السيرة الذاتية
— 137 —

خطابٌ في الرؤيا

واقعةٌ روحيَّةٌ في غاية العجَب دوَّنَها في رسالة "السُّنوحات" حين كان عضوًا بدار الحكمة في إسطنبول.
في شهر أيلول من عام ١٣٣٥ رومي، كنتُ في حالةٍ من الاضطراب الشديد الناجمِ عن اليأس الذي خلَّفتْه حوادثُ الدهر، وكنت أبحث عن نورٍ في غياهب تلك الظُّلمة، فلم أستطع أن أجدَه في اليقظة التي هي حُلُمٌ معنًى، وإنما وجدتُ ضياءً في رؤيا صادقةٍ هي يقظةٌ في الحقيقة، وسأُوْرِدُ النقاطَ التي جرَتْ على لساني وأُعرِض عن ذِكر التفاصيل، وهي كالآتي:
في إحدى ليالي الجُمَع دخلتُ بالنوم إلى عالَم المثال، أتاني آتٍ فقال لي: يدعوك مجلسٌ موقَّیرٌ مَهيبٌ منعقدٌ لبحثِ حالِ عالَم الإسلام ومصيره.
ذهبتُ، فرأيت مجلسًا منوَّرًا لم أرَ مثلَه في الدنيا، قد حضرَه ممثلون عن السلف الصالح وعن كلِّ عصرٍ من العصور، فوقفتُ عند الباب متهيِّبًا، فناداني أحدهم قائلًا:
يا رجلَ زمانِ المصائب والنوائب.. أنت أيضًا لك رأي، فبَيِّن ما عندَك.
قلتُ وأنا واقف: سَلُوني أُجِبْ.
قال أحدُهم: إلامَ سَتُفضي هذه الهزيمة؟ وماذا كان سيحصُل لو كان الانتصار؟
قلت: إن المصيبةَ ليست شرًّا محضًا؛ فمثلما تنطوي السعادة على مصيبةٍ في بعض الأحيان، كذلك قد تنشأ السعادة عن المصيبة.
وإن هذه الدولة الإسلامية التي نهضتْ منذ القديم بفرض الجهاد الكفائي، إعلاءً لكلمة اللّٰه، وحفاظًا على استقلالِ العالَم الإسلامي، وحملتْ راية الخلافة، وبذلت التضحيات لأجل العالَم الإسلامي ذي الجسد الواحد، ستُعوَّضُ بدلًا من المصيبة التي حلَّتْ بها سعادةً يَرْفُلُ بها عالَم الإسلام في المستقبل؛ ذلك أن هذه المصيبة قد
— 138 —
حرَّكتْ مشاعر الأُخوَّة الإسلامية التي هي روحُ حياتنا وإكسيرُها، وعجَّلَتْ ببعثِها بشكلٍ لم يسبق له مثيل، إذْ بينما كنا نتألم كان العالم الإسلامي يبكي، ولو زادتْ أوروبا في إيلامها لضَجَّ العالم الإسلامي؛ فلئن مُتنا فسنموت عشرين لكنْ سنُبعَثُ ثلاثمئة، فنحن في عصر الخوارق، وفيه مَن بُعِث بعد الموت بسنتين أو ثلاث.
لقد خسِرنا بهزيمتنا سعادةً عاجلةً مؤقتةً، لكنْ تنتظرنا سعادةٌ آجلةٌ دائمة، وإن مَن يستبدِل بالحال الجزئية المتحوِّلة المحدودة مستقبَلًا رحبًا فسيحًا رابح.
وإذا بصوتٍ من طرف المجلس يقول: أوضِح.
قلت: إن الحروب قد تحولت من حروبٍ بين الدول والأقوام إلى حروبٍ بين طبقات البشر، فكما يرفض الإنسان أن يكون أسيرًا، يرفض كذلك أن يكون أجيرًا.
ولعلنا لو كنا منتصرين لانجرفنا أشدَّ الانجراف في تيار الاستبداد الموجود لدى خصومنا وأعدائنا، والحال أنه تيارٌ ظالمٌ ينافي طبيعةَ العالم الإسلامي، ويخالف مصلحةَ الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضلًا عن أن عمره قصير ومآله التمزق، فلو كنا آخذين به لَسُقنا العالَم الإسلامي إلى طريقٍ ينافي طبيعتَه وفطرتَه؛ ولكُنَّا مُلزَمين بأن نحميَ في أرجاء آسيا تلك المدنيَّةَ الخبيثةَ التي لم نجد منها سوى الضرر، والتي تغلِب سيئاتُها حسناتِها، وترفُضُها الشريعة، وتقضي فيها مصلحةُ البشر بالنسخ، وتحكم عليها صحوتُهم بالانقراض.. إنها مدنيةٌ بدائيَّةٌ في معناها، متوحِّشةٌ جائرةٌ، تعجُّ بالرذائل.
قال واحدٌ ممن في المجلس: لماذا ترفض الشريعةُ هذه المدنيِّة؟
(حاشية): مقصودنا محاسنُ المدنية وفضائلُها التي عادتْ على البشرية بالنفع، لا سيئاتُها وآثامُها التي ظَنَّها الحمقى حسناتٍ، فراحوا يقلِّدونها حتى أوردونا المهالك؛ وإنه برُجحان سيئاتِ هذه المدنية على حسناتها وغَلَبةِ آثامها على فضائلها، تلقَّت البشريةُ صفعتين مروِّعتَين في حربين عالميتين جَعَلَتا عاليَ تلك المدنيَّة الآثمة سافلَها، حتى تقيَّأتْها البشريَّةُ دمًا لطخت به وجه الأرض، لكنْ ستتغلبُ في المستقبل إن شاء اللّٰه محاسنُ المدنيَّة بقوةِ الإسلام، فتطهِّرُ وجهَ الأرض من أدرانها، وتُحقِّقُ السِّلْم العالَمي.
— 139 —
قلت: لأنها قامت على خمسةِ أسسٍ فاسدة:
فنقطةُ استنادها القوة، وشأنُها العدوان.
وهدفُها وقصدُها المصلحة، وشأنها التزاحُم.
ودستورها في الحياة الصراع، وشأنُه التنازع.
أما روابط المجموعات البشرية لديها فالعنصريةُ والقوميةُ الضارَّة، وهما مُفضيتان إلى ابتلاع الآخرين، وشأنهما الصِّداماتُ الرهيبة.
وأما مهمتها الجذَّابة فتشجيعُ الهوى والهوس، وتلبيةُ رغباتهما، وتسهيلُ مطالبِهما، وشأن الهوى الانحطاطُ بمقام الإنسانية من درجة المَلَكية إلى درَكَة الكَلْبية، بحيث يُفضي إلى مسخ الإنسان مسخًا معنويًّا؛ فلو أن معظم أبناء هذه المدنيَّة انقَلَبَ باطنُهم ظاهرًا، لتناهتْ إلى الخيال صورُهم في إهابِ الذئب أو الدب أو الأفعى أو الخنزير أو القرد.
وهكذا، فهذه المدنيَّة المعاصرة قد أوقعتْ ثمانين بالمئة من الناس في المشقة والشقاء، وأعطتْ عشرةً بالمئة منهم سعادةً وهميَّة، وتركت العشرةَ بالمئة المتبقين بين هؤلاء وهؤلاء.
وإنما تكون السعادةُ سعادةً إذا كانتْ للكلِّ أو للأكثر، أما هنا فإنها لأقل القليل، ولا يقبل القرآن الذي هو رحمةٌ للبشرية مدنيّةً لا تتضمَّن سعادةَ الجميع، أو سعادةَ الأكثرية على الأقل.
