الشعاعات العربية
— 585 —

دفاع "مصطفى عثمان"(٭)

إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
ردّا على التهمة الموجهة إليّ حول اشتراكي بفعاليات "بديع الزمان سعيد النورسي" المزعومة في تشكيل جمعية سرية واستغلالِ المشاعر الدينية للإخلال بأمن الدولة وقيامِه ضد النظام القائم أقول ما يلي:
١- أجل، لقد قمت -مثل طلاب النور- بالحصول على رسائل النور وقراءتها لكي أتعلم الأخلاق القرآنية التي هي شعار التربية المدنية والدينية اللائقة بالشرف التاريخي لأُمتنا التركية المسلمة، وأحفظ ديني وإيماني من تأثير الأيديولوجيات الأجنبية وأكون عضوا نافعا لوطني وأمتي. لقد حلَّ الفساد والرذيلة محل الأخلاق التي عُرف به أجدادنا الذين سَجلوا مآثرهم في التاريخ، وبدأ هذا الفساد يستشري وينتشر ويُفسد الحياة الاجتماعية إلى درجة أن أصحاب الخُلق السيء أنفسَهم أصبحوا يتقززون من مثل هذا السقوط الأخلاقي المنتشر، الذي أقلق الرأي العام وأصبح حديث المجالس في كل بيت وحديثَ الصحف والمجلات التي تعد لسانَ الرأي العام والمعبّرَ عنه، ثم إن هذه الأحوال المؤلمة في انتشار سريع وقد أخذت طابع البلاء العام.. في مثل هذه المرحلة استطاعت رسائل النور أن تنقذني من السقوط الأخلاقي مثلما أنقذت جميعَ قرائها المسلمين. لقد أعطيتُ هذه الرسائل لمن طلبها مني بإصرار -بعد أن عرف أنني قرأتها- وذلك لكي يستفيدوا من تهذيبها للأخلاق. وبعملي هذا ساعدت على إنقاذ كثير من الأفراد الذين كانوا على وشك الانحدار الأخلاقي، وعلى وشك أن يكونوا أعضاء مضرين بالوطن والأمة. فاستطاعت رسائل النور بتعليماتها وبتلقيناتها أن تنقذَ هؤلاء وأن تجعلَ أفرادا مفيدين للبشرية وتحصنَهم أمام الوباء الشيوعي الأحمر الذي بدأ ينتشر في بلدنا والذي بدأ العالم يرتجف منه رُعبا. إذن فإن "بديع الزمان" يُعدّ مجاهدا معنويا يستحق التقدير والتبجيل. أما السلاح النوراني والفعال لهذا الجهاد فهو رسائل النور التي استطاعت في ظرف عشرين سنة أن تُحوِّل عشرين ألفا من الأفراد -وربما أكثر- إلى أفراد مفيدين للوطن وللأمة، فكيف يكون حثّي على قراءة الرسائل ذنبا، وكيف يكون تأليف رسائل النور تهمة في حق مؤلفها؟.. أسأل هذا من ضمائركم.
— 586 —
٢- أما ما ادَّعاه المدعي العام حول كون ذلك الحديث "موضوعا" فهو حُكمٌ غير عِلميّ، لأن ذلك الحديث "صحيح" ووارد في كتب الأحاديث وعلماء الحديث يقبلونه. ففي عهد المشروطية -أي قبل عهد الحرية- تقدّم اليابانيون والكنيسة الإنجليزية الإنكليكانية بأسئلة إلى علماء ذلك العهد، فقدم علماء إسطنبول بهذه الأسئلة إلى "بديع الزمان" الذي أدرج تأويل هذا الحديث ضمن الرسالة التي أصبح اسمها الآن "الشعاع الخامس". وإن قبول هؤلاء العلماء الأعلام بهذه الأجوبة وعدم اعتراضهم عليها يدل على صحة الحديث.
وليس هذا الجزء فقط من رسائل النور، بل إن جميع الحقائق الواردة فيها وجميع دروسها، قوية جدّا بحيث لا يستطيع عالِم إسلامي حقيقي الاعتراضَ عليها، لذا نرى أن جميع العلماء الحقيقيين في هذا البلد -ومنذ عهد المشروطية- وعلى رأسهم رئاسة الشؤون الدينية اضطروا إلى تقدير هذه الرسائل وتوقيرها. لذا لا يمكن أن تُطمسَ حقائقها وبراهينها القوية من قِبَل فرد أو فردين ممن لا نصيب لهم من العلم الحقيقي، ولا يملكون من العلم إلا اسمه. بل سيكون هذا أمرا مضحكا.
