السيرة الذاتية
— 128 —

مقتطفٌ مما كَتَبه عن حياته في إسطنبول بعد عودته من الأسر

"الرجاء العاشر من اللمعة السادسة والعشرين"
بعد عودتي من الأسر غلبتْ عليَّ الغفلةُ في إسطنبول من جديدٍ مدَّةَ سنةٍ أو سنتين، وحوَّلَتْ أجواءُ السياسة نظري من نفسي مُشتِّتَةً إياه في الآفاق.. وفي تلك المرحلة كنتُ جالسًا ذاتَ يومٍ في مقبرةِ السلطان أيوب، في مكانٍ مرتفعٍ منها يُطلُّ على وادٍ عميق، أقلِّب النظر في آفاق إسطنبول، وإذا بي يُخيَّل إليَّ كأنَّ دنيايَ الخاصَّةَ قد حضرتْها الوفاة، حتى لكأن الروح تنسلُّ انسلالًا من بعض أطرافي، فقلت: أتُراها الكتاباتُ التي على شواهد القبور هي التي تُخيِّل إليَّ مثلَ هذا الخيال؟
أشَحْتُ بنظري عن الآفاق البعيدة والتفتُّ أنظر إلى المقبرة، فأُخطِر على قلبي: "إن في هذه المقبرة مِن حولك مئةَ إسطنبول.. بلى، لقد أُفرِغت إسطنبول ها هنا مئةَ مرة، وليس بمقدورك أن تبقى استثناءً فتنجوَ من حُكمِ حاكمٍ قديرٍ أفرغَ جميعَ أهالي هذه المدينة هنا.. أنتَ أيضًا سترحَل".
— 129 —
خرجتُ من المقبرة وأنا أحمل هذا الخيال المخيف، ودخلتُ غرفةً صغيرةً في جامع السلطان أيوب كنتُ دخلتُها من قبلُ مرارًا، وجعلتُ أفكِّر في نفسي قائلًا: إنما أنا ضيف.. ضيفٌ من ثلاثة أوجُه، فكما أنني ضيفٌ في هذه الغرفة الصغيرة، فإنني كذلك ضيفٌ في إسطنبول، وضيفٌ أيضًا في الدنيا؛ وعلى الضيف أن يهتم بأمرِ مغادرته؛ فكما أني سأغادر هذه الغرفة، فإني سأغادر إسطنبول ذات يوم، وسأغادر الدنيا كذلك في يومٍ آخَر.
وفي غمرةِ تلك الحال خيَّمتْ على رأسي وقلبي مشاعرُ غمٍّ وحزنٍ مفعمةٌ بالألم واللوعة والأسى، ذلك أني لن أفقد صديقًا أو صديقين فحسْب، بل سأفارق آلافَ الأحبَّة في إسطنبول، مثلما سأفارق إسطنبول نفسَها التي أحببْتُها، وكما سأفارق مئاتِ الآلاف من أصدقائي في الدنيا، سأفارق الدنيا الجميلةَ نفسَها التي أحببتُها وفُتِنتُ بها؛ وبينما أنا مستغرقٌ في هذا التفكير إذْ عُدتُ إلى ذلك المكان المرتفِع من المقبرة، فإذا بي أرى الناسَ كأنهم جنائزُ تتحرك، تمامًا مثلما يتراءَى الناسُ في مشاهد السينما التي تنقل صورةَ الماضي إلى الحاضر، والتي تَعرِض شاشاتُها أشخاصًا أحياءً يتحركون مع أنهم اليوم من الأموات، وكنتُ أتردَّد إليها أحيانًا للعبرة، فقال لي خيالي: ما دام بعضُ الذين طَوَتْهم هذه المقبرة يُشاهَدون في السينما أحياءً يتحركون، فشاهِدِ الذين سيدخلون المقبرةَ في المستقبل حتمًا كأنهم دخلوها بالفعل، فإنهم أيضًا جنائز تتحرك.
