السيرة الذاتية
— 116 —

تضحيات بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ للأمة والوطن بصفته قائدًا لكیتيبةٍ من المتطوِّعين

أدَّى بديعُ الزمان على "جبهة القفقاس" واجباتٍ جهاديةً نالت إعجابَ وتقديرَ قائد الفرقة والقائد العام للجبهة أنور باشا، ثم رجع إلى "وان" بسبب زحفِ القوات الروسية نحوها؛ ومع إخلاءِ المدينة تحصَّن بديع الزمان مع قسمٍ من طلابه في قلعتها مصمِّمين على الدفاع عن المدينة حتى الشهادة، إلا أن واليها "جودت بك" أصرَّ عليهم أن ينسحبوا إلى قصبة "وَسْطان" لتأمين عمليَّة النزوح، فانسحبوا إليها.
وبينما كان الوالي ومدير المنطقة والأهالي والجنود في طريق النزوح من "وان" إلى نواحي "بِتْليس" مرورًا بی"وسْطان" إذْ شنَّتْ كتيبةٌ من فرسان القُوزاق الروسية هجومًا على "وَسْطان"، فتصدَّى لها المُلَّا سعيد مع مجموعةٍ من طلابه وحوالي أربعين عنصرًا من الجنود المستبسلين الصامدين، فحالوا بذلك دون وقوع النازحين في قبضة الأعداء، وأمَّنوا لهم طريق النجاة؛ وكان من جملة التصدي للأعداء أنه تحرَّك مع طلابه ليلًا على هيئةِ هجومٍ نحو تلٍّ مرتفعٍ يُشرِف على القُوزاق ليبث الرعب في صفوفهم، وأوهمهم بوصول تعزيزاتٍ كبيرةٍ، فأشغلهم وأعاق تقدمهم، وحالَ دون وقوع "وَسْطان" تحت الاحتلال الروسي.
وفي خضمِّ تلك المعارك شرع بتأليف تفسيره المسمَّى "إشارات الإعجاز" بصحبةِ تلميذه النجيب "المُلَّا حبيب"؛ فقد كان يُمليه عليه إملاءً وهو على خطِّ النار، أو على صهوة الجواد أحيانًا، أو في الخندق أحيانًا أخرى، حتى أُلِّف قسمٌ كبيرٌ منه على هذه الهيئة.
— 117 —
وندرج هنا "إفادة المرام" الواردةَ في مستهلِّ هذا التفسير الفريد، لكونها توضِّح بعض المعلومات بشأنه.
(حاشية): تنبيه: أُلِّف تفسير "إشارات الإعجاز" في السنة الأولى للحرب العالمية الأولى، على جبهة القتال بدون مَرجع ولا مصدر، وقد اقتضتْ ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمانٍ أن يُكتَبَ هذا التفسير في غاية الإيجاز والاختصار لأسبابٍ عدة، وقد بقيت الفاتحة وشطرُه الأول أشدَّ إجمالًا واختصارًا.
أولًا: لأن ذلك الزمان لم يكن يسمح بالتفصيل، وكان "سعيدٌ القديم" يعبِّر عن مُراده بعباراتٍ قصيرةٍ موجزة.
ثانيًا: لأن "سعيدًا القديم" كان يراعي درجةَ فهمِ تلاميذه النوابغ دون سواهم.
ثالثًا: أنه لما كان يبيِّن أدقَّ وأرفعَ ما في نظمِ القرآن من الإيجاز المُعجِز، جاءت عبارته كذلك دقيقةً موجزة.
غير أني طالعتُه اليوم بنظرِ "سعيدٍ الجديد"، فوجدتُه - بما حوى من تدقيقاتٍ علميَّةٍ - يُعدُّ بحقٍّ تحفةً من تُحَف "سعيدٍ القديم" رغم خطاياه.
ونظرًا لأن "سعيدًا القديم" كان وقتَ كتابته دائمَ الاستعداد للشهادة، وكَتَبه بنيَّةٍ خالصةٍ مطبِّقًا قوانين البلاغة ودساتير علوم العربية، فإني لم أستطع أن أقدح في أيِّ موضعٍ منه، فعسى اللّٰه أن يجعل هذا المؤلَّف كفارةً لذنوبه، ويقيِّضَ لهذا التفسير رجالًا يستطيعون فهمَه حقَّ الفهم إن شاء اللّٰه.
