— 579 —
دفاع "أحمد فيضي"(٭)
إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
أيها الحكام المحترمون! أ ليس من حق المؤمن ومن واجبه الالتقاءُ بعالم ديني وقراءةُ كتبه المتعلقة بحقائق الدين واستنساخُ هذه الكتب والإسراعُ إلى نجدة إخوانه في الدين في سبيل خدمة دينه وقرآنه ورسوله (ص)؟ وهل هناك أية مادة قانونية تمنعنا من أداء هذه الخدمة الدينية؟ وهل يُعَدُّ ذنبا قيام بعض الجهات بنقد التيارات الكافرة والتيارات غير الأخلاقية؟ نحن طبقة متدينة من الشعب لا شائبة فيها ولا علاقة لها مع السياسة ولا مع إدارة الدولة.
إنّ حمل حُسنِ ظنٍ تجاهَ شخص ما وتقديره يُعدّ قناعة شخصية، ونحن نعتقد بأن "بديع الزمان" أكبر عالم ديني في زماننا هذا، ونراه رجل حق وحقيقة قام بإيضاح حقائق الدين دون أي نفاق أو تملق لأحد. أما إطلاقنا عليه صفة "المجاهد" فنابع من خدماته الدينية ودفاعه ضد التيارات الهدامة للإيمان وللإخفاق التي تهدد بلدنا مستندا في ذلك إلى الحقائق القرآنية الراسخة. وليس بمقدورِ أحدٍ أن يؤاخذنا على قناعاتنا الوجدانية. ونحن في بلد يسمح بحرية العقيدة، لذا فنحن غير مضطرين إلى إعطاء الحساب لأحد.
— 580 —
أما بخصوص موضوع الأشخاص الذين سيظهرون في آخر الزمان حسب ما ورد في الحديث النبوي فأقول:
إننا لم نخترع هذه المواضيع من عندنا، ذلك لأنها موجودة في الدين؛ فالرسول (ص) يقول في بعض أحاديثه بأن عمر الأمة المحمدية لن تزيد كثيرا عن الألف وخمسمائة سنة. [٭]: إشارة إلى الحديث النبوي (إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم). وهذه الأحاديث تصف كثيرا من الحوادث التاريخية المهمة في حياة الأمة المحمدية وفي حياة الدنيا بأسرها، وذلك تحت عنوان: "علامات القيامة". وهي تنبه الأمة المحمدية وتحذرها من شرورها، وتقول بأن الذين يقعون في هذه الشرور عن غفلة أو عن جهل سيقعون في الشقاوة وفي الهلاك الأبدي، وهناك أدلة دينية لا حدّ لها حول هذه الأمور. نحن أناس آمنا باللّٰه وبرسوله وبالقرآن. إذن فاستنادا إلى هذا الإيمان واستنادا إلى صدق الرسول (ص) أفلا نعمل على خلاص أنفسنا من الهلاك الأبدي؟ أفلا نبصر ما يجري حوالينا؟ ألا نشرح هذا استنادا إلى الحقائق الدينية ونتساءل: "هل جاء هذا الزمان الخطر؟ أنحن هذا الجيلُ المشرفُ على هذه المهالك والمخاطر؟ أنتجاهل البراهين الساطعة الموجودة أمامنا ونتجاهل الحقائق الثابتة والحقائق العلمية التي تُثبت لنا الوجود الإلهي ونترك ديننا وننساق وراء التيار الذي يَعد الإلحاد من أكبر أركان المدنية الأوروبية؟.. وإنْ فعلنا ذلك فمن ينقذنا من الهلاك الأبدي؟ أنتجاهل هذا ولا نفكر فيه؟ أيمكن لمن يعتقد بأنه لا يوجد شيء فوق القرآن وفوق الحقائق القرآنية أن يرمي بنفسه إلى الهلاك الأبدي خوفا من عقوبات فانية؟ وهل يمكن أن يهتم ببعض القيم الفانية؟ وهل يتخلى عن وظيفته في إيفاء الخدمة للّٰه ولرسوله ولدينه؟.. هذه هي في الحقيقة العواملُ الحقيقية التي تربطنا بی"بديع الزمان"، فهل هناك منبع ديني آخر نُزيل به عطشَ أرواحنا إلى حاجتها الأزلية؟".
يوصينا المدعي العام المحترم بقراءة الكتب العربية والعلمية التي تزخر بها المكتبات والتي لا تتماشى مع روح عصرنا الحالي. وقد لا يعجب المدعي العام المحترم -ومن يفكرون مثله- بالخزينة العلمية المتمثلة بمجموعة رسائل النور وبالحقائق العالية والسامية التي تحويها هذه الرسائل. قد لا تعجبه هذه الرسائل وقد ينتقدها. وهذا شيء راجع إليه وهو حُرٌّ في ذلك، ولكنه لا يستطيع التدخل في حُبنا أو تفضيلنا لهذا الكتاب أو ذاك، فنحن نحب رسائل النور
— 581 —
ونرى أنها كتاب دين حقيقي لا نفاق فيه وأنها تفسير للقرآن الكريم. إن مقاييس التفضيل والترجيح مسألة تقدير وجداني وقلبي لا يستطيع أحد أن يتدخل فيه.
