السيرة الذاتية
— 163 —

بیارلا

هي أولُ مركزٍ بدأ فيه تأليفُ كليات رسائل النور التي كانتْ نجدةً معنويةً لأهل الإيمان، وهي البلدة التي أشرقت منها شمس سعادةٍ وأنوارُ هدايةٍ آتيةٌ من القرآن، في وجه تيارِ إلحادٍ وضلالةٍ رهيبٍ هوى على رأس الأمة الإسلامية خصوصًا أبناء الأناضول؛ وهي البقعةُ المحظوظة التي سطعَتْ منها مؤلَّفاتٌ جامعةٌ لسعادة الدارَين، أسدتْها يدُ اللطف الإلٰهي والإحسان الرباني والرحمة الإلٰهية للأناضول المبارك، ولأبناء هذا الشعب المسلم البطل، وللعالم الإسلامي.
كان بديع الزمان يعيش تحت ظلمٍ وعَسْفٍ ومراقبةٍ صارمةٍ بشكلٍ دائم في "بارلا"، وكان نفيه إلىها يَهدُف لإبعاده عن الحواضر الكبرى بحيث يُعزَل في قريةٍ منقطعةٍ، وتنطفئ جذوة الحماس في روحه، كما كان يَهدُف لإسكاته ومنعه من التواصل مع الناس، وكفِّه عن خدمة القرآن وكتابة المؤلفات الإيمانيةَ والإسلاميةَ، وشَلِّ فاعليته عن القيام بأي عمل لمجابهة الملحدين؛ لكنه نجح في العمل على نقيض هذا المخطط،
— 164 —
فلم يقف مكتوف اليدين لحظةً، بل عمل في مكانٍ معزولٍ ناءٍ كی"بارلا" على تأليف كليات رسائل النور التي تقدِّم دروس حقائق الإيمان والقرآن وقام بنشرها خُفيةً.
لقد كان هذا التوفيق والانتصار غلبةً عظيمةً له، ذلك أنه في زمن الإلحاد واللادينية الرهيب ذاك لم يكن يُسمَح بنشرِ مؤلَّفٍ دينيٍّ حقيقيٍّ واحد، بل كان العمل جاريًا على إسكات رجال الدين والقضاء عليهم، لكن أعداء الدين لم يستطيعوا إسكات بديع الزمان أو القضاءَ عليه، ولم يستطيعوا منع مؤلفاته الإيمانيةِ والإسلامية التي توقظ العقول والقلوب الغافية، ولقد كانت هذه المنشورات الدينية التي ألَّفها عملًا لم يستطع أحدٌ القيام به في أقسى عهود الظلم والاستبداد المطلق الذي دام خمسةً وعشرين عامًا.
جرى نفي بديع الزمان إلى "بارلا" أواخر العام ١٩٢٥/ مطلع العام ١٩٢٦م، وكانت تلك أولى سنواتِ حقبةِ الاستبداد المطلق الذي عانتْه تركيا مدةَ ربع قرن، وفي تلك الحقبة كانت المنظمات السِّرِّية اللادينية قد وضعتْ خُطةً ترمي للقضاء على روح الإسلام، وكان مِن ضمنها إلغاءُ شعائره واحدةً تلو الأخرى ومحوُها، وتجميعُ المصاحف وإتلافُها؛ إلا أن القوم لما لاحظوا أن هذه الإجراءات لن تُكلَّل بالنجاح، قرروا الانتقال إلى خُطةٍ أخرى تقضي بأن تتولى الأجيال القادمة بعد ثلاثين سنةً مهمة القضاء على القرآن بنفسِها، ووضعوا هذه الخُطة الشيطانيَّة الخبيثة موضع التنفيذ، فعمَّتِ البلادَ إجراءاتٌ لم يُرَ مثلُها في التاريخ في تعدِّيها على مقدسات الإسلام وتقويض أركانه.
أجل، لقد اجتهدوا ونجحوا فعلًا في قطع كلِّ ما يربط أبناء تركيا وشعبَها بالإسلام، وبذلوا كلَّ ما بوسعهم ليُبعدوا هذا الشعب المسلم عن إسلامه ويَحرِموه منه، وهو الشعب الذي رفع آباؤه وأجداده رايةَ القرآن وتحدَّوا بها الدنيا ستمئة عام، بل ألفَ عامٍ منذ زمن العباسيِّين.