ولولا قيامُ موانع كالحرب العالَمية الأولى، فقد كانت النية معقودةً لأن يُفرَدَ هذا الجزء لبيان الإعجاز النظمي، ويتكفلَ كلُّ جزءٍ من الأجزاء الباقية ببيانِ وجهٍ من وجوه الإعجاز الأخرى، فلو ضَمَّت الأجزاءُ الباقية حقائقَ التفسير المتفرِّقة في رسائلِ النور لأصبح تفسيرًا جامعًا بديعًا للقرآن المعجِز البيان.
فعسى لهيئةٍ موفَّقةٍ أن تجعل من جزء التفسير هذا، مع الرسائل المئة والثلاثين من "الكلمات" و"اللمعات" و"المكتوبات" مصدرًا، فتكتب على ضوئه تفسيرًا للقرآن في المستقبل إن شاء اللّٰه؛ سعيد.
وكان "علي رضا أفندي" أمين الفتوى بإسطنبول كثير المطالعة لهذا التفسير، وكان يقول لإخوانه الذين يتردَّدون إليه: "إن له من القوَّة والقيمة ما لألفِ تفسير"؛ وقد استحسن هذا التفسيرَ علماءُ الشرق وكبارُ علماء الشام والعراق، وقال بعضهم فيه: "إنه تفسيرٌ بديعٌ لا مثيل له".
— 118 —
إفادة المرام
لمّا كان القرآنُ جامعًا لأشتات العلوم، وخُطبةً لعامَّةِ الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصَّل له تفسيرٌ لائقٌ من فهم الفرد الذي قلَّما يَخْلُص من التعصُّب لمسلكه ومشربه؛ إذ فَهْمُه يَخُصُّه، ليس له دعوة الغير إليه إلا أن يُعدِّيَه قَبولُ الجمهور؛ واستنباطُه - لا بالتشهي - له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجةً على الغير إلا أنْ يُصَدِّقَه نوعُ إجماع.
فكما لابد لتنظيم الأحكام واطِّرادِها، ورفعِ الفوضى الناشئةِ من حريَّة الفكر مع إهمال الإجماع، من وجودِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المحقِّقين الذين بمظهريَّتهم لأَمْنيَّةِ العُموم واعتمادِ الجمهور يتقلَّدون كفالةً ضِمنيَّةً للأمة، فيصيرون مَظهرَ سرِّ حُجِّيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعًا ودستورًا إلا بتصديقه وسِكَّتِه؛ كذلك لا بدَّ لكشفِ معاني القرآن، وجمعِ المحاسن المتفرِّقة في التفاسير، وتثبيتِ حقائقه المتجلِّية بكشفِ الفنِّ وتمخيضِ الزمان، من انتهاضِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المتخصِّصين المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقَّةِ نظرٍ وُسْعةُ فكرٍ لتفسيره.
نتيجة المرام: إنه لابد أن يكون مفسِّر القرآن ذا دهاءٍ عالٍ، واجتهادٍ نافذ، وولايةٍ كاملة؛ وما هو الآن إلا الشخصُ المعنويُّ المتولِّدُ من امتزاج الأرواح وتسانُدِها، وتلاحُقِ الأفكار وتعاونِها، وتضافُرِ القلوب وإخلاصها وصَمِيْمِيَّتِها، من بين تلك الهيئة.
فبِسِرِّ للكلِّ حكمٌ ليس لِكُلٍّ كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصَّةُ الولاية ونورُه وضياؤها من جماعةٍ خَلَتْ منها أفرادُها.
ثم إني بينما كنتُ منتظِرًا ومتوجِّهًا لهذا المقصد بتظاهرِ هيئةٍ كذلك - وقد كان هذا غايةَ خيالي من زمان مديد - إذْ سَنَح لقلبي من قبيلِ الحسِّ قبل الوقوع تَقرُّبُ زلزلةٍ عظيمةٍ، (حاشية): أجل، أَخبر في أثناءِ أحد الدروس على سطحِ مدرستنا "خورخور" في "وان" عن زلزلةٍ عظيمة ستقع، وتحقَّق ذلك كما أخبر، إذِ اندلعت الحرب العالَمية بعد زمنٍ يسيرٍ؛ حمزة، محمد شفيق، محمد مِهْري. فشرَعْتُ - مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي - في تقييد ما سَنَح
— 119 —
لي من إشاراتِ إعجاز القرآن في نظمِه وبيانِ بعض حقائقه، ولم يتيسَّر لي مراجعةُ التفاسير، فإن وافقَها فبِها ونِعْمَتْ، وإلا فالعُهدة علَيّ.
