السيرة الذاتية
— 92 —

قِسمٌ من الأجوبة

إنْ كان الأمر كذلك فإني أقول: إنَّكم تملكون بحقٍّ استعدادًا لشجاعةٍ خارقة، بدليلِ أن أحدكم تهون عليه حياتُه في سبيل أمورٍ صغيرةٍ كمنفعةٍ يسيرةٍ، أو جاهٍ جزئيٍّ، أو شرفٍ رمزيٍّ، أو لِيقال عنه إنه بطل، ويقدِّمُ روحَه فداءً في سبيل تعظيم مقامِ رئيسه؛ فماذا لو صحا هؤلاء يا تُرى؟! ألا تَهون عليهم حياتُهم - حتى وإن كانت لهم آلافُ الأرواح - في سبيل قوميَّةِ الإسلام التي لا تقدَّر بثمن، (حاشية ٢): إن قوميَّتنا جسدٌ، روحُه الإسلام، وعقلُه القرآن والإيمان. إذْ تمنحهم أُخوَّةَ ثلاثمئةِ مليون مسلمٍ وعونَهم المعنوي؟!
— 93 —
إن مَن يبيع حياتَه لأجل عشر بارات، لا بدَّ أنه سيبيعها بكلِّ حماسٍ لأجل عشر ليرات.
فوا أسفاه!! مثلما خرجتْ محاسنُنا من أيدينا وأفضَت إلى غير المسلمين، سَرَق هؤلاء منا أخلاقَنا العالية؛ فكأنَّ بعضَ أخلاقنا الاجتماعية الرفيعة إذْ لم تلقَ رواجًا عندنا، نفرتْ منا ولجأتْ إليهم؛ وكأنَّ بعضَ رذائلهم إذْ لم تجدْ كثيرَ رواجٍ عندهم، جُلِبَتْ إلى سوق جهالتنا!
ألا تَعجَبون إذْ تَرَون أنَّ كلمةً بيضاء وخَصلةً حمراء مثل: "إنْ أنا مِتُّ فلتسلَم دولتي وأمتي وأحبَّتي"، التي هي أُسُّ أساسِ الرقيِّ والتقدم الحاضر، بل مقتضى الدِّين الحق، قد سرقها منا غيرُ المسلمين؟! فإنَّ الفدائيَّ والمُضَحِّيَ منهم يقول: "إنْ أمُتْ فلْتسلمْ أمَّتي؛ فإن حياتي المعنوية فيها"!! بينما تقودُنا وتكُفُّ يدَ هِمَّتِنا كلمةٌ حمقاءُ وسَجيَّةٌ عَوراءُ هي أساسُ جميعِ السفالات والأنانيَّات، مثل: «وإن مِتُّ عطَشًا فلا نزَلَ القَطْرُ» أو: "فلتكن الدنيا بعد مماتي ما شاءتْ أن تكون، وليكن من بعدي الطُّوفان"!!
وعلى هذا فإن أحمَدَ خِصالِنا ومقتضى ديننا أن نقول بأرواحنا وجوارحنا ووجداننا وفِكرنا وجميع قوانا: إننا إذا مِتْنا فالإسلامُ - أُمَّتُنا - حيٌّ باقٍ إلى الأبد؛ فلْتسلمْ أمتي، حَسبي الثوابُ الأخروي، فإنَّ حياتي المعنويةَ التي في حياة الأمة تبقيني وتجعلني مسرورًا مبتهجًا في العالَم العُلْوي؛ ولْنقُل - ونورُ الحَميَّة النورانيَّة مرشِدُنا یی: الموتُ يومُ نَوْرُوْزِنا.

.......

ییس: ما أول ما يَلزمُنا؟
ییج: الصِّدق.
ییس: ثم ماذا؟
ییج: اجتناب الكذب.
ییس: ثم ماذا؟
ییج: الاستقامة، والوفاء، والإخلاص، والثبات، والتسانُد.
— 94 —
ییس: لماذا؟
ییج: لأن ماهيةَ الكفر: الكذب، وماهيةَ الإيمان: الصدق؛ أفلا يكفي برهانًا أن بقاء حياتنا رهنٌ بدوام الإيمان والصدق والتسانُد؟!
ییس: ألا يَلزَم إصلاح رؤسائنا أولًا؟
ییج: بلى؛ مثلما دَسَّ رؤساؤكم أموالَكم في جيوبهم وحبسوها فيها؛ أخذوا منكم عقولكم كذلك أو حبسوها في أدمغتكم؛ وعلى هذا فإنني أخاطب عقولَكم الموجودةَ عندهم.
أيها الرؤوس والرؤساء؛ إياكم والتواكُلَ الذي هو عين التكاسُل.. لا يُحِلْ أحدُكم العملَ على أحد.. اُخدُمونا بأموالنا التي بأيديكم، وبعقولِنا التي لديكم، فإنكم قد قبضتم أجرتكم باستخدام هؤلاء المساكين؛ فعليكم بالتدارُك لِما ضَيَّعتم في الصيف، فهذا إذًا أوانُ الخدمة.

.......

والحاصل: لقد شَرَعَ المسلمون في اليقظة؛ (حاشية): أجل، قيل هذا الكلام قبل خمس وأربعين سنة، ويُصدِّق "سعيدًا القديمَ" في درسه هذا الباكستانُ وعشائرُ البلدان العربية إذ نالوا حُكمهم واستقلالهم، وسيُصَدِّقونه في المستقبل. فقد رأوُا الخير خيرًا والشرَّ شَرًّا.
نعم؛ فهذا هو السرُّ الذي جعل عشائرَ هذه الوديان يتوبون، بل إن جميع المسلمين قد أخذ يسري فيهم هذا السرُّ شيئًا فشيئًا، فهم يستعِدُّون لكسبه أيضًا، إلا أنكم أقرب إلى القوميَّة الإسلامية المقدَّسة، لكونكم بَدْوًا لم تفسُد فطرتكم الأصلية.

.......

