الشعاعات العربية
— 569 —

دفاع "مصطفى صونغور"(٭)

إلى محكمة للجنايات الكبرى:
طلب مقام الادعاء إيقاع العقوبة بي أيضا بتهمة انتسابي لجمعية النوريين وقيامي بتحريض الشعب ضد الحكومة.
أولا: لا توجد جمعية باسم جمعية النوريين، ولست منتسبا لأية جمعية من هذا القبيل. إنني منتسب إلى جمعية الإسلام المقدسة والعظيمة.. الجمعية الإلهية والنورانية التي تبشر الإنسانية جمعاء بالسعادة الأبدية وبالسلامة الأبدية والتي وضعها منذ أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة فخرُ الكائنات محمد (ص) والتي لها ثلاثمائة وخمسين مليون منتسب في كل عصر. وقد عقدتُ العزم -بحمد اللّٰه- بكل قوتي على إطاعة أوامره المقدسة.
أما رسائل النور التي اعتبر المدعي تتلمذي عليها ذنبا وجُرما، فقد علّمتني وظائفي الدينيةَ والإيمانية، وعلمتني أن الإسلام أسمى وأقدسُ دينٍ وأنه السبيل الوحيد لسعادة البشرية، وعلمتني أن القرآن هو الأمر الإلهي النازل من رب العالمين سبحانه وتعالى، الحاضرِ الناظر في كل مكان، وأن الوجود بأجمعه بدءًا من الذرات وانتهاءً بالنجوم وبالشموس هو تحت قدرته وتحت إدارته الأزلية، وعلمتني أن القرآن معجزة إلهية يحيط نظره بكل الحوادث منذ الأزل إلى الأبد، وأنه أسمى من جميع الكتب، وكتاب معجز من أربعين وجها، وكلام أزلي يبشر البشرية جمعاء بالسعادة الأبدية فيجعل المشتاقين إليه يشعرون بعظم المنة عليهم. وأن الرسول (ص) المرسَل من قِبَل رب العالمين كان بكل أحواله أكملَ الناس جميعا وأصدقَهم وأسماهم في نواحي الكمال، وأنه قدم للناس جميعا -بنور الإسلام- أكبر بُشرى وأقدسَ سلوان، وأنه أدار بسلطنته المعنوية خُمس نوع البشر منذ أربعة عشر قرنا، ويُكتَب في دفتر حسناته جميعُ ما كسبتْه أمته من حسناتٍ منذ ألف وثلاثمائة ونيف من السنين، وأنه سببُ خلق الكائنات، وأنه حبيب اللّٰه. وعلمتني أن الآخرة والجنة وجهنم حق وحقيقة، وذلك ببراهينَ وحجج باهرة مستقاة من القرآن المعجز.
— 570 —
أما رسائل النور فإنها بكلماتها وجملها تشهد أنها فيض من نور القرآن الكريم ونور محمد (ص). وذلك بانتسابها للقرآن الكريم وكونِها تفسيرا خاصا له، وبهذا الاعتبار فهي سماوية وعرشية.
وهكذا فإن رسائل النور -المتهمة بأنها تحرّض الناس ضد الحكومة- بكل أجزائها كی"الكلمات" و"المكتوبات" و"اللمعات" و"الشعاعات" إنما تعطي دروسا حول الحقائق الإلهية وحول الدساتير الإسلامية وحول الأسرار القرآنية. فكيف إذن يُعدّ جُرما أو ذنبا قراءةُ رسائل النور وهي مؤلفاتٌ تعد في الذروة من ناحيةِ تدريسها وتلقينها للأخلاق الفاضلة والحقائق الإيمانية؟ وهل يعد جُرما أو ذنبا القيامُ باستنساخ هذه الرسائل التي تهدي إلينا السعادة الأبدية أو جَعْلُ أخ مؤمن يستفيد منها من الناحية الإيمانية؟ أيعد هذا تحريضا للناس ضد الحكومة؟ وهل زيارة مؤلِّف مثل هذه الرسائل المباركة الذي بلغ الذروة في الإيمان وفي الأخلاق وفي الفضيلة، أو تكوينُ أخوّة في سبيل القرآن الكريم مع طلاب النور المجهّزين بالإيمان الراسخ وبالعقيدة التي لا تتزعزع والذين أخذوا على أنفسهم حفظَ شرف الإسلام وحقائقِ القرآن في هذا العصر والذين لا هدف لهم سوى اكتساب رضى اللّٰه.. أيُعدّ هذا تشكيلَ جمعية؟ أيّ ضمير نقي وأي ضمير عادل يستطيع إصدار عقوبة على هذا؟
أيها الحكام المحترمون!