وفجأةً تبدَّدتْ تلك الحال الحزينة، وانقلبتْ - بنورِ القرآن الحكيم، وإرشادِ الغوثِ الأعظم الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سره - فرحًا وسرورًا، وذكَّرَني النورُ الآتي من القرآن بالخاطر التالي:
كان لك في غربتك في الشَّمال الشرقيِّ بی"كوسْتْروما" صديقٌ أو اثنان من الضباط الأسرى، وكنت تعلَم أنهما ذاهبان إلى إسطنبول لا محالة، فلو سألك أحدٌ: أتذهب إلى إسطنبول أم تبقى هنا؟ فلا ريب إنْ كان لك ذرَّةٌ من عقلٍ أنك ستقبل الذهاب إلى إسطنبول بفرحٍ وسرور؛ لأن لك من أحبابك فيها تسعمئةٍ وتسعةً وتسعين من ألفِ حبيبٍ وحبيب، وليس لك منهم ها هنا سوى واحدٍ أو اثنين، وهما أيضًا ذاهبان إلى
— 130 —
هناك؛ فليس الذهاب إلى إسطنبول بالنسبة إليك فراقًا حزينًا ولا افتراقًا أليمًا؛ ثم ها أنت قد أتيتَها، أفلم تَقَرَّ عينُك؟! لقد نجوتَ من بلاد الأعداء، من لياليها الطويلة الظَّلْماء، ومن شتائها القارس بعواصفه الهوجاء، وقدِمتَ إلى إسطنبول الجميلة كأنها جنةُ الدنيا.
وكذلك الأمر هنا، فلقد رحل تسعةٌ وتسعون بالمئة من الذين أحببتَهم منذ صغرك حتى الآن.. رحلوا إلى تلك المقبرة التي تَبعثُ فيك الرهبة والخوف، ولم يبق لك في هذه الدنيا سوى صديقٍ أو صديقين، وهما كذلك راحلان إلى هناك؛ فوفاتك في الدنيا ليست بفراقٍ، بل هي وصال، إنها جمعُ شملٍ مع أولئك الأحبة.
لقد ترك هؤلاء - أعني الأرواحَ الباقية - مأواهم المندرسَ تحت أطباق الثرى، فمنهم من يحلِّق بين النجوم، ومنهم مَن يَجُول بين طبقات عالَم البرزخ.
أجل، لقد أثبتَ القرآنُ والإيمانُ هذه الحقيقةَ إثباتًا قاطعًا، بحيث يُذعِن لها حتمًا كلُّ مَن لم يَعدَم قلبَه وروحَه، ولم تُغرِق الضلالةُ قلبَه، فيصدِّق بها تصديق مَن رآها؛ ذلك أنه حاشا لصانعٍ كريمٍ رحيمٍ زيَّنَ الدنيا بما لا يُحدُّ من أنواع اللطف والإحسان، وأظهر ربوبيَّتَه بهذه الرأفة والإكرام، حتى إنه لَيَحفَظُ أدنى الأشياء الجزئية قيمةً كالبذور.. حاشا له أن يَعمَد إلى أكملِ مصنوعاتِه وأجمعِها، وأحبِّها إليه وأهمِّها، ألا وهو الإنسان، فيُعدِمَه بلا رحمةٍ، أو يُفنِيَه أو يُضيِّعَه بلا عاقبةٍ كما يبدو في الظاهر، لا يفعل ذلك قطعًا وبداهةً، وإنما يَضَع الخالق الرحيم مصنوعَه الحبيبَ هذا تحت الترابِ الذي هو بابُ رحمة، يضعه هناك إلى أجلٍ كما يَبذُر المُزارِع البذار كي تتسنبل في حياةٍ أخرى. (حاشية): أُثبِتتْ هذه الحقيقةُ في سائر الرسائل - خصوصًا في الكلمتين العاشرة والتاسعة والعشرين - إثباتًا لا يَمْتري فيه عاقل.