كان الذين لا يعرفونني في سياحتي ينظرون إلى زِيِّي فيحسَبونني تاجرًا، فيسألونني:
ییس: أأنت تاجر؟
ییج: نعم؛ أنا تاجرٌ وكيميائي أيضًا.
— 95 —
ییس: كيف؟
ییج: أمزج بين مادتين، فيتولَّد من إحداهما التِّرياق الشافي، وتتولد من الأخرى كهرباء مضيئة.
ییس: أين توجد هاتان المادتان؟
ییج: في علبةٍ هي إما سوداء وإما ساطعةٌ كالألماس مكتوبٌ عليها: "القلب"، ضمن صندوقٍ يمشي على رِجْلين خُطَّ على جبهته:"الإنسان"؛ في سوق المدنيَّة والفضيلة.
ییس: ما أسماؤها؟
ییج: الإيمان، المحبة، الوفاء، الحَمِيَّة.
الجريدة السيارة.. أبو لا شيء.. ابن الزمان.. أخو العجائب.. ابن عم الغرائب..
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
ثم ذهب من "وان" إلى "دمشق"، وهناك ألحَّ عليه علماؤها أن يلقي خُطبةً، فألقى في المسجد الأموي خُطبةً في جمعٍ عظيمٍ من الناس بلغ نحو عشرة آلاف رجل، فيهم مئةٌ من أهل العلم، ولَقِيَتْ قبولًا واستحسانًا وتقديرًا فوق العادة، وقد طُبِعتْ فيما بعد باسم "الخُطبة الشاميَّة".
لقد عرَّفَتْ هذه الخُطبةُ بأسبابِ الأمراض المادِّيَّة والمعنويَّة التي أصابت العالَمَ الإسلامي حتى جعلتْه رهين الأسْر والنكبات؛ وعرَضَتْ بالمقابل سُبُلَ الخلاص منها؛ ثم أَثبتَتْ بالدلائل العقلية أن الإسلام سيُقدِّمُ أعلى رقيٍّ ماديٍّ ومعنويٍّ على وجه الأرض؛ وأن مدنيَّتَه قادمةٌ بكمال المهابة لتطهِّر وجه الأرض مما لوَّثَه.
إنها خُطبةٌ فريدةٌ مبشِّرةٌ، ودرسٌ شاملٌ عظيمُ القيمة لا يقتصر على المسلمين فحسْب، بل يَعُمُّ الإنسانية.
— 96 —
يقول في مُستَهلِّها:
لقد تعلَّمتُ في مدرسة الحياة الاجتماعية للبشرية على هذه الأرض وفي هذا الزمان، وعَلِمتُ أنَّ ما أوقفَنا ماديًّا عند القرون الوسطى، في الوقت الذي ترقَّى فيه الأجانب والأوروبيون وطاروا نحوَ المستقبل، إنما هي ستةُ أمراض:
١. حياةُ اليأس وانبعاثُه فينا.
٢. موتُ الصدق في الحياة الاجتماعية والسياسية.
٣. محبَّةُ العداوة.
٤. الجهلُ بالرَّوابط النُّورانية التي تربط أهل الإيمان بعضَهم ببعض.
٥. الاستبدادُ المنتشرُ انتشارَ الأمراضِ السارية المتنوعة.
٦. حَصْرُ الهمة في المصلحة الشخصية.
أما علاجُ هذه الأمراض السِّتة الوبيلة، فأخذْتُه من صيدلية القرآن الذي هو بمثابة كلِّيَّة الطبِّ لحياتنا الاجتماعية، أُبيِّنه في درسٍ من ستِّ كلماتٍ أَعلَمُ أنها هي أساسُ العلاج.
الكلمة الأولى: الأمل؛ أي قوَّة الرجاء من الرحمة الإلٰهية.
أجل، إنني - بناءً على الدرس الذي تعلمتُه - أزُفُّ إليكم البشرى معشرَ المسلمين بأنه قد لاحتْ أَماراتُ الفجر الصادق، ودنا وقتُ شروقُ شمسِ السعادةِ الدنيوية لعالَمِ الإسلام اليوم؛ أخُصُّ بالذِّكر سعادةَ العثمانيين، خصوصًا سعادةَ مَن بصحوَتِهم ويقظتهم يترقَّى الإسلام، أعني العرب.
وإنني لأقول بقناعةٍ جازمةٍ تُسمِع الدنيا رغمَ أنفِ اليأس:
(حاشية): قبل خمسٍ وأربعين سنةً أخبر "سعيدٌ القديم"، بحسٍّ قبْلَ الوقوع، أن العالَم الإسلامي - وفي مقدمته الدول العربية - سيتخلَّص من الاستبداد ويتحرَّر من نَيْر الأجنبي، وسيُشكِّل دولًا إسلاميةً؛ ولم يفكِّر حينَها في الحربَين العالَميَّتَين ولا في الاستبداد المطلق الذي دام نحوًا من أربعين سنة؛ فبشَّر بما كان في عام ١٣٧١ هی وكأنه سيكون في العام ١٣٢٧ هی، دون أن يأخذ بعين الاعتبار سببَ التأخير.
— 97 —
إن المستقبل سيكون للإسلام.. للإسلام وحدَه؛ وسيكون الحُكمُ لحقائق القرآن والإيمان؛ وإن لي على دعوايَ هذه براهينَ كثيرةً تعلَّمتُ منها الدرس، سأذكر منها الآن برهانًا ونصف برهان، وأبدأ بمقدمته:
إن حقائق الإسلام تمتاز بقابليَّتِها واستعدادِها التامِّ للرُّقيِّ المعنوي والمادِّي.
فأما الجهة الأولى، وهي جهةُ الرُّقيِّ المعنوي، فاعلموا أن التاريخ الذي يُسجِّل الوقائع الحقيقية، والذي هو أصدقُ شاهدٍ على الحقيقة، يَعرِضُ لنا شهادةً عن حَقَّانيَّة الإسلام أدلى بها القائد الياباني الأعلى الذي هزم الروس، فقال: "إنَّ التاريخَ يبيِّن أن ترقِّيَ أهل الإسلام وتمدُّنَهم إنما كان بقدْرِ قوةِ الحقائق الإسلامية، وبقدْرِ تحرُّكِهم بهذه القوة؛ وأنه بقدر ضَعفِ تلك الحقائق كان سقوطُهم في التخلُّف والبدائية والانحطاط، ووقوعُهم في البلايا والهزائم والهَرْج والمَرْج؛ أما سائر الأديان فعلى العكس من ذلك".