إن رسائل النور بجميع أجزائها اعتبارا من "الكلمات" و"اللمعات" وانتهاءً بی"الشعاعات" التي أقر بها كبار العلماء والتي تَهَب مرتبة إيمانية عالية وشوقا إسلاميا كبيرا لمن يقرؤها ليست إلا تفسيرا نورانيا للقرآن ذي البيان المعجز، وكل جزء من أجزائها شمس تزيل الأمراض المعنوية وتبدد الظلمات المعنوية. أما أستاذنا مؤلفُ رسائل النور فقد أمضى حياته كلها في سبيل الإيمان وفي سبيل القرآن وتحمَّلَ في هذا السبيل جميعَ أنواع الأذى والمصاعب، وحاول بنشره هذه الحقائق القرآنية في هذا العصر إنقاذَ أبناء هذا الوطن المبارك من الهجوم الشرس للشيوعية ولكل أنواع الإلحاد، وأن الصفحة البيضاء لحياته الخالية من أي نقص تشهد بأنه موظف ومؤهل للقيام حاليا بهذه المهمة المقدسة. فهو -حاشاه- لم يلقّنّا دروسا غير أخلاقية، ولا دروسا في فن التخريب، بل لقننا دروسا في إنقاذ الإيمان. وهذا ربما يشكل أكبر
— 571 —
غاية وأهم هدف للبشرية على سطح الأرض. إن قيامه منذ ما يقرب من خمس وعشرين سنة بمحاولة إنقاذ إيمانِ مئاتِ الآلاف من الناس برسائل النور، ولاسيما من أمثالي من المساكين الذين لم نكن نعرف شيئا عن الإسلام، وإعطاءنا دروسا في الإيمان الذي هو السعادة القصوى والغاية من الحياة يعد دون شك فضلا إلهيا. ونحن نقول للذين يَقلبون الحقائق فينكرون قيامه بهذه الخدمة المقدسة ويرونه خطرا على الحياة الاجتماعية:
إنْ كان ذنبا وجُرما قيامُه بإنقاذ الناس من آفات رهيبة كالتردي الأخلاقي والإلحاد وعدم الإيمان، وإرشادُ الناس إلى الإيمان وإلى السير في الطريق الذي رسمه اللّٰه تعالى، والدعوة إلى إطاعة أوامر الدين وإسعاد الناس بالسعادة الدائمية للإسلام.. إن كان هذا ذنبا وجُرما فأنتم تستطيعون آنذاك القولَ بأنه ضار للحياة الاجتماعية. وإلّا فإن هذا الادعاء أكبر فرية وهو جريمة لا تغتفر.
إن رسائل النور لا تستهدف الدنيا، بل تستهدف السعادة الأخروية الدائمة وتستهدف نيل رضى اللّٰه الباقي الأزلي الرحيم ذي الجلال الذي لا يشكل الحسنُ والجمال في الدنيا إلا ظِلا خافتا لجماله ولا تشكّل لطائفُ الجنة جميعا إلا لمعةً من محبته سبحانه. فما دام مثلُ هذا الهدف الإلهي المقدس ومثل هذا الهدف السامي موجودا، فإنني أبرئ رسائل النور وأنزهها ألف مرة من الوقوع في أمور سفلية ومحرمة تؤدي إلى نتيجة كتحريض الناس ضد الحكومة. ونحن نلوذ بحمى اللّٰه تعالى من شرور هؤلاء الذين لا يريدون منا أن نتعلم أمور ديننا ولا أن نخدم إيماننا، فيفترون علينا مثل هذه الافتراءات لكي يقضوا علينا.
