السيرة الذاتية
— 172 —

تأليف رسائل النور ونشرها

ألَّفَ بديع الزمان كليَّات رسائل النور تحت وطأةِ ظروفٍ قاسيةٍ ما تعرض لها أحد فيما مضى من علماء الأمة وأعلامُها، وكان يتحلَّى بعزمٍ متين وإرادةٍ لا تلين، وعشقٍ للخِدمة لا يخبو، فبذل في تأليفها جهدَه وقوتَه صابرًا متحمِّلًا مضحِّيًا دون كللٍ ولا مللٍ، إلى أن أخرجها مرشدًا عظيمًا ينهض بمهمة التنوير والإرشاد لأبناء الإسلام وبني الإنسان، ويحفظ البلاد والعباد من ثعبان الشيوعية وآفات الماسونية والإلحاد، ويَقِيهم شرورَها في قادم الأيام.
لقد اكتمل تأليف كليَّات رسائل النور برسائلها المئة والثلاثين في ثلاثٍ وعشرين سنةً، وقد أُلِّفت في زمنٍ كانت الحاجة إليها فيه أشدَّ ما تكون، فجاءت ترياقًا شافيًا وعلاجًا ناجعًا، تداوي الأمراض المعنوية لكثيرٍ من الناس؛ ويشعر قارئها - أيًّا كان - بحالةٍ روحيَّة كأنها كُتبت له خاصَّةً، فيطالعها بشوقٍ شديد، وشعورٍ بالحاجة الماسَّة؛ كيف لا وهي التي تقدم لأبناء هذا العصر ومَن بعدَهم الجوابَ الذي يلبي حاجاتهم الإيمانيَّة والإسلاميَّة والفكريَّة والروحيَّة والقلبيَّة والعقليَّة.
إنَّها تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن الحكيم، فهي تُفسِّر الآياتِ لا بحسب ترتيبها، بل بحسب تبيانها للحقائقِ الإيمانيَّة التي تلبي حاجات العصر؛ فالتفسير قسمان: قسمٌ يفسِّر لفظ الآية وعبارتها، وقسمٌ يبيِّن معناها وحقائقَها ويبرهن عليها؛ وتُعدُّ رسائل النُّور واحدةً من أهم تفاسير القسم الثاني وأوسعِها وأكثرها قوةً وإشراقًا؛ وهذا أمرٌ ثابتٌ بشهادةِ وتصديقِ الآلافٍِ من أهلِ التَّحقيق والتدقيق.
وقد أُلِّفَت الرسائل ونُشِرَتْ بأسلوبٍ لم يُرَ مثلُه إلى يومنا هذا، فقد كان بديع الزَّمان سعيد النُّورْسِيّ شِبه أمِّيٍّ، لا يملك من وضوح الخطّ ما يمكِّنه من كتابة الرسائل واستنساخها بيدِهِ، فكان لهذا السبب يُمليها على الكُتَّاب بسرعة، فتُكتَب من فورها، ومع اشتغاله بالتأليف على هذا النحو ساعةً أو ساعتين في اليوم، ظهرت مؤلفاتٌ رائعةٌ
— 173 —
استغرق إملاءُ بعضها عشر ساعاتٍ، أو اثنتي عشرةَ ساعةً، واستغرق بعضُها الآخر أقل من ذلك بكثير.
وكان الطلاب يتناقلون رسائلَ أستاذهم؛ فيستنسخون منها العديد من النُّسخ، ثم يأتونه بها فيُصحِّح أخطاء النُّسَّاخ، وكان من عادته في التصحيح أنه ينظر في النُّسخة مدقِّقًا دون أن يُضطر لمقابلتها بأصلٍ آخَر، وما يزال إلى الآن يُصحِّح الرسالة التي ألَّفها قبل خمسٍ وعشرين أو ثلاثين سنةً من غير حاجةٍ لأن يرجع إلى نسختها الأصل.
وكان يَقدَم عليه طلابٌ من القرى والنَّواحي المجاورة، فيأخذون الرسائل المؤلَّفة بلهفةٍ واهتمامٍ كبيرَينِ، ثم يرجعون فينشرونها كتابةً واستنساخًا بخط أيديهم.
ألَّف بديع الزَّمان رسائلَ النُّور دون الرجوع إلى كتابٍ سوى القرآنِ، ولم يكن لديه وقتَ التأليف أيُّ كتابٍ، وكما قال الشاعر المرحوم محمد عاكف:
فلْنُعرِّف - في هذا العصر - الإسلامَ للأذهان
بالاستلهام مباشرةً من وحي القرآن
وقد تيسَّر لبديع الزمان تحقيقُ معنى هذا البيت.
ولم يعرف التاريخ طريقةً نُشِرتْ بها مؤلَّفاتٌ كالتي نُشِرتْ بها رسائل النُّور، ونوضِّح ذلك بما يلي:
كان لا بد من نشر رسائل النور بالحروف العربية، إذْ هي التي اضطلعت بمهمةِ خدمةِ القرآن الكريم والحفاظ على رسمه؛ وكانت الكتابة بالحروف العربية في تلك المرحلة قد مُنِعت وأغلِقت مطابعها، وكان بديع الزمان فقيرًا لا يملك من متاع الدنيا شيئًا، وكان كُتَّاب الرسائل ونُسَّاخُها لا يكادون يؤمِّنون احتياجاتِهم الضروريَّة، بل كانوا يتعرَّضون - فضلًا عن ذلك - للاعتقال والأذى والاضطهاد، وفي المقابل كانت إجراءات الحكومة المشددةُ وحملتُها الإعلاميَّة المغرِضة ضدَّ بديع الزَّمان تنشرُ الرهبة في كلِّ مكان، وتجعل الناس أسرى المخاوف والأوهام، فيُحجِمون حتى عن الاقتراب من الأستاذ وتَلقِّي دروسِ الدينِ والإيمان منه.
— 174 —
وفي ذلك الحين كان إعدامُ علماء الدين وعُشَّاقِ الحقيقة، وتعليقُهم على أعواد المشانق لمجرَّد إخلاصهم لدينهم، قد نَشَر كثيرًا من أجواء الخوف والاستكانة؛ بينما فَرَض الاستبداد المطلق والظلم الشديد سياسةَ تكميم أفواه أهل الدِّين، فمُنِعَت جميع الدروس التي تبيِّن حقيقةَ الإسلام وأصولَه منعًا باتًّا، ولم يُسْمَح بنشر رسالةٍ حقيقيَّةٍ واحدةٍ تتحدث عن حقائق الدين، وحُرِم الشعب من دروس تلك الحقائق؛ وجرى السعي حثيثًا لتحويل الإسلام إلى جسدٍ بلا روح. (حاشية): جميعُ أولئك الملحدين واللادينيين الذين كانوا يقومون بتلك الإجراءات المعادية للدين، لا يتقبَّلون هذه الصحوة الدينيَّة اليوم.
