السيرة الذاتية
— 192 —

اللمعة الثانية والعشرون

باسمه سبحانه
هذه رسالةٌ صغيرةٌ بغايةِ الخصوصية كتبتُها قبل اثنتين وعشرين سنةً لأقربِ إخواني وأخْلَصهم وأخصِّهم، وذلك حين كنتُ بناحيةِ "بارلا" التابعة لی"إسبارطة"، لكن لما كان لها علاقةٌ بأهالي "إسبارطة" والمسؤولين فيها، فإنني أقدِّمها إلى واليها العادل وإلى جهاتِ القضاء والأمن فيها؛ فإذا كان مناسبًا فليُنسَخ منها بالآلة الكاتبة بضعُ نُسَخٍ بالحروف القديمة أو الجديدة، حتى يعرف الذين يراقبونني ويفتشون عن أسراري منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة أنه ليس لدينا سرٌّ نُخفِيه، وليعلموا أن أخفى أسرارنا هو هذه الرسالة.
سعيد النُّورْسِيّ
الإشارات الثلاث
كانت هذه الرسالةُ المسألةَ الثالثةَ من المذكِّرة السابعة عشرة للمعة السابعة عشرة، إلا أنها لشدة أسئلتها وشمولها وقوةِ أجوبتها وسطوعِها، دخلتْ في اللمعات بوصفها اللمعةَ الثانية والعشرين من المكتوب الحادي والثلاثين، فعلى اللمعات أن تفسح لها موضعًا بينها؛ وهي رسالةٌ سِريَّةٌ خاصةٌ لأخصِّ إخواننا وأخلصِهم وأصدقِهم.
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّٰهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾
هذه المسألة ثلاث إشارات:
— 193 —
الإشارة الأولى: سؤالٌ مهمٌّ يخصُّني شخصيًّا ويخص رسائل النور.
يقول كثيرون: لماذا يتدخَّل أهل الدنيا بآخرتك كلما وجدوا الفرصة، مع أنك لا تتدخل في دنياهم؟ فضلًا عن أنه لا يوجد قانونٌ يسمح لأيِّ حكومةٍ بالتعرُّض لمن تركوا الدنيا واعتزلوا الناس!!
الجواب: إن جواب "سعيدٍ الجديد" عن هذا السؤال هو السكوت، وهو يقول: لِيُجِبْ عني القدر الإلٰهي؛ ومع هذا فإن عقلَ "سعيدٍ القديم" الذي اضطر "سعيدٌ الجديد" لاستعارته على سبيل الأمانة يقول: إن مَن يجيب عن هذا السؤال هم رجالُ حكومةِ ولاية "إسبارطة" وأهاليها؛ لأنهم أوثقُ علاقةً مني بمغزى هذا السؤال.
فما دام أفرادُ حكومةٍ يَرْبُون على ألوف، وأهالي ولايةٍ يَرْبُون على مئات الألوف، مَعنيِّين بالأمر بدلًا مني، ومضطرين للدفاع عني، فلماذا أكلِّم المدَّعين دفاعًا عن نفسي من غير موجِبٍ لذلك؟!
فأنا في هذه الولاية منذ تسع سنين، ما تقدَّم بي الزمان إلا ازددتُ إعراضًا عن دنياهم وانصرافًا عنها، ولم يبق شيءٌ من أحوالي مستورًا عنهم، بل حتى أخصُّ رسائلي وأشدُّها سِرِّيةً وقعتْ بأيدي رجال الحكومة وعددٍ من النواب، فلو وُجِد مني تدخُّلٌ في أمرٍ دنيويٍّ يثير قلقَ أهل الدنيا ومخاوفَهم، أو كانتْ مني محاولةٌ بل تفكيرٌ للقيام بذلك، مع كوني تحت مراقبتهم وتجسُّسهم طَوالَ تسع سنين، ومع كوني أبوح بأسراري إلى من يزورني دون تحفُّظ، لما بقي المسؤولون في هذه الولاية ونواحيها ساكتين عني دون أن يتعرضوا لي.
