعنا كافَّة، إذْ تجرَّد عن السِّوى مادةً ومعنًى باستغناءٍ تام، وتوجَّه بكلِّ كيانه إلى خزينةِ رب العالمين التي لا تنفَد ولا تنتهي؛ ولم يكن ذلك مجرد عادة، بل كان مذهبًا ومسلكًا ومشربًا اتخذه والتزمه مدى حياته، فلم يَحِد عنه مهما قَسَتِ الظروف.
— 14 —
واللافت للنظر في هذا الأمر أن مسلكه هذا لم يبق منحصرًا فيه وحده، بل انتقل كفكرةٍ قدسيةٍ إلى طلابه، حتى إن المرءَ لتعتريه الدهشة والحيرة أمام استغناءِ طالبِ النور الذي غدا مَظهَر شرفٍ باغتساله من بحر النور.
اُنظروا كيف يوضِّح الأستاذ في المكتوب الثاني من مكتوباته - ذلك الأثرِ الرائع - هذه النقطةَ المهمةَ من وجوهٍ ستةٍ بحِسٍّ إيمانيٍّ وعرفانيٍّ أصيل:
أولًا: يَتهم أهلُ الضلالة أهلَ العلم بأنهم يتخذون العلم مغنمًا، ويهاجمونهم بتَجَنٍّ قائلين: إنهم يجعلون العلم والدين وسيلةً للتكسُّب؛ وبناءً على هذا يَلْزَم تكذيب هؤلاء عمليًّا.
ثانيًا: إننا لكي ننشر الحق لا بد لنا من اتباع منهج الأنبياء، وشأن مَن ينشر الحق أن يُعلِن استغناءه عن الناس قائلًا كما أخبر القرآن الحكيم:
﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللّٰهِ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللّٰهِ ﴾
وهكذا فالفتوحات الإلٰهية التي غدَتْ كلياتُ رسائل النور مظهرًا لها، ما هي إلا مثالٌ فريدٌ ونتيجةٌ رائعةٌ للثبات البطولي على مسلك الأنبياء عليهم السلام؛ ومن هذا المنطلق استطاع الأستاذ أن يحافظ على عِزَّته العلمية كألماسٍ ثمين.
فرجلٌ لم يقع في إسَارِ الراتب والرُّتبة والثروة وغيرِها من صنوفِ المنافع المادية والشخصية التي وقع الناسُ أسرى لها، كيف لا يكون فاتحًا للقلوب؟! وكيف لا تمتلئ النفوس المؤمنة من فيضِه ونورِه؟!
اقتصادُه:
ليس الاقتصاد سوى تفسيرٍ وإيضاحٍ للاستغناء الذي تحدثنا عنه، ولا سبيل لدخول قصر الاقتصاد إلا من باب الاستغناء، ولهذا نرى العلاقة بينهما علاقةَ اللازم والملزوم.
وإنّ مجاهدًا كالأستاذ اتخذ الأنبياءَ أسوةً له في الاستغناء، سيكونُ الاقتصاد عنده خَصلةً فطريةً، فيكفيه لِقُوْتِ يومه عندئذٍ كأسُ ماءٍ مع قطعةِ خبزٍ وقليلٍ من الحساء؛
— 15 —
ذلك أن هذا الإنسان العظيم كما قال الشاعر الفرنسي الكبير المُنْصِف لامارتين: "لا يعيش ليأكل، بل يأكل ليعيش".
وبعد أن وقفنا على جوانب وافيةٍ من مَشرَب الأستاذ ومَسلكه، فلست أرى أن نقيس اقتصاده الرفيع في مجرد أمورٍ بسيطةٍ كالطعام والشراب، بل اقتصاد هذا الرجل العظيم حريٌّ بأن يُقاس في ميدان المعنويات، لا أنْ يُقتَصَر به على الأمور المادية.
فمثلًا: لم يكن اقتصادُ الأستاذ في مجرّد المأكل والمشرب والملبس، بل كان عبقريًّا يزِن بميزانٍ دقيقٍ المعنوياتِ والقيمَ المجرَّدةَ كالفكر والذهن والوقت والقابليَّة والاستعداد، بل حتى النَّفْس والنَّفَس، لئلا يقع فيها إسرافٌ أو هدر.
وقد لقَّن جميعَ طلابه أصولَ هذه المراقبة الصارمة والمحاسبة الدقيقة التي أخذ بها نفسَه مدى حياته وغدتْ سجيةً له؛ ولهذا فليس من السّهل أن يقرأ طالبُ النور كتابًا كيفما اتفق، أو يُلقيَ سمعه لكلِّ مقولة؛ ذلك أن قلبه يدور على كلمةٍ تُدير شؤونه بحساسيةٍ فائقة هي: "انتبهْ"!!