أيها الحكام المحترمون!
لا يمكن أبدا إطفاء نور رسائل النور. وأكبر دليل على هذا هو أنه رغم المحاولات التي جرت منذ خمس وعشرين سنة للقضاء عليها، فإنها -على العكس من ذلك- انتشرت وسطعت أكثر، ذلك لأن صاحبها ومولاها هو اللّٰه ذو الجلال الذي بيده مقاليد كل شيء منذ الأزل إلى الأبد، ولأن حقائقها هي الحقائق القرآنية التي تَكفل اللّٰه تعالى بحفظها والعنايةِ بها. وستَبقى أنوارُها تتشعشع على الدوام إن شاء اللّٰه.
— 572 —
أيها الحكام المحترمون!
إنْ كان جُرما قراءة رسائل النور واستنساخها التي تُعلّمنا الإيمانَ والإسلام بكل شوق وبكل حُب، والتي لا هدف لها سوى مرضاة اللّٰه تعالى والتي هي تفسير نوراني للقرآن المعجز البيان في هذا العصر، وإن كان إعطاء هذه الرسائل -المشتملة على الحقائق الإيمانية- إلى إخوة مؤمنين جُرما، وإن كانت الرابطة الدينية والأخوّة الإسلامية التي تجمع المؤمنين في سبيل مرضاة اللّٰه وفي طريق القرآن والإيمان والتي تعد من الأوامر القدسية للدين.. إن كانت هذه الرابطة في نظركم تعتبر تشكيل جمعية، فإن من دواعي سعادتي أن أكون منتسبا لمثل هذه الجمعية، وهي سعادة أكبر من جميع المكافآت ومن جميع الأوسمة، وإنني أحمد اللّٰه تعالى حمدا لا حدّ له لِمَا مَنّ على مسكين مثلي بفضله وبلطفه هذه السعادة الكبيرة عندما جعلني طالبا من طلبة رسائل النور. وليس لي في الختام سوى القول:
﴿ حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ﴾
﴿ حسبي اللّٰه لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾
المعلم
مصطفى صونغور
لائحة دفاع "مصطفى صونغور" في محكمة التمييز
١- لقد عدّت محكمة الجنايات الكبرى قيامي بقراءة رسائل النور واستنساخها وإعطاءها إلى أحد الإخوة المؤمنين المحتاجين ليستفيد منها، ذنبا وجرما لأنني قمت -حسب الادعاء- بتحريض الشعب ضد الحكومة. علما بأنني سبق وأن قلتُ في دفاعي جوابا على هذا الاتهام:
إن رسائل النور التي تعدونها تحرّض الناس ضد الحكومة ليست في الواقع إلا تفسيرا حقيقيا للقرآن الكريم، فهي -بكل أجزائها- تعطي دروسا في الحقائق الإيمانية، وتَهَبُ لكل من يقرؤها أو يستنسخها سعادة كبرى. ولم يكن من هدفها أبدا أمور دنيوية سافلة وفانية
— 573 —
كتحريض الناس ضد الحكومة والتي هي من أعمال أصحاب الفتن وأعمال الساقطين، بل هدفها هو نيل رضى اللّٰه وهو أسمى مرتبة للسعادة والحبور. وإنني أفتخر لكوني خادما عاجزا وطالبا من طلاب رسائل النور التي أكسبتني عند قراءتها واستنساخها أحلى نعمة وأكبر فضيلة وهي نعمة الإيمان وفضيلته. ومع أنني ذكرت أن تتلمذي على رسائل النور يعد أكبر فضل إلهي، وأنني أحمد اللّٰه تعالى وأشكره شكرا دائما إذ أحسن بي هذه النعمة التي أسبغها على شخص فقير ومسكين مثلي، ومع ذلك فقد تم إصدار حكم بعقوبتي لأنهم عدّوا ارتباطي بالإيمان وبالإسلام جُرما دون أن يستندوا إلى أي قانون وإلى أي دليل، فخالَفوا الحق والحقيقة مخالفة تامة وصريحة.
