الشعاعات العربية
— 577 —

دفاع "محمد فيضي"(٭)

إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
لقد عدَّ المدعي العام كوني سكرتيرا لأستاذي "سعيد النورسي" ومتعلقا تعلقا شديدا به وبرسائل النور وقيامي بخدمة كبيرة في هذا المجال.. لقد عدّ ذلك تهمة تستوجب مساءلتي. وأنا أقول إزاء هذا بأنني أَقبل هذه التهمة بكل ما أوتيت من قوة وأنني أفتخر بها، ذلك لأنني فُطرتُ على حب العلم والشوق إليه. والدليلُ على ذلك أنه عندما قاموا بتفتيش منیزلي في حادثة "دنيزلي" وجدوا فيه خمسمائة وثمانين من الكتب العلمية والعربية وسجلوها رسميا، ومع أنني شخص فقير وفي مقتبل العمر ومعرفتي باللغة العربية لا تزال ناقصة، فإن عشقي للعلم ورغبتي الشديدة في التعلم هي التي دفعتني إلى اقتناء هذه الكتب المتنوعة التي لا توجد عند واحد بالألف من الناس.
فطرتي العلميةُ هذه كانت تدفعني للبحث عن أستاذ وعن مرشد حقيقي وحمدا للّٰه حمدا لانهاية له، إذ دلني على بُغيَتي عن قرب، فيما كنت أحسبه بعيدا. أجل إن حياة أستاذي "سعيد النورسي" تشهد أنَّ غايته الوحيدة هي الشوق العلمي واستحصال العلوم الإسلامية. وقد تأكدتُ من مشاهدتي ومن قراءتي لتاريخ حياته -وهو كتاب مطبوع- ومن المعلومات التي استقيتها من طلابه القدماء أن رغبتي الفطرية في العلم موجودة لدى أستاذي بشكل خارق للعادة إلى درجة أنه ما زال يحتفظ بصفة طالب العلم -خلافا لجميع العلماء المتخرجين من المدارس الإسلامية القديمة- مما جعله قادرا على تحمل جميع البلايا والمصائب. ولأن أهل السياسة لم يفهموا الأحوال العجيبة لأستاذي؛ فقد سعوا لربط هذه الأحوال بنوع من السياسة التي لا علاقة له بها، حتى إنهم ألقوه في غياهب السجون. ولكن اللّٰه تعالى جعل هذا العشق العلمي الموجود لديه مفتاحا للحقائق القرآنية، فظهرتْ رسائلُ النور التي أذهلت جميع العلماء والفلاسفة. في هذه الأثناء وجدتُ أستاذي في مدينة "قسطموني" بجانبي، أنا الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي بما فُطرتُ عليه من حب العلم، وأنا أَعدُّ هذا إحسانا إلهيا سأظل أشكر اللّٰه تعالى عليه حتى آخر عمري.
— 578 —
ولكي يحتفظ أستاذي بعزة العلم ومكانته فإنه لا يَقبل -ولم يكن يقبل في السابق أيضا- الصدقاتِ والهدايا وما شابههما، ويمنع طلابه من ذلك أيضا. ولم يُحنِ رأسه لأحد. ومن أوضاعه غير الاعتيادية أنه لم يرض في الحرب وهو في الخط الأمامي من جبهة القتال الدخولَ إلى الخندق حفاظا على العزة العلمية، وأنه وقف أمام ثلاثة من القواد المرعبين [٭]: المقصود: القائد خورشيد باشا في المحكمة، والقائد الروسي نيقولا نيقولافيج، ومصطفى كمال. موقف الأستاذ المحافظ على عزته العلمية دون أن يبالي بغضبهم، بل أسكتهم. ولما كنت أعلم أن أستاذي هذا حافظ على شرف هذه الأمة وهذا الوطنِ وعلى شرف علماء الأمة التركية وضحى في سبيل ذلك بكل شيء فقد قبلته أستاذا حقيقيا لي، ولو افترضنا فرضا محالا وقلنا إن له مائة نقيصة، لكان علينا أن ننظر نظرة التسامح إليها، وألا نعترض عليه.
ولقد قدّره الوطنيون -باسم الوطن وباسم الأمة- في عهد المشروطية وكذلك الحال في العهد الجمهوري. ومثال تقديرهم لخدمات الأستاذ الجليلة للعلم هو: قيام حكومةِ الاتحاد والترقي بتخصيص تسعة عشر ألف ليرة ذهبية لمدرسة أستاذي "مدرسة الزهراء" في مدينة "وان" والتي أرادها أن تكون نظيرة "الأزهر"، ومع أن أساسها أُرسي إلّا أنّ بدء الحرب العالمية الأولى أدى إلى تأجيل بنائها، وقبل أربع وعشرين سنة قامت الحكومة الجمهورية -بعد موافقةِ وتأييدِ مائة وستين نائبا- بتخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لبناء دار فنون الأستاذ (مدرسة الزهراء). وقيامُ هذا الأستاذ الكريم وحده بمحاولة إنشاء جامعة كجامعة الأزهر التي تعاون في إنشائها آلاف العلماء، واقترابُه جدّا من تحقيق هذا الهدف يحتم على جميع الوطنيين وعلى جميع محبي الأمة مع جميع علماء الدين تقدير هذا الأستاذ والثناء عليه، ولأننا قد ظفرنا بمثل هذا الأستاذ، فنحن مستعدون لتحمل جميع المشاق والمصاعب.
إنني أكنّ لعلّامة الزمان هذا أخلصَ آيات التقدير والاحترام لأنه استطاع بفيوضاته العلمية وبحقائق آثاره السامية التي تناهز المائة والثلاثين كتابا مساعدتي في المضي في طريق العلم والإيمان وسأظل أحمل له هذا التقدير إلى الأبد إن شاء اللّٰه.
ومع أن التحريات استمرت لمدة أشهر لإثبات التهمة الموجهة إليّ من قبل الادعاء العام حول "استغلال الدين والمشاعر الدينية لغرض إنشاء جمعية سرية مخلة بأمن الدولة" إلّا أن هذه التحقيقات لم تسفر عن شيء، ذلك لأن مثل هذه الجمعية لاوجود لها، ولا توجد
— 579 —
لنا أية علاقة بأية جمعية. إن علاقتنا الوحيدة هي مع رسائل النور التي دخلت في امتحان صعب في مواجهة قوانين الحكومة الجمهورية، ولكنها حصلت على البراءة من قبل المحاكم ذات الصلاحية، وعلى الاحترام والتوقير من قبل الهيئات المتخصصة، وهذه العلاقة لا تعدّ خيانة للوطن وللأمة بل هي علاقة علمية نافعة للوطن وللأُمة. ولا يوجد أي هدف وأية نيَّة أخرى خارج هذا، وبناءً على ذلك ولكون موضوع براءتنا وإخلاصنا ظاهرا تماما فإننا نطالب محكمتكم العادلة السامية بإصدار قرار براءتنا مثلما فعلت محكمة "دنيزلي" فتَحقق بذلك تجلي العدالةِ.
محمد فيضي باموقجي
الموقوف في سجن أفيون
من قسطموني