فوقعتْ هذه الطامَّة الكبرى، ففي أثناء أداء فريضة الجهاد، كلما انتهزتُ فرصةً في خطِّ الحرب قيدتُ ما لاحَ لي في الأودية والجبال بعباراتٍ متفاوتةٍ باختلاف الحالات، فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لايرضى قلبي بتغييرها وتبديلها، إذْ ظَهَرتْ في حالةٍ من خُلوصِ النيَّة لا توجد الآن، فأعرِضُها لأنظارِ أهل الكمال لا لأنه تفسيرٌ للتنزيل، بل ليصير - لو ظَفِر بالقبول - نوعَ مأخذٍ لبعضِ وجوهِ التفسير.
وقد ساقني شَوقي إلى ما هو فوق طَوقي، فإن استحسنوه شجَّعوني على الدوام.
ومن اللّٰه التوفيق
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
وفي أثناء تلك المعارك استشهد كاتبُ تفسير "إشارات الإعجاز" "المُلَّا حبيب" الذي يَعدِل عشرين تلميذًا من تلاميذ الأستاذ النجباء، وذلك في "وَسْطان" إثر قيامه بمهمَّةٍ استخباراتيةٍ مهمَّةٍ مع قائدِ جبهة إيران "خليل باشا".
وكان فدائيو الأرمن في ذلك الحين يذبحون أطفال المسلمين في عددٍ من المناطق، فيُقتَل أطفالُ الأرمن في بعض الأحيان ردًّا على ذلك؛ وحدَثَ ذات مرةٍ أن جُمِع آلافٌ من أطفالِ الأرمن في ناحيةٍ تقع تحت إمرة المُلَّا سعيد، فأصدر أوامره للجنود قائلًا: "لا تتعرضوا لهؤلاء بشيء"، ثم أطلق سراحهم، وعادوا إلى أهاليهم خلف خطوط التَّماسِّ مع الروس، فوقع ذلك السلوك من الأرمن موقعًا عظيمًا، وكان درسًا بليغ العبرة عندهم، وأثار إعجابهم بأخلاق المسلمين؛ فلما احتل الروس تلك الأماكن، تخلى قادة المجموعات الفدائية عن ذبح أطفال المسلمين، وتعاهدوا فيما بينهم قائلين: "ما دام المُلَّا سعيد قد سلَّم إلينا أبناءنا ولم يذبحهم، فإننا كذلك لن نذبح أطفال المسلمين بعد اليوم"؛ وبذلك أنقذَ المُلَّا سعيد آلاف الأبرياء في تلك النواحي من الهلاك.
— 120 —
وحين استولى الروس بعد مدَّةٍ على أطراف مدينتيْ "وان" و"مُوْش"، وشرعوا بالهجوم على "بِتْليس" بثلاث فرقٍ عسكرية، قال واليها "ممدوح بك" والقائد "كَلْ علي" لبديع الزمان: إننا مضطرون للانسحاب، إذْ ليس لدينا سوى كتيبةٍ من الجنود، إضافةً لحوالي ألفي متطوعٍ منكم.
فقال لهما بديع الزمان: إنْ فعلنا ذلك وقَعَتْ "بِتْليس" بما فيها من الأهالي والنازحين بِيَدِ العدو.. لا سبيل أمامنا سوى المقاومة حتى آخر رمق.
فقالا: إن الجنود المتبقين في "مُوْش" بعد سقوطها يحاولون تهريب ثلاثين مدفعًا إلينا، فإن استطعتَ بمن معك من المتطوِّعين أن تستخلصوا تلك المدافع، قاوَمْنا بها أيامًا، ونجا الأهالي.
فقال بديع الزمان: ما دام الأمر كذلك فإني إما أن آتي بالمدافع، أو أموت دون ذلك.