٢- إنني أشهد أنه عندما كنت أدرُس في معهد "كول كوي" في "قسطموني" فإن بعض المعلمين كانوا يلقنوننا دروسا إلحادية ويقولون لنا: إن محمدا (ص) -حاشاه- هو الذي كتب القرآن الكريم، وأن الإسلام في حكم المَلْغيّ، وأن المدنية تسير في طريق التقدم، لذا فإن من الخطأ الكبير ومن الرجعية اتباع القرآن الكريم، حتى إن أحد المعلمين قال لنا في أحد الأيام:
"إن المسلمين يقضون حياتهم في ألم وفي عذاب دائم لأنهم يصلون ويذكرون الآخرة. وأن جوا من الكآبة يسود جوامع الإسلام على الدوام، بينما يقضي النصارى حياتهم في نشوة دائمة وفي جو من الموسيقى واللهو".
لقد كانوا يحاولون أن يقطعوا كل ما يربط بين قلوبنا وبين الإيمان والإسلام من روابط، وأن يُحِلّوا فيها بدلا منهما الكفر والإلحاد. وهكذا فبينما كنت محقونا بمثل هذه الأفكار المسمومة ومعرَّضا لاغتيال إيماني بهذه الدروس الإلحادية الضارة إلى درجة أنني انسقتُ في تيار هذه الأفكار وبدأت أنشرها حوالي والعياذ باللّٰه، إذا بي أقرأ بعض رسائل النور التي تَستمد نورَها من القرآن الكريم والتي تَعرِض حقائقَ الإيمان وحقائق الإسلام ببراهين ساطعة وأدلة خارقة، وتبرهن على أن الدين الإسلامي كان دائما وسيلةً لسعادة الإنسان ولسلامته، وأنه شمس معنوية لن تنطفئ ولا يمكن إطفاء نورها، وإذا بهذه الرسائل تطرد كل الأفكار المسمومة وتنشر في قلبي الإيمانَ، وفي ظل هذا الفرح الغامر والسعادة اللانهائية
عرضتُ حالي على الأستاذ "بديع الزمان" مؤلفِ هذه الرسائل والشخصِ المشفق الوفي والرائد الحقيقي
— 574 —
وكيف أنني نجوت من حياة الغفلة والضلالة ورسوت على شاطئ الإيمان والنور، وكيف أن رسائل النور التي تُكسبنا الإيمان الحقيقي تُعَدّ شمسَ الهداية لجميع الناس في هذا العصر ووسيلة سعادة لهم. وأنه بقيامه بتأليف هذه الرسائل ووضعِ نفسه في مثل هذه المهمة المقدسة إنما يقوم بخدمة إيمانية عظمى، وأنه بذلك يُعدّ نعمة إلهية كبيرة للبشرية جمعاء ولاسيما لأهل الإيمان، وأعلنت له عن أسفي الشديد وعن ألمي البالغ وعن نفوري الشديد لما تقدم به بعض العصابات الخفية من أتباع "الدجال السفياني" من اعتداءات شنيعة على القرآن وعلى الإسلام وكيف أنهم -كما ذكرت آنفا- يزيّنون الإلحاد لأبناء هذه الأمة الإسلامية البطلة ويحاولون هدم الأسس الإسلامية الإلهية المقدسة التي ترتبط بها الملايين من الناس، ويسعون إلى هدم سعادتهم الأبدية. وأبديت له أسفي البالغ ونفوري الشديد من هؤلاء المجانين الذين يصفقون لهؤلاء المفسدين ويهللون لتخريباتهم الظالمة والدنيئة. وخاطبت أصدقائي في الدراسة الذين دَاخَلَهم الشك قائلا:
هلموا لنتخلص من أهواء النفس هذه، ولنركع أمام حقائق القرآن، ولنُسرع إلى مدرسة النور المرشدة في هذا العصر إلى طريق السعادة، ولنترك أكاذيب هؤلاء السفهاء الكذابين.. هذه الأكاذيب التي سمعناها أشهرا وسنين وصفقنا لها والتي قدموها لنا وكأنها هي الحقيقة نفسها، ولنجعل "بديع الزمان سعيد النورسي" أستاذا لنا ونتمسك بدروسه بكل قلوبنا لكي نخرج من الظلمات إلى النور.. أليس هذا الخطاب نابعا من الفرحة التي استمدها من إيمانه ومن حب القرآن والإسلام والتمسك والاعتصام بهما ومن الحب الكبير الذي يُكنّه لأمته ومن الرغبة في أن يكتسب كل شخص إيمانا حقيقيا لكي ينال السعادة اللانهائية؟.