وهكذا أثبت بديع الزمان - على نحوٍ فعليٍّ - بما ربَّى من جيلٍ طاهرٍ أنه مربٍّ فريد ومصلحٌ قدير، وأنَّه نادرةٌ بشريةٌ أضافت لتاريخ الاقتصاد صفحةً ناصعةً مسطورةً بسطورٍ من نور.
تواضعُه وفناؤه عن نفسه:
لقد كان لهاتين الخصلتَين عظيمُ النفع وعميق الأثر في انتشار رسائل النور انتشارًا فريدًا على نطاقٍ واسعٍ في أنحاء العالَم؛ ومَرَدُّ ذلك أن الأستاذ لم يتَّخذْ لنفسه في شيءٍ من دروسه أو مؤلَّفاته ألقابًا كی"قطب العارفين" و"غوث الواصلين"؛ فتوجَّهتْ إليه القلوب بدافئ المشاعر، وأحبَّتْه أنقى وأصدقَ ما يكون الحُب، وتمثَّلتْ من فورها غايتَه العُلويَّة السامية.
فمثلًا نجده في حديثه ودروسه في الأخلاق والفضيلة والحِكَم والعِبَر يوجِّه الكلام إلى نفسه مباشرةً، ويضعها موضعَ المخاطَب الأول والوحيد في خطاباته
— 16 —
اللاذعة الملتهبة؛ وعندها ينتشر النور من هناك، من المركز إلى المحيط، حيث القلوب المتلهِّفة إلى النور والسرور، والسعادة والحضور.
لقد كان في حياته الشخصية في غاية الحِلْم والموادعة، وفي منتهى درجات التواضع، يبذل عظيم التضحيات في سبيل ألا يؤذي إنسانًا، بل حتى ذرةً، محتملًا ما لا يُعَدُّ من المِحَن والمشقّات، والحِرمان والمضايقات؛ شريطةَ ألا يمسَّ ذلك إيمانَه وقرآنَه؛ وإلا رأيتَ ذلك البحرَ الهادئ قد انقلب طُوفانًا تندفع أمواجه نحو السماء، ومحيطًا ينشر على السواحل الهيبة والرهبة؛ ذلك أنه الخادم الصادق للقرآن الكريم، والجنديُّ الفدائيُّ المغوار المرابط على حدود الإيمان.
وقد عبَّر بنفسه عن هذه الحقيقة في جملةٍ وجيزةٍ قال فيها: "عندما يكون الجندي في نَوبةِ حراسته فليس له أن يضع سلاحه حتى وإن حضَرَ القائد العام؛ وأنا كذلك: خادمٌ للقرآن وجنديٌّ له؛ وعندما أقوم بوظيفتي فليبرُز إليَّ مَن شاء أن يبرُز، فإني صادعٌ بالحق لا أحني رأسي".
وهذه الأبيات هي لسانُ حاله عندما يكون قائمًا بوظيفته وفي ميدان الجهاد:
إني أحطِّم كلَّ قيدٍ كاسرِ
حاشا لنفسي أن تُباع رخيصةً
جذري هنا، ذاتي وإيماني هنا
إن البِعادَ هو الإسارُ، هو الضَّنى
لحظاتُ عمري ما حَيِيْتُ لقد غدتْ
وكقلعةٍ شَمَّاءَ إيماني غدا
كم ذا تُكَلِّلني السعادةُ والرضى
أجداديَ الشهداء في جناتهم
إني إذا رُوحي ثَوَتْ بخلودها
أما المماتُ فإنما هو مرتقى
مُدمى اللجام، لَكالجَواد الضامرِ
في صفقةٍ بيدِ العدو الغادرِ
حاشا أُباعِدَ أو أُشيحَ بناظري
سِجنٌ مُذِلٌّ يالَه من فاقِرِ
عشقًا يدوم مدى الزمان الدائرِ
شيدتْ ركائزُها على يد قادرِ
قدسيَّةُ الآمالِ مفرَحُ خاطري
يرجون لُقْياي بروضٍ عاطرِ
لم يفْنَ عمري؛ خالدٌ، لا أمْتَرِي
للقاء ربي ذي الجلال الغافرِ
٭ ٭ ٭
— 17 —
كنتُ أودُّ أن أستهِل الكتاب بعرضٍ للجوانب العلمية والفكرية والصوفية والأدبية للأستاذ، إلا أنه تبيَّن لي يقينًا أن هذه الموضوعات لِشمولها وعمقها لا يمكن أن تُختصَر في بضعِ صفحات، فرأيتُ مناسبًا أن أشير إليها في جُملٍ يسيرةٍ.