وهكذا انطلقت هجمةُ الحرب على الدين في تلك المرحلة طاغيةً شرِسةً، يرافقها استبدادٌ جائرٌ يدأب في تكبيلِ حياةِ أهل الإيمان وتقييدها ماديًّا ومعنويًّا، وجاء نشرُ رسائل النور فصدَّ تلك الهجمة، وحطَّم تلك القيود لا سيما المعنويَّةَ منها؛ لقد قصمت رسائل النُّور ظهرَ الإلحاد واللادينية وقوَّضتْ أركانهما.
أجل، لمعت رسائل النُّور كالبرق بين ظلمات الكفر، وانتشرت تخترق الحُجُب نورًا من أنوار القرآن الحكيم يتلألأ بكل بهائه وجلاله؛ وترقّى إيمانُ طلاب رسائل النُّور بعد أن تلقَّوا منها دروسَ الإيمان التحقيقي، فغدَوا أصحاب شهامةٍ إيمانيَّة وجرأةٍ إسلاميَّة؛ وشهدت أعدادهم ازديادًا مطَّردًا؛ وكما أنَّ القائد الشجاع يبث الشجاعة في المئات من جنودِه بلسان حاله ويكون نقطةَ استنادهم، فكذلك شأن الشخص المعنوي لرسائل النُّور المتمثلِ في مئاتِ الآلاف بل الملايين من طلاب النُّور الذين تقوَّى إيمانهم بدروس الإيمان التحقيقي، وفي مقدمتهم بديعُ الزمان سعيد النُّورْسِيّ، فقد غدَوا أسوةً حسنةً ونقطةَ استنادٍ لأهل الإيمان؛ وكان لقوَّةِ إيمانهم ولبطولتهم في مواجهة الإلحاد عظيمُ الأثر في إحداث اليقظة والصحوة بين الناس، فاقتلعوا الخوف والوهم من قلوبهم، وأنقذوا المسلمين من اليأس، وبثُّوا الشجاعةَ والسرور والأمل بين عامة الشعب في أرجاء الوطن.
— 175 —
وإن من المُسَلَّم والمُصدَّق به عند أهل الحقيقة، أنَّ طالبًا واحدًا من طلاب رسائل النُّور الذين جعلوا منها غايةَ حياتهم، هو في قوَّةِ مئة رجل، وخدمتُه للإيمان والإسلام تساوي خدمة مئة ناصح.
لقد ضحَّى طلبة النور بأموالهم وأولادهم وعيالهم دون تردُّد، بل ضحَّوا حتى بأرواحهم إن لزم الأمر في سبيل خدمة الإيمان والإسلام برسائل النُّور، واستبسلوا كأستاذهم غيرَ خائفين ولا مبالين بظلم الكفرة وسجونهم، ولا باضطهاداتهم ولا حملاتهم المغرِضة المجلجلة؛ ووضعوا نصب أعينهم غايةً واحدة هي: "قراءةُ الرسائل ومدارستُها لإنقاذ إيمانهم، وطلبُ مرضاة اللّٰه بخدمة الإيمان والإسلام من خلال رسائل النور"؛ فسخَّروا كلَّ إمكاناتهم ليقوموا بهذه الخدمة ويَبلغوا تلك الغاية.
أجل، لقد آمنوا أنَّهم خَدمُ سفينةٍ ربَّانيَّة تُوصل الأمَّة المحمَّديَّة إلى ساحل السلامة، فأعْظمُ غايةٍ لهم في الحياة أن يكونوا - بخدمتهم القرآن والإيمان - وسيلةً لتعيش الأمَّة المحمديَّة في رفاهٍ وسعادةٍ.
نُشِرتْ رسائل النور في أول الأمر نَسْخًا بخط اليد، وفي تلك المرحلة كان الآلاف من طلاب النور في "إسبارطة" وما حولَها يقومون بهذه المهمة بدأبٍ ونشاطٍ، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، حتى لقد وُجد في ذلك الحين مَن عكف في بيته على نَسْخِها ونشرها دون أن يغادره طَوالَ سبعِ أو ثمانِ سنين؛ بينما كان في قرية "صاو" التي غدتْ مدرسةً من مدارس النور ألفُ قلمٍ لا يَكِلُّ عن الكتابة والنشر.
وبعد عشرين سنةً من تأليفها بدأ نشرها بواسطة آلة النسخ، ثم صارت تُطبَع في المطابع بعد ذلك بعشر سنين، وسيأتي زمانٌ بإذن اللّٰه تُكتَب فيه بماء الذَّهب، وتُقرأ في الإذاعات بمختلف الألسنة، فيغدو وجه الأرض مدرسةً نوريَّةً كبرى.
٭ ٭ ٭
— 176 —
وكان للنساء الفاضلات المباركات جهودهن وتضحياتهن الجليلة في نشر الرسائل وخدمتها، حتى كان منهن مَنْ جاءت إلى الأستاذ وقالت: "سيدي.. سأكفي زوجي القيامَ بالأعمال الدنيوية، ليتفرَّغ لخدمتك وخدمة رسائل النور"، وقامت تلك البطلات بأعباء أزواجهن لكيلا ينشغلوا عن هذه المهمة.
وكان منهن من حملْن المصابيح في الليالي إلى جانب أزواجهن الذين كانوا ينسخون الرسائل سرًا، فشاركْنَهم في خدمة الدين والإيمان بكل ما في وُسْعِهن؛ ومنهن سيداتٌ وفتياتٌ نسخنَ الرسائل بأيديهنَّ، وسكبْن لها نورَ عيونهن، فخدَمْنَ الإيمان كاتباتٍ مبارَكات.
وبرزَ من طالبات النور نساءٌ عظيماتٌ، أقبلْنَ على قراءتها بلهفةٍ تُوصِلهنَّ بنور الإيمان إلى حُسنِ الخاتمة عند انتهاء الأجل، وقرأْنها على أخواتهنَّ في الدِّين وعرَّفنَهن بها، وقدَّمْنَ خِدماتٍ عظيمةً بنشرِها بين النساء، وكنَّ وسيلةً لتنويرهنَّ بأنوار القرآن والإيمان، وترقَّيْن في مراتب الإيمان بقراءة الرسائل وإقرائها حتى كأنما بلغْنَ مقام الإرشاد.