فإن كنت قد ارتكبتُ جرمًا يَضرُّ بمستقبل الشعب والوطن وسعادتِهما، فالمسؤول عنه هم جميعُ رجال الحكومة على مدى تسع سنواتٍ، بدءًا من الوالي وانتهاءً برئيس مخفرِ القرية، وعلى عاتق هؤلاء تقع مهمة الدفاع عني كي ينجوا من تَبِعات المسؤولية، وسبيلهم أن يعمِدوا إلى التهويلات التي أثيرت ضدي حتى جَعلتْ من الحبة قبة، فيردوا الأمور إلى نِصابِها ويعيدوا القبةَ حبةً؛ ولأجل هذا أُحيل عليهم الإجابةَ على هذا السؤال.
— 194 —
أما ما يَدفع عمومَ أهالي هذه الولاية للدفاع عني أكثر من نفسي، فهو جهودنا التي بذلناها على مدى السنوات التسع مع هؤلاء الناس المباركين الذين هم بمثابة الإخوة والأصحاب، وذلك من خلال مئاتِ الرسائل التي تركتْ أثرًا عمليًّا ملموسًا على صعيد حياتهم الأبدية، وعلى صعيد تقوية إيمانهم وسعادة حياتهم، دون أن يتأتى منها ضررٌ لأحد، أو تتسبب باضطراباتٍ أو قلاقل، ودون أن يُرى منها أيَّة بوادر تومئ لأغراضٍ سياسيةٍ أو دنيوية.
ونحمد اللّٰه أن ولاية "إسبارطة" - من حيث قوةُ الإيمان والثباتُ على الدين - قد نالتْ برسائل النور مقامَ بركةٍ من نوعِ البركة التي حظيتْ بها من قبلُ بلادُ الشام المباركة، ومصرُ بجامعها الأزهر الذي هو مدرسةُ عموم العالم الإسلامي؛ فلقد أكسبتْ رسائلُ النور هذه الولايةَ مزيةَ تديُّنٍ تَفوقُ ما لدى الولاياتِ الأخرى، وغلبتْ فيها قوة الإيمان على التحلُّل، كما غلبتْ الرغبة في العبادة على الفسق والفجور والرذيلة؛ فلأجل هذا كان جميع الناس في هذه الولاية، حتى اللادينيون إن وُجِدوا، مضطرين للدفاع عني وعن رسائل النور.
لقد انتهتْ وظيفةُ شخصٍ عاجزٍ مثلي، ونهضَ بها آلافُ التلاميذ نيابةً عنه وللّٰه الحمد، وبما أن حقي جزئيٌّ بسيطٌ إزاءَ حقوقِ دفاعِ هؤلاء البالغةِ الأهمية، فهو لا يتطلب مني الدفاع عن نفسي؛ إذْ مَن كان له محامو دفاعٍ يَرْبُون على ألوف، وكانوا كهؤلاء الأفاضل، لم يدافع عن دعواه بنفسه.
الإشارة الثانية: جوابٌ على سؤالٍ يوجَّه على سبيل الانتقاد.
يقول أهل الدنيا: لماذا استأتَ منا وقاطعتَنا والتزمتَ الصمت فلم تراجعنا ولو مرةً واحدة؟! ثم رحتَ تشتكي منا شكايةً مريرةً قائلًا: أنتم تظلمونني!! والحال أن لنا مبادئنا ودساتيرنا الخاصة التي يقتضيها هذا العصر، وأنك لا تقبل تطبيقَها على نفسك؛ علمًا أن من يطبق القانون لا يُعدُّ ظالمًا، لكنَّ من لا يقبله يُعَدُّ مخالفًا له.
فمثلًا إننا في عصر الحرية هذا وفي عهد الجمهورية الذي دشَّنَّاه حديثًا، صار دستور رفع التحكم والتسلط - انطلاقًا من قاعدة المساواة - واحدًا من قوانيننا
— 195 —
الأساسية، لكنك برغم ذلك تسعى للحصول على قوةٍ ومكانةٍ اجتماعيةٍ خارج نفوذ الدولة، من خلال العمل على كسب إقبال الناس ولفْتِ أنظارهم نحوك، تارةً بزيِّ العلم، وتارةً بإظهار الزهد، كما يُفهَم من ظاهر حالك ويَدلُّ عليه ماضي حياتك.