وأرجو من اللّٰه تعالى ضارعًا أن ييسر لي بلطفه تناوُلَ هذه الموضوعات العميقة بالتحليل والتدقيق في كتابٍ واسعٍ مستقل، مستفيدًا من كليات رسائل النور وطلَبَتها، وأطلب - بهذا الخصوص - الدعوات من أستاذي الجليل وإخواني الأعزاء.
عِلمُه:
يعبِّر المرحوم "ضياء باشا" في شعرٍ له عن حقيقةٍ كبرى تتناقلها الأجيال دستورًا؛ فيقول:
ليس بالأقوال لكنْ إنما
رتبةُ الإنسانِ دومًا عقلُه
عَرَّفَ الإنسانَ مرآةُ العملْ
ليس بالمَظهَر تقديرُ الرَّجُلْ
أجل، إنّ الحديث عن جوانب المقدرة العلمية لرجلٍ استثنائيٍّ فريدٍ، أهدى أُمَّتنا الإسلامية مكتبةَ إيمانٍ وعرفانٍ نفيسةً كی"كليات رسائل النور"، وبنى في القلوب مؤسسة نورٍ قدسية، لهو عملٌ أشبه بالتعريف بالشمس في رابعة النهار!!
ولكن كما قال شاعرنا المضطرِمُ وَجْدًا: "الحُسْن ما سَلَب الإرادة"، فإنّ ما يُضْفيه البحثُ في علمِ هذا الرجل المبارك وفي عرفانه وأخلاقه وكمالاته من ذوقٍ فريدٍ ونفحاتٍ إلٰهيةٍ - وهو مَن غدتْ حياتُه بكل لحظاتها مَظهرًا للتجليَّات الإلٰهية - يجعلني غيرَ متمالكٍ لنفسي في الإطناب والإسهاب في الحديث.
لقد تطرَّق الأستاذ في مجموع رسائل النور لأهم المسائل الدينية، والاجتماعية، والأخلاقية، والأدبية، والحقوقية، والفلسفية، والصوفية، ووُفِّیقَ في جميع ذلك أيَّما توفيق.
وما يثير الإعجاب في الأمر أنه تناولَ أهم المسائل المستعصية التي تاهَ كثيرٌ من العلماء في مسالكها المحفوفة بالمخاطر، فحَلَّها بصورةٍ قطعيةٍ وبأسلوبٍ في غايةِ الوضوح، متَّبعًا الطريق النيّر لأهل السنة والجماعة في الخروج من أكثر الطرق التواءً، إلى أن بلغ - ومعه قُرَّاءُ رسائله كذلك - شاطئَ السلامة وبرَّ الأمان.
— 18 —
ومن هذا المنطلق نتشرّف بتقديم كليات رسائل النور لسائر طبقات مجتمعنا الكريم بخالص المودَّةِ والطمأنينة؛ إذْ هي قطراتٌ متلألئةٌ من بحرِ نورِ القرآن الكريم، وأطيافٌ ساطعةٌ تبلورَتْ من شمس هدايته؛ ولهذا فإن أقدس وظيفةٍ ملقاةٍ على عاتق كلِّ مسلم هي أن يسعى لنشر هذه المؤلفات النورانية التي تنقذ الإيمان؛ وإن التاريخ حافلٌ بأمثلةٍ تَشهَد بأن كتابًا واحدًا كان سببَ الهدايةِ والسعادةِ لأفرادٍ كُثْر، بل لأُسَرٍ وجماعاتٍ وجماهيرَ لا تُحصى؛ فيالَسعادة مَن يكون سببًا في إنقاذ إيمان أخيه المؤمن!
فِیكییرُه :
من المعلوم أنّ لكل مفكِّرٍ نظامَ تفكيرٍ خاصًّا به، وغايةً يسعى إليها في حياته الفكرية، ومثلًا أعلى يملك عليه كيانَه؛ وإذا كان البحث في هذه الجوانب لدى بديع الزمان تستغرقه مقدِّماتٌ طِوالَ، إلا أنه ليس من العسير استخلاص تلك المقدمات في جملةٍ واحدة هي:
إعلان الدعوةِ الوحيدةِ لعموم الأنبياء وجميع الكتب السماوية، ألا وهي: أُلوهيةُ خالق الكائنات ووحدانيتُه؛ وإثباتُ هذه الدعوة العظيمة بالدلائل العلمية والمنطقية والفلسفية.