فترأّس ثلاثمائة متطوِّع، وتوجَّهوا ليلًا نحو "نُوْرْشِيْن" حيث المكان الذي ستُسحَب إليه المدافع؛ وكانت فرقة القُوزاق الروسية المكلَّفة بمراقبة تلك المدافع قد تلقَّت خبرًا من جواسيسها، مُفاده أن قائد المتطوِّعين الذي دافع عن "بِتْليس" قادمٌ ومعه ثلاثة آلافٍ من الرجال لاستخلاص المدافع، يؤازره في ذلك القائد الشهير المتمركز في الجبال "موسى بك" بصحبة ألفٍ من رجاله؛ ومع أن الخبر كان مبالَغًا فيه إلا أنه ألقى الخوفَ في قلب قائد القُوزاق، فأحجم ولم يتقدم.
ووزَّع بديع الزمان عناصرَه على المدافع لتحريرها، فقسَّمهم إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ تتولَّى كلُّ واحدةٍ عمليَّة تحرير مدفعٍ واستخلاصه، حتى حرَّر هو ومجموعةٌ من إخوانه آخر تلك المدافع؛ وبذلك تمكَّنوا من نقلها جميعًا إلى "بِتْليس"، فواجَهَ بها المتطوِّعون والجنودُ عدوَّهم بضعةَ أيام، حتى نجا الأهالي بأمتعتهم وأموالهم.
ولم يكن بديع الزمان في تلك الحرب يحتمي بالخنادق، بل كان دائمَ التحرُّك على خطِّ المواجهة كي يبثَّ العزيمة في نفوس المتطوِّعين؛ إلا أنه بينما كان ذات مرةٍ على صهوةِ جواده يَعْدو به ذات اليمين وذات الشِّمال في خطوط المواجهة الأمامية، إذْ
— 121 —
ورَدَ على خاطره واردٌ أثَّر في نفسِه، مفادُه أنْ: "إذا استشهدتُ الآن على هذه الحال، أي وأنا في المقدِّمة على نحوٍ بارزٍ للعِيان، فحذارِ أن يكون في هيئتي شيءٌ من حُبِّ الظهور المخِلِّ بإخلاصي الذي هو أساسُ نَيل مرتبة الشهادة"، فحوَّل عنان فرسه وعاد من فورِه إلى الخندق وانضم إلى إخوانه.
(حاشية): يمكن القول هنا: إن انصراف تفكيره إلى تحقيق الإخلاص في لحظةٍ هو فيها بين الحياة والموت عند اشتداد الوَطيس، إنما هو مثالٌ من أمثلةِ الكمال الإنساني؛ ذلك أن شدة عنايته بالإخلاص الذي هو أعلى وأصفى مراتب الكمال أثناء وجوده في ساحات الوغى، وفي مواجهة العِدا، وبين نيران المدافع، وعلى صهوة جوداه ينطلق يمنةً ويسرةً في الخط الأمامي كي يمنح طلّابَه الجرأةَ والقوّة من خلال إظهاره الشجاعة بصورة عملية، وحرصَه على استحضاره في روحه ونيَّتِه عند قيامه بمهام قائدٍ في أعلى درجات الشجاعة الإيمانية والشهامة الإسلامية، إنما يدلُّ على سموِّ جهاده وتضحيته وخدمته الدينية الجديرة بالتقدير، كما يدلُّ أكثر على كمال روحه.
وإذًا فليست أوصاف المدح والثناء التي عُرِف بها المُلَّا سعيد بين المسلمين وشهِدتْ بها حياتُه كی"بديع الزمان" و"صاحب الزمان" و"فخر الدوران" و"فطين العصر" غيرُها أوصافًا بغير حقيقةٍ أو مجرَّد كلماتٍ تقال، فإن الخدمة الإيمانية والقرآنية العظيمة التي أدّاها من خلال رسائل النور، والشخصية المعنوية القدسية التي شكَّلها الملايين من طلابه المُضَحِّين المعتزِّين بالحمية الدينية لَشاهدٌ صادقٌ ودليلٌ قاطعٌ على ذلك.
وبينما كان ذات مرةً يتحرَّك على خط المواجهة، إذْ أُصيب بأربع طلقات، فلم يتراجع، ولم يحتمِ بالخنادق، لئلا يُضعِف من عزيمةِ المتطوِّعين؛ حتى إن الوالي "ممدوح بك" والقائد "كَلْ علي" أرْسلا إليه وقد أدهشَهم أمره: أنِ انسحبْ؛ فردَّ قائلًا: لن تقتلني رصاصات هؤلاء الكفرة.