ثم إنه مع سيطرةِ الهوى المنفلت من عقاله أصبحت الحاجاتُ غير الضرورية في حكم الضرورية؛ فبينما كان الإنسان في زمن البداوة محتاجًا إلى أربعة أشياء، إذا بالمدنية تجعله محتاجًا إلى مئة حاجة، فتُردِيه فقيرًا مُعوِزًا؛ وبما أن عمل المرء لم يعد كافيًا لسدِّ نفقاته فقد ساقتْه إلى طريق الحيلة والحرام، فأفسدت أساسَ الأخلاق لديه.
ثم إنها أعطتِ الجماعةَ ثروةً، وأضفَتْ على النوعِ أبهةً، لكنها بالمقابل جعلت الأشخاصَ والأفراد فقراء مُعْوِزين بلا أخلاق.
— 140 —
لقد قاءتْ هذه المدنيَّة في دفعةٍ واحدة جميعَ ما في القرون الأولى من بدائيَّةٍ وهمجيةٍ وتوحُّش؛ وإن إحجام العالم الإسلامي عن هذه المدنية وفتورَه تجاهها وتردُّدَه في قبولها لَأمرٌ يلفت الانتباه؛ ذلك أن الهداية الإلٰهية التي في الشريعة، والتي تمتاز بخاصية الاستقلال والاستغناء، لا يمكن أن تُطَعَّمَ بدهاءِ فلسفةِ روما أو تمتزج بها، فضلًا عن أن تَتَّبِعها أو تستطيعَ تلك الفلسفةُ ابتلاعَها!!
لقد حافظتْ كُلٌّ من روما واليونان القديمتين بدهائهما على استقلاليَّتهما على مرِّ القرون، بالرغم من أنهما نشأتا توءمَين من أصلٍ واحد، وبالرغم من محاولات المدنيَّة والمسيحيَّةِ المزج بينهما، فبقيتا كأنهما الماء والزيت، وما زالتا كذلك حتى الآن كأنهما روحان انتقلتا بالتناسخ لتعيشا في صورتين مختلفتين.
فإذا كانت هاتان لا تمتزجان رغم كونهما توءمين ورغم وجود أسباب الامتزاج، فإن نور الهداية الذي هو روح الشريعة لا يمكن بحالٍ أن يُمزَج أو يُبْتَلع بدهاءِ روما الذي هو أساس المدنيَّة الملوَّثة المظلمة.
قالوا: فكيف إذًا هي المدنيَّة الموجودة في الشريعة الغرَّاء؟
قلت: أما المدنيَّة التي تتضمنها وتأمر بها الشريعةُ الأحمدية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - فإنها ستَظهَر بانقشاعِ المدنيَّة الحاليَّة، فتضع الأُسس القويمة بدلًامن تلك الأُسس الفاسدة.
فأما نقطة استنادها: فالحقُّ بدلًا من القوة، وشأنه: العدالة والتوازن.
وأما هدفها: فالفضيلةُ بدلًا من المصلحة، وشأنها: المحبة والتجاذب.
وأما جهة الوحدة فيها: فرابطةُ الدِّين والوطن والطبقة، بدلًا من القومية والعنصرية، وشأنها: الأُخوَّة الخالصة، والمسالمة، والدفاع ضد العدوان الخارجي.
أما دستورها في الحياة: فالتعاونُ بدلًا من الصراع، وشأنه: الاتحاد والتساند.
ثم الهدى بدلًا من الهوى، وشأنه: رقيُّ الإنسانية، وتَكَمُّلُ الروح، لأنه يَحُدُّ من سطوة الهوى، ويُلبِّي مشاعرَ الروح الساميةَ بدلًا من تسهيلِ رغبات النفس الدنيئة.
— 141 —
إذًا لقد التحقنا نتيجة هذه الهزيمة بالتيار الثاني الذي هو تيار المظلومين والأكثرية، فإذا كانت نسبةُ المظلومين والفقراء عند غيرنا ثمانين بالمئة، فإن نسبتَهم عندنا نحن المسلمين تسعون بالمئة، بل خمسٌ وتسعون.
وإنَّه إنْ بقي موقفُ العالَم الإسلامي تجاه هذا التيار الثاني المعارضةَ أو اللامبالاة، بدلًا من التصرُّف بعقلانيةٍ لتحويله إلى نهجٍ إسلاميٍّ يخدمه، فسيفضي به الأمر إلى أن يصير بغير سند، خائبَ المسعى، عرضةً للتحلُّل من جراء استيلاء ذلك التيار عليه؛ إذْ إنَّ عدوَّ العدوِِّ صديقٌ ما دام يُعاديه، كما أن صديقَ العدوِّ عدوٌ ما دام يُواليه.
إن مصالح هذين التيارين وأهدافَهما متضادة، فإذا قال أحدهما: مُتْ، قال الآخر: انبعث؛ فكما أن مصلحة أحدهما تستلزم أن نكون في ضررٍ واختلافٍ وضعفٍ وغفلة، فإن مصلحة الثاني تقتضي بالضرورة أن نقوى ونتَّحد.
لقد كانت خصومة الشرق تعيق انبعاثَ الإسلام، وقد زالت، وينبغي أن تزول؛ وإن مخاصمة الغرب أشدُّ الأسباب تأثيرًا في تقويةِ الأُخوة والاتحاد بين أهل الإسلام، فينبغي أن تبقى.
وإذا بأمارات التصديق على كلامي تظهر من المجلس، فقالوا: نعم، كونوا على أمل؛ فإن التحوُّلات التي سيشهدها المستقبل سَيُجلجِل فيها صدى الإسلام قويًّا هادرًا بلا منازع.
ثم سأل أحدهم مرة أخرى: إن المصيبة تَحُلُّ نتيجةً لجنايةٍ ومقدمةً لمكافأة، فماذا فعلتم حتى أفتيتم للقدر بأن يحكم عليكم بهذه المصيبة؟ إذْ إن المصيبة العامة تترتب على خطايا الأكثرية؛ ثم ما مكافأتكم العاجلة؟
قلت: إن مقدمةَ هذه المصيبة إهمالُنا لثلاثةٍ من أركان الإسلام: الصلاة، والصيام، والزكاة؛ فقد طلب الخالقُ منا ساعةً واحدةً من أربع وعشرين لأجل الصلوات الخمس، فتكاسَلْنا عنها، فجعَلَنا نصلي نوعَ صلاةٍ بالمشقة والتدريب والسعي الدائب أربعًا وعشرين ساعةً طَوالَ خمس سنين.
— 142 —
وطَلَب منا صيام شهرٍ واحدٍ في السنة، فأشفقنا على أنفسنا منه، فجعلَنا نصوم خمسَ سنين كفَّارةً لذلك.
وطَلَب زكاةَ المال الذي أحسنَ به إلينا، بأن ندفع منه مقدارَ العُشر أو ربع العُشر، فبَخِلنا وظَلمْنا، فأَخَذَ منا الزكاة المتراكمة، إذِ الجزاءُ من جنس العمل.
وأما مكافأتُنا العاجلة فهي أنه سبحانه رفعَ خُمُسَ هذه الأمة التي وقعتْ في الفسوق والعصيان - أي ما يعادل أربعة ملايين - ورقَّاهم إلى مرتبة الولاية، ومنحَهم مقام الجهاد والشهادة؛ فضلًا عن أن المصيبة العامَّة التي نشأتْ عن الخطايا العامَّة قد محتْ آثام الماضي.
فقال أحدهم أيضًا: وماذا إنْ كان بعض المسؤولين قد ارتكب خطيئةً فقاد الأمة إلى الهلاك؟
قلت: إن المبتلى بالمصيبة يرجو المكافأة، فإما أن يُعطاها من حسنات ذلك المسؤول الذي ارتكب الخطيئة، والحال أنها بحكمِ المعدوم؛ وإما أن يُعطاها من خزينةِ الغيب، ومكافأةُ مثلِ هذه الأعمال في خزينةِ الغيب نيلُ درجةِ الجهاد والشهادة.
فرأيت أن المجلس قد استحسن ما قلت، فأفقتُ من شدة توتُّري، فوجدتُ نفسي جالسًا في السرير وقد عقدتُ يدَيَّ والعرقُ يتصبَّب مني؛ وهكذا مضت تلك الليلة.