.......

ولو أننا أظهرنا بأفعالنا مكارمَ الأخلاقِ الإسلاميَّة وكمالاتِ الحقائقِ الإيمانيَّة، لدخل أتباعُ الأديان الأخرى في الإسلام أفواجًا، بل لَلَجأتْ إلى حِماه دولُ الأرض وقارَّاتُها.

.......

فاعتبروا يا إخواني في هذا الجامع الأُموي، ويا إخواني في جامع العالم الإسلامي الكبير، خذوا العِبرة من هذه الأحداثِ الجِسام التي وقعَتْ في السنوات الخمس والأربعين الماضية، وتعقَّلوا يا أهل الفكر والرأي ويا مَن يَعُدُّون أنفسَهم مثقفين.
حاصل الكلام: نحن معاشرَ المسلمين تلاميذُ القرآن، نَتَّبع البرهان، ونَدخل بعقلِنا وفِكرنا وقلبنا في حقائق الإيمان، ولا نَدَعُ البرهان تقليدًا للرُّهبان كما يفعلُ بعضُ أفرادِ سائرِ الأديان.
وبناءً على هذا فإنَّ الحاكم في المستقبل الذي سيَسُوده حكمُ العقل والعلم والمعرفة هو القرآنُ بلا ريب؛ إذْ هو الذي يُصدِّقه البرهانُ العقلي، ويؤيِّد العقلُ جميعَ أحكامِه.
— 98 —
ثم إنَّ الحُجُبَ التي كانت تَحُول دون ظهور شمسِ الإسلام قد أَخذت تنقشع، والموانعَ التي كانت تمنع النور عن البشريَّةِ قد أخذتْ ترتفع؛ ولاحَتْ أَماراتُ ذلك الفجر قبل خمسٍ وأربعين سنة، وبَزَغَ الفجرُ الصادق سنةَ إحدى وسبعين وثلاثمئةٍ وألف أو كاد؛ فإن يكن هذا الفجر كاذبًا فسيطلُع الفجر الصادق بعد ثلاثين أو أربعين سنةً إن شاء اللّٰه.
نعم، لقد حالَتْ ثمانيةُ موانعَ رهيبةٍ دون استيلاء حقيقةِ الإسلام على حقبةِ الزمانِ الماضي بتمامها:
فأولُها وثانيها وثالثها: جهلُ الأجانب، وهَمَجِيَّتُهم في ذلك الزمان، وتعصُّبُهم لدينهم؛ وهذه الموانع الثلاثة آخذةٌ بالتحطُّم والتلاشي بفضلِ محاسنِ المدنيَّة والمعرفة.
ورابعُها وخامسُها: سلطةُ القساوسة والزعماء الروحيين وتحكُّمُهم، وتقليدُ الأجانب لهم تقليدًا أعمى؛ وهذان المانعان آخذان بالزوال أيضًا بسببِ بزوغِ فِكرِ الحرِّيَّة وميلِ البشرِ لتحرِّي الحقيقة.
وسادسُها وسابعُها: الاستبدادُ المتفشِّي فينا، وسوءُ أخلاقنا النابعُ من مخالفة الشريعة؛ وإنَّ زوالَ قوة الاستبداد الشخصي الفردي اليوم لَيشير إلى زوال استبدادِ الجماعات والمنظمات الرهيبِ بعد ثلاثين أو أربعين سنة؛ وإنه باندفاع الحميَّة الإسلامية، وبظهورِ العواقب الوخيمة لسوء الأخلاق، أخذ هذان المانعان في الزوال كذلك، وسيزولان زوالًا تامًّا إن شاء اللّٰه.
أما الثامن: فتوهُّم أنَّ بعضَ المسائل التي أثبتها العلم الحديث تُخالِف المعاني الظاهرية لحقائق الإسلام أو تُعارِضها، فقد وقف هذا سدًّا - بدرجةٍ ما - أمام غَلَبةِ الحقائق الإسلامية في الزمان الماضي.
فمثلًا: توهَّمَ أهلُ الفلسفة والعلومِ الحديثة أن الملَكَين الروحانيَّين الموكَّلَين بالأرضِ بأمرٍ إلٰهي - واسمُهما الحوت والثور - هما عبارةٌ عن سمكةٍ ضخمةٍ وثَورٍ
— 99 —
هائلِ الحجم، ووَقَفوا من الإسلام موقف المعارِض لعدم معرفتهم بالحقيقة؛ وهناك مئاتُ الأمثلة من هذا القبيل تَضطرُّ أعتى الفلاسفة للتسليم بعد أن يقفوا على حقيقتها.
حتى إن رسائل النور قد عرَضَتْ في رسالةِ "المعجزات القرآنية" لكلِّ آيةٍ من الآيات التي اعترض عليها العلم، فكَشَفَتْ عما وراءَها من لمعةِ إعجازٍ قرآنيةٍ، وتناولَتْ كلَّ جُملةٍ وكلمةٍ من القرآن الكريم ظنَّها أهل العلوم الحديثة محلَّ انتقادٍ، فأظهرتْ فيها حقائقَ عاليةً لم تبلغها يد العلم، فألجأت أعتى الفلاسفة للتسليم؛ والرسالة في متناول يدِ الجميع، يمكن أن يطالعها مَن شاء، فلْيطالعْها ولْيَرَ كيف تَحطَّمَ هذا المانع إثرَ قولِه قبل خمسٍ وأربعين سنة.
أجل، ثمة أماراتٌ تدلُّ على أن هذا المانع الثامن الرهيب سيتبدَّد فلا تقوم له قائمة؛ ولبعضِ محقِّقي الإسلام مؤلفاتٌ في هذا المجال.
أجل، إنْ لم يكن ذلك الآن فسيكون بعد ثلاثين أو أربعين سنة؛ فتلكُم هي القوى الثلاث - العلومُ، والمعرفةُ الحقيقية، ومحاسنُ المدنيَّة - قد جَهَّزتْ مَيلَ تحرِّي الحقيقة والإنصافَ ومحبَّةَ الإنسانية بكامل جَهازِها، وأعدَّت لها عتادها اللازم لهزيمة تلك الموانع الثمانية وتفريقِها، وأرسلتْها إلى جبهاتِ الأعداء الثمانية، فشرعتْ تُلحِق بها الهزيمة، وستُفرِّقها شَذَرَ مَذَرَ بعد نصف قرنٍ من الزمان بإذن اللّٰه.
أجل، والفضل ما شهِدت به الأعداء.