لقد ارتبطت النساء برسائل النور بصفاءٍ وإخلاصٍ طلبًا لمرضاة اللّٰه تعالى وحدَه، إذْ وجدْن فيها أنوارَ القرآن متلألئةً فياضةً؛ وغمرَتْ قلوبَهنَّ محبةٌ إلٰهيةٌ لا تفتُر، فبلغنَ بذلك سعادةَ الدنيا والآخرة؛ وتوطَّنتِ الرسائلُ بقيمتها وعظمتها في قلوبهنَّ الطاهرة النقية، فكنَّ إذا قرأْنَها وتدارسْنَها أُترِعْنَ نورًا وإمدادًا، وفاضت أعينهن بدموعٍ نورانيَّة، وبلغن غاية الأنس والطمأنينة؛ فما أسْعدَهن!! ستظلُّ ذكراهن الطيبة باقيةً بما قدَّمْنَ من خدمةٍ إيمانيَّةٍ قدسية، وستكون قبورُهنَّ بإذن اللّٰه منوَّرةً كرياض الجنَّة، وسيُرفَعنَ في الآخرة أعلى الدرجات إن شاء اللّٰه.
لقد نِلْنَ مكاسبَ معنويَّة جمَّة، ومراتبَ رفيعةً عظيمة بقراءتهن الرسائلَ وإقرائها، ففضلًا عن شمولِ أدعيةِ الأستاذ لهن، تنالُهنَّ دعوات الملايين من طلاب النور، ويُسجَّل ثوابُ أعمالهم الصالحة في سجلِّ حسناتهن بإذن اللّٰه، بسرِّ الشراكة
— 177 —
المعنوية القائمة بين طلاب الرسائل؛ ولنا في الرحمة الإلٰهيَّة عظيمُ الأمل والرجاء في أن يكون هذا حالَ أكثرِ نسائنا إن شاء اللّٰه.
٭ ٭ ٭
لقد أدرك أهل البصيرة الناشرون لرسائل النور قبل خمس وثلاثين سنة ما تنطوي عليه من حقائق سامية، فتعلَّموا من دروسها القدسيَّة، وراحوا يواجهون بقلوبٍ مفعمةٍ إخلاصًا وصدقًا أعداءَ الدِّين العاملين في الخفاء؛ وتعرَّضَ أبطالُ النور للعَسْف والأذى، واقتُحِمَتْ بيوتهم للتفتيش، وزُجَّ بهم في السجون، ولقوا فيها صنوفًا من الشدائد والعذاب، لكن ذلك لم يكن لِيَثنيَهم عن نشرِ الرسائل بأقلامهم الألماسيَّة طَوالَ تلك الحقبة الحرجة، ولو أنهم طلبوا نعيمَ الدنيا لكان لهم، لكنهم وقفوا حياتَهم لخدمة رسائل النور، وضحَّوا في سبيلها بكل المراتب الدنيويَّة والثروات الشخصيَّة.
ولعلَّ سائلًا يسأل: ما سرُّ هذا العزم والقوَّة والتضحية والثبات والوفاء الذي تحلَّى به تلاميذ رسائل النور؟! والجواب: إن سرَّ ذلك كلِّه هو ما انطوتْ عليه الرسائل من حقائق ساميةٍ لا تنالها الشبهات، والخدمةُ الإيمانيَّةُ التي تؤدَّى ابتغاء مرضاة اللّٰه وحده، والإخلاصُ العظيمُ الذي تحقق به الأستاذ بديع الزمان.
لبِثَ الأستاذ في "بارلا" ثماني سنين، وكان يقضي معظم أوقاته بين السهول والكروم والبساتين، ويختلي في الجبال الهادئة أو الكروم الواقعة على بُعدِ مسيرةِ ساعتين أو ثلاثًا، فكان في اليوم الواحد يذهب ماشيًا إلى أماكنَ يستغرق الذهابُ إليها والإياب منها قرابة خمس ساعات؛ يؤلِّف رسائل النور، ويخصص لها ثلاثَ أو أربعَ ساعات في اليوم، ويصحِّح الرسائل التي كانتْ تُستَنسَخ بخطِّ اليد في "إسبارطة" وما حولَها، فضلًا عن تحضيره طعامَه بنفسه في معظم الأحيان.
كانت الرسائل في تلك المرحلة تُستَنْسَخ في أربعين مكانًا على أيدي الرعيل الأول من طلابها، ثم تُرسَل إلى الأستاذ، فيأخذ هذه النُّسَخ على عاتقه، ويذهب بها إلى تلك الجبال أو السهول فيصحِّحها هناك، ثم يعود إلى بيته.
— 178 —
لقد حُكِمَ عليه بالنَّفي، وتعرَّض لأشنع أنواع الظلم في ذلك الحين، ولم يُسمَح له بمقابلة أي شخصٍ، لكنَّه برغم هذا الحرمان والعدَم حصل على ثروةٍ معنويةٍ لا تنضُب؛ إذْ كان يؤلِّف وينشر الحقائق الإيمانيَّة النابعة من القرآن، والتي تحمل للعالَم الإسلامي والإنساني النور والهدى؛ وقد صرف جُلَّ وقته على مؤلفاته، وسيأتي يومٌ تنتشر فيه هذه المؤلفات في أرجاء الأناضول، وتصل إلى مراكز العالم الإسلامي، وتلفت أنظار أهل السياسة، وستمزِّق عندئذٍ عقائد الكفر والإلحاد التي أُريدَ فرضُها على أمَّةٍ حملت راية الإسلام قرونًا طويلة، وستنهض سدًّا منيعًا تصد تيارات أهل الكفر والضلالة والرذيلة الذين يمثلون الشخص المعنوي لطواغيت الضلال في العصور المتأخرة، وتمنعهم من بسط نفوذهم على هذا الوطن، وستكون لأجيال المستقبل مصدر نجاتهم وسعادتهم الأبديتين.
كان الأستاذ أسعدَ مَنْ في الدنيا؛ إذ كان صاحب دعوةٍ قدسيةٍ عظيمةِ المعنى؛ يُحضِّر بإذنٍ إلٰهيٍّ وتدبيرٍ ربَّانيٍّ بدايةَ تحوُّلٍ تاريخيٍّ عظيم، فلم يتزلزل، ولم يَحِدْ ذرَّةً عن غايته وهدفه، ولم يبدِّل شيئًا من هيئتِه وزيِّه، بل كان على العكس حاملَ مِشعل هدايةٍ يبدد الظلمات ويصحِّح الاعتقادات، فكان ذا جهدٍ وعزمٍ عظيمَينِ؛ لأنَّ وظيفتَهُ وخدمتهُ تتضمنان سعادة الناس ورفاهَهم في الدنيا والآخرة.