إن رسائل النور تُقرأ بكل تقدير في جميع أرجاء الوطن ومن قِبَل كافة طبقات الشعب لإنقاذ حياتهم الأبدية وإيمانهم، ولأن منافعها المادية والمعنوية ظاهرة وجليلة. لذلك فإن آلافا من المواطنين الذين استفادوا وأعجبوا بحقائق القرآن وحقائق الإيمان يحملون عاطفة العرفان بالجميل والامتنان العميق لمؤلف هذه الرسائل.. فهل قيام بعض هؤلاء بكتابة رسائل إلى المؤلف -انطلاقا من العرفان بجميله- وفهمُ الحديث الشريف الذي هو موضوع الاتهام استنادا إلى الحقائق التي لا يمكن أن تُرد، والنظرُ إليه وكأنه قد تحقق في هذا الوطن بناءً على بعض الأفعال والآثار.. وبيانُ تمنياتهم بأن لا يقع وطننا في أحضان الفوضى وفي أحضان هذا الخطر الأحمر، تُعدّ خيانة للنظام القائم؟ وهل هي نقد للانقلاب؟ ومع أن هذا العالِم المُبجل دخل عدة محاكم بسبب هذه الافتراءات وصدرتْ قراراتُها بتبرئته، إلا أنه لا يزال متهما بنفس التُّهم السابقة ويُسجن في سجن انفرادي ويقدّم للمحاكمة، مع أنه شخص منیزوٍ ومتقدم في العمر وشخص وحيد، أما نحن فقد عُدّت مساعينا العلمية ومحاولاتنا لإنقاذ إيماننا دليلا على أننا نحاول الإخلال بأمن الدولة، ونحن نتساءل من محكمتكم: "أيّ وجدان وضميرِ عادل يستطيع إصدار مثل هذا القرار؟". نَدَعُ ذلك لضمائركم..
— 587 —
٣- ولنأتِ إلى سبب التهمة الأخرى القائلة بأننا "نحمل صور بديع الزمان وكأنها صور مقدسة ونجمع خطاباته، ونرسل له الرسائل." نقول ردا على هذا:
إن من حقي -كأي فرد آخر- أن أبعث له الرسائل وبطاقات التهنئة وأن أصادق محبيه وأن أحمل صورته.. ليس فقط صورته البسيطة، بل لو زينت صورته بإطار من الجواهر أو الذهب لكان شيئا زهيدا بجانب ما أسداه إليّ هذا العلامة الكبير من فضل، فقد أنقذ حياتي المعنويةَ والأبدية من الإعدام، وجعلني أتذوق السعادة في حياتي المادية، وأصبح بمؤلفاته وسيلة لإنقاذ إيمانِ آلاف الأفراد الآخرين مثلي. هذا من حقي، ولا أظن أنه يُشكل ذنبا، وفي الختام أقول:
إن رجال الأمن في ولايتين وفي أقضية عدة يشهدون بأن طلبة النور -الذين أنقذوا أنفسهم من الأخلاق السفيهة بقراءة رسائل النور وأنقذوا غيرهم كذلك- قد خدموا طوال سنين عديدة هذا الوطن وهذه الأمةَ خدمةً جليلة لا يستطيع إيفاءها الآلاف من رجال الأمن، لذا فإنهم بدلا من أن يروا التقدير والمديح، فقد أُسيءَ فهمهم وعوملوا وكأنهم عملاء للأجانب، فقد اعتُقلنا وقُدِّمنا للمحاكم وتعطلت مصالحنا وأشغالنا، وتُركت عوائلنا وأطفالنا في وضعٍ بائس، فأية ديمقراطية تَرضى لعوائلنا هذا الوضع المفجع ولأطفالنا البكاء، وضميرُ أيّ حاكم عادل يرضى بهذا؟.. أسأل هذا من محكمتكم ومن ضمائركم.
لذا فإنني أسأل باسم محكمتكم المحترمة وباسم الأمة التركية المجيدة وباسم مجلسه العادل الذي تعملون في ظله أن تصدروا قراركم بحرية نشر رسائل النور التي لا يمكن أبدا إنكار فوائدها ومنافعها الجمة وأن تصدروا قراركم أيضا ببراءتنا.
مصطفى عثمان
من صَفْرانْبُولُو
الموقوف في سجن أفيون