فهذا الأمر يمكن أن يكون مقبولًا في ظل استبداد السلطة البرجوازية بالتعبير الحديث، لكن لما كانتْ دساتير الاشتراكية والبلشفية التي ظهرتْ نتيجة صحوة طبقة العامة وغلبتهم هي الأوفقَ لحالنا فقد قبلناها وارتضيناها، ومن هنا كانت حالك تُحرِجنا وتخالف مبادئنا؛ لذا لا حق لك في الاستياء منا أو الشكاية من مضايقتنا لك.
الجواب: إن من يشقُّ طريقًا في حياة البشر الاجتماعية، لا يمكن أن يوفَّق في الخير والرقي ما لم يتحرك وفق القوانين الفطرية في الكون، بل تَصُبُّ جميعُ أعماله في حساب الشر والتخريب.
فما دام العمل وفق قانون الفطرة أمرًا لا بد منه، فلا سبيل لتطبيق قانون المساواة المطلقة إلا بتغيير فطرة البشر، ورفع الحكمة الأساسية في خلق النوع البشري.
نعم، أنا من طبقة العامة نسبًا ومعيشةً، ومن الآخذين بمبدأ المساواة في الحقوق فكرًا ومشرَبًا، ومن العاملين منذ القديم على رفضِ سيطرةِ واستبدادِ طبقة الخواص المسمَّين بالبُرجوازيين، وذلك انطلاقًا من العدالة النابعة من الرحمة والإسلام؛ ولهذا أقف بكل قوتي إلى جانب العدالة التامة ضد الظلم والتسلُّط والتحكم والاستبداد؛ إلا أن فطرةَ نوعِ البشر وسرَّ حكمة خلقِه يُضادّان قانون المساواة المطلقة، لأن الفاطر الحكيم سبحانه مثلما يُخرِج من شيءٍ قليلٍ محاصيلَ وفيرة، ويكتب في صحيفةٍ واحدةٍ كتبًا كثيرة، ويُجري بشيءٍ واحدٍ وظائفَ كثيرة، إظهارًا لكمال قدرته وحكمته، فإنه كذلك يحقق بنوع البشر وظائفَ آلافِ الأنواع.
فلأجل ذلك السِّرِّ العظيم خلقَ اللّٰه سبحانه نوعَ الإنسان بفطرةٍ يمكنها أن تُزهِرَ آلافَ الأنواع، وتُظهِرَ طبقاتٍ بعددِ آلافِ أنواعِ سائر الأحياء؛ إذ لم يَحُدَّ سبحانه قوى
— 196 —
الإنسان ولطائفَه ومشاعرَه كما هي الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهبًا إياه استعدادًا يمكِّنه من التنقل بين مقامات لا حدَّ لها؛ فصار بمثابةِ آلافِ الأنواع مع أنه نوعٌ واحد، ومن هنا غدا الإنسانُ خليفةَ الأرض وثمرةَ الكائنات وسلطانَ الأحياء.
وهكذا فإن أهمَّ خميرةٍ لتنوعِ النوع الإنساني، وأهمَّ نابضٍ محرِّكٍ له هو التسابق والتنافس والفضيلة النابعة من الإيمان الحقيقي، ولا يمكن إزالة هذه الفضيلة إلا بتبديل الماهية البشرية وإخماد العقل وإماتة القلب ومحقِ الروح.
لا يمكن بالظلم والجور محو الحرية
ارفع الإدراك إن استطعتَ من الآدمية
لقد وُجِّه هذا الكلام الرصينُ خطأً إلى رجلٍ رفيع القدر، وما كان يليق أن يُصفَع بهذا الكلام، بل كان الجدير أن يُصفَع به وجهُ هذا العصر المتوحِّش الذي يحمل استبدادًا فظيعًا خلف ستار الحرية؛ وأنا أقول بدلًا منه لأصفع وجه هذا العصر:
لا يمكن بالظلم والجور محو الحقيقة
ارفع القلبَ إن استطعتَ من الآدمية
أو أقول:
لا يمكن بالظلم والجور محو الفضيلة
ارفع الوجدان إن استطعتَ من الآدمية
نعم؛ فكما لا يمكن للفضيلة المتحلية بالإيمان أن تكون أداةً للتسلُّط والتحكُّم، لا يمكنها كذلك أن تكون سببًا للاستبداد، بل ما التسلُّط والتحكُّم إلا رذيلةٌ ليست من الفضيلة في شيء، بل إن أهم مشربٍ لدى أهل الفضيلة على وجه الخصوص هو الدخول في الحياة البشرية الاجتماعية على وجه العجز والتواضع والافتقار.