٭ ٭ ٭
لم يكن بديع الزمان يقتني الكُتب، وكان يُسأل: لِیمَ لا تنظر في الكتب الأخرى؟! فيجيب: إنني أتلقى الفهم من القرآن بتجريدِ فكري من كلِّ ما سواه.
وكان إذا نقَلَ شيئًا من الكتب - كبعض المسائل التي يراها مهمةً - نقَلَها دون تغيير؛ فكان يُسأل: لِیمَ تُكرِّر الأمر كما هو؟ فيجيب: إن الحقيقة لا تُمَلّ، فلا أرغب بتغيير حُلَّتِها.
— 143 —
وكما سبق ذكرُه، فإن بديع الزمان كان قد أمر بطبع اثنَي عشر مؤلَّفًا تتحدث عن الحقائق القرآنية،
(حاشية): المعدُّون: إن المؤلَّفات التي نشَرَها بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ بعد أن طَبعَ بعضَها في إسطنبول وطَبعَ بعضَها الآخرَ في أنقرة، قد نُشِرَتْ ثانيةً بعد أربعين سنة في مجموعٍ مستقلٍّ سُمِّيَ "المثنوي العربي النُّوري"، وقد تحدَّث في مقدِّمته عن هذه المؤلَّفات بقوله:
"كان سعيدٌ القديم - قبل حوالي خمسين سنة - لزيادةِ اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية، يتحرَّى مسلكًا ومدخلًا للوصول إلى حقيقةِ الحقائق، داخلًا في عِداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة، وكان لا يَقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدَها كأكثر أهل الطريقة، بل كان يَجهَد كلَّ الجهد لشفاء فكرِه وعقلِه من الأسقام التي أورثتها إياه مداومةُ النظر في كتب الفلاسفة.
ثم أراد -بعد أن تخلَّص من هذه الأسقام- أن يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة، المتوجِّهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب، فرأى أن لكلِّ واحدٍ منهم خاصيَّةً جاذبةً خاصةً به، فحارَ في ترجيح بعضهم على بعض، فوجَّهه الإمام الرباني بطرزٍ غيبيٍّ بقولِه: "وحِّد القبلة" أي سِرْ خلف أستاذٍ واحد، فخطر على قلب ذلك السعيد القديم المثخَن بالجراح أن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلَّا، وأن توحيد القبلة إنما يكون بأستاذيته وحدَه دون سواه، فشرع - بإرشادٍ من ذلك الأستاذ القدسي - بالسلوك بروحه وقلبه على أغرب وجه، واضطرته نفسُه الأمَّارة بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية.
وخلال سلوكه ذلك المسلكَ ومعاناته في دفع الشكوك، قطَعَ المقاماتِ وطالَعَ ما فيها، لا كما يفعله أهل الاستغراق مع غضِّ الأبصار، بل كما فعله الإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، مع فتحِ أبصار القلب والروح والعقل، فسار فيها - أي في المقامات - ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلِّها، منفتحةً من غير غضٍّ ولا غَمْض.
فحمدًا للّٰه أنْ وجد طريقًا إلى الحقيقة بدرس القرآن وإرشاده، حتى بيَّنَ برسائل النور التي ألَّفها "سعيدٌ الجديد" حقيقةَ:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ
لقد كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوك في تلك المقامات، ساعيًا بالقلب تحت نَظَارةِ العقل، وبالعقل في حمايةِ القلب، كالإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، فبادر إلى ضِماد جراحاتِ قلبه وروحه، وخلَّص نفسَه من الوساوس والأوهام، وبخَلاصه منها انقلب "سعيدٌ القديم" إلى "سعيدٍ الجديد" وللّٰه الحمد، فألَّفَ بالعربية ما هو بحكم المثنوي الشريف - المكتوب أصلًا بالفارسية - رسائلَ عدةً في أوجز العبارات، وكلما سنحتْ له الفرصة أقدم على طبعها، وهي: "قطرة"، "حَباب"، "حَبَّة"، "زَهرة"، "ذرَّة"، "شَمَّة"، "شعلة"، "لمعات"، "رشحات"، "لاسِيَّمات"، وسواها من الدروس بالإضافة لرسالتين بالتركية هما: "لمعات" و"نقطة".
وبيَّنَ ذلك المسلكَ في غضونِ نصفِ قرنٍ من الزمان في "رسائل النور" التي أصبحت شبيهةً بموسوعةٍ للمثنوي، غير أنها لم تقتصر على مجاهدة النفس والشيطان في الداخل، بل راحت تنقذ الحيارى المحتاجين، تنتشل المنساقين إلى الضلالة من أهل الفلسفة.

.......

فتبيَّن أن "المثنوي العربي"، وهو مَشْتلُ رسائل النور، قد سعى كالطُّرُق الخفية إلى المعرفة الإلٰهية، في تطهير الأنفس والداخل من الإنسان، فوُفِّق إلى فتح الطريق من الروح والقلب.
أما "رسائل النور" التي هي بستانه اليانع، فقد فتحت طريقًا واسعًا إلى معرفة اللّٰه، بتوجُّهها إلى الآفاق الكونية - كالطُّرُق الجهرية - فضلًا عن جهادها في الأنفس، حتى كأنها عصا موسى عليه السلام، أينما ضَرَبتْ فجَّرَت الماء الزلال.
وكذا، فإن مسلك "رسائل النور" ليس مسلك العلماء والحكماء، بل هو مسلكٌ مقتَبسٌ من الإعجاز المعنوي للقرآن، إذْ تفتح من كل شيءٍ نافذةً إلى معرفة اللّٰه، فيستفيد السالك في "رسائل النور" في ساعةٍ ما لا يستفيده السائرون في المسالك الأخرى في سنة، وذلك سرٌّ من أسرار القرآن يؤتيه اللّٰه مَن شاء من عباده، فيدفع به هجوم أهل العِناد، ولقد تصدَّتْ لهم في هذا الزمان الرهيب، فكانت لها الغلبة على الدوام".
ثلاثةٌ أو أربعةٌ منها باللغة التركية، والباقي بالعربية؛ وهي تُثبِتُ الحقائقَ بعبارةٍ وأسلوبِ بيانٍ لا نظيرَ لهما في أي كتابٍ حتى يومِنا هذا.
— 144 —
وعندما كان عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية" حصل له تحوُّلٌ روحيٌّ تحدَّثَ عنه لاحقًا في أحد مؤلفاته فقال:
"هَوَتْ على رأسِ سعيدٍ القديم الغافل صفعاتٌ شديدة، وفكَّر في قضيةِ أن الموت حق، فوجد نفسه في مستنقعٍ مَوْحِل؛ فطلب المدد، وبحث عن طريقٍ، وتحرَّى مُنقِذًا، فوجد الطُّرُقَ مختلفة، وحارَ في أمره، فتناولَ - على سبيل الفأل - الكتابَ المسمَّى "فتوح الغيب" للغوث الأعظم الشيخ الگيلاني رضي اللّٰه عنه، فظهرتْ له فيه عبارة:
أنت في دار الحكمة، فاطلب طبيبًا يداوي قلبَك.
— 145 —
والعجيب أنني كنت في ذلك الوقت عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية"!! فكأنني كنتُ طبيبًا أجتهد في مداواةِ جروحِ أهل الإسلام بينما أنا أشَدُّهم مرضًا؛ وإنما شأنُ المريض أن ينظر في أمرِ نفسه قبل أن ينظر في أمرِ المرضى الآخرين.