٭ ٭ ٭
كان المكان الذي أقام فيه الأستاذ في "بارلا" بيتًا مؤلَّفًا من غرفتين، ولم يكن يملك بيتًا أصلًا، بل لم يكن له على وجه الأرض مقدارُ شبرٍ تحت ملكه أو تصرُّفه؛ فالبيتُ الذي أقام فيه في "بارلا" ثماني سنوات إنما كان المدرسة النوريَّة الأولى، وهي مدرسةٌ تُعدُّ بمثابةِ مركزٍ لثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا من أهل الإسلام.
وكان تحت هذه المدرسة عينُ ماءٍ جارية، وتنتصب قُبالتَها شجرة دُلْبٍ باسقة تعانق السماء بثلاثةِ أفرُعٍ ضخمة، وقد أقيم بين أغصانها خُصٌّ صغير، كان الأستاذ يتخذه في الربيع والصيف مكانًا للاستراحة والتفكُّر والعبادة.
— 179 —
ويحكي المقرَّبون من الأستاذ وطلابُه وأهالي "بارلا": "كنا نرى الأستاذ ليلًا في الخُصَّةِ التي بين أغصان شجرة الدُّلب المباركة يترنَّم بالتسبيحات والأوراد حتى الصباح، خصوصًا في فصلَي الرَّبيع والصيف، وكُنَّا نراه مع كلِّ صباح بين العصافير التي ترفرف بين الأغصان الكثيفة وكأنها في حالةِ شوقٍ وجذب.. لم نكن نعرف متى ينام ومتى يستيقظ".
كان كثيرًا ما يُلِمُّ به المرض، ولا تكاد تخلو أوقاتُه من الشدائد، وكان مع هذا قليلَ الأكل يجتزئ باليسير من الطعام كالحساء.
وكان له في الليل أورادٌ يواظب على قراءتها، وهي مجموعةٌ من السور القرآنية، تليها المناجاة المسماة "الجَوشَنَ الكبير"، وهي مناجاةٌ مشهورةٌ مأثورة، ثم مناجاةُ وأحزابُ كبار الأولياء، كالشَّاه الگيلاني والشَّاه النَّقشبندي، ثم الصلوات النُّوريَّة لا سيَّما "الحزب النُّوري" الذي هو منبع رسائل النور، وغير ذلك من المناجَيات والأحزاب التي هي لمعاتُ آياتٍ قرآنيَّة، وسلسلةُ تفكُّرٍ إيمانيٍّ مجموعةٌ في "اللَّمعة التاسعة والعشرين"، فإذا فرَغَ من قراءتها اشتغل برسائل النور؛ أما في النهار فكان يعكف دائمًا على الرسائل مطالعةً وتصحيحًا، ويُقدِّم خدمتها على ما سواها من الأعمال، وكان إذا طرأ أمرٌ يخصُّها ترك جميع ما بيده من المشاغل وتوجَّه لإتمامه أولًا.
وكان يصعد في فصل الربيع إلى خُصِّه بين أغصان شجرة الدُّلب العظيمة، فيؤدي وظيفته هناك مطالعًا متفكرًا مستلهمًا حقائق رسائل النور من منبعها ومعدنها الحقيقي العُلويّ؛ فهل يا تُرى يمكن لعبارةٍ أن تفي بوصفِ تفكُّرِ الأستاذ ومشاعره على رؤوس تلك الجبال والأشجار التي كان يأنس بها كثيرًا في جبل "چام" أو على شجرة الدُّلب التي غدتْ مَظهرًا لِسرِّ: شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ؟!
تعجز الكلمات عن وصف ذلك في الحقيقة؛ فلقد خلق اللّٰه تعالى بكمال رحمته هذا الفرد الفريد باستعدادٍ جامعٍ لأنواعِ الكمالات الإنسانيَّة، وشاء أن يُظهِر هذه الاستعدادات في أعظم صورة، فجعل هذا الشخصَ المميَّز بمثابةِ أستاذ الكلِّ في جميع
— 180 —
الحقائق، باعتباره الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور التي مدَّت شجرة الإسلام فنشرتْ أغصانَها وفروعَها على العصور اللاحقة، وجعل أهلَ الحقيقة والكمال ينظرون بإعجابٍ إلى الشخص المعنوي لرسائل النور الذي اندرجتْ فيه أنوار الحقائق الإسلاميَّة وتجلياتُها.
وهكذا ذاب النُّورْسِيّ في رسائل النور التي هي مرآةٌ جامعة للرسالة الأحمديَّة والحقيقة المحمديَّة، وفنيَ فيها بشخصه، لكنَّه وُلد وبقي بمعناه في عالَم الإسلام، وستظلُّ رسائل النور بإذن اللّٰه باقيةً مثمرةً تؤتي أُكُلَها إلى أن يرِث اللّٰه الأرضَ ومن عليها، فهل يمكن للصانع الجليل الذي لم يُهمِل خلقَ جَناحِ الذبابة، فأدرجَ في ذرَّاته حِكمًا ومصالحَ كثيرة، ألّا تكون لرحمته علاقةٌ بالأماكن التي أُلِّفت فيها رسائل النور، والمَواضع التي أدى فيها مؤلِّفها وظائفَه القدسيَّة، أو أن تكون تلك الشجرةُ المبارَكة والأماكن والمدارس النُّوريَّة التي قَدَّمتْ هذه الخِدماتِ القدسيَّةَ خارج الرحمة الإلٰهية الخاصة؟! حاشا.. هذا غير ممكن قطعًا.
وكان الأستاذ النُّورْسِيّ أثناء إقامته في "بارلا" يصعد أحيانًا في شهور الصَّيف إلى جبل "چام"، فيختلي فيه مدةً من الزمن، وكان على قمةِ ذلك الجبل الشاهق شجرتان كبيرتان يأوي إليهما، إذْ كانتا بمثابةِ مدرستين نُوريَّتين على غرار خُصِّه الصغير في شجرة الدُّلب تلك، فكان يشتغل برسائل النور هناك ويقول: "أنا لا أستبدل بهذه الأماكن قصرَ يلدز".
ونختصر الكلامَ هنا لنُورِدَ بعضَ الرسائل والمراسلات التي تخصُّ حياة الأستاذ في "بارلا" وجبل "چام"، وتُبيِّن حقيقة رسائل النور.
— 181 —
باسمه سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلامُ اللّٰه ورحمتُه وبركاتُه عليكم وعلى إخوانكم لا سيما... إلى آخره
إخواني الأعزاء...