ولقد مضت حياتنا وما زالت تمضي على وفق هذا المشرب وللّٰه الحمد، فلستُ أدعي متفاخرًا أنني صاحب فضيلة، لكنني أقول تحدُّثًا بنعمةِ اللّٰه وبنيةِ الشكر: لقد
— 197 —
أحسن إليَّ الحقُّ تعالى بفضيلةِ فهمِ العلوم الإيمانية والقرآنية وخدمتِها فضلًا وكرمًا منه سبحانه، فصرفتُ هذا الإحسانَ الإلٰهي طَوالَ حياتي لمنفعة هذه الأمة الإسلامية وسعادتها، والحمد للّٰه على هذا التوفيق، فكما لم يكن هذا الإحسان الإلٰهي وسيلةً للتحكُّم والتسلُّط في أي وقت، فإنني كذلك - لسرٍّ مهم - أُبغض ما يطلبه كثيرٌ من أهل الغفلة من إقبال الخلق واستحسانهم وأنفِر منهما، فلقد ضيَّعا عليَّ عشرين سنة من حياتي السابقة، ولهذا أعدُّهما ضارَّين بي، إلا أني أراهما أمارةً على إعجاب الناس برسائل النور فلا أُؤاخذهم على ذلك.
فيا أهل الدنيا.. ما دمتُ لم أتدخل قطُّ في أمور دنياكم؛ ولم أتعرَّض بأيَّةِ جهةٍ لمبادئكم، وليس لي نيةٌ ولا رغبةٌ في مخالطة شؤون الدنيا من جديدٍ بشهادةِ حياتي هذه التي قضيتُها أسيرَ المنفى طَوالَ تسع سنين؛ فبأيِّ قانونٍ تمارسون عليَّ كلَّ هذا الاضطهاد والملاحقة والأذى كأنني طاغيةٌ سابقٌ يُضمِر التسلُّط والاستبداد ويتحيَّن فرصتَه على الدوام؟!
ألا ليس في العالم كلِّه حكومةٌ تسمح بهذه المعاملة التي تتجاوز القانون ولا يقبلُها إنسان، فلستُ الوحيدَ الذي يستاء ويسخَط من هذه المعاملة السيئة، بل هي معاملةٌ يستاء منها ويَسخَط نوعُ البشر لو أدرك، بل الكونُ كلُّه.
الإشارة الثالثة: سؤالٌ مُغالِطٌ يَنُمُّ عن حُمق:
يقول بعضُ أهل الحكم: ما دمتَ تقيم في هذه البلاد فعليك الانقيادُ لقوانينها بنظامها الجمهوري، فلماذا تُعفي نفسَك من هذه القوانين بذريعةِ العزلة؟!
فمثلًا: إنَّ قوانين الحكومة اليوم تنصُّ على أن تقلُّدَ المزيَّة والفضيلة خارج نطاق الوظيفة الرسمية، وتحقيقَ النفوذ والهيمنة على الناس من خلالهما، أمرٌ ينافي مبدأ المساواة الذي هو أحد أسس الجمهورية؛ فلماذا تتقلد صفةَ من يريد أن يُقبِل الناس عليه ويصغوا إليه؟! ولماذا تجعلهم يُقبِّلون يدك مع أنك لست ذا وظيفةٍ في الدولة؟
— 198 —
الجواب: إن على من يطبِّق القانون أن يطبِّقه على نفسه أولًا لِيُمكِنَه تطبيقُه بعد ذلك على الآخرين، وإن تطبيقَكم دستورًا ما على الآخرين دون أنفسكم معناه أنكم أوَّلُ مَن يخرِق القانون ويخرج عليه.