فهل الانتساب إلى اللّٰه والنظر إلى الإسلام كأسمى دين وكمنبع للفضيلة وبشارة للسعادة وإعلانُ ذلك يُعدّ جُرما؟
في هذا الزمان بدأ هجوم هدَّام ومدمر على الإسلام وعلى القرآن من جميع الجهات وبدأت الافتراءات تُكال للقرآن وللنبي محمد (ص) ومحاولة النيل من تلك الذات السامية الرفيعة، في حينِ تُسمح بالكتب التي تنفث سموم الإلحاد والانسلاخ من الدين والأخلاق، وتُكال المدح والثناء لشُقاة من أعداء للإسلام تافهين عصاةٍ للّٰه وتُذْكَر أعمالهم غيرُ المشروعة المبتدعةُ بالإعجاب والتقدير، وتُهمَل سمو القرآن وعلوه ورفعةُ شأن الرسول الكريم (ص) وأحقيتُهما، علما أن رسائل النور تبين وجود اللّٰه تعالى وتبين أن موجوداتِ هذا الكون بأجمعها
— 575 —
تشهد على وحدانية خالقها، وأنه واجب الوجود، وأن الإنسان بما جهزه اللّٰه من عقل وفكر أفضلُ مرآةٍ لأسماء اللّٰه الحسنى، لذا يُعدّ سلطانا على سائر المخلوقات، ولو انتسب الإنسان إلى اللّٰه وصان نفسه من الضلالة ومن السفاهة ومن كبائر الآثام لاستحق مرتبةَ ضيفٍ كريم في أعلى عليين وتنعّم بنعيم الجنة الخالدة الأبدية، أما إن كَفَر بخالقه ووقع في الضلالة وفي الغفلة وأشرك به وعصاه فإنه يكون أضل من الحيوان ويستحق مرتبة أسفل سافلين في عذاب خالد في جهنم، وأن القرآن كلام اللّٰه الذي لا تتغير أحكامه ولا تتبدل أوامره، وأن الإسلام يأخذ بأيدينا إلى أفضل مدنية، وأن السعادة الحقيقية والدائمة لا يمكن أن تتحقق للبشرية إلّا باتباع أوامر القرآن والانتساب إليه.. هذه هي الأمور التي أوضحتْها رسائلُ النور وبرهنتْ عليها بشكل قاطع، ومن هنا تَستمِد رسائلُ النور مكانتَها السامية لأنها تقتبِس من معجزات القرآن ومن النور الإلهي.. فهل الإيمان بهذا ونشرُه والإعلانُ عنه يُعدّ جُرما؟
والغريب أن قراءة الروايات والأساطير التي تُكتب لإلهاب الشهوات الفانية غير المشروعة ونشرَ الكتب التي تضر بسلامة الأمة وسلامة الوطن، والتي تهاجم الإسلام، ومن ثم مدح هذه الكتب وتقريظها والثناء عليها.. كل هذا مسموح به ولا يعد ذنبا، ولكن قيامنا بقراءةِ واستنساخ رسائل النور التي تُعرِّفنا بشمس الإسلام -التي اهتدت بها مئاتُ الملايين من الناس ووجدتْ فيها السعادةَ الحقيقية- وتدعو إليها وتُعرّفنا بها وتبشر بالحقائق الإيمانية، ومدح هذه الرسائل والثناء عليها -مع أننا عاجزون عن إيفاء حقها من الثناء- يعدّ ذنبا وجُرما. فهل هناك إنسان يحمل في قلبه ذرة من الإيمان وذرة من الحرص على سلامة هذا البلد وهذه الأمةِ يستطيع أن يعد هذا ذنبا؟!