وبعد أن تلقَّيتُ هذا التذكير القرآنيَّ غدَتْ تلك المقبرةُ آنَسَ لي من إسطنبول نفسها، وصرتُ أُسَرُّ بالخلوة والعزلة أكثر من سروري بالمجالسة والمعاشرة، ووجدتُ مكانًا أخلو فيه بنفسي على جانب المضيق في منطقةِ "صاري يَرْ"، وكما صار الغوثُ الأعظم، الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه، أستاذي وطبيبي ومرشدي
— 131 —
بكتابه "فتوح الغيب"، صار الإمام الربَّاني لي معلِّمًا ومشفقًا وأنيسًا بكتابه "مكتوبات"، ورضيتُ أيَّما رضًى عن دخولي الشيخوخة، وعزوفي عن مباهج المدنيّة، وانسلاخي عن الحياة الاجتماعية، وشكرتُ اللّٰه على ذلك.
٭ ٭ ٭
الرجاء الحادي عشر
بعد أنْ عُدتُ من الأَسر أقمتُ في أحد المنازل الراقية المُقامة على مرتفعِ "چاملِجه" بإسطنبول، وكان يقيم معي ابنُ أخي عبدُ الرحمن "رحمه اللّٰه"، ويمكن أن تُعَدَّ حياتي هذه من الناحية الدنيوية أسعدَ حياةٍ لأمثالنا؛ فقد نجوتُ من الأَسر، وتيسَّر لي السبيل في "دار الحكمة" لنشرِ العلم بأفضل أسلوبٍ يناسب مسلكي العلمي، وأقبلتْ عليَّ الشُّهرة والجاه بما يفوق حدِّي كثيرًا، فضلًا عن أن الموقع الذي كنتُ أقيم فيه يُعدُّ أجمل بقعةٍ في إسطنبول، أعني "چاملِجه"، وكلُّ شيءٍ لديَّ على ما يرام، ومعي مَن هو في غايةِ الذكاء والتضحية، أقصِد ابنَ أخي عبدَ الرحمن "رحمه اللّٰه"، إذْ كان ليَ التلميذَ، والمساعِدَ، والكاتبَ، والابنَ المعنوي.
وبينما كنت أعدُّ نفسي أسعدَ إنسانٍ في الدنيا، إذْ نظرتُ ذات يومٍ في المرآة، فرأيتُ شيبًا يخالط شعري ولحيتي، وإذا بتلك اليقظة الروحية التي حصلتْ لي في جامع "كوسْتْروما" زمانَ الأَسْر تعودُ من جديد، فرُحْتُ أُدقِّق في الأحوال والأسباب التي تعلقتُ بها قلبيًّا وظننتُها مصدَر السعادة الدنيويَّة، فما دقَّقتُ في شيءٍ منها إلا وجدتُه واهيًا خدَّاعًا لا يستحقُّ التعلُّقَ به؛ وكنتُ لَقِيتُ في تلك الآونة خيانةً غيرَ متوقَّعةٍ وغدرًا لا يخطر بالبال من شخصٍ كنتُ أعدُّه أعزَّ الأصدقاء، فاعترتْني حالةُ انقباضٍ واستيحاشٍ من الحياة الدنيوية، وقلتُ لقلبي: أتُراني مخدوعًا تمامَ الخديعة؟! إنني أرى كثيرًا من الناس ينظرون إلى حالنا نظرَ الغِبطة، بينما هي حالٌ تدعو للرثاء من زاوية الحقيقة.. فهل جُنَّ هؤلاء الناس؟ أم أنا مَن جُنِنتُ فرأيتُ هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين؟!