.......

وبعد أن نقل بديعُ الزمان أقوالًا منصِفةً حول حقَّانيَّة الإسلام لكلٍّ من الأمير "بسمارك" ومستر "كارليل"، قال:
إنني استنادًا إلى ما أنتجَتْه حقولُ الذكاء في أمريكا وأوروبا من عباقرةِ المحقِّقين أمثال مستر "كارليل" و"بسمارك"، أقول جازمًا: إن أوروبا وأمريكا حُبْلَيَان بالإسلام، وستَلِدان دولةً إسلاميَّةً يومًا ما، مثلما حَبِلت الدولةُ العثمانية بأوروبا، وَوَلَدتْ دولةً أوروبية.
— 100 —
يا إخوتي في الجامع الأموي، ويا إخواني بعد نصفِ قرنٍ في جامعِ العالَم الإسلامي.. أفلا تنتج المقدِّماتُ السالفةُ أن الذي سيكون الحاكمَ الحقيقي والمعنوي على قارَّات المستقبَل، والذي سيقود البشرَ إلى السعادتَين الدُّنيويَّة والأُخرويَّة ليس سوى الإسلامِ والدينِ العيسويِّ الحقيقيِّ الذي سيتحوَّل إلى الإسلام بعد أن يَخلَعَ الخرافات والتحريفات، ويَتَّبعَ القرآنَ ويوافقَه؟!
الجهة الثانية: أي جهةُ الرقيِّ المادِّي، فإن الأسبابَ القويَّة لرقيِّ الإسلام ماديًّا تُظهِر أنه سيَحكم في المستقبل ماديًّا كذلك؛ فكما أثبتنا في الجهة الأولى رُقيَّه المعنويَّ، فإن هذه الجهة الثانية تُظهِر بقوَّةٍ رُقيَّه وحاكميَّتَه في المستقبَل ماديًّا أيضًا؛ ذلك أنَّه قد اجتمعت وامتزجتْ في قلب الشخص المعنويِّ لعالَم الإسلام خمسُ قوًى شديدةِ البأس لا تُقهَر:
فأُولاها: أستاذُ جميع الكمالات، القادرُ على أنْ يُصَيِّرَ ثلاثَمئةٍ وسبعين مليونًا نَفْسًا واحدة، المجهَّزُ بالمدنيَّة الحقَّة والعلوم الصادقة؛ ألا وهو الإسلام الذي لا يمكن أن تقهره أيَّةُ قوةٍ.
القوة الثانية: أستاذُ المَدَنيَّةِ والصناعةِ الحقيقي، المُجَهَّزُ باكتمال المبادئ والوسائل، ألا وهو الاحتياج الشديد والفقر الذي قصَم ظهرَنا؛ فهذه قوةٌ لا تَصْمُت ولا تُكْسَر.
القوة الثالثة: الحريَّة الشرعيَّة التي تُعلِّم البشرَ المقاصدَ السامية وتدفعُهم نحوها من خلال التسابُق للمعالي، وهي الممزِّقةُ لشَمْلِ الاستبداد، المهيِّجةُ للمشاعرِ العُلْويَّة السامية، المُجهَّزةُ بالغِبْطة والغَيرة والحسد والتنافس، المُزوَّدةُ بالتيقُّظ التام، والرغبةِ في التسابُق، والميلِ إلى التجدُّد، والنزوعِ إلى التمدُّن؛ أي الحريَّةُ المجهَّزةُ بالرغبةِ والمَيلِ إلى أسمى الكمالات اللائقة بالإنسانيَّة.
القوة الرابعة: الشَّهامةُ الإيمانيَّة المجهَّزةُ بالشَّفَقَة؛ وتعني عدمَ التذلُّل للظالِمين، وعدمَ إذلالِ المظلومين؛ أي إن مِن أُسس الحريَّة الشرعية عدمَ مداهنةِ المستبدِّين، وعدمَ التسلُّط على المساكين أو التكبُّر عليهم.
— 101 —
القوة الخامسة: العزَّةُ الإسلامية التي تُعلِن إعلاءَ كلمة اللّٰه؛ وإن إعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان يتوقَّف على الرقيِّ المادِّي والدخولِ في المدنيَّة الحقيقية؛ ولا ريب أن هذا الأمر القطعي الصادر عن العزة الإسلامية سيُنفِّذُه الشخصُ المعنويُّ للعالَم الإسلامي تنفيذًا تامًّا في المستقبل بمقتضى الإيمان.
نعم؛ فكما ترقَّى الإسلام في الماضي بالقضاء على تعصُّبِ العدو وبكَسْرِ عِناده وصدِّ اعتداءاته بالسَّيف والسلاح، فإنه في المستقبَل سيَهزِم أعداءَه ويشتِّتُ شملَهم بسيوفٍ معنويَّةٍ بدلًا من السيوف المادية، هي سيوفُ المدنيَّةِ الحقيقيَّةِ والرقيِّ المادي والحقِّ والعدل.
واعلموا أن مرادَنا من المدنيَّة محاسنُها وإيجابيَّاتُها النافعةُ للبشر، لا مساوئها وآثامها؛ فلقد حَسِب الحمقى سيئاتِها ورذائلَها محاسِنَ، وراحوا يقلِّدونها، فبدَّدوا خيراتِنا، وبذلوا الدين رشوةً، فما فازوا بدينٍ ولا أبقَوا على دنيا.
وإنه لما غَلَبتْ آثامُ المدنيَّة محاسنَها، ورَجَحَتْ سيئاتُها على حسناتها، تلقَّت البشريةُ صفعَتَين مروِّعَتَين في حربَين عالَميَّتَين جعلتا عاليَ تلك المدنيَّةِ الآثمةِ سافلَها، فقاءَتْ دمًا لطَّخت به وجه الأرض، ولَسوف تتغلب محاسِنُ المدنيَّة بفضلِ قوَّةِ الإسلام التي ستَسُود في المستقبل إن شاء اللّٰه، فتُطهِّرُ وجهَ الأرض من الأدناس، وتُحقِّق السِّلْم العالَمي.
أجل، لما لم تتأسَّس مدنيَّةُ أوروبا على الفضيلة والهدى، وإنما بُنِيَتْ على الهوس والهوى، وعلى التنافس والتسلُّط، غلبتْ - إلى الآن - سيئاتُ المدنيَّة حسناتِها، وأصبحت أشبه بشجرةٍ تنخرُ فيها المنظمات الثوريَّة الفوضويَّة؛ وهذا بمثابةِ دليلٍ ومؤشِّرٍ قويٍّ على غَلَبَةِ مدنيَّةِ آسيا التي ستتحقَّق في زمنٍ يسير.
فيا عجبًا!! إذا كان لأهل الإيمان والإسلام تجاه المستقبل أمثالُ هذه الأسباب القويَّة والوسائل المتينة للرقيِّ المادي والمعنوي، وكان الطريق إلى سعادة المستقبل سويًّا سالكًا كسِكَّةِ الحديد، فكيف تقعون في اليأس؟!
— 102 —
ويالَه من خطأٍ شنيعٍ ترتكبونه حين تظنون - في يأسٍ وقنوطٍ - أن الدنيا أصبحت دارَ الترقِّي للأجانب وللناس عامةً، بينما أمسَتْ لأهل الإسلام البائسين وحدَهم دارَ الانحطاط والتَدَني، فتحطِّمون بذلك القوةَ المعنوية للعالم الإسلامي!!
فما دام مَيل الاستكمال قد أُدرِجَ في فطرةِ البشر وسائر الكائنات، فإنَّ الحقَّ والحقيقةَ سيُظهِران في المستقبل سعادةً دنيويَّةً في العالَم الإسلامي، تكون كفَّارةً لما سَلَفَ من خطايا النوع البشري إن شاء اللّٰه، هذا ما لَم يُعجَّل بقيامةٍ على ما اقترفته البشريَّة من مظالم وخطايا.
أجل، انظروا، إن الزمان لا يتحرَّك على خطٍّ مستقيم بحيث يتباعد المبدأ والمنتهى، بل يدور ضمن دائرةٍ كالكرة الأرضية، فتارةً يُظهِر الربيعَ والصيفَ في حال التَّرقي، وتارةً يُظهِر الشتاءَ والعواصفَ في حال التدنِّي.
فكما يَخْلُفُ الشتاءَ ربيعٌ، وكما يَخْلُفُ الليلَ نهارٌ، سيكون كذلك لنوعِ البشر نهارٌ، وسيكون له ربيعٌ إن شاء اللّٰه، ولكم أن تَرقُبوا من الرحمة الإلٰهية طلوعَ شمسِ حقيقة الإسلام، فتَرَوا المدنيَّة الحقيقية في ظل سلامٍ عالَميٍّ شامل.