والحقيقة أن مواضع ثلاثٍ منها كان في مقتَل، إلا أن إحداها أصابتْ خنجره، واخترقتِ الأخرى علبةَ التبغ، فلم يُصَب بأذى.
وبعد أن غادرَ الأهالي والوالي والقائد "كَلْ علي" "بِتْليس" ليلًا، وانسحب منها الجنود والمتطوعون، بقي فيها المُلَّا سعيد وثلَّةٌ من طلابه الفدائيين مرابطين فلم يغادروها، وعزموا على أن يضحُّوا بأنفسهم دفاعًا عمَّن بقي فيها من الضعفاء؛
— 122 —
وفي الصباح تصدَّوا لفرقةٍ من الأعداء، فاستشهِد جمعٌ من أصحابه؛ واستشهد أيضًا تلميذُه الفدائيُّ وابنُ أخته "عبيدٌ" فداءً عنه، ثم اخترق هو ومن تبقى من طلابه ثلاثةَ صفوفٍ للأعداء فلم يَخلُص منهم سوى الأستاذ وثلاثةٌ من طلابه، واختبؤوا بصورةٍ عجيبة تحت جسرٍ مُقامٍ على جدولِ ماءٍ، وفي أيديهم البنادق، وبقي في الماء والطين ثلاثًا وثلاثين ساعةً بعد أن أصابته الجراح وكُسِرتْ رِجله، وبينما كانوا في ذلك الوضع العصيب، وفوقَهم مقرٌّ للعدو فيه ضُبَّاطه وجنوده، كان يَبُثُّ السُّلوان في نفوس رفقائه بقلبٍ مطمئنٍّ فرِحًا بنجاةِ الأهالي، فيقول: متى واجهَنا العدوُّ بجنودٍ كثيرين استخدمْنا سلاحنا، لن نبيع أنفسَنا رخيصة، ولن نطلق النار على مجرَّد عنصرٍ أو عنصرين منهم.
وكان من لطيف العناية الإلٰهية أنهم كانوا يرون الجنود الروس، بينما ظلَّ الجنود الروس يبحثون عنهم مدةَ ثلاث وثلاثين ساعةً دون أن يتمكنوا من العثور عليهم!
وفي نهاية الأمر قال بديع الزمان لطلابه: إخواني.. اذهبوا، لقد أحلَلْتكم حقي، اتركوني واسعَوا للنجاة بأنفسكم؛ إلا أنَّ هؤلاء الفدائيين الأبطال قالوا له: لن نتركك ونذهب وأنت على هذه الحال، فإن استشهدنا فلنستشهد ونحن لك ملازمون.
وبعد ذلك أسرهم الروس واقتادوهم إلى "وان"، فی"جُلْفا"، فی"تفليس"، فی"كولوغريف"، وصولًا إلى "كوسْتْروما".
وكان فدائيو الأرمن قد اشتهروا بقوَّة التحمُّل والجَلَد، حتى إنه ليُروى عنهم أنه: "لو كُبَّتْ وجوههم على الجمر حتى كادت أن تنفجر أعينهم، ما أفشَوا سِرًّا"، ومع ذلك فقد كان الروس يقولون: "إن متطوعي بديع الزمان يفوقون فدائيي الأرمن جَلَدًا وتحمُّلًا، وهذا ما مكَّنهم من سحق جنودنا القُوزاق".
نُقِل بديعُ الزمان إلى معسكر الأسرى، وهناك جَرَتْ حادثةٌ تستحق التقدير، وهي أن القائد العام الروسي جاء يومًا إلى المعسكر في زيارةٍ يطَّلع فيها على أحوال الأسرى، فلم يؤدِّ له بديعُ الزمان التحيَّة، ولم يقم من مكانه، فانزعج القائد، ثم عاد فمرَّ من أمامه ثانيةً ظانًّا أنه ربما لم يعرفه، فلما لم يقم له بديع الزمان في المرة الثانية، خاطبه بواسطة مترجم: أما عَرَفني؟!
— 123 —
بديع الزمان: بلى، أعرفه؛ إنه "نيقولا نيقولافيتش".
القائد: إنه بعمله هذا يوجِّه إهانةً للجيش الروسي، وبالتالي يوجِّه الإهانة للقيصر.