هل يعني هذا أن للأستاذ علاقةً بالمنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية؟
نعم.. ما دام المنطق والفلسفة متصالحَين مع القرآن، ويخدمان الحق والحقيقة، فالأستاذ أكبر منطقيٍّ وأقدر فيلسوف؛ وما الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة التي يستخدمها الأستاذ في مضمار إثباته لدعوته السامية الشاملة للعالَم إلا علومٌ طبيعيةٌ تعلِن وتثبِت باطِّرادٍ يومًا بعد يوم أن القرآن الكريم كلام اللّٰه.
بل إنه ما دامت الفلسفة صادرةً في أصل معناها عن الحكمة، فإن كلَّ كتابٍ يجتهد في إثبات ذات الباري واجبِ الوجود تعالى وتقدَّس، وإثباتِ صفاتِه اللائقة، يغدو حكمةً عظمى، ويغدو مؤلِّفُه حكيمًا عظيمًا.
— 19 —
وبسلوك الأستاذ هذا الطريق العلمي، طريقَ القرآن الكريم النورانيَّ، نال شرفَ إنقاذِ إيمان الآلاف المؤلَّفة من طلبةِ الجامعات، وقد حاز بهذا الخصوص الكثيرَ من المزايا الأدبية والفلسفية فضلًا عن مزاياه العلمية؛ وكُلِّي أملٌ أن أعرِضَ أمثلة ذلك وأُورِدَها من مؤلفاته في كتابٍ مستقلٍّ إن شاء اللّٰه، ومن اللّٰه التوفيق.
تصیوُّفُیه:
سألتُ مرةً عالمًا جليلًا من مشايخ الطريقة النقشبندية يجتهد في اتباع الرسول (ص) في جميع شؤونه: سيدي.. ما سبب توتر العلاقات بين الصوفية والعلماء؟
فأجاب: لقد وَرِث العلماء عن الرسول (ص) عِلمَه، وورِثَ الصوفية عَمَلَه؛ ولهذا يُطلَق على من كان وارثًا لعِلمِه وعَمَلِه معًا: "ذو الجناحين".
وبناءً على هذا فالمقصد من الطريقة الأخذُ بالعزائم لا بالرُّخَص، مع التخلق بأخلاق المصطفى (ص)، والتزكية من الأمراض المعنوية، والفناء في رضا اللّٰه تعالى.
فمن فاز بهذه الدرجة العُلوية كان من أهل الحقيقة بلا شك، بمعنى أنه بلغ الغاية المقصودة والمطلوبة من الطريقة؛ إلا أنه لما كان الفوز بهذه المرتبة الرفيعة غيرَ متيسِّرٍ لكل أحد، وضع أولئك الأكابرُ قواعد معيَّنة لِيُمكن بلوغُ الهدف المطلوب بيُسر.
والخلاصة أن دائرةَ الطريقة واقعةٌ في ضمن دائرة الشريعة، فمن يخرج من دائرة الطريقة يقع في دائرة الشريعة، أما الخارجُ من دائرة الشريعة فيهوي في الخسران الأبدي والعياذ باللّٰه.
واستنادًا إلى ما قال هذا العالم الجليل فليس ثمة فرقٌ جوهريٌّ بين طريق النور الذي خَطَّه بديع الزمان وبين التصوُّف الحقيقي الخالي من الشوائب، فكلاهما موصِلٌ إلى رضا الباري سبحانه، وبالنتيجة إلى الجنة العالية ورؤية المولى الكريم.
وبناءً على ما سبق: فيمكن لمن شاء من إخواننا الصوفية القاصدين تلك الغايةَ الأصيلة أن يقرؤوا رسائل النور دون حرجٍ ولا مانع، بل لقد وسَّعت رسائلُ النور
— 20 —
بمنهجها القرآني دائرةَ المراقبة في التصوُّف، وأضافتْ إليها وظيفة التفكُّر باعتبارها وِرْدًا بالغَ الأهمية.
نعم.. إن السالك المنشغل بمراقبةِ قلبه فحسب، تنفتح لناظِرَيْهِ وروحه بهذا التفكر آفاقٌ غير مسبوقة، فيطالعُ بقلبه ولطائفه معًا جميعَ الكائناتِ من الذرَّات إلى السيارات بعظَمَتها وفخامتها متأمِّلًا مراقِبًا مشاهِدًا، ويرى بكمال الوجد تجلِّياتٍ لا تُحَدّ لأسماء اللّٰه الحسنى وصفاته العلا في تلك العوالِم، فيشعر عندئذٍ شعورًا بدرجةِ علمِ اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين أنه بين جَنَباتِ مَعبدٍ لا حدود له.