وبما أنكم تريدون أن تطبِّقوا عليَّ قانون المساواة المطلقة فإني أقول لكم: متى ارتفع الجندي إلى المقام الاجتماعي الذي يتمتع به المشير، وشاركه في الاحترام والمكانة التي يوليها الناسُ إياه، وصار مثلَه في إقبالهم عليه وتقديرهم له؛ أو متى صار ذلك المشير مثلَ ذلك الجندي العادي وتقلَّد أحوالَه البسيطة المتواضعة، ولم تبق له أهميةٌ خارج نطاق وظيفته؛ وكذلك متى تساوى أبرعُ قائدِ جيشٍ محنَّكٍ يصنع الانتصارات مع أغبى جنديٍّ، وصارا سواءً في إقبال الناس عليهما واحترامهم ومحبتهم لهما؛ أقول: متى تساوى هؤلاء أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا لي بمقتضى قانون مساواتكم هذا: لا تسَمِّ نفسك عالمًا.. لا تَقبلِ احترام الناس لك.. أنكر فضيلتَك.. اخدُم خادمك.. عاشِرِ الأراذل.
فإن قلتم: إن هذا الاحترام والمقام والإقبال إنما هو خاصٌّ بالموظفين، ومخصوصٌ بوقتِ قيامهم على رأس عملهم، والحال أنك امرؤٌ لا وظيفةَ رسميةً لك، فليس لك أن تَقبل احترام الناس كما يفعل الموظفون!!
فالجواب: لو كان الإنسان مجرد جسدٍ فحسْب، وكان باقيًا في الدنيا خالدًا مخلَّدًا لا يموت، وأُغلِقَ باب القبر، وقُتِلَ الموت، وصارت الوظائفُ لأجلِ ذلك محصورةً في الأعمال العسكرية والإدارية لا غير، فعندئذٍ سيكون لكلامكم معنى.
لكن لما لم يكن الإنسان مجرَّد جسد، ولم يكن ممكنًا أن يُقتطَع القلب واللسان والعقل والدماغ فيُجعَلوا طعامًا لذلك الجسد يَتغذى به، ولم يكن ممكنًا القضاء على هذه الجوارح أصلًا، بل كانتْ هي نفسُها تحتاج إلى إدارة؛ ثم ما دام باب القبر لا يُغلَق، وما دام القلق من المستقبل الذي في الطرف الآخر من القبر أهمَّ قضيَّةٍ تشغل بال كلِّ إنسان؛ لم يكن ممكنًا بحالٍ أن تنحصر الوظائف القائمة على
— 199 —
طاعة الناس وتقديرهم في وظائفَ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ تخص حياة الناس الدنيوية.
أجل، فكما أن تزويد المسافرين بالوثائق اللازمة للسفر يُعدُّ وظيفةً من الوظائف، فإن تزويدَ المسافرين إلى ديار الأبد بوثائق السفر، ومَنحَهم نورًا يُبدِّد ظلمات الطريق، لَوظيفةٌ جليلةٌ لا تدانيها في أهميتها أيَّةُ وظيفةٍ أخرى؛ وإن إنكار مثلِ هذه الوظيفة لا يصحُّ إلا بإنكار الموت وتكذيبِ شهادة ثلاثين ألفَ شاهدٍ يصدِّقون كلَّ يومٍ ويختمون بخاتَمِ جنائزهم على الدعوى القائلة: الموت حق.
فما دامت توجد وظائفُ معنويةٌ تستند إلى حاجاتٍ ضروريةٍ معنويةٍ، وما دام أهمُّ هذه الوظائف وظيفةَ الإيمان وتعليمِه وتقويتِه، إذ هو جواز السفر في طريق الأبد، ومصباحُ القلب في ظلمات البرزخ، ومفتاحُ السعادة الأبدية؛ فلا شك أن الذي يؤدي هذه الوظيفة من أهل المعرفة لا يُحقِّر النعمةَ الإلٰهية والفضيلةَ الإيمانية التي أوتيها، ولا يَزْدريها كفرانًا للنعمة، فيتردى إلى حضيض السفهاء والفسقة، ويلوِّثَ نفسه برذائل وبِدَعِ السَّفلة؛ فالعزلة التي لم تَرُقْ لكم والتي اعتبرتموها من قبيل اللامساواة إنما كانتْ لأجل هذا.