إذًا فالشيخ يقول لي: "أنت مريض، فابحث لك عن طبيب"، فقلت: كنْ أنت طبيبي، وأمسكتُ بالكتاب أقرؤه وأنا أعُدُّ نفسي مخاطَبَه، لكنَّ الكتاب كان شديدًا يحطِّم غروري بقوَّة، ويُجري في نفسي عملياتٍ جراحيةً شديدة، فلم أقدر على التحمُّل، فبلغتُ منتصفَه ولم أستطع إتمامَه، فوضعته في المكتبة؛ إلا أنه فيما بعدُ تلاشت الآلامُ الناجمةُ عن تلك العملية الجراحية الشافية، وحلَّتْ محلَّها اللذة، فأتممتُ قراءة كتاب أستاذي الأول، واستفدتُ منه أيَّما فائدة، واستمعتُ إلى أوراده ومناجاته فنلتُ منها مددًا أيَّما مدد.
ثم وقعتُ بعد ذلك على "مكتوبات" الإمام الرباني، فتناولتُه وفتحتُه على سبيلِ الفأل الخالص، ومن العجيب أنه لا يوجد لفظُ "بديع الزمان" في جميع "مكتوباته" سوى في موضعين فحسْب!! وقد انفتح لي موضعُ ذَينِك المكتوبين من غير قصد!! فرأيت مكتوبًا في أوَّلِ كُلٍّ منهما: "رسالةٌ إلى ميرزا بديع الزمان"، فقلت: يا سبحان اللّٰه.. إنه يخاطبني!! فقد كان اسم أبي: "ميرزا"، وكان أحد ألقاب "سعيدٍ القديم" في ذلك الحين: "بديع الزمان"، هذا مع أنني لم أكن أعرف أشخاصًا اشتُهِروا بهذا اللقب سوى "بديع الزمان الهمذاني" في القرن الرابع الهجري؛ إذًا فلا بد أنه كان في زمان الإمام شخصٌ يدعى بديع الزمان كذلك حتى كتب إليه هاتين الرسالتَين، ولا بد أن حالَه تُشْبِه حالي إذْ وجدتُ في هاتَين الرسالتَين الدواءَ لدائي، على أن الإمام كان يوصي بإلحاحٍ في رسائل كثيرةٍ كما أوصى في هاتَين الرسالتَين أنْ: «وَحِّد القبلة» ، أي اتخِذ لك أستاذًا واحدًا، وامضِ خلفَه، ولا تنشغل بغيره.
إلا أن هذه الوصية البالغة الأهمية لم تتوافق مع استعداداتي وأحوالي الروحية، ولطالما فكرت في نفسي: أأتَّبِعُ هذا أم ذاك؟! وبقيتُ في حَيرةٍ من أمري، إذْ لكلِّ واحدٍ منهم خاصيته الجذَّابة، ولا يمكنني الاكتفاء بأحدهم.
— 146 —
وبينما أنا في حيرتي تلك إذْ وَرَد إلى قلبي برحمةِ اللّٰه تعالى ما يلي: إن مبدأَ هذه الطُّرُق المختلفة، ومنبعَ هذه الجداول، وشمسَ هذه الكواكب، إنما هو القرآن الحكيم، وإنَّ التوحيد الحقيقي للقبلة إنما يكون به، فما دام الأمر كذلك فهو أسمى مرشد وأقدس أستاذ، فتمسكتُ به".
(حاشية): يقول في آخر هذا المكتوب: "ليس بمقدور استعدادي الناقص المشتَّت أن يرشِف من فيضِ ذلك المرشد الحقيقي الشبيه بماء الحياة رشفًا يليق به، لكننا نستطيعُ بِمددِه أن نعرِض فيضَه بحسب درجاتِ فيوضاتِ أهل القلوب وأصحابِ الأحوال؛ بمعنى أن الأنوار و"الكلمات" الآتيةَ من القرآن ليست مجرَّد مسائل علميةٍ عقلية، بل هي مسائل إيمانيةٌ قلبيةٌ روحيةٌ حاليَّة، وهي بمثابة معارف إلهيةٍ في غايةِ النفاسة والسُّمو".
٭ ٭ ٭
وكان يُسأل: إننا نراكم متأثرين بشدةٍ لهزيمتنا في الحرب العالمية؟ فيجيب: أما آلامي فقد تحمَّلتها، ولكن آلام أهل الإسلام تعتصرني.. إنني أشعر بالضربات التي تنهال على العالم الإسلامي تنهال على قلبي أولًا، فهذا ما يذوب له القلب من كَمَدٍ؛ ثم يقول وابتسامةٌ تعلو محيَّاه: لكنني أرى نورًا سيُنسيني تلك الآلام إن شاء اللّٰه.
وحين كان في إسطنبول أسدى واحدةً من أعظم خدماته للوطن والأمة، وأكثرِها أهميةً وأشدِّها تأثيرًا، ألا وهي حفاظُه على عزة الدين وشرف الإسلام، وتمريغُه أنوف الظَّلَمة الطُّغاة، وذلك بنشره رسالة "الخطوات الستِّة"؛ وإن مما يُبيِّن عمليًّا عن مدى جرأتِه وشجاعتِه وكمالاتِه، إجاباتُه السِتُّ المسدَّدةُ اللاذعة التي تُعَدُّ ستَّ صفعاتٍ معنويةً تَرُدُّ على الأسئلة الستّة التي وجهتْها الكنيسة الأنجليكانية الإنكليزية إلى "المشيخة الإسلامية" إبان احتلال إسطنبول.
حينما نُشِرَتْ هذه الرسالةُ كانت هناك حربًا في "چنق قلعة"، وأُطْلِعَ القائدُ العام الإنكليزي في إسطنبول على مضمونها، وأُخبِر بأن بديع الزمان دائبٌ في مقاومة الإنكليز لا يتوانى في التصدي لهم، فقرر هذا القائد المتغطرس إعدامَه ومحوَ أثره، إلا
— 147 —
أن بعض مَن أشاروا عليه حذَّروه من أنه إنْ فعل ذلك فإن شرقيَّ الأناضول سيُضمِر عداوةً أبديَّةً للإنكليز، وستُعلِن حينئذٍ عشائرُه الثورةَ مهما كلَّف الثمن، فتراجع عن قراره ولم يستطع فعل شيء.
وفي مقابل مساعي الإنكليز المحمومة في إسطنبول لاستمالةِ شيخ الإسلام وبعض العلماء إلى صفِّهم بالمكر والحيلة، كان بديع الزمان - برسالته "الخطوات الست"، وبنشاطاته الحثيثة في إسطنبول - يكشف حقيقةَ العدواة التاريخية للإنكليز تجاه الأتراك وسائر العالم الإسلامي، ويفضح مكائدَهم وسياستَهم الاستعمارية، فكان بذلك أحد أهم الجهات التي ساندتْ حركةَ التحرير الوطنية في الأناضول؛ وفيما يلي مقتطفٌ من كلامه بهذا الخصوص:
"حين كان الإنكليز يحتلون إسطنبول ويدمِّرون المدافع في مَضِيقها، وَجَّه رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية - وهي أكبر هيئةٍ دينيةٍ في إنكلترة - ستةَ أسئلة إلى المشيخة الإسلامية، وكنت في ذلك الحين عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية"، فقيل لي: أجِبْهم.. إنهم يريدون جوابًا على أسئلتهم الستة بستمئة كلمة؛ فقلت: لن أجيبهم بستمئة كلمة، ولا بِسِتِّ كلمات، بل ولا حتى بكلمةٍ واحدة، وإنما أجيبُهم ببصقةٍ في وجوههم؛ فإنكم تشاهدون أن هذه الدولة ما إن وطئت أقدامُها مَضِيْقَنا وأَخذَتْ بخِناقنا، حتى راح رئيس أساقفتها يوجِّه إلينا الأسئلة بصلفٍ وغرور؛ فلا يلزمه إلا البصاق في وجهه، ابصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ العُتاة".