أنا الآن جالسٌ فوق شجرةِ صنوبرٍ ضخمةٍ على قمةٍ شاهقةٍ بجبل "چام"؛ قد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش، وكلما رغبتُ في مجالسة الناس تخيَّلتُكم بقربي فبَثَثتُكم أشجاني ووجدت معكم السُّلوان؛ أرغب أن أبقى هنا بمفردي شهرًا أو شهرين إن لم يحدث مانع؛ تطلبون اللقاء والمجالسة، وأنا أشتاق إلى ذلك أكثر منكم، فمتى رجعتُ إلى "بارلا" تحرَّينا سبيلًا لنلتقي ونتجالَس كما طلبتم.
أكتب إليكم الآن خواطرَ وردتْ بالبال على شجرة الصنوبر هذه:
أوَّلُها: سرٌ خاصٌّ، لكنَّ السر لا يُكتَم عنك، وهو:
مثلما أن بعض أهل الحقيقة هم مَظهَرٌ لاسم "الودود"، ينظرون إلى واجب الوجود عبر نوافذ الموجودات بتجلياتِ المرتبة العظمى لهذا الاسم، فإن أخاكم الفقير اللاشيء هذا، قد أُعطي حالةً تتجلى فيها مَظهريَّةُ اسمَي "الرحيم" و"الحكيم"، وذلك حصرًا عندما يكون مستخدَمًا في خدمة القرآن، ودلَّالًا لكنزه الذي لا يَنفَد؛ فجميع "الكلمات" إنما هي جلواتٌ لذلك المظهر، وهي بإذن اللّٰه مَظهَرٌ لسِرِّ قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
ثانيها: خطر بالبال فجأةً فقرةٌ لطيفةٌ من قواعد الطريقة النقشبندية تقول:
دَرْ طريقِ نَقشَبندي لازمْ آمَدْ چارِ تركْ
تركِ دنيا، تركِ عُقبى، تركِ هَسْتي، تركِ ترك
وسنحتْ مع تلك الخاطرةِ الفقرةُ التي تقول:
دَرْ طريقِ عَجْزَ مَنْدِي لازمْ آمَدْ چارِ چِيزْ
فقرِ مُطْلَقْ، عجزِ مُطْلَقْ، شُكْرِ مُطْلَقْ، شوقِ مُطْلَقْ؛ أَيْ عَزيز
— 182 —
ثم خطر بالبال شِعرُك الجميل الزاخر بالمعاني تقولُ فيه: "اُنظر إلى صحيفةِ كتاب الكائنات الزاهية... إلخ"؛ فنظرتُ بهذا الشِّعر إلى النجوم في وجه السماء فقلت: ليتني كنت شاعرًا فأُتمَّ هذا الشعر!! ومع أني لستُ ذا موهبةٍ في الشعر والنظم إلا أنني شرعت به، لكن لم أستطع أن أنظمه شعرًا، فكتبتُه كما خَطَرَ، فإن شئتَ فانظُمْه يا من أنت وارثي.
والخاطرة التي سنحَتْ هي:
واستمع للنجوم.. إلى جميل خطابها..
وطالِعِ الحكمة النيِّرة.. وما قرَّرتْ في كتابها..
قُلنَ جميعًا مخاطِبات.. بلسان الحق قائلات:
ذلك السلطان القدير ذو الجلال.. نحن براهينُ عظَمَته..
ذلك الصانع الجليل.. نحن شواهد وجوده ووحدتِه وقدرته..
نحن عيونُ السماء ترى وجهَ الأرض المرصَّعَ بلطيفِ المعجزات..
كالملائكةِ نُطالع عالَم الجنات..
(حاشية): أي كما أن الملائكة التي في عالَم السماوات تطالعُ ما لا يُحَدُّ من معجزاتِ القدرة الإلٰهية على وجه الأرض التي هي مشتل أزهار الجنة ومزرعتُها، فكذلك النجوم التي هي بمثابةِ عيونِ الأجرام السماوية، فهي كالملائكة تطالع تلك المعجزات على الأرض وتنظر إلى عالم الجنة، فهي تنظر تارةً إلى الأرض فتشاهد عجائبها المؤقتة، وتنظر تارةً أخرى إلى الجنة فتشاهد فيها تلك العجائب بصورتها الباقية، أي إن لها نظرًا إلى كِلا العالَمين؛ سعيد.
نحن ثمراتٌ رائعات، علَّقتنا يدُ حكمةِ الجميل ذي الجلال منذ مبدأِ الخليقة على أغصان درب التبانة في أرجاء السماوات..
نحن لأهل السماوات مساجدُ سيارة.. منازل دوَّارة.. مساكنُ علويات..
— 183 —
نحن مصابيح نوَّارات.. وسفائن جبارات..
نحن طيارات..
نحن للخالق معجزاتُ قدرته.. خوارقُ صنعته..
نحن نوادرُ حكمته.. وبدائعُ خِلقته..
نحن عوالم نور..
هكذا نجلِّي.. بمئةِ ألفِ لسانٍ ولسان.. مئةَ ألفِ برهانٍ وبرهان.. ونُسمِعها مَن هو حقًا إنسان..
عَمِيتْ عينُ ملحدٍ لا يرى وجوهنا.. أو يسمع كلامنا.. نحن آياتٌ بالحق ناطقات..
سُكَّتنا واحدة، خَتمُنا واحد، لربنا نحن مسبِّحات.. له عابداتٌ ذاكرات..
إلى الحلقة الكبرى: دربِ التبانة نحن منتسبات.. وفيها مجذوبات.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 184 —
المكتوب السادس
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلامُ اللّٰه ورحمتُه وبركاتُه عليكما وعلى إخوانكما ما دام المَلَوان، وتعاقَبَ العصران، وما دارَ القَمَران، واستَقبَل الفَرْقَدان
إخواني أصحابَ الهمَّة، رفاقي أهلَ الحَمِيَّة، يا سلوتي في ديارِ غربةٍ تُدعى الدنيا..
لما كان المولى الكريم سبحانه قد جعلكم شركاء لي في المعاني التي أنعَمَ بها على فكري، فمن حقِّكم أن تكونوا شركائي في مشاعري وأحاسيسي أيضًا.
سأحكي لكم بعضًا مما قاسَيْتُ من ألم الفراق في غربتي هذه، وأُعرِض عن كثيرٍ منه أشدَّ إيلامًا لئلا أُحزنكم.