أجل، إننا نعتقد بأن مؤلف رسائل النور يعطي درس الحقيقة نفسها، وأن إنكار المدعي العام لهذا وعدم قبوله لا يُضعف اعتقادنا هذا ولا يهزه، ونحن لا نتقبل رسائل النور من أجل كرامتها الكونية بل من أجل ظهور الكرامة العلمية الكاملة التي تتحدى الأوساط العلمية في دروس النور. ومع أن تحصيل مؤلفها العلمي لم يتجاوز ثلاثة أشهر. فإنه يفيض علما وينشر هذا العلم، وهو يستخدم في خوارق علمه وفي أكثر المسائل العلمية تعقيدا منطقا عاليا حيَّر أكبر المفكرين وأذهلهم، ويستخدم أسلوبا جذابا رائعا ومشوقا فياضا بالحرارة نابضا بالعشق وبالعواطف الجياشة وذلك بلغةٍ تَعلّمها بعد منتصف عمره، حتى لتبدو كتاباته وكأنها بحر إيمان وخزينة توحيد ومحيط حكمة، فهل تستطيعون أن تَدلّونا على بديع زمان ثانٍ؟
أنتم تستكثرون علينا أن نَعد تمثالَ الفضيلة هذا أستاذا لنا وهو الذي لم يلتفت إلى بريقِ جميع الظواهر الفانية ولم يسمح لنفسه التنیزلَ إلى أية منافع مهما كبرت ولا إلى الأمور التي تُلوث الإنسان مهما كانت نداءاتُ هذه الأمور قوية، ولم ينتظر أو يتوسل من أحد شيئا ولم يقبل ما عُرض عليه، وأعطى أفضلَ مثال للعفة وللنیزاهة، وصبر على جميع أنواع المكاره والمضايقات، ونذر نفسه لإظهار الحقيقة وإظهار الأنوار القرآنية والمعارف المحمدية.
أما أمام آلام البلد والأمة فقد كان قلبه الرحيم يبكي ألما وشفقة. وعلى الرغم من كل أنواع الغدر والإهانة التي تَعرّض لها فإنه لم يتخل عن إيفاء وظيفته لإسعاد مَنْ حواليه؛ فعلى الرغم من شيخوخته ومن بؤسه فإنه بذل جهودا مضنية وناضل بكل قوة في سبيل اللّٰه تعالى لإنقاذ الناس من غيابة الجهل ومن لجة الإلحاد. وفي هذا الوقت الذي ضاعت فيه المقاييس الأخلاقية فإننا نراه -بجانب كرامته العلمية المذكورة أعلاه- مثالا للتضحية والإيثار ومثالا للاستقامة وللنیزاهة وأنموذجا يحتذى للكمال ومحرابا للفضيلة. أَتَرون هذا إفراطا منا؟
إذن فإن هذه هي نظرتنا نحو "بديع الزمان" ونحو مؤلفاته، فهل ارتباطنا به الناشيءُ عن إيماننا، وهل اشتراكُنا مع آيات القرآن الكريم ومع الأحاديث النبوية الشريفة في تقبيح الكفر والانحدار الأخلاقي يجعلنا ملوثين بأوضار السياسة الفانية؟ وهل يمكن إطلاق صفة
— 582 —
الإفساد على أعمالِ إصلاحِ نفوسٍ بريئة لِقِسْم من أبناء هذا البلد الذين لم تتيسر لهم منذ خمسة وعشرين عاما تعلمُ حقائق الدين؟ وهل إنقاذهم من الهلاك الأبدي وإبلاغهم عن اللّٰه وعن رسوله (ص) وعن القرآن إفساد لهم؟
أيها الحكام المحترمون!
نحن لسنا أرباب السياسة أبدا، لأننا نرى أن السياسة تَحمِل آلاف البلايا والمخاطر والمسؤوليات لأمثالنا ممن هم خارج مسلك السياسة. ونحن أصلا لا نُعير أيّ اهتمام بالمظاهر الفانية، لأننا لا ننظر إلى الدنيا إلّا من وجهها الخيّر المؤدي إلى رضى اللّٰه، لذا فإننا نعترض بشدة على اتهامنا بالجري وراء السياسة ومعارضة الدولة. ولو كان هذا هو قصدنا وهدفنا إذن لكانت هناك أقل ظاهرة وعلامة على هذا في ظرف هذه السنوات البالغة خمسا وعشرين سنة. أجل، نحن نحمل صفة معارضة، ولكنها معارضة ضد السقوط الأخلاقي وضد الإلحاد، وهذه المعارضة ناشئة عن اشتراكنا -بالضرورة- مع القرآن الكريم في شدة توبيخه وصرامة بيانه في هذه المواضيع. فإذا لم يكن بياننا للأسباب الموجبة التي شرحناها والنابعة عن الإخلاص وعن النية الصافية وعن الحقيقة كافيا لإقناعكم فأصدروا أيّ عقاب ترغبون فيه بحقنا، ولكن لا تنسوا أبدا أن سيدنا عيسى عليه السلام الذي ينتسب إليه الآن ستمائة مليون نصراني قد حُكم عليه من قِبَل رجال الحُكم في ذلك العهد بالإعدام كأي لص عادي مع أن قلبه كان يخفق لسعادة الإنسانية ولتبليغ الأمانة الملقاة على عاتقه.
إن كلامنا الحر هذا يدفعكم لإصدار عقوبة ضدنا ولكننا سنستقبل هذه العقوبةَ وهذا الحُكمَ بكل فخر، وكل ما سنفعله هو أن نرفع يد الضراعة إلى قاضي الحاجات هاتفين:
﴿ حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ﴾
أحمد فيضي قول
من ناحية أُورْتَاقْلَارْ
الموقوف في سجن أفيون