— 132 —
وعلى كلِّ حالٍ.. فإنني بهذه اليقظة الشديدة التي أحدثَتْها فيَّ الشيخوخةُ رأيتُ أوَّلَ ما رأيتُ فناءَ ما تعلَّقتُ به من أشياء زائلةٍ فانية، وتأمَّلتُ في نفسي فرأيتُها في منتهى العجز، فهَتَفَتْ روحي التي تَنشُد البقاء، والتي فُتِنَتْ بالفانيات إذْ توهَّمتْ فيها البقاء.. هَتَفَتْ بكلِّ قوتها قائلةً: ما دمتُ سأفنى جسدًا فأيُّ خيرٍ يُرجى من هذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزةً فماذا عساي أن أنتظر من هؤلاء العَجَزَة؟
وشرَعْتُ أبحث قائلًا: إنما يجدُ الدواءَ لدائي مَن هو قديرٌ أزليّ، باقٍ سرمديّ، وأخذتُ أبحث عن رجاءٍ وسُلوان، فراجعتُ أوَّلَ ما راجعتُ العلومَ التي حصَّلتُها في سالفِ عهدي، غير أني للأسف، كنتُ حتى ذلك الحين قد ملأتُ جعبتي - إلى جانب العلوم الإسلامية - بعلومٍ فلسفيَّةٍ ظننتُها بخطأٍ بالغٍ أصلَ التكمُّل ومَصدَرَ الثقافة والتنوُّر، والحالُ أن هذه المسائل الفلسفيَّة كثيرًا ما لوَّثَثْ روحي وأعاقتْ رُقِيِّيَ المعنويَّ؛ وبينما أنا في تلك الحال إذا بالحكمة القدسية التي جاء بها القرآن الحكيم تهُبُّ لنجدتي رحمةً من اللّٰه وكرمًا، فغسلتْ عن روحي أدرانَ تلك المسائل، وطهَّرَتْها منها كما بَيَّنّا في كثيرٍ من الرسائل.
فمن ذلك أن الظلمات الروحيةَ الناشئةَ عن علومِ الحكمة كانت تَخنُق روحي وتشدُّها إلى عالَم الكائنات، فكنتُ حيثُما قلَّبتُ نظري وبحثتُ عن النور في تلك المسائل لم أجده فيها، بل أجدني ضيِّقَ الصدر، إلى أن جاءني التوحيدُ الصادرُ من القرآنِ الحكيم، المُلقَّنُ بجملةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وانبثقَ نورًا ساطعًا فبدَّدَ الظلمات وشرحَ الصدر؛ غير أن النفس والشيطان هَجَما على العقل والقلب مستندَيْن إلى الدروس التي تعلَّماها من أهل الضلالة وأهل الفلسفة، لكنَّ المناظراتِ النفسيَّةَ في ذلك الهجوم حُسِمَتْ بانتصار القلب، وللّٰه الحمد.
وقد دُوِّنَت بعضُ تلك المناظرات في العديد من الرسائل، فنكتفي بها؛ إلا أننا لأجل أن نعرِضَ انتصارًا قلبيًّا من ألوفِ تلك الانتصارات، سنبيِّنَ هنا برهانًا واحدًا من آلافِ تلك البراهين، عساه يُطهِّرُ أرواحَ شيوخٍ مُسِنِّين كانوا لوَّثوا في زمن الشباب أرواحَهم، وأسقموا قلوبَهم، واسترسلوا مع أنفسِهم: إما بالضلالة، وإما بالانشغال
— 133 —
بما لا يعنيهم، وذلك حين أصابوا شيئًا مما يُسمَّى الحكمةَ الأجنبيةَ أو علومَ المدنيَّة؛ وعساه يُخلِّصُهم من شرورِ النفس والشيطان فيما يتعلَّق بالتوحيد؛ نبيِّن هذا البرهان على النحو التالي:
قالت نفسي نيابةً عن العلوم الفلسفية: إن الأشياء في هذا العالَم لها بطبيعتها ارتباطاتٌ مع الموجودات، فكل شيءٍ متوجِّهٌ إلى سبب، فينبغي أن تُطلَبَ الثمارُ من الأشجار، وينبغي أن تُطلَب محاصيل الحبوب من التراب، فما معنى أن يُتضَرَّعَ إلى اللّٰه ويُطلَبَ منه حتى أدنى الأشياء وأصغرُها؟!
وفي تلك اللحظة انكشَف سرُّ التوحيد وتبدَّى بنورِ القرآنِ بالصورة التالية:
قال قلبي لنفسي المتفلسفة: إن أصغر الأشياء وأدناها مَثَلُها كمثَلِ أكبر الأشياء وأعظمِها، إنما تأتي مباشرةً من قدرةِ خالقِ الكائنات، وتَصدُر عن خزينته، ولا سبيل لأن تكون بغير هذه الصورة؛ أما الأسباب فإنما هي حُجُبٌ وأستار، ذلك أن ما نظنُّه أصغرَ المخلوقات وأحقرَها قد يكون - من حيث الصنعةُ والخِلقة - أعظمَ من أعظمِ المخلوقات، فالذباب إن لم يَفُقِ الدجاجَ صنعةً لم يَقصُر عنه؛ وعلى هذا فلا يُفرَّق بين كبيرٍ وصغير، فإمَّا أن يُقَسَّم الجميعُ على الأسباب المادية، وإما أن يُسْنَد الجميع كُلِّیيًّا إلى ذاتِ واحدٍ فردٍ، فكما أن الشِّقَّ الأوَّل محال، فالشِّقُّ الآخَر واجبٌ ضروريّ.