لقد مضى عليَّ حتى الآن شهران أو ثلاثة وأنا وحيدٌ منقطع، وربما أتاني ضيفٌ كلَّ خمسة عشر يومًا أو عشرين، فأبقى وحيدًا سائرَ الوقت؛ بل حتى أهلُ الجبل لم يبق منهم أحدٌ هنا منذ نحوِ عشرين يومًا، فقد تفرقوا.
وهكذا، فما إن يُرخي الليل سُدُولَه على هذه الجبال الغريبة حيث لا صوتَ ولا صدًى سوى حفيف الأشجار الحزين.. أَجدني أتقلَّب بين خمسة أنواعٍ متداخلة من الغربة:
فأُولاها أنني إذْ بلغتْ مني الشيخوخة ما بلغتْ، غدوتُ وحيدًا غريبًا عن معظم أصحابي وأحبَّائي وأقربائي، فشعرتُ بغربةٍ حزينةٍ بعد أن فارقوني ورحلوا إلى عالَم البرزخ.
وفي هذه الغربة انفتحتْ دائرةُ غربةٍ ثانية، إذْ شعرتُ بغربةِ افتراقٍ حين تركتْني معظمُ الموجودات التي لي علاقةٌ بها وارتحلتْ، كالربيع الفائت.
— 185 —
ومن هذه الغربة انفتحتْ دائرةُ غربةٍ ثالثة، إذْ شعرتُ بغربةِ فِراقٍ لبقائي وحيدًا نائيًا عن وطني وأهلي.
وفي هذه الغربة أشعرني حالُ الليل والجبال بغربةٍ بالغةِ الرِّقَّة.
ثم رأيتُ روحي التي توشك أن تُغادر هذا النُّزُل الفاني وتتوجَّه نحو أبَدِ الآباد واقعةً في غربةٍ أخرى مدهشة، فقلتُ فجأةً: سبحان اللّٰه! وفكَّرتُ: كيف يمكن تحمُّل كلِّ هذه الغُربات والظلمات؟!
فهتف قلبي مستغيثًا:
غريبٌ أنا يا ربي.. وحيدٌ.. ضعيفٌ.. عَليلٌ كَلِيل.. شيخٌ لا حول لي ولا اختيار.
أنا في بابك يا إلٰهي أَنشُد الأمان.. أرجو العفو.. وأطلب المدد.
وإذا بنورِ الإيمان وفيضِ القرآن ولطفِ الرحمٰن يُمدُّني، فيحوِّل تلك الغُربات الخمسَ الحالكةَ إلى خمس دوائر نورانية مؤنسة، فردَّد لساني: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وتلا قلبي الآيةَ الكريمة: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
وقال عقلي مخاطبًا نفسيَ المستغيثةَ المضطربةَ رَوْعًا وألمًا:
دع الشكوى يا مسكين، وتوكَّل إذا نزل البلاء..
إنما الشكوى بلاء.. بلاءٌ في خَطَاء..
متى عرفتَ المبتلي.. عادت البلوى عطاءً وصفاءً ووفاء.
فدعِ الشكوى واشكر كالبلابل..
ألا ترى كيف تبتسِم لسرورها الخمائل..
وإن جهلتَ المبتلي كانت الدنيا جفاءً وفناءً وهباءً وبلاء..
مالكَ تجأرُ بالشكوى من بلوى صغيرة.. بينما أنت مثقلٌ ببلايا تَسَعُ المعمورة!!
تعال توكَّل.. تبسَّم بالتوكل في وجه البلاء.. ليبتسمَ البلاء..
فكلما تبسَّم صغُر وتبدَّل.
— 186 —
وقلتُ كما قال أحد أساتذتي - أعني مولانا جلال الدين - مخاطبًا نفسه:
اُو گُفْتِ: "ألَسْتُ" وتُو گُفْتى: "بلى" شُكْرِ "بلى" چِيْسْت گشيدَن
بَلا سِرِّ بَلا چيسْت كه يعنى مَنَمْ حَلْقه زَنِ دَرْگَهِ فقرُ وفَنا
وحينئذٍ قالت نفسي كذلك: أجل أجل، فبالعجز والتوكل، وبالفقر والالتجاء، ينفتح باب النور وتتبدد الظلمات، فالحمد للّٰه على نور الإيمان والإسلام. وشاهدتُ الحقيقةَ العاليةَ التي انطوتْ عليها هذه الفقرة من الحكم العطائية المشهورة:
ماذا وجَدَ من فقده؟! وماذا فقد مَن وجده؟!
أي: مَنْ وَجَدَ اللّٰه سبحانه وَجَدَ كلَّ شيء، ومن فقده لم يجد شيئًا، بل حتى إنْ وَجَدَ شيئًا وَجَدَ البلاء ينهال عليه. وفهمتُ سِرَّ الحديث الشريف: طوبى للغرباء، وشَكَرْت.
فيا إخوتي.. إن هذه الغُربات المظلِمة وإن تنوَّرتْ بنور الإيمان، إلا أنها أجرتْ عليَّ أحكامَها بدرجةٍ ما، وأوحت لي بهذه الفكرة:
ما دمتُ غريبًا، وأعيش في الغربة، وراحلًا إلى الغربة، فهل انتهتْ مهمتي في هذا النُّزُل المؤقت كي أوكِّلكم وأوكِّل "الكلمات" وأقطع علاقتي بالدنيا تمامًا؟
هكذا خطرت الفكرة ببالي، ولهذا سألتكم هذه الأسئلة فأقلَقتُكم: هل "الكلمات" المؤلَّفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ أي: هل انتهت مهمتي كي أنسى الدنيا وأُلقي بنفسي مطمئنَّ القلب في أحضان غربةٍ نورانيةٍ عُلويَّةٍ حقيقيةٍ لذيذة، وأقولَ كما قال مولانا جلال الدين:
دانى سماعِ چه بُوَدْبي خُوْد شُدَنْ زِهَستِى
أَنْدَرْ فناىِ مطلق ذَوقِ بقا چَشِيدَن
وهل لي أن أبحث عن غربةٍ عُلْوِيَّةٍ سامية؟
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 187 —
المكتوب الثالث عشر
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام على من اتبع الهدى، والمَلام على من اتبع الهوى
إخواني الأعزاء..
تسألون كثيرًا عن حالي وراحتي، وعن عدم مراجعتي للجهات المسؤولة للحصول على وثيقةِ عودة، وعن عدم مبالاتي بأحوال العالَم السياسية، ونظرًا لكثرة تكرار أسئلتكم هذه، فضلًا عن أني أُسألُها معنًى، فإنني مُضطرٌ للإجابة عنها بلسان "سعيدٍ القديم" لا الجديد.