ولم يكن هذا إجراءً جزئيًّا محدودًا، بل كان عمليةً كليةً واسعةً شاملة، عمَّتْ ويلاتُها إيمانَ ملايين الناس الأبرياء وعقيدتَهم خصوصًا الشباب والطلاب، لتفضي
— 165 —
إلى هلاكهم الدنيوي والأخروي؛ واستهدفتِ الحياةَ الأبدية لأبناء الأناضول وأجيالهم إلى يوم الدين.
لقد اجتهدوا في تلك الحقبة المُظلِمة في طمسِ معالِم الإسلام والقرآن ومحوِهما من حياةِ أمةٍ بطلةٍ تبوأتْ أسمى منزلةٍ برفعِها رايةَ القرآن على مدى ألف عام بشهادةِ ماضيها المشرق، وسعَوا دائبين لتخريجِ أجيالٍ جديدةٍ وحملةِ شهاداتٍ مقطوعي الصلة بماضيهم، لا يدرون شيئًا عن أجدادهم العظماء، ولا يذكرون شيئًا من تاريخهم الوضَّاء الحافل بالجهاد على مدى عشرة قرون، وعملوا على خداعهم والتلبيس عليهم بكلامٍ مُنمَّقٍ مبهرَجٍ، كالحديث عن مواكبة المدنية المعاصرة، ليهيئوا الأرضية المناسبة للنظام الشيوعي.
وأُقصِيَتْ حقائقُ الإسلام بكلِّ ما انطوتْ عليه من ركائز المدنية وأُسس الرقي المادي والمعنوي، لتَحُلَّ محلَّها فلسفةٌ لادينيةٌ آسِنة، فيها ما فيها من المبادئ المُظلِمة، والآداب المتحلِّلة، وأفكارِ الفلاسفة وإيديولوجياتهم المضلِّلة، يُلقِّنها ويَنشرها على أوسع نطاقٍ عملاءُ الشيوعية والماسونية والإلحاد.
وكان لأعداء الإسلام - خصوصًا الإنكليز والفرنسيين - مخططاتٌ تهدُف لتقسيم العالم الإسلامي وشرذمتِه ماديًّا ومعنويًّا ليسهُل عليهم نهب خيراته، وفي مقدمتها قطْعُ صِلات الشعب التركي البطل بعاداته وتقاليده وقِيَمِه الإسلامية لينقلبَ إلى ضدها تمامًا، وقد شهدتْ تلك الحقبة للأسف وضْعَ تلك المخططات موضع التنفيذ.
إذًا تزامنت المرحلة التي أَطلق فيها بديع الزمان خدمةَ الإسلام والقرآن في الأناضول عبر رسائل النور، وتجرَّد لها فدائيًّا من فدائيي الإسلام الأبطال يَذودُ عنها ويفديها بروحه، تزامنتْ مع انطلاق مرحلةٍ لادينيةٍ رهيبةٍ لم يُرَ مثلُها على وجه الأرض، ولهذا فإن المتأمل للخدمة التي نَهَض بها بديعُ الزمان في ذلك الحين عبر رسائل النور، لا بدَّ أن يضع نُصبَ عينيه أوضاعَ ذلك الزمان العصيب، ففي مثل تلك الظروف الصعبة غير المسبوقة يمكن لمقدارِ ذرةٍ من خدمةٍ أن ينال قيمةً عظيمةً كالجبل، ويمكن لخدمةٍ بسيطةٍ أن تؤتي نتيجةً عظمى وتحظى بقيمةٍ كبرى.
— 166 —
وعلى هذا، فرسائلُ النور نتيجةٌ لتلك الحقبة الخطيرة المروِّعة وحصيلةٌ لها، ومؤلِّفها أعظمُ بطلٍ عرفتْه ميادين الجهاد في زمنٍ عصيبٍ دأبَ رجال الحكم فيه على هدم الدين طَوالَ خمسٍ وعشرين سنة، وسيظلُّ - إلى أن يرثَ اللّٰه الأرضَ ومَن عليها - مرشدًا كاملًا يدعو الأمة المحمدية إلى دار السلام، ويبيِّن للبشرية الطريق؛ أما رسائل النور فسيفٌ ألماسيٌّ من سيوف القرآن، برهَنَ عليه الواقعُ والزمان، وشهِدتْ به الأحداث الظاهرةُ للعِيان.