حكام الجزاء المحترمون!
إن هذه الدعوى المعروضة على مقامكم الرفيع هي في الحقيقة دعوى الإيمان والقرآن، ودعوى السعادة الأبدية والخلاص لملايين الناس. إن جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وعلى رأسهم رسولنا الأكرم (ص) وجميع الأولياء وأهل الحقيقة وجميع أجدادنا المؤمنين الذين رحلوا إلى الدار الآخرة لهم علاقة من الناحية المعنوية بهذه الدعوى العظيمة. وأنتم اليوم تملكون في أيديكم فرصةَ اكتسابِ محبةِ أولئك الملايين من أهل الحقيقة ودعاءِهم وشفاعتهم. وأن
— 576 —
الحقيقة السامية المسماة برسائل النور أمامكم. فهل المراتب والمقامات الدنيوية الفانية والسفلية هي غايتها؟ أم إن غايتها هي نيل رضى اللّٰه تعالى الذي هو السعادة العظمى والفرحة الكبرى والهناء التي ما بعدها هناء؟ أَوَ تحفز كلماتها الإنسان إلى الأخلاق الرديئة والهابطة أم تجهزهم بالإيمان وتجملّهم بالفضيلة وبالأخلاق السامية؟ أنتم تجدون رسائل النور أمامكم وهى منبثقة من الإعجاز المعنوي للقرآن المبين الذي هو نور إلهي. فما دام اكتسابُ الإيمان، والانتقال بهذا الإيمان في الدنيا إلى سعادة الدار الآخرة أهمّ غاية للإنسان، ومادامت رسائل النور تقدم -بفيض من القرآن- الحقائقَ الإيمانية وتقرّب مئاتِ الآلاف من قرائها ومستنسخيها إلى هذا الهدف، فلا مناص أمام عدالتكم السامية وحُبكم للحقيقة إلّا فهمُ الوجه القرآني، والوجهِ الحقيقي لرسائل النور وتقديرُ قيمتها الحقيقية، ومعرفةُ أن طلاب النور لا يَسْعون إلا لنيل رضى اللّٰه تعالى وأنه لا هدف لهم سواه.
حكام الجزاء المحترمون!
إن أستاذنا العزيز "بديع الزمان" الذي ارتقى إلى أعلى مرتبة للفضيلة وللأخلاق الكريمة يحاول بكل ما يملك من شفقة ورحمة وحنان إنقاذ الإنسان من الظلام الفكري الدامس ومن السجن الأبدي، وهو الذي تَحمّل جميعَ صنوف الألم والعذاب في سبيل المهمة الملقاة على عاتقه لنشر الحقائق القرآنية.. أستاذُنا هذا يُرمَى في السجون دون وجه حق وخلافا للعدالة مع كونه مريضا وشيخا كبيرا ووحيدا دون أهل، مع أن غايته تنحصر فقط في إنقاذ إيمان الناس بما يملكه من علم كبير وذكاء خارق وإيمان رفيع وعبودية كبيرة. وأن قلب الإنسان لَيتفطر ألما مما قاساه هذا الشيخ المبارك المحب لخير الإنسانية في سجن "أفيون" من البرد القارس ومن الآلام الكبيرة والمضايقات العديدة مع أنه في الخامسة والسبعين من العمر، لذا فإننا ننتظر من عدالتكم السامية المرتبطة بالحقائق ومن حُبكم وتعلقكم بحب الإنسانية تجليَ الشفقة والرحمة للعدالة.
مصطفى صونغور