سؤالكم الأول: كيف حالكم؟ وكيف راحتكم؟
الجواب: إنني أشكر أرحمَ الراحمين مئةَ ألفِ شكرٍ إذْ حوَّل أنواعَ الظلمِ الذي أنزلَه بي أهلُ الدنيا إلى أنواعٍ من الرحمة؛ وذلك أني بينما كنتُ منشغلًا بالآخرة في مغارةٍ بأحد الجبال تاركًا السياسة متجرِّدًا عن الدنيا، إذْ أخرجني أهلُ الدنيا من المغارة ونفَوني ظلمًا، فحوَّل الخالقُ الرحيمُ الحكيمُ هذا النفيَ إلى رحمةٍ لي، وحوَّل العزلةَ المعرَّضة لما يُخِلُّ بالإخلاص في ذلك الجبل المحفوف بالمخاطر إلى خلوةٍ في جبال "بارلا" يحفُّ بها الأمان والإخلاص معًا.
وكنتُ قد نويتُ حين كنت أسيرًا في روسيا، وتضرَّعتُ إلى اللّٰه سبحانه، أن آويَ في آخر عمري إلى مغارةٍ، فجعل أرحمُ الراحمين "بارلا" تلك المغارةَ، ويَسَّر لي منافعَها من غير أن يحمِّل كاهلي الضعيف متاعبَها ومشاقَّها؛ غير أنه كان لدى اثنين أو ثلاثةٍ أشخاص هواجسُ وأوهامٌ سبَّبتْ لي الأذى، فقد كانوا أصحابي هؤلاء يحسبون أنهم يعملون لراحتي، لكنهم عادوا بالضرر على قلبي وعلى خدمة القرآن من جرَّاء هواجسهم وأوهامهم.
— 188 —
ثم إن أهل الدنيا منحوا جميع المنفيين وثائق عودة، وأصدروا عفوًا عن المجرمين وأطلقوا سراحهم، إلا أنهم حرموني الوثيقةَ ظلمًا؛ لقد أبقاني ربي الرحيم في هذه الغربة البعيدة عن الصخب والضوضاء، وحوَّلها إلى رحمةٍ عظيمة، كي يستخدمني في مزيدٍ من خدمةِ القرآن، ويجعلني أكتب هذه الأنوار القرآنية المسماة "الكلمات".
وترك أهلُ الدنيا جميعَ الشيوخ والرؤساء ذوي القوة والنفوذ القادرين على التدخُّل في دنياهم، تركوهم في الحواضر والمدن الكبرى، وسمحوا لهم بالتواصل مع أقاربهم ومع مَن شاؤوا من الناس، ومنعوني من ذلك ظلمًا وعدوانًا، وأرسلوني إلى قريةٍ نائية، ولم يسمحوا لأحدٍ من أقاربي وأبناء بلدي بزيارتي عدا واحدٍ أو اثنين؛ فحوَّل خالقي الرحيم هذه العزلةَ إلى رحمةٍ عظيمةٍ لي، وجعلها وسيلةً يصفو بها ذهني ويتخلص من الشواغل والمشوشات، فينهل من مَعين القرآن الحكيم بصفائه ونقائه.
ثم إن أهل الدنيا استكثروا عليَّ في البداية أن أكتب رسالتين عاديتين خلال سنتين، بل هم إلى الآن يتحفظون من أن يزورني ضيفٌ أو ضيفان في زيارةٍ لأجل الآخرة، كلَّ عشرة أيام أو عشرين، أو حتى كلَّ شهر، فظلموني بذلك؛ لكنَّ ربي الرحيم وخالقي الحكيم حوَّل ذلك الظلم إلى رحمةٍ لي، إذ أدخلني في خلوةٍ مرغوبةٍ وعزلةٍ مقبولةٍ في هذه الشهور الثلاثة التي يفوز فيها المرء بعمرٍ معنويٍّ مقدارُه تسعون سنة، فالحمد للّٰه على كلِّ حال. هكذا هي حالي وراحتي.
سؤالكم الثاني: لِمَ لا تراجع الجهات المسؤولة للحصول على الوثيقة؟
الجواب: إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدر الإلٰهي لا لأهل الدنيا؛ فإيَّاه أراجع، ومتى ما أذِنَ وقَطَع رزقي من هنا رحلتُ. وحقيقةُ هذا المعنى أن لكلِّ مصيبةٍ تنزل بالإنسان سبَبَيْن؛ أحدهما ظاهري، والآخر حقيقي.
فأهل الدنيا كانوا سببًا ظاهريًّا إذْ أتَوا بي إلى هنا، بينما القدر الإلٰهي هو السبب الحقيقي، وهو الذي حكم عليَّ بهذه العزلة؛ فأما السبب الظاهري فقد ظَلَمَ، وأما السبب الحقيقي فقد عَدَل.
— 189 —
فالسبب الظاهري فكَّر قائلًا: "إن هذا الرجل يخدم العلم والدين بشكلٍ زائد، وربما تدخل في شؤون دنيانا"، فنفاني بناءً على هذا الاحتمال، وظلمني ظلمًا مضاعفًا ثلاثة أضعاف؛ وأما القدر الإلٰهي فرأى أنني لا أخدم الدين والعلم بحقٍّ وإخلاص، فحكم عليَّ بهذا النفي، وحوَّل ظلمهم المضاعَف إلى رحمةٍ مضاعفة.
فما دام القدر هو الحاكمَ في نفيي - والقدر عادل - فإيَّاه أراجع؛ أما السبب الظاهري فإنما هو أمورٌ من قبيل المزاعم والذرائع، وإذًا فلا معنى لمراجعتهم، فلو كان لهم حقٌّ أو كانت لديهم أسبابٌ قوية لأَمكنَ حينئذٍ أن يُراجَعوا.
لقد تركتُ دنياهم كلَّها، تَبًّا لهم، وتركتُ سياستَهم كلَّها، تَعْسًا لهم، وإن ما يخالجهم من هواجس وأوهام لا أصل له على الإطلاق، فلا أريد أن أضفي على أوهامهم صفةَ الحقيقة بمراجعتهم؛ ولو كانت لديَّ رغبةٌ في التدخُّل بسياستهم الدنيوية التي يُمسك بزمامها الأجانب لتبدَّتْ وظَهَرَتْ لا في ثماني سنوات، بل في ثماني ساعات، لكنني منذ ثماني سنين ما قرأتُ جريدةً واحدةً ولا رغبتُ في مطالعتها، وأنا تحت المراقبة منذ أربع سنين، ما بدَرَتْ مني بادرةٌ لتعاطي السياسة، وهذا يعني أن لخدمةِ القرآن من السمو والعلو ما يجعلها تترفع عن جميع السياسات الدنيوية التي أغلبها كذبٌ محض.