.......

الكلمة الثانية: إن مما تمخَّض عنه فكري نتيجةَ تجاربي في الحياة أن اليأس أخطر مرضٍ تسلَّل إلى قلب العالَم الإسلامي.
أجل، إنه اليأس الذي كأنه أماتنا، حتى أمكنَ لدولةٍ غربيَّةٍ صغيرةٍ ذاتِ مليونَي نسَمَةٍ أن تسيطر على دولةٍ شرقيَّةٍ تَعُدُّ عشرين مليون مسلمٍ، فتحتلَّ وطنَهم وتُسخِّرَهم لخدمتها.
وإنه اليأس الذي أمات أخلاقَنا العالية، وصرف أنظارنا عن المنفعة العامة وحصَرَها في المنفعة الشخصية.
وإنه اليأس الذي حطَّم قوَّتَنا المعنويَّة النابعةَ من الإيمان؛ تلك القوةَ التي استطاعت بقليلٍ من القدرة المادِّيَّة أن تبسط سلطانها على مشارق الأرض ومغاربها،
— 103 —
فلما انكسرت تلك القوة المعنوية الخارقة باليأس، تمكَّن الأجانب الظَّلَمَة منذ أربعةِ قرونٍ من أن يجعلوا ثلاثمئة مليون مسلمٍ أُسارى لديهم؛ حتى لقد صار المرء بسبب هذا اليأس يلتمس لنفسه العذر في تكاسله بما يجد في غيرِه من فتورٍ وإهمالٍ، فيقول: وما شأني؟! كلُّ الناس قد فَسدوا مثلي!! وينصرف عن خدمة الإسلام متخلِّيًا عن الشهامةِ الإيمانية.
فما دام هذا الداء قد بلغ منا مبلغَه ظلمًا وقتلًا، فإنَّا إن شاء اللّٰه مِنْ قاتِلِنا مُقتصُّون، وإيَّاه قاتلون؛ فَلَسوف نهوي على رأس اليأس بسيفِ: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ، ولسوف نَقصِم ظهرَه بحقيقةِ: ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك كلُّه.
أجل، إن اليأس أخطرُ أمراضِ الأمم والشعوب، إنه كما قيل: "سرطانُ الأمم"، وهو مانعٌ من الكمالات، ومخالفٌ لحقيقةِ حديثِ: أنا عند حُسن ظنِّ عبدي بي، وهو شأنُ الجبناء والعاجزين والأراذلِ وذريعتُهم؛ وليس من شأنِ الشهامة الإسلامية خصوصًا العرب الذين امتازوا بسجايا رفيعةٍ تفخر بها البشرية.
لقد تعلَّمتْ شعوبُ العالَم الإسلامي دروسًا من ثباتِ العرب وصمودهم، ولسوف يَنبِذ العرب اليأس إن شاء اللّٰه، ليَمُدُّوا يد الاتفاق والتسانُد الصادق إلى الأتراك جُندِ الإسلام البواسل، فيرفعوا معًا راية القرآن خفَّاقةً على أرجاء الدنيا.
الكلمة الثالثة: لقد علَّمتْني خلاصةُ تحقيقاتي في حياتي كلِّها، وزُبدةُ ما تمخَّضتْ عنه الحياة الاجتماعية، أنَّ الصدق أُسُّ أساسِ الإسلام، ورابطةُ سجاياه العالية، ومزيجُ مشاعره العُلْويَّة؛ فما دام كذلك فلْنُحيِ في داخلنا الصدقَ الذي هو أساس حياتنا الاجتماعية، ولْنُداوِ به أمراضَنا المعنويَّة.
أجل، إن الصدق هو العروة الوثقى لحياة الإسلام الاجتماعية، وما الرياء إلا نوعٌ من الكذب الفعليِّ، وما المداهنة والتصنُّع إلا كذبٌ مرذول، وما النفاق إلا كذبٌ مُضِرٌّ؛ أما الكذب فافتراءٌ على قدرةِ الصانعِ ذي الجلال سبحانه؛ والكفر بجميع أنواعه كَذِبٌ، والإيمانُ صِدق.
— 104 —
وبناءً على هذا السِّر، فإن بين الكذب والصدق بَونًا شاسعًا لا حدَّ له، فيلزَم أن يتباعدا كما بين المشرِق والمغرِب، ويلزم ألَّا يتداخلا كما هي الحال بين النار والنور، إلا أن السياسة الخبيثة والحملات الدعائية المغرضة قد خلطتْ أحدَهما بالآخر، مثلما أخلَّتْ بكمالات البشر.
(حاشية): إخواني، يُفهَم من هذا الدرس الذي ألقاه "سعيدٌ القديم" قبل خمسٍ وأربعين سنة أن سعيدًا ذاك كان وثيق الصِّلة بالسياسة وبشؤون الإسلام الاجتماعية؛ لكن حَذارِ أن تظنوا أنه سلكَ سبيلًا لاتخاذِ الدين أداةً أو وسيلةً للسياسة، حاشا؛ بل كان يعمل بكل قوَّته على جعل السياسة أداةً للدين، وكان يقول: "إنني أُفضِّل حقيقةً واحدةً من حقائقِ الدين على ألفِ سياسة".
نعم، شعر في ذلك الحين - أي قبل ما يقرب من خمسين عامًا - أن بعض الزنادقة المنافقين يعملون على جعل السياسة أداةً بِيَد اللادينية، فراح في المقابل يعمل جاهدًا ليجعل السياسة أداةً لحقائق الإسلام وخادمةً لها؛ إلا أنه بعد ذلك بعشرين سنةً وَجَد فريقًا من السياسيين المتدينين يجتهدون في جعل الدين أداةً للسياسة الإسلامية، ردًا منهم على جهود أولئك الزنادقة المنافقين المتستِّرين الذين جعلوا السياسة أداةً للَّادينيَّة بذريعةِ التغريب!! أَلَا إنه ما ينبغي لشمس الإسلام أن تدور في فلَك الأضواء الأرضية أو تكون أداةً لها؛ وإنَّ جعْلَها أداةً ما هو إلا حَطٌّ من قيمة الإسلام وجريمةٌ كبرى بحقِّه.
حتى لقد رأى "سعيدٌ القديم" - من جرَّاء ذلك النمط من التحيُّز للسياسة - عالِمًا صالحًا يُثني بحرارةٍ على منافقٍ يوافق فكرَه السياسي، وينتقد عالِمًا آخرَ صالحًا يخالفُه في السياسة، بل يُفسِّقه!! فقال له سعيدٌ القديم: إنك لو أيَّدَ شيطانٌ فكرَك لاستمطرْتَ عليه الرحمة، ولو خالف فكرَك السياسيَّ ملَكٌ لَلَعنتَه!!
فلأجل هذا قال "سعيدٌ القديم" قبل خمسٍ وثلاثين سنةً: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة" - أصبحت الآن خمسًا وأربعين یی، وترك السياسة؛ سعيد.
أُحيلَتْ كتبُ أستاذنا ورسائلُه البالغة مئةً وثلاثين جزءًا إلى المراجعة والتمحيص، فدقَّقَتْ فيها مَحاكم وهيئاتٌ حكومية تدقيقًا تامًا على فتراتٍ متباعدة، فلم تعثر على أدنى أمارةٍ تومئ إلى اتخاذه الدين أداةً للسياسة بالرَّغم من اضطراره لمواجهة الظَّلمة والمرتدين والمنافقين، بل بالرغم من صدور أمرٍ سِرِّيٍّ بإعدامه؛ وكفى بهذا دليلًا قاطعًا على عدمِ اتخاذه الدين أداةً للسياسة؛ أما نحن تلاميذ النور العارفين بحياة الأستاذ عن قرب فيتملَّكنا العَجَب إزاء مثل هذه الحالة الفريدة، ونَعُدُّها دليلًا على الإخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور؛ تلاميذ النور.