ويالَه من معبدٍ عظيمٍ مهيبٍ حافلٍ بمليارات الجماعات!! كلٌّ يذكر خالقَه في عشقٍ وشوقٍ خاشعًا مستغرقًا، وكلٌّ يردِّدُ بِلُغَته وبنغمته وبألسنةٍ عذبةٍ جميلةٍ شجيَّةٍ ألحانًا منسجمةً كصوتٍ واحدٍ: "سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إلٰه إلا اللّٰه، واللّٰه أكبر".
فمن يسلك سبيل الإيمان والعرفان والقرآن الذي خَطَّتْه رسائل النور، يدخل مثل هذا المعبد المهيب العظيم، ويستفيدُ منه كلُّ امرئٍ على قدْر إيمانه وعرفانه، وعلى قدْر استمداده وإخلاصه.
أدبیُیه:
انقسم الأدباء والشعراء، والمفكرون والعلماء منذ القديم فريقين فيما يتعلق باللفظ والمعنى، والأسلوب والمحتوى؛ ففريقٌ أَولى الأهميةَ للأسلوب والتعبير، وللوزن والقافية فحسْب، فضحَّى بالمعنى في سبيل المبنى، وذلك أظهرُ ما يكون في الشِّعر؛ أما الفريق الآخر فأَوْلَوا المعنى والمحتوى أهميةً قصوى، ولم يُضحُّوا بالمغزى لأجل اللفظ.
وبناءً على هذه المقدمة الوجيزة يمكن فهْمُ الجانب الأدبي لمفكرٍ عظيمٍ كبديع الزمان، إذْ لم ينفق الأستاذ عمره المبارك الثمين في نظم الكلمات ورصْفِها لتبقى رنانةً في الأسماع؛ بل كان ذلك العبقريَّ الذي اشتغل بتلقين الأجيال والعصور الحِسَّ الديني والشعور الإيماني ومفاهيم الأخلاق والفضيلة، لتبقى عبر البشرية نموذجًا
— 21 —
قدسيًّا حيًّا في القلوب والأرواح، وفي الوجدان والأفكار؛ وحقيقٌ بمجاهدٍ تخلَّى عن النَّفْس والنَّفيس في سبيل تحقُّق هذه الغاية العلوية أن يكون فطريَّ الأسلوب غيرَ منشغلٍ بالشكليّات الزائلة.
ومع هذا فإن الأستاذ من حيث رهافةُ الحس، ورِقَّةُ المشاعر، وعمقُ الفكر، واتساعُ الخيال وسموُّه، لَيُعَدُّ صاحبَ ملَكَةٍ وقدرةٍ أدبيةٍ فائقة؛ ولهذا السبب يختلف أسلوبه وتعبيره باختلاف الموضوع؛ ففي القضايا العلمية والفلسفية مثلًا، وفي معرِض إقناع العقل بالأدلة الرياضية والمنطقية، تجده يستعمل تراكيب شديدة الإيجاز؛ لكن عندما يَرومُ نشوةَ القلب وتحليقَ الرُّوح فالعباراتُ متلألئةٌ أدقُّ من أن تُعرَّف.
فمثلًا عندما يصوِّر عالم السماوات والشموس والنجوم والأقمار فضلًا عن عالم الربيع، وعندما يصوِّر تجليَ قدرة اللّٰه تعالى وعظَمَتِه في تلك العوالم يأخذ الأسلوب شكلًا بالغ اللطف، فيضعُك كلُّ تشبيهٍ أمام لوحةٍ غنَّاء تتزيا بأبهى الألوان؛ وترى في كلِّ تصويرٍ عالَمًا بديعًا ينبض بالحياة.
وانطلاقًا من هذا يستطيع طالب النور - وإنْ كان طالبًا جامعيًّا في أيِّ تخصُّصٍ كان - أن تُسبِغ مطالعتُه لرسائل النور الطمأنينةَ على أحاسيسه وفكره وروحه ووجدانه؛ وكيف لا يطمئن ورسائل النور باقةُ وردٍ من حديقة القرآن الكريم الواسعة سَعَةَ الكون!! وفي تلك الحديقة الإلٰهية المباركة عبيرٌ ونسيمٌ من الرحمٰن، وفيها نورُه وضياؤه!!
يقول خريرُ الماء: بالروحِ حاجةٌ لقرآنِ ربي دائمًا حاجةُ البشر
علي عُلْوي قوروجو
٭ ٭ ٭