أما السبب الثاني لعدم مراجعتي إياهم، فهو أن المطالبة بالحق عند مَن يحسبون الظلم حقًّا: ظلمٌ للحق؛ ولا أريد ارتكاب ظلمٍ كهذا.
سؤالكم الثالث: لماذا أنت غيرُ مبالٍ إلى هذا الحد بشؤون العالَم السياسية؟ ولماذا لم تغيِّر شيئًا من موقفك إزاء كلِّ هذا القدر من التغيُّرات العالمية؟ أيُعزى سكوتك إلى رضاك بها أم إلى تخوُّفك منها؟
الجواب: إن خدمة القرآن الكريم قد منعتْني بشدةٍ من عالَم السياسة، بل أَنستْني حتى التفكيرَ فيها، وإلا فإن أحداث حياتي كلَّها تَشهد بأن الخوف ما استطاع ولن يستطيع أن يكبِّلني أو يمنعَني من المُضيِّ في الطريق الذي رأيتُه حقًّا.
— 190 —
ثم مِمَّ أخاف وليس لي مع الدنيا علاقةٌ سوى الأجل؟! ليس لي عيالٌ وأولادٌ أهتم بهم، ولا عندي أموالٌ أنشغل بها، وليس لي شرَفُ حَسَبٍ أراعيه، وإنما لي سمعةٌ ليستْ سوى شهرةٍ كاذبةٍ ملأى بالرياء، فرَحِم اللّٰه امرأً أعانني على تقويضها لا على رعايتها؛ فلم يَبْقَ سوى أجلي، وهو بيد الخالق ذي الجلال، فمن يجرؤ على المساس به قبل أوانه؟! بل نحن ممن يختارون الموت بعزَّةٍ على العيشِ بذِلةٍ؛ ولقد قال أحدهم كی"سعيدٍ القديم":
ونحن أناسٌ لا تَوَسُّطَ بيننا لنا الصَّدر دون العالَمين أو القبرُ
فإنما هي خدمة القرآن تمنعني من الاهتمام بالحياة الاجتماعية السياسية للبشر، وذلك أن حياة البشرية ليستْ سوى رحلة، ولقد رأيت بنور القرآن في هذا الزمان أن طريق الرحلة قد أفضى إلى مستنقعٍ مُوحِل، وقافلةُ البشر تتعثر في مسيرها، فلا تكاد تنهض حتى تسقط في حمأةٍ ملوَّثةٍ آسِنة، إلا أن فريقًا منها يمضي في طريقٍ آمنة، وفريقٌ آخرُ قد وجد وسائل تَقِيْه المستنقعَ وأوحالَه قدر المستطاع، أما البقية - وهم الأكثرية - فيخوضون غمرات هذا المستنقع القذر الموحل وسط ظلامٍ دامس.
فعشرون بالمئة من هؤلاء الأكثرية سُكارى، يحسبون - لسُكرهم - ذلك الوحلَ القذِر مسكًا وعنبرًا، فيضعون منه على وجوههم وأعينهم، ويمضون يتناوبُهم النهوض والسقوط إلى أن يغرقوا؛ أما الثمانون بالمئة فيدركون ما هم فيه، ويشعرون بقذارة المستنقع ونَتْنِه، إلا أنهم حائرون لا يهتدون سبيلًا.
ولدَينا إزاء هذا الفريق حَلَّان اثنان:
أحدهما: إيقاظ السُّكارى العشرين بالمئة بالهِراوات.
والآخَر: إبانة الطريق الآمنة للحيارى بإظهار النور لهم.
وإنني أنظر فأرى معظم المشتغلين بالإصلاح يمسكون بأيديهم الهِراوات تجاه العشرين السُّكارى، بينما لا يَظهر النورُ بحقٍ لأولئك الثمانين المساكينِ الحيارى، وحتى لو ظهر فإنه لا يبعث على الطمأنينة، لأنه موجودٌ جنبًا إلى جنبٍ مع الهِراوة، فيسألُ الحائرُ نفسَه في قلقٍ واضطراب: تُرى أيريد هذا أن يجذبني بالنور ليضربني بالهِراوة؟
— 191 —
ثم إن الهِراوة قد تنكسر لعارضٍ ما، وحيندئذٍ يتلاشى ذلك النور أو ينطفئ.
وهكذا، فأما المستنقع فهو الحياة البشرية الاجتماعية التي تعجُّ بالغفلة والضلالة والرذيلة. وأما السُّكارى، فهم المتمرِّدون المتلذذون بالضلالة. وأما الحيارى، فهم الذين يكرهون الضلالة وينفرون منها، ولكنهم لا يستطيعون الخروج منها، فهم أناسٌ حائرون يريدون الخلاص لكنهم لا يجدون إليه سبيلًا.
وأما الهِراوات فهي التيارات السياسية؛ وأما الأنوار فهي الحقائق القرآنية؛ والنور لا يُحارَب ولا يُعادى، ولا يُبغِضه ويَنفرُ منه سوى الشيطانِ الرجيم، ولهذا فإني كي أحافظ على نور القرآن قلتُ: «أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة» ، وألقيتُ هِراوةَ السياسة جانبًا، وأمسكتُ بالنور بكِلْتا يديَّ.
ورأيت أن في جميع التيارات السياسية - سواءٌ المؤيِّد منها والمعارِض - عشاقًا لذلك النور، ولهذا فالأنوار القرآنية التي تُجَلَّى، والدرسُ القرآنيُّ الذي يُقدَّم من مقامٍ صافٍ مترفِّعٍ عن جميعِ التيارات السياسية وتحزُّباتها، ومبرَّأٍ عن اعتباراتها وتحيُّزاتها، لا ينبغي أن يكون محلَّ تحفُّظٍ أو اتهامٍ من قِبَلِ أيِّ طرفٍ أو فريق؛ إلا أن يكونوا شياطينَ في صورة أناسيَّ يظنون الإلحاد والزندقةَ سياسةً، فيتحيزون إليها، أو يكونوا حيواناتٍ في زيِّ بَشَر.
والحمد للّٰه أنني بتجرُّدي من السياسة لم أحُطَّ من قيمةِ حقائقِ القرآن النفيسة كالألماس، فأجعلَها بتهمةِ الدعاية السياسية بمنزلةِ حطامِ الزجاج، لا بل إن قيمةَ ذلك الألماس تزداد وتتألق بنظرِ كلِّ فئةٍ على مرِّ الأيام.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ للّٰهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللّٰهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