بديع الزمان: أنا لم أوجِّه إهانة، أنا عالِمٌ مسلم، ومن كان مؤمنًا باللّٰه كان أعلى رتبةً من الجاهل به، فلهذا لا أقوم لك.
أُحيل بديع الزمان بسبب هذا على المحكمة العسكرية، فرجاه بعضُ رفقائه الضباط أن يتقدم باعتذارٍ من فوره كي يجتنب العاقبة الوخيمة، إلا أنه قال بكلِّ عزةٍ وشجاعةٍ غيرَ مبالٍ بشيء: إن قرار الإعدام من هؤلاء هو بِمثابةِ جوازِ سفرٍ للرحلة إلى العالَم الأبدي.
وفي نهاية الأمر حُكِم عليه بالإعدام، فلما حان وقت تنفيذ الحكم طَلب الإذن للصلاة، وقال لهم: متى أديتُ فريضةَ ديني كشفتُ لكم عن صدري لتطلقوا عليه الرصاص؛ وبينما كان يؤدي الصلاة إذْ تقدَّم القائد الروسي نحوَه وقال له معتذرًا: لقد تبيَّن لي أن تصرفكم ذاك إنما كان نابعًا من تمسُّككم بمقدَّساتكم، فأرجو أن تسامحوني؛ وأسقَط حكم الإعدام الصادرَ بحقه.
٭ ٭ ٭
ظلَّ بديع الزمان رهين الأسر في روسيا قرابة السنتين ونصف السنة؛ إلا أن فدائيَّ الإسلام هذا الذي وقَفَ حياتَه في سبيل اللّٰه، دعوةً إلى القرآن والإسلام، وإحياءً لسنةِ خير الأنام (ص)، لم يقف هناك مكتوف اليدين، بل عمل جاهدًا لتنوير مَن حولَه وإرشادهم، فكان يلقي الدروس على من معه من الضباط الأسرى، وبينما كان ذات يومٍ يلقي الدرس على تسعين ضابطًا من رفقائه، إذْ جاءه أحد القادة الروس فمنعه بحجةِ أنه يلقي دروسًا في السياسة، ولكنه لما علِم أن نشاطاته دينيةٌ علميةٌ اجتماعيةٌ تَرَكَه وشأنَه.
وفي نهاية المطاف نجا بديع الزمان من الأسر، إذْ فرَّ حتى نجح بالوصول إلى "بطرسبرغ"، ثم "وارسو"، ليصل سالمًا عبْر "فيينا" إلى إسطنبول سنة ١٣٣٤رومي.
— 124 —
صورة التُقِطَتْ من قِبل الألمان سنة ١٩١٨ حين اجتاز بديع الزمان ألمانيا عائدًا من الأسر في روسيا.
جواز سفر أعطي من قِبَل الملحق العسكري في صوفيا لدى وصول بديع الزمان إليها قادمًا من ألمانيا بعد فراره من الأسر في روسيا.
— 125 —
فيما يلي يشرح بديعُ الزمان حياةَ الأسر في أحد مؤلفاته وهو الذي كان قائدَ فرقةٍ للمتطوعين في الحرب العالمية الأولى:
(حاشية): بعد مُضيِّ زمنٍ غير يسيرٍ على هذا الأسر، نُقِلَ الأستاذ إلى "بارلا" كأسيرٍ، فسطَّر بعضَ مُجريات حياته السابقة في "الرجاء الثالث عشر" من "اللمعة السادسة والعشرين"، ويمكن لمن شاء أن يراجع هذه الرسالة.
قسمٌ من الرجاء التاسع من اللمعة السادسة والعشرين
"إثرَ وقوعي في الأسر أثناء الحرب العالمية الأولى، لبثتُ زمنًا في ولايةٍ قَصيَّةٍ في شَمال شرقيِّ روسيا تدعى "كوسْتْروما"، كان هناك مسجدٌ صغيرٌ للتتار على ضفة نهر "الفولغا" الشهير، وكنت أشعر بالضيق بين رفقائي الضباط الأسرى، فأردت أن أخلو بنفسي، لكن لم يكن بمقدوري التجوال في الخارج بغير إذن؛ فأخذني أهلُ محلَّة التتار بكفالةٍ منهم إلى ذلك المسجد، فكنت أبيتُ فيه وحدي.