٭ ٭ ٭
وَجَّهتْ "حكومة أنقرة" دعوةً لبديعِ الزمان للمجيء إلى أنقرة تقديرًا لمكانته، وتثمينًا لخدماته الجليلة الموفَّقة التي قام بها في إسطنبول، والتي عادت على الشعب التركي بمنافع جمَّةٍ، وقد وجَّه إليه "مصطفى كمال باشا" الدعوةَ برقيًّا، إلا أنه أجاب: "أريد أن أجاهد في المناطق الخطرة، ولا تعجبني المجاهدة من وراء الخنادق، إنني أرى الخطر المُحدِقَ هنا أشدَّ منه في الأناضول".
— 148 —
وُجِّهت إليه الدعوة برقيًّا ثلاث مرات، وقرر في النهاية المجيءَ إلى أنقرة إجابةً للدعوة التي وجَّهها إليه صديقه "تحسين بك" عضو مجلس الشعب ووالي "وان" السابق؛ ومع أنه استُقبِل في أنقرة بحفاوةٍ بالغةٍ، إلا أنه لم يجد فيها الوسط الذي كان يؤمِّل أن يراه، فحَوَّل مكان إقامته إلى جوار جامع "حاجي بَيْرَم".
وكان مما ساءَه لدى مجيئه إلى أنقرة أنه شاهدَ من أعضاء مجلس الشعب إهمالًا للدين بحجة تقليد الغرب، وفتورًا تجاه شعائر الإسلام التي هي من المفاخر التاريخية للشعب التركي، فوجَّه إليهم بيانًا يوضِّح لهم فيه أهميةَ التزامهم بالعبادة لا سيما الصلاة، ويؤكِّد وجوبَ ذلك عليهم، وقد تلا "كاظم قره بكر باشا" البيانَ على "مصطفى كمال"، ونَصُّه ما يلي:
أيها المبعوثون.. إنكم مبعوثون ليومٍ عظيم
يا مجاهدي الإسلام.. ويا أهل الحَلِّ والعقد.. أرجو أن تُلقوا أسماعَكم إلى عشرِ كلمات وبضعِ نصائح يُسديها إليكم هذا الفقير إلى اللّٰه بخصوصِ أمرٍ معيَّن:
١. إن النعمة الإلٰهية العظيمة التي تجلَّتْ في هذا الانتصار تتطلب شكرًا لتدوم وتزيد، وإلا فالنعمةُ إن لم تُقابَل بالشكر زالت؛ وما دمتم بتوفيقِ اللّٰه قد صُنتُم القرآنَ من هجوم الأعداء، فيلزمكم - ليتوالى فيضُه عليكم ويستمرَّ بهذه الصورة الرائعة - أن تمتثلوا أوامرَه، ومنها الصلاةُ التي هي في مقدِّمةِ فرائضِه الصريحة القطعيّة.
٢. لقد أدخلتم السرورَ على العالَم الإسلامي، وحَظِيتُم باهتمامه ومحبته، لكن استدامة ذلك إنما تكون بالالتزام بالشعائر الإسلامية، فالمسلمون يحبونكم لإسلامكم.
٣. لقد كنتم في هذا العالَم قادةً لمجاهدين وشهداء هم بمثابةِ أولياءَ للّٰه، وشأنُ أهل الهِمَم العالية أن يسعَوا ليكونوا رفقاء هذه المجموعة النورانية في العالَم الآخر، وذلك بامتثال أوامر القرآن الكريم القطعية؛ وإلا اضطررتم - وأنتم القادة هنا - لاستمداد النورَ من جنديٍّ هناك!!
— 149 —
ألا إن هذه الدنيا الدَّنيَّة بكل ما فيها من جاهٍ وشهرةٍ ليست متاعًا يَشبع منه العاقل أو يَطمئنُّ إليه أو يَقصِدُه لِذاته.
٤. إن أبناء هذا الشعب المسلم، حتى تاركي الصلاة منهم، بل حتى الفاسقين يريدون أن يروا مَن يرأسُهم متدينًا؛ حتى إن أولَ ما يُسأَلُ عنه كلُّ موظَّفٍ في عموم كردستان هو الصلاة، فإن كان يصلي منحوه ثقتَهم، وإلا ظَلَّ في نظرهم مُتَّهمًا وإنْ كان كُفئًا.
وقد وقع ذات مرةٍ اضطرابٌ بين عشائر "بيت الشباب"، فلما ذهبتُ واستفسرتُ عن السبب قال لي القوم: إن مدير منطقتهم لا يصلي، فكيف يطيعون مَن لا دين له؟! والحال أن قائلي هذا الكلام كانوا هم أنفسُهم أُناسًا لا يصلون، بل كانوا فوق هذا قطَّاعَ طرقٍ!!
٥. إن مجيء أكثرِ الأنبياء في الشرق، ومجيءَ أغلب الحكماء في الغرب، إنما هو رمزٌ من القدر الأزليِّ إلى أن ما يَنهَض بالشرق إنما هو الدين والقلب لا الفلسفة والعقل؛ فما دمتم قد أيقظتم الوعي في الشرق فامضوا إذًا في نهجٍ يوافق فطرتَه، وإلا ذهَبَ سعيكم هباءً منثورًا، أو ظل أثرُه سطحيًّا.
٦. إن خصمَكم وخصمَ الإسلام - أعني الإنكليز - قد استفادوا وما زالوا يستفيدون أيَّما فائدةٍ من إهمالكم أمرَ دينكم، بل إنني أستطيع أن أقول: إنهم يُلحِقون بالإسلام ضررًا لا يقل عن إضرار اليونانيين به ، فينبغي عليكم أن تُبدِّلوا هذا الإهمال إلى أعمالٍ باسمِ مصلحة الإسلام وسلامة الأمة.
ولقد تبيَّن لكم كيف قابَلَ أبناءُ الأمة في الداخل الاتحاديين بالكرهِ والازدراءِ بسببِ ما أبداه بعضُهم من استخفافٍ بالدين، هذا بالرغم مما كانوا يتحلَّون به من عزمٍ وثباتٍ وتضحيةٍ، وبرغم كونهم سببًا في صحوة الإسلام هذه؛ أما المسلمون في الخارج فما زالوا يُكنُّون لهم التقدير والاحترام لعدم اطلاعهم على إهمالهم للدين.
٧. رغم هجومِ عالَم الكفر بكلِّ وسائلِه ومدنيَّته وفلسفتِه وعلومِه ومنصِّريه على عالَم الإسلام، ورغم غَلَبَتِه عليه ماديًّا منذ زمنٍ بعيد، إلا أنه لم يستطع التغلُّبَ عليه دينيًّا.
— 150 —
لقد حافظ الإسلام على قوَّته وصلابته بأهل السنة والجماعة، بينما بقيتْ جميع الفِرَق الإسلامية الضالَّة أقليةً ضارَّةً محكومةً، وبناءً على هذا فإنه ليس بمقدورِ أيِّ تيارٍ مبتدِعٍ مستخِفٍّ بالدين مترشِّح من مدنيةِ أوروبا الخبيثة أن يجد مكانًا في صدر العالم الإسلامي؛ أي: لا يمكن أن يتحقق في العالم الإسلامي أيُّ تحوِّلٍ ذي شأنٍ إلا بالانقياد للدساتير الإسلامية، وإلَّا فلا، بل لم يسبِق أنْ تحقق ذلك، وحتى لو وقع، فإنه سُرعان ما خبا وانطفأ.
٨. لا يمكن القيام بعملٍ إيجابيٍّ بَنَّاء بالتوازي مع إهمالِ الدين والتهاون بأحكامه، في وقتٍ توشك فيه مدنيَّةُ القرآن على الظهور، بينما مدنيَّةُ أوروبا التي تعجُّ بالمفاسد والرذائل والتي سبَّبتْ ضعف الدين تؤْذِنُ بالتمزُّق؛ أما العمل السلبي الهدَّام فيكفي الإسلامَ ما تعرَّض له من الجراح والمآسي.