إن رسائل النور ببراهينها القطعية وأدلتها العقلية والمنطقية التي لا تُخدَش، قد أثبتت بطلان الفلسفات المادية والطبيعية المنافية للدين، وبرهنتْ على امتناعها واستحالتها، وألزمتْ أشدَّ الفلاسفة كفرًا، وكسرت شوكة الإلحاد، وهزمت الكفر المطلق.
أجل، لقد ظهرتْ وتلألأتْ رغم الظلم والأذى والاضطهاد غير المسبوق الذي تعرض له بديع الزمان، وستكون سيفًا من سيوف الإسلام في هذا العصر وفي المستقبل بإذن اللّٰه.
لقد غدتْ وستبقى حبيبةَ الأرواح والقلوب، ومهجةَ العشاق، يرخُص في فدائها كلُّ غالٍ ونفيس، وتتبوأ في نفوس الناس أسمى منزلة، حتى لَكأنها تاجٌ يُكلِّل هاماتهم، إذ كانت طوق نجاتهم بما قدمتْ لهم من خدمةٍ إيمانيةٍ نفيسةٍ سامية.
بزغتْ رسائل النور معجزةً معنويةً منتَظَرةً للقرآن الكريم في العصور الباقية، وتجمع حول هذه الحقيقة القرآنية الملايين من الإخوة والطلبة، وعلى رأسهم مؤلفها بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ كما يجتمع الفراش حول النور، فاقتبسوا من نورها وارتشفوا منها حقائق الإيمان والقرآن، فقوَّوا إيمانهم، وعزموا على أن يكون إعلان هذه الحقيقة الكبرى للعالم أجمع وقراءتُها وخدمتُها غايةَ حياتهم.
أجل، إنها مبعَثُ فخرٍ لأبناء تركيا والعالم الإسلامي، يتشرفون بها للأبد، وستسطِّرها صفحات تاريخهم بحروفٍ من ذهب كما سطَّرت ماضيهم، وستكون قائدًا مرموقًا ورائدًا لخدمة القرآن والإسلام في العالم الإسلامي.
— 167 —
إن هذه المؤلفات الكلِّيَّة الواسعة التي تَلقى حيثما حلَّت الانتشارَ الواسع والقبولَ الحسن والأثرَ الطيب على نحوٍ مطَّردٍ في الأناضول والعالم الإسلامي إنما هي بضاعةُ القرآن، ومُلْكٌ لعالَمِ الإسلام وأهل الإيمان، ومبعَثُ فخرٍ إسلاميٍّ لأبناء هذا الوطن، وهي كذلك نقطةُ استنادٍ للحكومة التي تدير هذه البلاد، كما أنها منظومةُ حقائقَ عظيمةٍ ستتردَّد كلماتُها على أسماعِ العالَم كله بإذن اللّٰه، حين يأتي زمانٌ تُدرَّس فيه رسائل النور وتُبَثُّ عبر المذياع في أرجاء المعمورة.
نعم، لقد أشرقتْ شمسًا من تركيا على ساحات العلم والعرفان في الدنيا، وهي إشراقةٌ من إشراقات تلك الشمس المعنويَّة التي بزغَتْ على عالَم البشريَّة قبل ألفٍ وثلاثمئةِ سنة، ولمعةٌ من لمعاتِها الساطعة في كلِّ عصر، ومعجزةٌ من معجزاتها المعنويَّة المنتظرَة في الأزمان اللاحقة، ولقد تركتْ أثرَها البارز ليس على الصعيد المعنوي فحسب، بل على الصعيد المادي المحسوس كذلك.
أجل، فلرسائل النور تأثيرٌ يفوق تأثير الأسلحة والقنابل الذرية التي تعتمد عليها الدول والشعوب للدفاع عن نفسها والحفاظ على وجودها، ومن يتأمَّل - ولو يسيرًا - بعين العلم والبصيرة في رسائل النور، وفي الخدمة التي أداها بديع الزمان طَوالَ ثلاثين عامًا في الأناضول من خلال الرسائل، يجد ذلك التأثير فعلًا ويدركه ويصدِّقه؛ وإن النتائج المترتبة على الخدمة التي أدتها الرسائل منذ ظهورها حتى اليوم هي من العظمة والروعة بحيث تستحق تبريكًا وتقديرًا لا يتناهى من الراسخين في مسلك الحقيقة، فلقد كان لها الفضل في تقوية الإيمان في هذا الوطن بما نشَرتْ من الإيمان التحقيقي، وكان لها منهجُها في مقارعة الكفر والإلحاد والضلالة والرذيلة في هذه البلاد، إذْ تصدَّتْ لها بأسلوبِ عملٍ إيجابيٍّ بنَّاء، يتأسى بنهجِ الأنبياء، إلى أن كُتِب لها النصر في هذا الجهاد الديني المعنوي العظيم.