وذلك أن الأمرَ إنْ أُسنِد إلى ذاتِ واحدٍ فردٍ، أي إلى قديرٍ أزليٍّ: فما دام علمُه محيطًا بكلِّ شيء - وهو علمٌ متحقِّقٌ وجودُه قطعًا بدلالةِ انتظامِ الموجودات وحِكَمِها البالغة یی؛ وما دام يتعيَّن في علمه مقدارُ كلِّ شيء؛ وما دامت تأتي من العدم إلى الوجود في كلِّ وقتٍ مصنوعاتٌ متقَنةٌ غيرُ متناهيةٍ بسهولةٍ غير متناهية كما هو ثابتٌ بالمشاهدة؛ وما دام لذلك القدير العليم قدرةٌ لا حدَّ لها - كما بيَّنَّا في رسائل كثيرةٍ بدلائلَ قويَّةٍ لا تُحَدُّ، خصوصًا ما أُثبِت في "المكتوب العشرين"، وفي ختام "اللمعة الثالثة والعشرين" - بحيث يَقدِر على إيجادِ أيِّ شيءٍ بالغًا ما بلغ بمجرَّدِ أمرِ: كُنْ فَيَكُونُ كما لو أنه قَدْحُ عودِ ثقاب: فلا ريب أن السهولةَ الخارقةَ للعادة التي تُرى بالمشاهدة إنما جاءت من تَيْنِك الإحاطةِ العلميِّة وعَظَمةِ القدرة.
— 134 —
فكما يَحصُل مثلًا إذا مُرِّرتْ مادةٌ مخصوصةٌ على كتابٍ كُتِبَ بحبرٍ كيميائيٍّ سِرِّيٍّ، إذْ يَظهَر على الفور ذلك الكتابُ العظيم للعِيان، ويُقرئُ ما فيه لكلِّ ناظر؛ فكذلك الأمر بالنسبة لكلِّ شيءٍ، إذْ تتعيَّن صورتُه المخصوصة بمقدارٍ معيَّنٍ في العلم المحيط للقدير الأزلي سبحانه، فيُمرِّر القديرُ المطلَق قوَّتَه التي هي جَلوةٌ من جلواتِ قدرتِه، على تلك الماهيَّة العلميَّة بغايةِ السهولة، كتمرير تلك المادة على تلك الكتابة، وذلك بقدرته اللامحدودة، وبإرادته النافذة، وبأمره: كُنْ فَيَكُونُ، فيعطي ذلك الشيءَ وجودَه الخارجيَّ، ويُظهِرُه للعِيان، فيُقرِئُ نقوشَ حكمته.
أما إنْ لم تُسْنَد جميعُ الأشياءِ بكُلِّیيَّتِها إلى ذلك القدير الأزليِّ العليمِ بكلِّ شيء، لَلَزِمَ أن يُجمَعَ بدنُ أصغرِ الأشياء - كالذباب مثلًا - من معظمِ العناصرِ الموجودة في العالَم جمعًا بميزانٍ خصوصي، ولكان من الواجب فضلًا عن ذلك أن تكون الذرَّاتُ العاملةُ في بدنِ تلك الذبابة الضئيلةِ الحجمِ على علمٍ بجميعِ دقائقِ سرِّ خِلقتِها وكمالِ صنعتِها.