٩. إن الذين يحبُّونكم ويقدِّرون جهودَكم وانتصاراتكم هم جمهور المؤمنين، خصوصًا طبقة العوام، وهم مسلمون أصحاب استقامةٍ ومحلُّ ثقة، يُوْلُونكم صادقَ المحبة، ويساندونكم، ويحفظون لكم الود، ويقدِّرون تضحياتكم، ويقدِّمون لكم أعظمَ وأروعَ قوةٍ واعيةٍ يَقِظة؛ فمن الضروري لكم - باسم مصلحةِ الإسلام - أن تتصلوا بهم وتعتمدوا عليهم بامتثالكم لأوامر القرآن؛ وإلا فإن تقديمَ مقلِّدي الإفرنج ومفتوني أوروبا الأشقياء الذين تجرَّدوا عن الإسلام وقطعوا صلتهم بالأمة، وتفضيلَهم على عوامِّ المسلمين ينافي مصلحة الإسلام، وسيؤدي إلى أن يولِّي العالَمُ الإسلاميُّ وجهَه إلى جهةٍ أخرى سواكم، ويطلب منها العون والدعم.
١٠. إذا كان في طريقٍ ما تسعةُ احتمالاتٍ للّٰهلاك واحتمالٌ واحدٌ للنجاة، فلن يسلكها إلا من كان متهورًا مجنونًا لا يبالي بحياته؛ وإذا نظرنا في امتثالِ إحدى الفرائض الدينية كالصلاة التي تَشغَل ساعةً واحدةً من الأربع والعشرين، لوجدنا احتمالَ النجاة فيه بمقدار تسعةٍ وتسعين بالمئة، بينما قد يكون فيه احتمالُ ضررِ بنسبةِ واحدٍ بالمئة، وهو ضررٌ دنيوي مردُّه الغفلة والكسل؛ أما تركُ الفرائض فينطوي على ضررٍ نسبتُه تسعٌ وتسعون بالمئة، بينما قد يكون فيه احتمالٌ واحدٌ للنجاة مستنَدُه الغفلة والضلالة.
— 151 —
فيا تُرى أي عذرٍ يمكن أن يُسوِّغ الإهمالَ وتركَ الفرائض مما يضرُّ بالدين والدنيا؟ وكيف تسمح الحميَّة والنخوة بذلك؟! خصوصًا وأن هؤلاء القادةَ المجاهدين وأعضاءَ هذا المجلس الموقَّر هم محلُّ قدوةٍ؛ والعيوبُ والنواقص التي يراها الناس منهم إمَّا أن يقلِّدوهم فيها وإما أن ينتقدوهم عليها، وفي كِلا الأمرين ضرر!! إذنْ فقيامُهم بحقوق اللّٰه فيه قيامٌ ضمنيٌّ بحقوق العباد.
إن مَن يُصِمُّون آذانَهم عما لا يُحَدُّ من الدلائل والإخبارات المتضمِّنةِ سرَّ التواتر والإجماع، ويأخذُون بوهمٍ آتٍ من سفسطاتِ النفس ووسوساتِ الشيطان، لا يمكنهم أن يقوموا بأيِّ عملٍ حقيقيٍّ جادٍّ.. ولهذا فلا بد أن يكون حجرُ الأساس لهذا التحوُّل العظيم متينًا راسخًا.
وإن هذا المجلس - بشخصيته المعنوية - قد تعهَّدَ بمعنى "السلطنة" نظرًا لما يمتلكه من القوة، وعليه التعهُّد بمعنى "الخلافة" وكالةً بامتثالِ الشعائرِ الإسلامية قيامًا بها وإقامةً لها، وذلك بتلبيةِ الحاجاتِ الدينيَّةِ لهذا الشعب الذي لم تَفسُد فطرته ولم يَنسَ حاجاته الروحية برغم مغريات المدنية، والذي إن كان يحتاج إلى أربعة أشياء لإدامة حياته، فإنه محتاجٌ إلى دينه خمسَ مراتٍ في اليوم على الأقل؛ فإن لم يُلبِّ المجلس حاجاتِ الشعب الدينية، اضطرَّ الشعبُ لأن يُسنِد معنى "الخلافة" إلى الاسم والرسم واللفظ التي قبلتم بها، ومنح ذلك المعنى القوةَ كي يدوم؛ والحال أن مثل هذه القوة التي لا يمتلكها المجلس أو لا تتأتى عن طريقه تسبِّب شقَّ العصا، وهذا يضادُّ الآيةَ الكريمة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعًا.
إن هذا الزمان زمانُ الجماعة، وإن الشخص المعنوي الذي هو روح الجماعة هو الأمتنُ والأقدر على تنفيذ الأحكام الشرعية، بل إن الخليفة بشخصه لا يمكنه القيام بوظائفه إلا باستناده إليه؛ فإنْ كان هذا الشخص المعنوي مستقيمًا سطعَ وتكامَل، وإنْ كان سيئًا عَظُمَ سُوْءُه؛ وإن محاسن الفرد ومساوئَه محدودة، أما محاسن الجماعة ومساوئها فغير محدودة، فلا تفسدوا محاسنَكم التي نلتموها على الصعيد الخارجي بالمساوئ على الصعيد الداخلي.
— 152 —
تعرفون أن أعداءكم الأبديين وخصومَكم ومناوئيكم يعملون على تدمير الشعائر الإسلامية، وما دام الأمر كذلك فإن وظيفتكم الضرورية إحياءُ الشعائر والمحافظةُ عليها، وإلا ظاهرتُم عدوَّكم المتربِّصَ بكم من حيث لا تشعرون؛ فالتهاون في الشعائر يعكِس ضَعفَ الأمة، والضعف لا يصدُّ العدو بل يغريه.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
٭ ٭ ٭
كان من ثمرات هذا البيان أنِ استقام ستون نائبًا على أداء الصلاة سوى مَن كان مواظبًا عليها من قبل، فلما وجدوا أن عددهم قد زاد اتخذوا مصلًّى كبيرًا لهم بدلًا من الغرفة الصغيرة السابقة؛ غير أن تلاوة البيان على مسامع النواب والقيادات والعلماء أثارتْ نقاشًا حادًّا مع رئيس المجلس "مصطفى كمال باشا"، إذْ بينما كان الأخير ذات يومٍ في ديوان رئاسة المجلس يتبادل الأفكار مع قُرابةِ ستين نائبًا بحضور الأستاذ بديع الزمان، إذْ خاطبه قائلًا: نحن بحاجةٍ لعالِمٍ بطلٍ مثلِكم، ولقد دعوناكم إلى هنا لنستفيد من أفكاركم الراقية، فجئتم وكتبتم أولَ ما كتبتم أمورًا تتعلق بالصلاة، فزرعتم الخلاف بيننا!!
فردَّ الأستاذ عليه بإجابةٍ مسدَّدةٍ، ثم وجَّه يدَه نحوَه مشيرًا بأُصبعين إليه وقال محتدًّا بقوَّةٍ: "باشا.. إن أعظم حقيقةٍ في الإسلام بعد الإيمان: الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود"، فما كان من الباشا إلا أن استرضاه ولم يستطع أن يتعرَّض له بسوء.
ولم يتخلَّ بديع الزمان خلال وجوده في أنقرة عن نضاله من أجل مقصده الأول، وهو إنشاء جامعةٍ علميةٍ في شرقيِّ الأناضول، وقد تقدَّم بمشروعه هذا إلى مجلس النوَّاب، وقال لهيئةِ المجلس: إنني أتابع أمرَ هذه الجامعة طَوالَ حياتي، وقد خصَّص لها السلطان "رشاد" والاتحاديون مبلغَ عشرين ألف ليرةٍ ذهبية، فأضيفوا على هذا المبلغ مثلَه.
— 153 —
فقرروا تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ من العملة الجديدة الورقية، فقال بديع الزمان: يَلزَم توقيعُ النواب على هذا القرار، فاعترض بعضُهم قائلًا: ولكنك تسير وفق أصول المدارس التقليدية، فلا تُدرِّسُ سوى العلوم الإسلامية، والحال أننا في هذه الأيام يلزمنا أن نتمثَّل الغرب!!