وكانت ليالي الشَّمال هناك تمتد وتطول مع اقتراب فصل الربيع، فكنتُ كثيرًا ما يصيبني الأرَق، وفي تلك الليالي الحالكة، والغربة الكالحة، إذا بخريرِ نهر "الفولغا" الحزين، وتساقُطِ قطراتِ المطر برقَّة، وأنينِ الفراق في صفير الرياح، توقظني مؤقتًا من نوم الغفلة العميق.
وبالرغم من أنني لم أكن أعدُّ نفسي شيخًا، لكنَّ الذي يرى الحربَ العالمية يَهرَم، ذلك أن أيامَها العصيبة يشيب لهولها الولدان، كأنما تجلَّى فيها سرٌّ من أسرار: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا؛ ومع أنني كنت في سن الأربعين، إلا أنني وجدت نفسي كأنني في الثمانين.
وفي غمرة تلك الليالي الطويلة المظلِمة، والغربة الحزينة، والحال الكئيبة، خيَّم عليَّ يأسٌ من الحياة، وتأمَّلتُ في عجزي ووحدتي فانقطع أملي، وبينما أنا في تلك الحال
— 126 —
إذْ أتاني المدد من القرآن الحكيم، فردَّد لساني: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وقال قلبي باكيًا: غريبٌ أنا.. ليس لي أحد.. ضعيفٌ.. بلا حولٍ ولا سَنَد.. أَنشُد الأمان.. أسأل العفو والغفران.. أطلُب المدد.. في بابك يا إلٰهي.
أما روحي التي تذكَّرتْ أحبائي القدامى في الوطن، وتخيَّلتْ موتي في الغربة، فراحتْ تبحثُ عن صديق، وتمثَّلتْ أبياتَ "نِيازي المصري":
بَسَیییطَ الجنیییاحَ إلى العَیدمْ
ومناديًا: أين الصَّديق؟
متجییییاوزًا دنيا الألم
وِرْدًا عییلى مَییرِّ الییدُّوَمْ
وهكذا ففي ليل الغربة الطويل ذاك، المفعَمِ بالحزن والأسى وألمِ الفراق، صار ضعفي وعجزي شفيعين عظيمين ووسيلتَيْن جليلتَيْن بباب الحضرة الإلٰهية، بحيث إني لا أزال مندهشًا من فراري بعد أيامٍ قليلة بصورةٍ غير متوقَّعة، واجتيازي بمفردي مسافةً تُقطَع سيرًا على الأقدام في سنة كاملة، مع عدم معرفتي باللغة الروسية؛ لقد نجوتُ بصورةٍ عجيبة، وبعنايةٍ إلٰهيةٍ شملتني لعجزي وضعفي، وأكملتُ رحلةَ الفرار الطويلة تلك محفوفًا بتيسيراتٍ وتسهيلاتٍ جمَّةٍ، مارًّا بی"وارسو" ثم بالنمسا حتى بلغتُ إسطنبول، بحيث إن نجاتي بهذه السهولة الفائقة لا تتيسر حتى لأكثر الناس جرأةً ودهاءً ومعرفةً باللغة الروسية.
على أن حالتي في تلك الليلة التي قضيتُها في ذلك المسجد على ضفاف نهر "الفولغا" قد جعلتني أتخذ القرار التالي: "سأقضي بقيَّةَ عمري في المغارات.. كفاني اختلاطًا بحياةِ الناس الاجتماعية؛ فما دمت سأدخل القبرَ وحيدًا في نهاية المطاف، فسأختار الوحدة من الآن كي أعتادَها".
ولكن إسطنبول بما فيها من أحبابٍ مخلصين كُثْر، وبما فيها من حياةٍ دنيويَّةٍ برَّاقة، خصوصًا الأمور التي لا طائل من ورائها كالشُّهرة والسُّمعة التي سُلِّطَتْ أضواؤها عليَّ بما يفوق حدِّي، قد أنسَتْني قراري ذاك مؤقتًا لِلأسف، فكأنَّ ليلَ الغربة ذاك كان لِعَيْنِ حياتي سوادَها المنير، وكأن نهارَ إسطنبول البهيجَ كان لِعَيْنِ حياتي بياضَها المظلِم؛
— 127 —
فلم تستطع أن ترى ما هو آجل، فنامتْ من جديدٍ إلى أن أعاد الشيخ الغوثُ عبد القادر الگيلانيُّ فَتْحَها بعد سنتين بكتابه "فتوح الغيب".