أما هذه الثُّلَّة المجاهدة من طلبة رسائل النور فقد كان بين أفرادها من عظيم الاتحاد والولاء ما نشأ عنه سرٌّ جليلٌ مقبولٌ صار وسيلةً لاستجلاب العناية والرحمة
— 168 —
الإلٰهيتَين؛ إنها ثُلَّةٌ مجاهدةٌ مخلصةٌ أشبه ما تكون ببذرةٍ صغيرةٍ تفتحت في مكانٍ ضيق، فانبثقتْ عنها شجرةُ طوبى عظيمة تنشُر أغصانها على شتى أنحاء العالَم.
ترشَّحتْ رسائل النور من مَعين القرآن في القرن الهجري الرابع عشر، وانطلقتْ من الأناضول وأخذتْ تنتشر، وما تزال رقعة انتشارها تتسع باطرادٍ في العالَم الإسلامي والعالَم عامةً؛ فلقد حظيتْ بالتوفيق نتيجةَ إخلاصها الفريد واتخاذِها خدمةَ الإيمان والتوحيد الخالص مسلكًا أساسيًّا لها، وصارتْ نورَ حقيقةٍ يعمُّ كلَّ مكان بما تضمنتْه من حقائق الإيمان والقرآن، فأقامتْها الرحمة الإلٰهية سدًّا قرآنيًّا ونورًا إيمانيًّا يحفظ الأمة الإسلامية من المهالك والمصائب المادية والمعنوية.
لقد سلكتْ في تصدِّيها لمعارضي القرآن والإيمان طريقَ الحجة والإقناع، لا طريق الإكراه والنزاع، فأماطت اللثام عن وجه الحقيقة المشرق، وأثبتت للعالَم في شتى ميادين الفكر والفلسفة أحقِّيَّةَ دين الإسلام، وإعجازَ القرآن الذي هو شمسُ الهداية لعالَم الإنسان، وبرهنتْ على ذلك بحججٍ ناصعةٍ ودلائل قاطعة، وأقامت البراهين المنطقية على أن الدين والنبوَّة هما مَن أرسى أسسَ الكمال والرقيِّ والمدنية على وجه الأرض، وأنَّ خلاص البشريَّة من غياهب الجهل الحالكة إنما تمَّ بظهور الإسلام خاصَّةً، وتحت رئاسة العالم الإسلامي، وهو ما سيكون في المستقبل بإذن اللّٰه.
أما الأسس التي وضعها البشر كالفضيلة والمصالح العامة التي تُشاهَد في الحكمة والفلسفة، فما هي إلا انعاكساتٌ من شمس النبوة التي أشرقت على عالَم الإنسان، فسطعتْ أنوارها وتلألأتْ لمعاتُها في أفكار البشر وقلوبهم، تمامًا كما تطلعُ الشمس فتجلو بأشعتها ظلمات الليل؛ فما هذا الضياء الذي يتراءى من الحكمة والفلسفة الحقَّة والعلوم والفنون إلا انعكاسًا وجَلوةً من جَلوات شمس القرآن وقنديل النبوة اللذين أنارا عالَم البشرية.
فيا أيها العالم الإسلامي أفِقْ، وبالقرآن استمسكْ، وإلى الإسلام توجَّه بكل كيانك.. ويا أحفاد الرجال الأماجد الذين يَشهَد لهم التاريخ بأنهم خدموا القرآن ألف
— 169 —
عام، ونشروا على وجه البسيطة نور الإسلام: جِدُّوا واجتهِدوا في أن تُيمِّموا وجوهَكم شطرَ القرآن.. اِقرؤوه وافهموه، وطالِعوا تفسيرَه ومعجزتَه المعنويَّة في هذا الزمان: رسائلَ النور.
وإذا ما ردَّدتْ ألسنتكم آياته فاجعلوا أحوالكم وأخلاقكم تنشر معانيه، اقرؤوه بلسان الحال، فإذا فعلتم ذلك كنتم سادةَ الدنيا وزعماءَ العالَم ووسيلةَ سعادة الإنسانية.