ومع هذه الحقيقة، فإنني سأقول كلامًا أوجهه لا لمن يضطهدونني ويذيقونني صنوفَ العَنَت من أمثالكم المتكبِّرين المُغْرِقين في الأنانية، البالغين درجة الفرعونية في خرقِ قانون المساواة هذا؛ لأنه ما ينبغي التواضع أمام المتكبرين، إذْ يُظَنُّ تذلُّلًا لهم، وإنما أوجه الكلام لأهل الإنصاف والمتواضعين والعادلين من أهل الحُكم، فأقول لهم:
إنني بحمد اللّٰه أعرف نقصي وعجزي، فلا أطلب مقامَ احترامٍ لأتكبَّر على المسلمين؛ بل أرى في كل وقتٍ معايبي التي لا تحد، وأرى أنني لا شيء، فأجد السُّلوان في الاستغفار، وأطلب من الناس الدعاءَ لا الاحترام.
وأعتقد أن مسلكي هذا معلومٌ لجميع إخواني، إلا أن ثمةَ أمرًا آخر، وهو أنني عند قيامي بخدمةِ القرآن الحكيم وتدريس حقائق الإيمان، أتقلد مقامًا فيه عزةٌ ورِفعةٌ،
— 200 —
حفاظًا على ما يقتضيه هذا الأمر من عزةِ العلم ووقاره، وترفُّعًا عن طأطأةِ رأسي لأهل الضلالة، فأفعلُ ذلك لحساب تلك الحقائق ولشرف القرآن، وأعتقد أنه ليس بمقدور قوانين أهل الدنيا أن تعارض هذه الأمور.
أسلوبُ معاملةٍ يثير الحيرة:
من المعلوم في كل مكان أن أهل العلم يَزِنون الأمور بميزان العلم والمعرفة، فأيُّما امرئٍ وجدوا عنده معرفةً وعلمًا أوْلَوْه الاحترام وعقدوا معه أواصر الصداقة بمقتضى مسلك العلم، بل حتى لو قدِم إلى هذه البلاد عالمٌ - بروفسور - من دولةٍ معادية، لزاره أهل العلم والمعرفة واحترموه تقديرًا لعلمه ومعرفته.
والحال أن ثمة رجلًا من أهل العلم، لقي من الهيئات العلمية في هذه البلاد الإهانةَ والاستخفافَ، مع أنه هو مَن تصدَّى لأعلى مجلسٍ علميٍّ إنكليزيٍّ حين طرح ستةَ أسئلةٍ على "المشيخة الإسلامية"، وطلب منها الإجابة بستمئة كلمة، فأجابه هذا الرجل بست كلمات، ونالت إجابته الاستحسان والتقدير.
وهو الذي واجه أهمَّ دساتير الأجانب وأرسخَ المبادئِ التي قررها حكماؤهم، وتصدَّى لهم بعلمٍ ومعرفةٍ حقيقيَّين فغلبهم؛ وهو الذي تحدى فلاسفة أوروبا مستندًا إلى قوة العلم والمعرفة التي تلقاها من القرآن؛ وهو الذي دعا كُلًّا من علماء إسطنبول وحمَلةِ العلوم الحديثة فيها لمناظرته، وذلك قبل إعلان الحرية بستة أشهر، وأجاب على أسئلتهم إجاباتٍ سديدةً وافيةً دون أن يراجع أو يسأل أحدًا؛ (حاشية): يقول "سعيدٌ الجديد": أنا لا أشارك "سعيدًا القديم" في هذا الكلام الذي يقوله في هذا المقام بافتخار، لكن بما أنني أعطيته حقَّ الكلام في هذه الرسالة، فلا أملِك أن أُسكِته، وإنما ألتزم الصمت ليُظهِر شيئًا من الأنانية أمام الأنانيين المغرورين. وهو الذي وقف كلَّ حياته لسعادة أبناء هذا الوطن، فنشر بلغتهم التركية ما ينوفُ على مئةِ رسالةٍ نوَّرهم وثقَّفَهم بها، وكان لهم صديقًا ونصيرًا وأخًا في الدين والوطن؛ إلا أنه برغم هذا كلِّه لقي الأذى والعداوة والاستخفاف أكثرَ ما لقي من قِبَل بعضِ المنسوبين للمؤسسات العلمية وثُلةٍ من رجال الدين الرسميين!! فتأمل في هذه الحال.. ماذا تقول فيها؟!