٭ ٭ ٭
سُرَّ الناسُ وأهلُ العلم بقدومه إلى إسطنبول وقرَّتْ أعينهم بلقائه، وعُيِّن - دون إخطاره - عضوًا بی"دار الحكمة الإسلامية" التابعة لی"دائرة المشيخة الإسلامية"، وكانت "دار الحكمة" آنئذٍ بمثابةِ أكاديميةٍ إسلاميةٍ تضم نخبةً من العلماء الأعلام أمثال "محمد عاكف"، و"إسماعيل حقي الإزميري"، و"حمدي ألماليلي".
يقول عنه ابنُ أخيه وابنُه المعنويُّ "عبدُ الرحمن"، وكان - رحمه اللّٰه - طالبَ علمٍ يتَّقِد ذكاءً وحماسةً وبطولةً: بعد أن عاد عمي من الأسر سنة ١٣٣٤رومي عُيِّن عضوًا بی"دار الحكمة الإسلامية" دون إخطاره، إلا أنه لم يستطع أن يداوم على الوظيفة لشدَّةِ ما قاسى من الأسر، فأُعفِيَ من الدوام مدَّةً من الزمن؛ ومع أنه حاول أن يستقيل منها مرارًا، إلا أن أصدقاءه لم يسمحوا له بالاستقالة، فباشر الدوام على إثر ذلك؛ وكنتُ أراقب حالَه، فلم يكن ينفق على نفسه أكثر مما تقتضيه الضرورة، وكان يُسأل: لماذا تعيش مقتصِدًا إلى هذا الحد؟ فيقول: أريد أن أعيش كما يعيش السَّواد الأعظم من هذا الشعب، فهم يدبِّرون أمورَ معيشتهم بهذا المقدار، ولا أريد أن أكون من الأقلِّية المسرِفة.
وكان من عادته أن يقتطع من راتبِ "دار الحكمة" مقدارَ الضرورة، ثم يدفعَ بالباقي إليَّ قائلًا: احتفظ بهذا، وحصل أنْ أنفقتُ المبلغَ الذي تجمَّعَ خلال سنةٍ دونَ أن أُخبِرَه، لِما أَعلمُه من شفقتِه بي ومن هَوانِ المالِ عليه؛ فلما عَلِم بذلك قال لي: إنما كان هذا مالَ الشعب لا مالَنا، فلماذا أنفقتَه؟! ما دام الأمر كذلك فقد عزلتُك عن منصب وكيل الصرف وعيَّنتُ نفسي.
وبعد مدَّةٍ من الزمن أراد أن يطبع اثني عشر مؤلَّفًا من مؤلَّفاته التي تتحدث عن الحقائق، فعَمَدَ إلى ما تجمَّع من مال الراتب فأنفقه على طباعة تلك الرسائل، ثمَّ وزَّعها مجَّانًا باستثناء رسالةٍ أو رسالتين، فسألتُه: لماذا وزَّعتَها مجَّانًا ولَم تجعلْها
— 128 —
للبيع؟ فأجابني: إنما يجوز لي من الراتب ما يُقيم الأَوَد، أما ما زاد فللشعب، وإنني بهذا الشكل أردُّ مالَه إليه.
كان يؤدي مهمَّتَه في "دار الحكمة الإسلامية" على هذه الصورة من الجهد الشخصي كما تقدَّم؛ ذلك أنه واجه فيها عقباتٍ تمنع من القيام بعملٍ جماعي؛ ويَعلَمُ كلُّ مَن يعرف بديعَ الزمان أنه رجلٌ حَمَل روحَه على كفِّه، وجعلَ الموتَ نُصْبَ عينيه، ولأجل هذا كان في "دار الحكمة" مقاوِمًا صُلب المِراس، فلم تستطع التأثيرات الأجنبية أن تجعل منه أداةً في يدها، وتصدَّى بشجاعةٍ للفتاوى المُضلِّلة، وكان متى ظهر تيارٌ يستهدف الإسلام أو يحارِبه، أخرجَ كتابًا يفنِّد أفكارَه ويَنقُض بنيانَه.
٭ ٭ ٭