ذلك أنه من المعلوم بداهةً وباتفاقِ عمومِ أهل العقل أن الأسباب الطبيعية والمادية لا تستطيع الإيجادَ من العدم، بل حتى لو أَوجدتْ فلا بدَّ لها أن تَجْمَع، وما دامت ستَجمع فإن في كلِّ ذي حياةٍ - أيًّا كان - نماذجَ من أكثر العناصر والأنواع، حتى كأنه بمثابةِ خلاصةٍ للكائنات أو نواةٍ لها؛ فلا ريب في هذه الحال أنه يلزم تجميعُ بِذْرةٍ من جميعِ الشجرة، وتجميعُ ذي حياةٍ من جميعِ ما على وجه الأرض، بعد الغربلةِ بأدقِّ غربال، والوزْنِ بأدقِّ ميزان.
وما دامت الأسبابُ الطبيعية جاهلةً جامدةً لا علمَ لها لتُقدِّرَ خُطةً، أو فِهرسًا، أو أُنموذجًا، أو برنامجًا، فتَصوغَ على وَفْقِه الذرَّاتِ الآتيةَ إلى القالَب المعنوي، لكيلا تتبعثر أو يختلَّ نظامُها؛ وما دام يمكن أن يكون شكلُ كلِّ شيءٍ وهيئتُه على أنماطٍ لا تُحَدّ؛ فما أبعدَه عن العقل والإمكان والاحتمال أن تتشكَّل ذرَّاتُ العناصرِ فتقومَ في كتلةٍ من غير قالَبٍ ولا مقدارٍ رغم كونها مَوَّارةً كالسَّيل، ثم تنتظِمَ فيما بينها بغير تشتُّت، في شكلٍ ومقدارٍ محدَّدَين من بين أشكالٍ ومقادير لا تُحَدُّ ولا تُعَدُّ، ثم يُعطى ذو الحياةِ وجودًا منتظمًا!! ألا إنه أمرٌ يدريه كلُّ مَن لم يكن في قلبه عَمًى.
— 135 —
أجل، وإنه بناءً على هذه الحقيقة، وبسرِّ الآية العظيمة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، يتبيَّن أنه لو اجتمعت جميعُ الأسباب المادية، وكان لها اختيار، ما استطاعتْ أن تَجمع جسمَ ذبابةٍ واحدةٍ، ولا أنْ تجمعَ بميزانٍ مخصوصٍ أجهزةَ هذا الجسم؛ بل حتى لو جمعتْه ما استطاعتْ أن تقيمَه بمقدارٍ معيَّن؛ بل حتى لو أقامتْه ما استطاعتْ أن تشغِّل بانتظامٍ الذرَّاتِ الآتيةَ إليه، العاملةَ فيه، المتجدِّدةَ على الدوام؛ وعلى هذا فمن البدهي أن الأسباب ليست مالكةً لتلك الأشياء، وإذًا فمالكُها الحقيقيُّ غيرُ الأسباب.
أجل، فبسِرِّ الآية: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ: إن لها مالكًا حقيقيًّا يخلق جميعَ الأحياء على وجه الأرض بسهولةِ إحياءِ ذبابة، ويوجِد ربيعًا بسهولةِ إيجادِ زهرة، ذلك أنه ليس محتاجًا لأن يَجمَع؛ إذْ بما أنه مالكُ أمرِ كُنْ فَيَكُونُ؛ وبما أنه هو الذي يوجِد في موجوداتِ كلِّ ربيعٍ صفاتِ الربيع اللامحدودة، وأحوالَها وأشكالَها اللامعدودة، فضلًا عن عناصرها الأوَّليَّة، إيجادًا من العدم؛ وبما أنه يَتَعَيَّنَ في علمِه أُنموذجُ كلِّ شيءٍ وخُطَّتُه وفِهرسُه وبرنامجُه؛ وبما أن جميعَ الذَّرَّات تتحرَّك في دائرة علمِه وقدرته؛ فإنه هو الذي يوجِد كلَّ شيءٍ بمنتهى السهولةِ كَقَدْحِ عودِ ثقاب، فلا يَحِيْد شيءٌ عن مساره مقدارَ ذرَّة، فكما أن النجوم والكواكب السيَّارات جيشُه المطيع، فالذَّرَّات كذلك بمثابةِ جيشه المنتظم.