— 201 —
أهي مدنيةٌ وتحضُّر؟! أم هي شغفٌ بالعلم والمعرفة؟! أم هي من مظاهر الوطنية؟! أم هي ولاءٌ للقومية أم للجمهورية؟!!
حاشا وكلا، ليستْ شيئًا من هذا على الإطلاق؛ وإنما هو قدرٌ إلٰهيٌّ أظهرَ لهذا الرجل العداوةَ من أهل العلمِ بينما كان يتوقع منهم الصداقة، لكيلا يُداخِل علمَه الرياءُ إنْ أَمَّل منهم الاحترام، وليفوز بالإخلاص.
٭ ٭ ٭
الخاتمة
اعتداءٌ يثير حيرتي ويدفعني للشكر
إن أهل الدنيا الذين لهم أنانيةٌ مُفرِطة، لهم في الوقت نفسِه حساسيةٌ فائقةٌ في التنبُّه لها واستشعارها لدى الآخرين، بحيث لو وقع ذلك باختيارهم لعُدَّ من قبيل الكرامة أو العبقرية؛ وذلك أنهم من خلال ميزان أنانيَّتهم الحسَّاس يستشعرون ما عندي من أنانيةٍ يسيرةٍ ممزوجةٍ بالرياء لا تشعر بها نفسي ولا عقلي، فيجابهونها بشدة.
ولديَّ في هذا الأمر نحوُ تسع تجارب خلال هذه السنوات الثماني أو التسع، حتى إنني كنتُ إثرَ كلِّ معاملةٍ جائرةٍ يعاملونني بها أفكر في القدَر الإلٰهي فأقول: لماذا سَلَّط القدرُ الإلٰهيُّ هؤلاء علي؟ وأبحث بهذا السؤال عن مكائد نفسي؛ فكنتُ في كلِّ مرةٍ ألاحظ أن نفسي قد مالتْ فطريًّا إلى الأنانية بغير شعور، أو أنها غرَّتني على علم، فأقول حينذاك: لقد أجرى القدر الإلٰهي عدالتَه عليَّ من خلال ظلمِ أولئك الظَّلَمة.
فمن ذلك أن أصحابي أركبوني في هذا الصيف فرسًا جميلًا، فذهبتُ به إلى متنزَّه، وما أنِ استيقظتْ في نفسي رغبةٌ نحو مباهجَ مَشُوْبةٍ بالمراءاة دون شعورٍ مني، حتى تصدى لها أهل الدنيا بشدةٍ بحيث لم يقطعوا دابرها فحسب، بل قطعوا دابرَ كثيرٍ من الرغبات الأخرى.
— 202 —
وحصل ذات مرةٍ بعد شهر رمضان المبارك، وإثرَ عنايةٍ نالتْنا بكرامةٍ غيبيةٍ لأحدِ الأئمةِ السابقين الأجِلّاء العِظام، وفي جوٍّ من إخلاصِ إخواني وتقواهم واحترامِ الزائرين وحسن ظنهم، حصل أنْ طلبتْ نفسي بفخرٍ أن تتقلَّد حالةَ أنانيةٍ يخالطها الرياء، طلبتْ ذلك بذريعةِ الشكر دون أن أشعر؛ فتعرَّض لي على الفور أهلُ الدنيا بحساسيةٍ فائقة، وبأسلوبٍ يمكنه استشعارُ أدقِّ ذراتِ الرياء.
فالشكر للّٰه سبحانه إذ غدا ظلمُ هؤلاء وسيلةً للإخلاص.
﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾
اللّٰهم يا حافظ يا حفيظ، يا خير الحافظين، احفظني واحفظ رفقائي من شرِّ النفس والشيطان، ومن شرِّ الجن والإنسان، ومن شرِّ أهل الضلالة وأهل الطغيان آمين.. آمين.. آمين
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
٭ ٭ ٭