ألا فاستفيقوا يا أحفاد مَنْ جعلوا وظيفتَهم رفْعَ راية القرآن عبر القرون، فتبوَّؤوا أسمى المراتب في الدنيا وأجلَّها وأقدسها.. استفيقوا فليس من الرشد غفلتُكم في أثناء هذا الفجر الصادق لعالم الإسلام.. فإنما الحريُّ بكم أن تتنوروا بنور الإيمان والقرآن، وتتكمَّلوا بتربية الإسلام، وتتخذوه مرشدًا لكم في شؤونكم وأحوالكم، وتتمسكوا بمدنيَّتِه التي هي المدنية الإنسانيَّة الحقيقية، لتكونوا شركاء وأدلَّاء في صحوة العالم الإسلامي ويقظته.
أما العلومُ والفنون الآتية من أمريكا وأوروبا، فإنما يُنظَر إليها بعين التفكُّر القرآني ممزوجةً بنور التوحيد، إذْ هي في الأصل بضاعةُ الإسلام، أي ينبغي أن يُنظَر إليها باسم صانعها وبارئها، فلْنقلْ ولْيردَّد الآخرون: إلى الأمام سِرْ.. إلى رسائل النور التي هي مجموعةُ الحقائق الإيمانية والقرآنية المبيِّنة للسعادة الأبدية والسرمدية.
يا إخوة الدين الأكارم، أحفادَ أبطالِ جيوش آسيا الذين كان بيدهم زِمام الدنيا: كفاكم نومًا منذ خمسمئة عام!! أفيقوا واستيقظوا في صباح القرآن، وإلا فإن إغماض أعينكم أمام شمسه ونومَكم في بيداء الغفلة سيجعلكم نهبَ التخلُّف والضياع.
لا تفارقوا نهر القرآن فتتساقطوا كقطراتٍ متناثرةٍ فوق التراب القاحل لشهوات المدنية ورذائلها، بل اتحدوا كالسيل في نهر السلامة والسعادة القرآني، واجرُفوا رذائل المدنية وقبائحها، وكُونوا جداول الحقيقة الإسلامية تجري في هذا الوطن كماء الحياة؛ لتتفتَّح على ترابه أزهار علوم المدنية الحقيقية وفنونها بفضل ماء الإسلام وضياء الإيمان، ويعودَ روضةً غنَّاء تُظِلُّها السعادة المادية والمعنوية بإذن اللّٰه.
— 170 —
نعود للموضوع الأساسي.. إن السنوات التي ألَّف فيها بديع الزمان رسائلَ النور أثناء إقامته الجبرية بی"بارلا" كانت لها أهميةٌ بالغةٌ بحيث تُقدَّر اللحظة منها بدهر؛ فكما أن ساعةً من نوبةِ حراسةٍ في ظروفٍ قاسيةٍ كالشتاء ببردِه القارس وجليده وأهواله أفضل من عبادة سنة، فكذلك الأمر في ذلك الزمن المُكْفَهِرِّ العصيب، فإن كتابة رسالةٍ حقيقيةٍ واحدةٍ فقط - لا مئةً وثلاثين رسالة - تتناول حقائق الإيمان والإسلام تَعْدِل آلاف الرسائل قيمةً وأهميةً.
نعم، فلقد كان أهلُ الدين في تلك المرحلة البئيسة المروِّعة من حكمِ اللادينية الرهيب يتجرَّعون ألوانًا من الإهانة والإذلال، وبلغ الأمر برجال تلك الحقبة أنْ فكَّروا بإزالةِ القرآن واجتثاثِ العقائد الدينية نهائيًّا كما كان يُفعل في روسيا، إلا أنهم تخوَّفوا أن ينقلب الأمر عليهم بنتيجةٍ عكسيةٍ من قِبَل أبناء الشعب المسلم، فأحجموا عنه واتخذوا بدلًا منه قرارًا مفاده: "أن الشباب الذي سيتخرج وفق مناهج التعليم الجديدة التي سنقررها في المدارس، سيتولى بنفسه إزالة القرآن وإقصاءَه، وبهذه العملية نقطع صلة الشعب بالإسلام"؛ ولم يكن القائمون على تلك الخطط الجهنمية وصناعُ تلك الفتن المروِّعة سوى زعماء تيارات الإلحاد في الخارج ورجالهم في الداخل، وهم اليوم أعداء الدين المعارضون لعودته وازدهاره.