فأجابه بديع الزمان: إن تلك الولايات الشرقية مركزٌ من مراكز العالَم الإسلامي، وإن تعليم العلوم الدينية إلى جانب العلوم الحديثة لازمٌ بل ألزَم؛ لأن مجيءَ أكثر الأنبياء في الشرق ومجيءَ أكثر الحكماء في الغرب يُظهِر أن رقيَّ الشرق إنما يتحقق بالدين.
ثم إنكم وإنِ اقتصرتم في الولايات الأخرى على تدريس العلوم الحديثة وحدَها، فلا بدَّ لكم في الشرق - على أيَّةِ حال، وباسمِ مصلحةِ الوطن والأمة - من جعل العلوم الدينية هي الأساس، وإلا فإن المسلمين من غير الأتراك هناك لن يشعروا بالأُخُوة الحقيقية تجاه الأتراك، مع أننا اليوم بأمسِّ الحاجة للتعاون والتساند أمام كل هؤلاء الأعداء، وسأضرب لكم مثالًا واقعيًّا بهذا الخصوص:
فلقد كان عندي فيما مضى طالبٌ غير تركي يتَّقِد نشاطًا وذكاءً، وكان يقول لي مستفيدًا من دروسِ الحَميَّة التي تلقاها من العلوم الدينية في مدرستي القديمة: إن تركيًّا صالحًا أقربُ إليَّ من أخي وأبي الفاسقَين.
ومضت الأيام وأكبَّ ذلك الطالب - لسوء الحظ - على دراسة العلوم الحديثة المادية الصِّرْفة، ثم لقيتُه بعد أربع سنين حينَ عودتي من الأَسر، ودار بيننا حديثٌ عن الحميَّة القومية، فقال لي: إنني اليوم أفضِّل رجلًا كرديًّا رافضيًّا على عالِمٍ تركي صالح!!
فقلت: واأسفاه!! ألهذه الدرجة قد فسدتَ؟! فاجتهدتُ أسبوعًا في تخليصه وإنقاذه حتى عدتُ به إلى حميَّته الحقيقية السالفة.
فيا أيها النواب.. ما أشدَّ حاجةَ الشعب التركي إلى الحال الأولى التي كان عليها ذلك الطالب!! وما أبعدَ حاله الأخرى عن مصلحة الوطن!! أحيل تقدير هذا إلى عقولكم.
— 154 —
بل حتى لو افترضنا مُحالًا أنكم فضَّلتم الدنيا على الدين في أماكن أخرى، ولم تُوْلوا الدين أهميةً لاعتباراتٍ سياسية، فإنه يلزمكم على أيَّةِ حال أن تُولوا تدريسَ الدين في الولايات الشرقية أهميةً عظمى.
وبعد أن تقدَّم بهذا الطلب غادر المعارضون المجلس، ووقَّع مئةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا على هذا القرار.
٭ ٭ ٭
قدِمَ بديع الزمان إلى أنقرة يَحدوه الأملُ في تحقيقِ أمرٍ كان يحلُم به منذ أن كان فتًى، وكان قد عدَّه غايةَ حياته وثمرتَها، ووقَفَ حياته لأجله، ألا وهو يقظة العالَم الإسلامي ونهضتُه؛ فقد كانتْ محاوراتُه التي جَرَتْ من قبلُ مع المئات من أهل العلم والفضل في شرقيِّ الأناضول، ثم سطوعُ نجمه في إسطنبول وإثارتُه إعجابَ العلماء، وكذا توجُّسُ أهلِ السياسة منه، كلُّ هذه المواقف كانت تومئ إلى ملامحِ مؤسِّسِ مشروعٍ إسلاميٍّ كبير، وأنه قد استشعر في روحه مبكِّرًا مسؤوليتَه تجاه هذه الوظيفة، مثلما استشعر حماسَه وسرورَه تجاهها.
ولم تكن خُطَبُه التي ألقاها في الاجتماعات ومقالاتُه التي نشرها في الصُّحُف عشيةَ إعلان الحرية إلا نتيجةً لتلك النيَّة والتصوُّر، فلقد ألقى خُطَبَه ونشر مقالاتِه مؤمِّلًا أن تكون الحريَّةُ وسيلةَ سعادةٍ عظمى للعالَم الإسلامي والأناضول، بِجعْلِ المَشْرُوطِيّة خادمةً للشريعة؛ وكانت له بياناتٌ تصرِّح بأنَّ «صدى القرآن سيكون هو الأعلى والأبلغ في خِضمِّ ظلماتِ المستقبل وتحولاته» كما يَظهر جليًّا في بعض مؤلفاته كی"لمعات" و"سنوحات" و"الخُطبة الشامية".
لقد تسلَّم التُّرْك دفَّة القيادة في العالم الإسلامي بعد العباسيين، ودامتْ خلافتُهم وإدارتُهم الحكيمة لمقاليد الأمور قُرابة الألف عام، ثم اندلعت الحرب العالمية التي روَّعت العالَم بأسره، وانتهتْ على إثرها الدولةُ العثمانية، واستولى أعداءُ الإسلام الأبديُّون على مركزِ حكمِه، وباتوا على قناعةٍ من أنهم قد قضَوا على الإسلام نفسِه؛
— 155 —
وقَدِمَ بديع الزمان إلى أنقرة في تلك المرحلة الحرِجة تسوقه القدرة والإحسان الإلٰهيَّان، آملًا أن يعمل مع القُوى الناشئة حديثًا، والتي يُرجى منها أن تنهض بالدعوة إلى الدين، وعمل في مجلس النواب مع حكومة الجمهورية التي تسلمت مقاليد الحكم وتمكنت - بعونٍ إلٰهي وبمعجزةٍ نبويةٍ - من صدِّ الأعداء، وكانت نيتُه وغايتُه أن يوجه الحكومة لأنْ تتخذَ القرآن الكريم عُمدتَها، وتجعلَ وحدةَ العالَم الإسلامي نقطةَ استنادها، وتبنيَ مدنيّةً ماديةً ومعنويةً من خلال القوة العظيمة التي تنطوي عليها حقيقة الإسلام، وعمل على غرس هذه الأفكار لدى الحكومة، لكن برزتْ أمامَه عقباتٌ جمَّة.
وقد تبيَّن له في ذلك الحين أنه قد أظلَّ زمانُ الفتنة التي كانت أمة الإسلام تستعيذ باللّٰه منها ومن شرورها الرهيبة منذ ألفٍ وثلاثمئة سنة، كما انكشف له مَن هم الذين سيشعلون نارَ هذه الفتنة في العالَم الإسلامي.
وقد تحدَّثَ ذات يومٍ إلى رئيس مجلس النواب "مصطفى كمال باشا" قرابةَ الساعتين في مكتبه، وكان من حديثه له أنه نبَّهه إلى أنَّ تدمير الشعائر الإسلامية أملًا في نَيلِ الشهرة والحظوة لدى أعداء الإسلام وأعداء الأتراك سيُلحق أضرارًا فادحةً بالأمة والوطن والعالم الإسلامي؛ كما نبَّهه إلى أنه إنْ كان ثمة موجبٌ للقيام بثورةٍ على الأوضاع القائمة أو إجراءِ تحوُّلٍ جذري، فلا بد أن ينطلق ذلك من الدستور القدسي للقرآن الكريم، ولا بد أن يتوجَّه مباشرةً لمصلحةِ الإسلام؛ ثم مثَّل له الأمرَ بالمثال التالي:
"هَبْ أن مسجد "أيا صوفيا" كان محتشِدًا بشخصياتٍ جليلةٍ مباركةٍ من أهل الفضل والكمال، وكان في الرواق بضعةُ صبيانٍ أشقياء، وبالباب ثُلَّةُ أراذلَ سُفهاء، وعند النوافذ أجانبُ مُغرَمون باللّٰهو يتفرَّجون، ثم هَبْ أن رجلًا دخل المسجدَ فانضم إلى تلك الجماعة المباركة وشرعَ يتلو آياتٍ من كتاب اللّٰه تلاوةً عذبةً بصوتٍ شجيٍّ، فعندئذٍ ستتوجَّه إليه أنظارُ الآلاف من أهل الحقيقة، وينال ثوابًا بدعائهم المعنوي وحُسْنِ توجُّههم، ولن يروق ذلك للصبيان الأشقياء والسفهاء الملحدين والأجانب القليلين؛ لكن لو أن ذلك الرجل - عند دخوله ذلك المسجد المبارك والجماعة العظيمة - رفع عقيرتَه بغناءٍ هابطٍ ماجنٍ فاحشٍ، وراح يرقص ويقفز، فإنه سيُضحِك
— 156 —
الصبيان الأشقياء، وسينال إعجابَ الأراذل السفهاء، لتشجيعه إياهم على الفحشاء، وسيرسم على وجوه أولئك الأجانب بسمة استهزاء، إذْ يُسَرُّون برؤيةِ معايب في الإسلام، لكنه سيجلب لنفسه نظرات الكراهية والازدراء من جميع أفراد تلك الجماعة العظيمة المباركة، وسيكون في نظرهم خسيسًا منحطًا إلى دركة أسفل سافلين.