.......

— 105 —
إخوتي في هذا الجامع الأموي.. إخوانَنا أهلَ الإيمان الأربعمئة مليونًا بعد أربعين أو خمسين سنة في مسجد العالَم الإسلامي الكبير.. لا نجاة إلا بالصدق، فهو العروة الوثقى؛ أما الكذب للمصلحة فقد نَسَخه الزمان.

.......

الكلمة الرابعة: إنَّ مما تعلَّمتُه من الحياة الاجتماعية البشرية طَوالَ حياتي، وما أَنتَجَتْه التحقيقاتُ لي؛ أن أجدر شيءٍ بالمحبة: المحبةُ، وأن أَلْيَقَ صفةٍ بالخصومة: الخصومةُ.
أي: إن صفة المحبَّة التي تُسبِغ الأمن على حياة البشر الاجتماعية وتقودها إلى السعادة هي الأجدر بأن تُحَبّ؛ وإن العداوة التي تَقلِبُ عاليَ الحياة الاجتماعية سافلَها صفةٌ ضارَّةٌ قبيحة، هي الأحَقُّ بأن تُعادى وتُجْتَنَب ويُنفَرَ منها.

.......

الكلمة الخامسة: إن الدرس الذي تعلَّمتُه من الشورى الشرعية، أنَّ ذَنْبَ المرءِ في هذا الزمان لا يبقى ذنبًا واحدًا، بل يكبُر ويَسري حتى يبلغ مئةَ ذَنْبٍ أحيانًا؛ والحسنةُ كذلك لا تبقى واحدةً، بل تتضاعف آلافَ المرَّات في بعض الأحيان؛ وسِرُّ هذه الحكمة أن الحريَّة الشرعية والشورى المشروعة قد أظهرتا حاكميَّة قوميَّتِنا الحقيقية، ذلك أن أساسَ قوميَّتِنا الحقيقية وروحَها: الإسلامُ، والخلافةُ العثمانية والجيش التركي - باعتبارهما حَمَلَةَ راية هذه القومية الإسلاميَّة - هما بمثابةِ صَدَفِها وقلعتِها، والعرب والتُّرك أخَوان حقيقيَّان وحارسان لهذه القلعة القدسيَّة.
وهكذا فبفضلِ الرابطة القدسية التي تملكها هذه القوميَّة يصبح أهل الإسلام عشيرةً واحدة، فتترابط الشعوب الإسلامية فيما بينها، ويَشُدُّ بعضُها بعضًا بالأُخوَّة الإسلامية كما هي حال أفراد العشيرة، ويُعين بعضُها بعضًا معنويًّا، بل ماديًّا إن لزِم الأمر، كأن تلك الشعوب الإسلامية مرتبطةٌ فيما بينها بسلسلةٍ نورانية.
— 106 —
فكما إذا ارتكبَ فردٌ من عشيرةٍ جنايةً صار جميعُ أفرادِها متَّهَمين وأعداءً بنظرِ عشيرةٍ أخرى معادية، كأنهم جميعًا جَنَوْا، فتغدو تلك الجنايةُ الواحدةُ بحكمِ آلافِ الجنايات؛ وكما إذا عمِل الفرد حسنةً مما تفتخر به العشيرة افتخرَ بها كلُّ أفرادها كأنَّهم جميعًا أحسنوا؛ فكذلك السيئةُ في هذا الزمان - خصوصًا بعد أربعين أو خمسين سنة - لا تقتصر على فاعلها، بل تتعدى إلى حقوق ملايين النفوس المسلمة، ولَسوف تَظهر أمثلةٌ كثيرةٌ على هذا بعد أربعين أو خمسين سنة.
أيها الإخوة الذين يسمعون كلماتي في هذا الجامع الأموي، ويا أيها الإخوان المسلمون في جامع العالَم الإسلامي بعد أربعين أو خمسين سنة: لا تعتذروا بالقول: "نحن لا نضر، ولا نقدر على النفع"؛ فعذركم هذا غير مقبول، وإنَّ تكاسُلَكم ولامبالاتِكم إذْ تقولون: وما شأننا؟! وتقاعسَكم عن العمل للاتحاد الإسلامي والوحدة الحقيقية للأمة الإسلامية لَضَرَرٌ عظيمٌ وظلمٌ بالغ.
فكما تتضاعف السيئة آلافًا، تتضاعف الحسنة كذلك في هذا الزمان؛ أعني الحسنةَ المتعلِّقةَ بقدسيَّة الإسلام، فلا تبقى مقتصرةً على صاحبها، بل تعود بالنفع معنويًّا على الملايين من أهل الإيمان، وتشُدُّ أزْرَ حياتهم الماديةِ والمعنويَّة؛ وبناءً على هذا فليس الزمانُ زمانَ الاستلقاء على فراش الكسل، وترديد مقولة: "وما شأني؟!".
إخوتي في هذا الجامع، وإخواني في مسجد العالَم الإسلامي الكبير بعد أربعين أو خمسين سنة.. لا تظنوا أني رَقِيتُ هذا المنبر لأوجِّه لكم النصيحة؛ بل ما رقِيتُه إلا لأطالِبكم بحقِّنا، فإن منافعَ الشعوب الصغيرة - كالكُرد - وسعادتَها الدنيوية والأخروية منوطةٌ بأمثالكم من الشعوب الكبيرة العظيمةِ الحاكمةِ المعلِّمةِ كالعرب والتُّرْك، وإننا بتكاسُلِكم وفتورِكم نتضرَّر - نحن إخوتكم الصِّغار من شعوبِ الإسلام - أيَّما ضرر.
يا معاشر العرب العظماء الأماجد.. يا مَن أخذتم الحظ الأوفر من اليقظة أو ستأخذون.. أنتم أول من أخاطبهم بهذه الكلمات، إذْ كنتم أساتذتَنا وأئمتَنا وأساتذةَ جميعِ شعوبِ الإسلام وأئمتَهم، وكنتم مجاهدي الإسلام، ثم ساندتْكم أمةُ التُّرك العظيمة في وظيفتكم القدسيَّة هذه أتمَّ مساندة؛ ولهذا فإن ذنبكم بالتقاعس أعظم،
— 107 —
كما أن حسنتكم أعظم وأعلى، وإن رجاءنا برحمة اللّٰه لعظيمٌ - لا سيما بعد أربعين أو خمسين سنة - في أن تتحد الشعوب العربية كما اتحدت الجماهير الأمريكية المتحدة، فتتبوَّأَ أسمى منزلة، وتُوَفَّق لأن تُقيم حاكميَّةَ الإسلام - الأسيرةَ اليومَ - على شطر المعمورة بل على أكثرها؛ وسيراها الجيل القادمُ إن شاء اللّٰه، ما لَم تقم القيامة عاجلًا.
وإياكم يا إخوتي أن تتوهموا أو تتخيلوا أنني بكلماتي هذه أستنهِضُ هِمَمَكم للاشتغال بالسياسة؛ حاشا!! فحقائقُ الإسلام أسمى من السياسة كلِّها، وإنما يُمكن للسياسة أن تكون خادمةً لتلك الحقائق، وليس من حقِّ أيَّةِ سياسةٍ أن تتخذ الإسلام أداةً لها.
إنني - بفهمي القاصر - أتصوَّر الهيئةَ الاجتماعية الإسلامية في هذا الزمان في هيئةِ معملٍ ذي مُسنَّناتٍ وتُروسٍ كثيرة، إنْ تباطأ منها أحدُها أو تعدَّى على رفيقِه اختلَّتْ ميكانيكية الآلة؛ ولهذا فقد آن أوانُ الاتحاد الإسلامي، ووجبَ صرف النظر عما بينكم من عيوبٍ ونواقص شخصيَّة.
هذا، وإنني ببالغِ التألُّم والأسف أبيِّن لكم أن بعضَ الأجانب مثلما أخذوا منا أوطانَنا ونفائسَ أموالنا، وبادلونا بها بضاعةً رديئةً، فقد فعلوا الأمر نفسَه إذْ أخذوا أخلاقَنا العالية وبعضَ ما أثمرتْه من سجايا تخصُّ حياتَنا الاجتماعية، فجعلوها أساسَ رُقيِّهم، وأعطَونا ثمنَها أخلاقَهم السيئة وسجاياهم الرذيلة.
فمثلًا: يقول أحدهم مُتمثِّلًا إحدى سجايا أمَّتنا التي أخذوها منا: "إن أنا مِتُّ فلتَسْلَم أمتي، فإنَّ لي فيها حياةً باقية"، فهذه كلمة حقٍّ منا قد أخذوها؛ وهي أقوى أساسٍ لرقيِّهم منا قد سرقوها؛ إنها كلمةٌ نابعةٌ من الدين الحق وحقائق الإيمان، فهي بضاعتُنا نحن أهلَ الإيمان؛ إلا أن واقع الحال أن الأنانيَّ منا يقول - متمثِّلًا سيِّئَ خصالِ الأجانب وقبيحَ سجاياهم الدخيلةِ علينا یی: إذا مِتُّ ظمآنَ فلا نزَل القَطْر، وإن لم أرَ السعادة فعلى الدنيا العَفَاء.
فهذه الكلمة الحمقاء إنما تصدُر من انعدام الدين، وتأتي من عدمِ معرفة الآخرة، وهي إنما دخلتْ علينا من الخارج، وأخذتْ تَنْفُث السُّموم.
— 108 —
ثم إنه - بفكرِ الأمةِ الذي أخذه الأجانب منا - ينال الواحد منهم قيمةً كأنه أمة، إذْ قيمة المرء بحسَب همَّته، فمن كانت همتُه أُمَّتَه كان أُمةً وحدَه.
وإننا بسببِ قصور نظرِ بعضِنا، وبما أخذْنا من الأجانب من سجايا فاسدة، وبقولِ كلِّ واحدٍ منا: نفسي نفسي، وانصرافِه إلى التفكير بمنفعته الشخصية دون منفعة الأمة، تنحَطُّ قيمةُ المرء منا فيكون الألفُ واحدًا، بالرغم من قوةِ قوميَّتنا الإسلامية وقدسيَّتِها.
ألا مَن كانتْ همَّتُه نفسَه فليس من الإنسان؛ لأنه مدنيٌّ بالطبع، ومضطرٌّ فطرةً لمراعاةِ أبناء جنسه، ولا يمكن لحياتِه الشخصيةِ أن تدوم إلا بالحياة الاجتماعية.
قيسوا حاجات الإنسان برغيف الخبز الذي يأكله، كم يدًا احتاج لتحضيره؟ فهو - في مقابل هذا - يقبِّل تلك الأيدي معنًى؛ وكذا الثيابُ التي يرتديها، كم معملًا له علاقةٌ بها؟ فما دام الإنسان لا يعيش بِفِراءٍ كالحيوان، وما دام ذا علاقةٍ بأبناء جنسه فطرةً، وما دام مضطرًا لإعطائهم ثمنًا معنويًّا، فهو إذًا مدنيٌّ بالفطرة.