ونحن نُحيل الكشفَ عن الوجه القبيح لتلك الخطوب المروِّعة التي ألمَّت بالشعب التركي وتبيينَ تفاصيلها إلى المؤرخين المنصفين في المستقبل، وإلى المحررين الأتراك المسلمين، لينشروا هذه الحقائق في أجواء الحرية التي أرستْها حكومة الحزب الديمقراطي الذي يتولى أمورَ البلاد اليوم.
إن وظيفتنا الوحيدة والحصرية هي أن ننشغل بالحقائق الإيمانية والقرآنية، فنحن حصرًا في تيار الإسلام والإيمان لا غير.
أجل، ففي أشد أزمنة الزندقة والضلالة وحشيةً وضراوةً كان بديع الزمان تحت المراقبة الدائمة، يقاسي ظلمًا يضاهي ظلم الطواغيت والجبابرة في كلِّ عصر؛
— 171 —
وقد دامتْ هذه الحال خمسًا وعشرين سنة، كان العالم الإسلامي في أثنائها يرزح في فقرٍ مدقعٍ تحت نِير الاحتلال الأجنبي، بينما انطلقت المنظمات السرية التي ترعى الفساد والإلحاد تمارس أنشطتها الرهيبة في تركيا والعالم الإسلامي متلقيةً الدعم من حلفائها، وقد تواطأ الجميع على محاربة الإسلام.
ومن هنا، فكما كانت معركتا بدرٍ وأُحُدٍ باكورة الفتوحات في العالَم الإسلامي، فإن لرسائل النور أهميةً من ذلك النوع أيضًا، إذ كانت وسيلةً لخدمةٍ إيمانيةٍ وجهادٍ دينيٍّ معنويٍّ لا مثيل لعظمته في التاريخ منذ عصر السعادة النبوي؛ فعلى الرغم من أن بديع الزمان كان في "بارلا" أشبه بأسيرٍ مكبَّل اليدين، إلا أنه بتأليفه ونشرِه رسائلَ النور في ذلك المنفى النائي صار كأنما وقف خطيبًا بليغًا في مسجد الأناضول ومسجد العالَم الإسلامي، يلقي على أهل الإيمان الدروسَ التي تلقَّاها من القرآن.. كان كأنما يقف على قمة منارةِ القرن الرابع عشر الهجري والقرن العشرين الميلادي، يخطب بمعاصريه من أهل الإسلام وبني الإنسان، ويخاطب أجيال المستقبل المصطفَّةَ خلف هذا العصر في صفوف المستقبل (حاشية): إن أكثر الناس شوقًا لرسائل النور هم الشباب والأطفال الأبرياء، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، إلا أننا نكتفي منها بمثالٍ واحد، فقد كان بديع الزمان ذات يومٍ مارًّا ببلدة "بولفادين"، فما أن رآه طلابٌ من المرحلتين الابتدائية والإعدادية حتى تقاطروا من مدارسهم نحوَه، وتجمهروا حول السيارة التي كانت تُقِلُّه مسلِّمين عليه، معبِّرين عن امتنانهم وتقديرهم له كأنما يقولون بلسان الحال: أهلًا وسهلًا بكم.
وكنا سألْنا الأستاذ عن هذا حين شاهدْنا الأطفال في طرقات قرى "أميرداغ" يتراكضون نحوَه من بعيدٍ، غيرَ آبهين بالشوك الذي يحفُّ طريقَهم، وهم يهتفون ببراءةٍ: جدُّنا بديع الزمان.. جدُّنا بديع الزمان!!
فأجابنا: "إن أرواح هؤلاء الأبرياء وقلوبَهم قد شعرَتْ على سبيل الحسِّ قبل الوقوع - وإن لم تُدرِك عقولُهم - حقيقةَ أن رسائل النور ستنقذ إيمانهم، وستحفظهم وتحفظ بلادَهم ومستقبَلهم من المخاطر المروعة، فهم يعبِّرون عن شكرهم وامتنانهم ومحبتهم لها، ويوجهونَه إليَّ باعتباري ترجمانها"، وقال إنه يدعو لهم. وكان الأستاذ يحب الأطفال كثيرًا، فكانوا إذا تجمهروا حوله قال لهم ملاطفًا: "ادعوا لي، فأنتم أبرياء مجابو الدعوة". ويكلِّمها كمرشدٍ جليل ومجدِّدٍ كبير.