وعلى غِرار هذا المثال فالعالَم الإسلامي وآسيا مسجدٌ عظيم، وأهل الإيمان وأهل الحقيقة فيهما هم الجماعة المحترَمة في ذلك المسجد، أما أولئك الصبيان الأشقياء فهم المتملِّقون المتزلِّفون ذوو العقول الصبيانية، وأما الأراذل السفهاء فهم المتفرنجون التافهون الذين لا دين لهم ولا انتماء، وأما المتفرِّجون الأجانب فهم الصُّحُفيُّون الذين ينشرون أفكار الأجانب.
فلكلِّ مسلمٍ موقعُه في هذا المسجد، لا سيما إن كان من أهل الفضل والكمال، وهو يتبوَّأ موقعَه ويَبرُز وتتوجه إليه الأنظار كلٌّ بحسب درجته، فإذا صدرتْ منه الأعمال والتصرفات مستندةً إلى الحقائق القدسية والأحكام المتلقَّاة من دروس القرآن الحكيم، متوجهةً للرضا الإلٰهي على وجه الإخلاص الذي هو سرُّ الإسلام، وقرأ معنى الآيات القرآنية بلسان حاله، دخل في دعاء: اللّٰهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الذي هو وِردُ كلِّ فردٍ في العالَم الإسلامي، وكان له سهمٌ فيه، وكانت له علاقة أُخوَّةٍ مع الجميع، لكنْ لا يَعرِف قيمةَ هذا الشخص أهلُ الضلالة الذين هم نوعٌ من الحيوانات الضارة، ولا بعض الحمقى الذين هم أشبه بصبيانٍ مُلْتحين.
أما إن تخلَّى هذا الرجل عن أجداده الذين عَرَفهم رمزًا للشرف، وأعرض عن أسلافه الذين عَهِدَهم مَبعَثًا للفخر، وحادَ عن الجادة النورانية للسلف الصالح الذين يَعُدُّهم نقطة استنادٍ روحيٍّ، وتصرَّف وفقًا لما تمليه عليه أهواؤه وأمانيه مبتدعًا طالبًا للرياء والشهرة، سقَطَ معنويًّا إلى الدَّرْك الأسفلِ بنظر عمومِ أهل الحقيقة والإيمان، لأن المؤمن مهما يكنْ عامِّيًّا أو جاهلًا، فإنه بسرِّ: اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّٰه، يرى قلبُه هؤلاء المرائين وأمثالَهم بعينِ الإعراض والنفور وإنْ لم يُدرك عقلُه ذلك، ويشمئزُّ منهم معنى.
— 157 —
فهكذا هي حال ذلك الرجل الثاني المفتون بحبِّ الجاه، المولَعِ بالشهرة، فإنه يسقط إلى أسفل سافلين في نظرِ جماعةٍ عظيمةٍ لا تُحَدّ؛ وينال موقعًا مشؤومًا مؤقتًا بنظرِ قلةٍ من الأراذل التافهين المستهزئين من أهل اللغو والسَّفَه؛ ويجد بعض الأصدقاء المزيَّفين الذين يعودون عليه بالضرر في الدنيا، والعذابِ في البرزخ، وينقلبون أعداءً له في الآخرة مصداقًا لقوله تعالى: اَلْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.
أما الرجل في الصورة الأولى، فإنه وإن لم يَخْلُص قلبُه من حب الجاه، ينال مقامًا معنويًّا مشروعًا، ويحظى بمنزلةٍ مهيبة، بحيث يلبِّيان ما عنده من نزعة حب الجاه، شريطة أن يتخذَ الإخلاصَ والرضا الإلٰهيَّ أساسًا له، ولا يجعل حبَّ الجاه هدفَه.
فهذا الرجل يَفقد شيئًا يسيرًا بل تافهًا، لكنه يجد بالمقابل أشياء قيِّمةً كثيرةً بل كثيرةً جدًّا لا ضرر فيها، فهو كمن يطرد عن نفسِه بعض الأفاعي، ويجد بدلًا منها مخلوقاتٍ مباركةً كثيرةً يأنس بها كأنها أصدقاؤه، أو يدفع عن نفسه الدبابير اللاسعة المؤذية، ويجلب بدلًا منها النحلَ التي هي سُقاة شراب الرحمة المبارك؛ فمثلما يَطعَم منها العسل، يجد له أصدقاء يوالونه ويُمِدُّونه من شتى أنحاء العالَم الإسلامي بدعواتهم المتوالية كأنما يَسقون روحه شرابًا عذبًا كالكوثر، وتُحفَظُ دعواتُهم هذه في صحيفة أعماله".
غير أن "مصطفى كمال باشا" لم يوافق على ما قاله بديع الزمان، بل لم يُخْفِ نواياه وطموحاته، وحاول أن يستميله إلى صفِّه ويستفيدَ من نفوذِه، وقدَّم له عروضًا مغرِيةً، منها تعيينُه نائبًا في البرلمان، وإعادتُه إلى وظيفته السابقة في "دار الحكمة"، وتسليمُه منصبَ الواعظ العام في الولايات الشرقية بدلًا من الشيخ السنوسي، ومنحُه دارًا فخمةً، وغيرُ ذلك من العروض؛ إلا أن بديع الزمان شاهَدَ تحقُّقَ بعض الأوصاف الواردة في الأحاديث عن أشخاصِ آخر الزمان، وكان سَبَقَ له تأويلُ هذه الأحاديث عندما كان في إسطنبول قبل عهد الحرية، وعايَنَ ظهورَهم في العالَم الإسلامي وفي العالَم عامةً، وكان من الوصية الواردة في تلك الروايات لأهل القرآن الذين سيدركون أولئك الأشخاص ويواجهونهم، أنَّ هؤلاء متى ظهروا لم يُغلبوا في ميدان السياسة، ولا
— 158 —
يمكن أن يواجَهوا إلا بسيفٍ معنويٍّ هو أنوارُ إعجاز القرآن، فقرر بديع الزمان التخليَ عن العمل في أنقرة مع هؤلاء عملًا بما جاءت به الروايات، ورفضَ ما عرضوا عليه من مناصب مغرية.
وفي طريقه إلى محطة القطار رافقه بعض النواب راجين منه أن يَعدِل عن قرار السفر ويبقى في أنقرة، إلا أنه اعتذر عن تلبية طلبهم وغادر متوجهًا إلى "وان"، ليستأنف حياتَه في مغارةٍ على رأس عينِ "زَرْنَباد" الواقعة على سفح جبل "أَرَك" بعيدًا عن الحياة الاجتماعية.
صورة الأستاذ بديع الزمان أواخر الحرب العالمية الأولى