وإن مَن يَحصُر نظرَه في مصلحته الشخصية ينسلخ من الإنسانية، وينقلبُ حيوانًا مفترسًا مؤذيًا، اللّٰهم إلا مَن كان مضطرًّا وكان له عذرٌ حقيقي ولم يكن بيده حيلة، فهو مستثنى من هذا الوصف.
الكلمة السادسة: مفتاح سعادة المسلمين في الحياة الاجتماعية الإسلامية، ألا وهي الشورى الشرعية؛ وإن الآية الكريمة: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ تأمر باتخاذ الشورى أساسًا.
أجل، فكما كان أساسُ جميعِ علومِ البشرية وترقِّياتها شورى الأزمنة والعصور التي نقلها التاريخ تحت ما يسمى "تلاحق الأفكار" عند بني البشر؛ فإن أحد أسباب بقاء القارة الكبرى "آسيا" في مؤخَّر الرَّكْب هو عدم أخذها بتلك الشورى الحقيقية، وما مفتاحُ قارَّة آسيا وكشَّافُ مستقبلها سوى الشورى.
— 109 —
أي إنه كما يتشاور الأفراد فيما بينهم، ينبغي كذلك على الشعوب والقارَّات أن تتشاور فيما بينها أيضًا، وإن فكَّ القيود المتنوعة التي كبَّلت أقدام ثلاثمئةِ بل أربعمئةِ مليون مسلم، وتحطيمَ أغلال الاستبداد إنما يكون بالشورى الشرعية وبالحريَّة الشرعية النابعة من الشهامة والشفقة الإيمانيَّتَين، تلك الحريةِ الشرعيَّةِ المتحلِّيةِ بالآداب الشرعية، المتخلِّيةِ عن السيئات الموجودة في المدنيَّة الغربية المتحلِّلة.
إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان تأمر بأمرين اثنين:
ألَّا يُذلِّل ولا يَتذَلَّل.. من كان عبدًا للّٰه لا يكون عبدًا للعباد
﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّٰهِ ﴾
نعمْ، الحرية الشرعية عطيَّةُ الرحمٰن
فلْيَحْيَ الصدق، ولا عاش اليأس؛ فلْتَدُمِ المحبة، ولْتقْوَ الشورى؛
المَلامُ على منِ اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى.
٭ ٭ ٭
لم يطُل مُكْثُه في دمشق، فذهب إلى إسطنبول سعيًا في إنشاء جامعةٍ في شرقيِّ الأناضول باسم "المدرسة الزهراء"، ورافق السلطانَ "رشادًا" في رحلته إلى "الرُّوْمَلي" ممثِّلًا عن الولايات الشرقية، وفي أثناء الطريق جرتْ مباحثةٌ في القطار بينه وبين اثنينِ من معلِّمي المدارس الحديثة، وقد كُتِبتْ خلاصتُها بذيلِ "الخُطبة الشامية"، نقتبس هنا بعضَ جُمَلها بنصِّها:
"وفي بداية عهد الحرِّيَّة رافقتُ السلطان "رشادًا" في رحلته إلى "الرُّوْمَلي" بوصفي ممثِّلًا عن الولايات الشرقية؛ وجرَتْ في قطارنا مباحثةٌ مع اثنين من الرُّفقاء المتخرِّجين من المدارس الحديثة، فسألاني: أيُّما أقوى وألزَم، الحَمِيَّة الدينية أم الحميَّة القومية؟
— 110 —
فقلت: إن الدين والقومية عندنا - نحن المسلمين - متَّحدان بالذات، وبينهما اختلافٌ اعتباريٌّ ظاهريٌّ عرَضيٌّ، بل إن الدين روح الأمة وحياتُها؛ فإنْ نُظِر إليهما على أنهما مختلفان متباينان، كانت الحميَّة الدينية تشمل عوامَّ الناس وخواصَّهم، بينما تنحصر الحميَّة القوميَّة في واحدٍ بالمئة من الناس، أي تبقى منحصرةً بمن يضحِّي بمصلحته الشخصية في سبيل قومه.
فما دام الأمر هكذا؛ فينبغي أن تكون الحميَّة الدينيةُ أساسَ الحقوقِ العامة، وأن تكونَ الحميَّةُ القوميَّة خادمةَ هذه الحقوق وقوَّتَها وحِصنَها.
إننا نحن الشرقيين لسنا كالغربيين، فالحاكم على قلوبنا الحِسُّ الديني، ولقد أشار القدَرُ الأزلي بإرساله أكثرَ الأنبياء في الشرق إلى أن الحسَّ الديني هو وحدَه الذي يوقِظ الشرقَ ويقوده نحو الرُّقي؛ وكفى بعصر السعادة وعصر التابعين برهانًا قاطعًا على هذا.
فيا رفاق الدَّرس في هذه المدرسةِ السيَّارةِ المسمَّاةِ قطارًا، السائلين عن أيِّ الحَمِيَّتَين أَولى بالاهتمام: الدينيَّة أم القوميَّة؟ ويا معشر طلاب المدارس الحديثة الذاهبين معنا إلى المستقبل في قطار الزمان الحاضر، أقول لكم: لقد رَسَخَت الحميَّةُ الدينيَّة والقوميَّةُ الإسلاميَّةُ لدى كلٍّ من التُّرك والعرب، وامتزجت بهم امتزاجًا تامًّا فأصبحت في حالٍ لا تقبل التفريق؛ وإنَّ الحميَّة الإسلاميَّة هي أمتن وأقوى سلسلةٍ نورانيَّةٍ آتيةٍ من العرش، وهي عروةٌ وثقى لا تنفصم ولا تنكسر، وقلعةٌ قدسيَّةٌ لا تنهدم ولا تنهزم.
فلما قلتُ هذا، قال لي ذانك المعلِّمان المثقفان: ما دليلك؟ فإن هذه الدعوى الكبيرة تتطلب حجةً كبيرة، ودليلًا في غاية القوة، فما هو؟
وكان القطار في تلك الأثناء قد خرج لتوِّه من النفق، فأطلَلْنا برؤوسنا من النوافذ ننظر، فرأينا صبيًّا لم يبلغ السادسة من عمره قد وقف على مقرُبةٍ من سِكة القطار، فقلتُ لصاحبَيَّ المعلِّمَين: إن هذا الطفل البريء يجيب عن سؤالنا بلسان حاله، فليكن هو أستاذَنا بدلًا مني في مدرستنا السَّيَّارة هذه، فإنَّ لسانَ حاله يقول الحقيقة التالية:
— 111 —
انظروا إلى دابَّة الأرض هذه وقد خرجتْ من النفق مندفعةً هادرةً مدوِّيةً على نحوٍ يثير الفزَع، بينما يقفُ هذا الطفلُ على بعدِ مترٍ من ممرِّها، فمع أنها تهدِّدُ بهديرها وتتوعَّد بهجومها قائلةً بلسان الحال: "الويلُ لمن يعترضُني"، إلا أنه يقف في طريقها بحريَّةٍ كاملةٍ، وشجاعةٍ عجيبة، وطمأنينةٍ مدهشة، لا يكترثُ لشيءٍ من تهديدها ولا يلقي له بالًا، كأنه يستخفُّ بهجومها قائلًا بلسانِ حالِ بُطولته وثباتِه وصلابته: أيها القطار، لن تخيفني بهديرٍ يُدَوِّي كقصفِ الرعد، أنت أسيرُ نظامِك، وخِطامُك بِيد قائدك، وليس من شأنك أن تتعدَّى عليَّ، ولا بمقدورك أن تجعلني رهينَ استبدادك؛ فهيا، اذهبْ في طريقك، وامضِ في سبيلك بإذن قائدك.
فيا رفيقَيَّ في هذا القطار، ويا إخواني المشتغلين بالعلوم بعد خمسين سنة: هيا اطووا الزمان وافرِضوا وجودَ رستم الإيراني أو هرقل اليوناني ببطولاتهما العجيبة مكانَ هذا الطفل البريء، فبما أنه لم يكن للقطار وجودٌ في زمانهما فلن يكون لديهما اعتقادٌ بأنه يتحرَّك وفق نظامٍ محدَّد، فتصوَّروا لحظةَ خروجه من النفق، وفي رأسه النار ذاتُ الوَقود، وفي أنفاسه مثلُ قصفِ الرُّعود، وفي عينيه من الكهرباء بُرُوق، مهدِّدًا بهجومٍ يثير الفزَع، مندفعًا نحو ذَينِك البطلَيْن رستم وهرقل؛ كم سيتملَّكُهُما الخوف والذُّعر!! وكيف سيفرَّان منه آلاف الأمتار رغم شجاعتهما الفائقة!!
انظروا كيف تضمحلُّ حريتُهما وتتلاشى شجاعتُهما أمام تهديد دابَّة الأرض هذه، فلا يجدان حيلةً سوى الفرار!! ذلك أنهما - لعدم اعتقادهما بوجود قائدٍ أو نظامٍ لهذا القطار - لا يَحسبانِه مركبًا مطيعًا، بل يتوهَّمانه أسدًا مخيفًا مفترسًا يجرُّ خلفَه عشرين أسدًا بحجم عربات القطار.
فيا أَخَوَيَّ، ويا أصحابي المستمعين إلى هذه الكلمات بعد خمسين سنة؛ إن الذي أعطى هذا الطفلَ الذي لم يبلغ السادسة حريَّةً وشجاعةً أكثر من ذينِك البطلَين، ورفَعَه فوقَهما درجاتٍ من الأمن والثبات، ليس إلا نواة الحقيقة التي في قلبه، وهي إيمانه واعتقاده واطمئنانه بأن للقطار نظامًا يَجري على وفقِه، وأن زِمامَه بيدِ سائقه، فهو يُسيِّره بحسابه؛ وإن الذي أفزعَ ذينك البطلين أشدَّ الفَزَع، وجعل مشاعرَهما أسيرةَ
— 112 —
المخاوف ليس إلا عدمَ اعتقادهما المصطبغَ بالجهل، أي عدمُ معرفتهما بأن للقطار سائقًا، وعدمُ إيمانهما بأن له انتظامًا.