وما دام هؤلاء يتحركون استنادًا إلى تلك القدرة الأزلية، ويعملون وفقًا لدساتير ذلك العلمِ الأزليّ، فلا ريب أنَّ هذه المصنوعات والآثار إنما تأتي إلى الوجود وفقًا لتلك القدرة، وعليه فلا تَصغُر تلك الآثارُ لِصِغَر جِرْمِها وتفاهةِ ذاتها؛ إذْ بقوةِ الانتساب إلى تلك القدرة تصرَعُ ذبابةٌ نمرودًا، وتهدِم نملةٌ قصرَ فرعون، وتحمِل بُذيرةُ صنوبرٍ صغيرةٌ كالذَّرَّة شجرةَ صنوبرٍ ضخمةٍ كالجبل.
وقد أثبتنا هذه الحقيقة في رسائل كثيرة، فكما يصير جنديٌّ - بانتسابه إلى السلطان بوثيقةِ الجندية - مظهَرَ آثارٍ تفوقُ قوَّتَه مئةَ ألفِ مرَّة، كأنْ يأسِر ملِكًا مثلًا؛ فكذلك الأمر
— 136 —
بانتسابِ كلِّ شيءٍ إلى تلك القدرة الأزلية، إذْ يمكن أن يصير مَظهَرَ معجزاتِ الصَّنعة بما يفوق الأسبابَ الطبيعية مئةَ ألف مرَّة.
والحاصل: إن مجيء كلِّ شيءٍ إلى الوجود بمنتهى درجاتِ الإتقان والسهولة في آن، يُظهِر أنه أثرٌ من آثارِ قديرٍ أزليٍّ ذي علمٍ محيط؛ وإلا فبدون ذلك لا يكون المجيء إلى الوجود محفوفًا بمئةِ ألفِ محالٍ فحسب، بل يكون خارجًا عن دائرة الإمكان داخلًا في دائرة الامتناع، وخارجًا عن صورةِ الممكن، داخلًا في ماهيَّة الممتنع، أي لن يأتي أيُّ شيءٍ إلى الوجود، بل سيكون مجيئُه إليه محالًا.
وهكذا، فبهذا البرهان البالغِ غايةَ الوضوح والدقة والقوة والعمق سكتتْ نفسي التي كانت تلميذًا مؤقتًا للشيطان، ووكيلًا لأهل الضلالة وأهل الفلسفة، وآمنتْ تمامَ الإيمان وللّٰه الحمد، وقالتْ: أجل، لا بدَّ أن لي خالقًا وربًّا يعلَم أدقَّ خواطر قلبي وأخفى تضرعاتي، فمثلما يلبِّي أخفى حاجاتِ روحي، فهو كذلك القديرُ الذي سيبدِّل هذه الدنيا الهائلة، فيزيلها ويقيم الآخرةَ بدلًا منها ليمنحني السعادة الأبدية؛ وهو كما خلق الذباب أوجدَ السماوات، وهو كما ركَّبَ الشمسَ عينًا في وجه السماء، ركَّب الذَّرَّةَ في بؤبؤ عيني؛ وإلا فمَنْ لم يكن قادرًا على خلق الذباب فليس بقادرٍ على النفاذ إلى خواطر قلبي، وسماعِ تضرُّعاتِ روحي، ومن لم يكن قادرًا على خلقِ السماوات فليس بقادرٍ على منحي السعادةَ الأبدية.
وعلى هذا فإنما ربي مَن يُصلح خواطر قلبي، وإنما ربي مَن مثلما يملأ الجو بالغيوم ثم يُفرِغه في ساعة، يبدِّل الدنيا آخرةً، ويقيمُ الجنة ويفتح لي أبوابها فيقول: هيا ادخل.
فيا إخوتي الشيوخ الذين قَضَوا بعض عمرهم في الفلسفة المظلمة والعلوم الأجنبية مثلي لسوء الحظ، اِفهموا من البلاغِ القدسيِّ الذي صدَح به لسان القرآن على الدوام: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ما أقواه وما أحَقَّه من ركنٍ إيمانيٍّ لا يتزعزع، ولا يتغيَّر ولا يتصدَّع!! وكيف يبدِّد الظلمات المعنوية، ويداوي الجراح المعنوية!!
٭ ٭ ٭