.......

فكما هي الحال في هذين التمثيلين، حيث كان جهلُ هذين البطَلَين العجيبَين وعدمُ اعتقادِهما وضلالتُهما سببَ خوفِهما ورُعبِهما وفزَعِهما، فكذلك هي الحال مع الكفر والضلالة؛ فهما يَعمِدان إلى جميع الكائناتِ - بدءًا من المجموعة الشمسيَّة وانتهاءً بجراثيم السِّلّ - فيصوِّرانها لأهلِ الضلالةِ سلاسلَ وجماعاتٍ من ألوف الأعداء المخيفين، في يدِ قوةٍ عمياء ومصادفةٍ عشواء وطبيعةٍ صمَّاء، تهاجم بشرًا لا حيلة لهم؛ ثم إن الكفرَ والضلالةَ يُلقيان بأهلهما في جهنم حتى وَهُمْ في الدنيا، ويذيقانهم شيئًا من زَقُّومها، إذْ يتوجَّهان إلى الإنسان بما يحمل من ماهيَّةٍ جامعة، واستعداداتٍ كلِّيَّةٍ، وحاجاتٍ لا محدودة، ورغباتٍ غيرِ متناهية، فيَبثَّان فيه على الدوام الخوفَ والألمَ والرهبةَ والقلقَ؛ ويُظهِران أن جميع ما عرفه البشر من علومٍ وترقياتٍ خاليةٍ من الدين والإيمان مَثَلها كمَثَل بطولة هرقل ورستم لا تساوي شروى نقير؛ إلا أنهما يحقِنان الإنسان باللّٰهو والرذيلة والسُّكْر كنوعٍ من إبطال الحسِّ مؤقتًا لئلا يشعر بتلك المخاوف الأليمة؛ ولقد سبقَ إيرادُ هذه الحقيقة في مقدمة هذه الرسالة مع بضعةِ أمثلة، وأثبتتْها رسائلُ النور بمئاتِ الحجج.
فهكذا هي الموازنة بين الإيمان والكفر؛ فكما يُثمِر الإيمانُ والكفرُ ثمراتِهما ونتائجَهما في الآخرة جنةً ونارًا، فكذلك الحال في الدنيا أيضًا، إذْ يحقِّق الإيمان جنةً معنوية في الدنيا، ويجعل الموتَ أمرَ تسريحٍ وإعفاء؛ بينما الكفر جهنَّمُ معنويَّةٌ حتى في الدنيا، يدمِّر سعادةَ البشر الحقيقية، ويجعلُ الموتَ إعدامًا أبديًّا؛ ونختصر هنا مُحِيْلِين إلى ما في رسائل النور من مئاتِ الحُجج القطعية المستندةِ إلى الحسِّ والشهود.
وإذا أردتم أن تشاهدوا حقيقةَ هذا التمثيل فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى الكون.. ما أكثر ما ترَونَ فيه من سلاسلِ الحادثات، ومتسلسلِ الواقعات، وأجرامِ الكائنات، وكُراتِ النجوم السيارات، خلقتْها القدرةُ الأزليَّة بحكمةٍ ونظام، وأقامتْها في البَرِّ والبحرِ والجوِّ، مناطيدَ وسياراتٍ وطياراتٍ وسفنًا بريَّةً وبحريَّةً أمثال هذا القطار!!
— 113 —
وكما كان لهذه وجودٌ في عالَم الشهادة والكون المادي، فإن لها نظائرَ متسلسلةً أعجبَ منها، أوجدتْها القدرة الأزلية في العالَم الروحانيِّ وفي المعنويات، يُصدِّق بها مَن له عقل، ويستطيع أن يرى أكثرَها من كان ذا بصيرة.
فجميعُ هذه السلاسل المادِّيَّة والمعنويَّة في الكائنات تهاجم أهلَ الضلالة عديمي الإيمان، وتهدِّدهم، وتُخيفُهم، فتجعل عاليَ قواهم المعنويَّة سافلَها؛ خلافًا لأهل الإيمان، إذْ لا تُخيفهم ولا تُهدِّدهم، بل تمنحهم الفرحَ والسعادةَ والأُنسَ والأملَ والقوةَ، ذلك أنهم بالإيمان يرَون تلك السلاسلَ اللامحدودة، والقطاراتِ المادِّيَّةَ والمعنويَّةَ، والكائناتِ السَّيَّارةَ، مَسوقةً إلى وظيفتها بانتظامٍ تامٍّ في دائرةِ الحكمة، يُديرها ويقومُ عليها صانعٌ حكيم، فلا تَحيد عن وظيفتها مقدارَ ذَرَّة، ولا يطغى بعضُها على بعض؛ كما يرون جميعَ ما في الكائنات مَظهرًا لكمال الصَّنعة وتجلي الجمال، فيمنحهم الإيمانُ تمامَ القوة المعنوية، ويُظهِر لهم بذلك أُنموذجًا للسعادة الأبدية.
وهكذا، فالمخاوفُ الرهيبةُ والآلامُ الفظيعة التي يعانيها أهلُ الضلالة من جرَّاءِ عدم الإيمان، يقف أمامها العلم الحديث مكتوف اليدين، فلا يستطيع هو ولا التقدُّم البشري ولا أيُّ شيءٍ سواهما أن يقدِّم لهم سُلوانًا أو يحقِّق لهم قوةً معنويَّة؛ فتتبدد الجسارة؛ إلا أن الغفلة المؤقَّتة تَحجُب فتَخدَع.
أما أهل الإيمان، فإنهم - بفضل الإيمان - لا محلَّ للخوف عندهم، ولا انكسار لقوتهم المعنوية، بل ينظرون إلى تلك الحادثات بعينِ الحقيقة التي في الإيمان، وبثباتٍ وقوَّةٍ معنويةٍ فائقة - كما فعل الطفل البريء في ذلك المثال - فيشاهدون فيها تدبيرًا وإدارةً في دائرة الحكمة من قِبَلِ صانعٍ حكيمٍ، ويتحرَّرون من الأوهام والمخاوف، ويفهمون أنه ليس بمقدورِ هذه الكائنات السَّيَّارة أن تتحرك أو تتعرضَ لأحدٍ بغير أمرِ الصانع الحكيم وإذنه، فيكون كلُّ واحدٍ منهم - كلٌّ بحسب درجته - مَظهَر السعادة وكمال الطمأنينة في الحياة الدنيا.
ومَن لم يكن في قلبه بذرةُ الحقيقة ونقطةُ الاستناد النابعةُ من الإيمان والدين الحق، اضمحلَّتْ شجاعته وقوَّتُه المعنويَّة ضرورةً - مثلما اضمحلَّتْ شجاعة رستم
— 114 —
وهرقل وتلاشَتْ بطولاتُهما في ذلك المثال - وانحلَّ كيانُه، وأمسى أسيرَ حادثاتِ الكائنات، وانحطَّ إلى متسوِّلٍ يهيمن عليه الخوف بين يدي كل شيء؛ ونختصر هذه الحقيقة الطويلة جدًّا، حيث أثبتتْ رسائلُ النور بمئاتِ الحُجج القطعيَّة سرَّ حقيقة الإيمان، وبَيَّنتْ ما في الضلالة من شقاءٍ دنيويٍّ رهيب.
فيا تُرى كيف ساغَ للبشر في هذا العصر، وقد شَعَروا بحاجتهم الماسَّة إلى القوة المعنوية وإلى السُّلوان والثبات، أن يتركوا الإسلامَ والحقائقَ الإيمانية التي هي نقطة الاستناد الكفيلة بتحقيق القوة والسُّلوان والسعادة في هذا الزمان؛ ويعمدوا إلى الضلالة واللّٰهو والمجون والسياسة الكاذبة المُحطِّمةِ لجميع قواهم المعنويَّة، المبدِّدة لسُلوانهم، المزعزعةِ لثباتِهم، فيتخذوها - باسم التغريب - ركنًا ومرتكزًا بدلًا من أن يستفيدوا من القوميَّة الإسلاميَّة!! ما أبعد فِعلَهم هذا عن المصلحة البشرية والمنفعة الإنسانية!!
ألا إنه عما قريب سيتنبَّه البشرُ وسيشعرون وفي مقدمتهم المسلمون، وسيتمسَّكون بحقائق القرآن إنْ بقي للدنيا من عُمُرِها بقيَّة.
٭ ٭ ٭
وفي ذلك الحين قُدِّم مشروعٌ لإنشاء جامعةٍ علميَّةٍ إسلاميَّةٍ كبرى في "كوسوفو"، فقال عندئذٍ للاتحاديين والسلطان "رشاد": "إن شرقيَّ الأناضول أحْوَجُ إلى جامعةٍ كهذه، إذْ هو بمثابةِ مركزٍ للعالَم الإسلامي"، فوعدوه بافتتاح جامعةٍ هناك؛ إلا أنه مع اندلاع حرب البلقان لاحقًا وقعت "كوسوفو" تحت الاحتلال، فتقدَّم بديعُ الزمان بطلبِ منْحِ المبلغ المخصَّص لجامعتها - وقدرُه تسعةَ عشرَ ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ - لإنشاء الجامعة في الشرق، فقُبِل طلبُه.
توجَّه بديع الزمان إلى "وان" مرةً أخرى، ووضع حجر الأساس للجامعة في "أدْرَمِيْت" عند طرفِ بُحيرة "وان"؛ ولكن ما الحيلة؟ لقد توقَّف المشروع باندلاع الحرب العالمية الأولى؛ وكان المُلَّا سعيد قد أخبر طلابه من قبْلُ في شتاء ذلك العام بقوله: "استعدوا، فثمَّة كارثةٌ ومصيبةٌ كبرى تلوح في الأفق".
— 115 —
صورةٌ للأستاذ بديع الزمان مع ابن أخيه عبد الرحمن في إسطنبول عقب الحرب العالمية الأولى.