الشعاعات العربية
— 426 —

تتمة ومرفق للدفاع المقدَّم إلى ستة مراجع في "أنقرة"

وإلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى
أقول وأصرح لمحكمة "أفيون" بأن تحمّلي وصبري قد نفدا، وأنه يجب وضع حدّ لهذا الأمر. فنحن منفيون منذ اثنتين وعشرين سنة دون أي سبب، وتحت الترصد الدائم وكأن حبسي المنفرد وعزلي المطلق عن العالم لا يكفي، فقد قدموني للمحاكم ست مرات وأدخلوني السجن ثلاث مرات دون أي مبرر قانوني (سوى مسألتين أو ثلاث) بل جراء أوهام وتوقع احتمالات، لأنهم لم يجدوا في مائة رسالة من رسائل النور أيّ مأخذ قانونيّ ضدنا وعاقبوا طلاب النور بغرامات مالية بلغت مئات الآلاف من الليرات، وهذا ظلم وغدر لا مثيل له، وستلعن الأجيالُ القادمة بكل شدة مسببي هذا الظلم والقائمين به، أما يوم المحكمة الكبرى فإننا نؤمن الإيمانَ كله بأن هؤلاء الظالمين سيُرمَون إلى جهنم وفي أسفل سافلين، وهذا ما جَعَلَنا نجد بعض التسرية، وإلّا فإنه كان في مقدورنا أن ندافع بكل قوة عن حقوقنا.
وهكذا ففي خمس عشرة سنة دخلنا ست محاكم، وتم تدقيق رسائل النور ومكاتيبنا مدة عشرين سنة، وكانت النتيجة أننا بُرِّئنا من قِبَل خمس محاكم تبرئة كاملة، أما محكمة "أسكي شهر" فلم تَجد ما يُوجب الإدانة إلّا بضع جمل في رسالة صغيرة هي رسالة "الحجاب" واتخذتْها عذرا، واستندت إلى مادة قانونية مطاطة، وأصدرت حكما بعقوبة بسيطة ضدنا، ولكننا كتبنا في "اللائحة التصحيحية" التي قدمناها رسميا إلى "أنقرة" بعد محكمة التمييز وأشرنا إلى أمر واحد فقط كأنموذج على عدم قانونية الحكم، وقلنا:
"إن آية الحجاب التي توضِّح عادة من العادات الإسلامية القوية الواردة في الدستور المقدس لدى ثلاثمائة وخمسين مليونا منذ ألف وثلاثمائة وخمسين عاما.. هذه الآية الكريمة تعرّضت لاعتراض أحد الزنادقة، ولانتقاد المدنية؛ لذا قمت بتفسيرها والدفاع عنها متبِعا إجماعَ ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير مقتديا في ذلك نهج أجدادنا طوال ألف وثلاثمائة وخمسين عاما. فإذا كانت هناك عدالة في الدنيا فيجب إصدار حكم بنقض العقوبة الصادرة والحكم
— 427 —
الصادر بحق رجل قام بمثل هذا التفسير، لكي تُمسح هذه اللطخة العجيبة عن جبين جهاز العدالة في هذه الحكومة الإسلامية". وعندما قدمتُ هذه اللائحة التصحيحية التي كتبتُها إلى المدعي العام هناك أُصيب بالذعر وقال:
"أرجوك! لا ضرورة لكل هذا، فعقوبتك خفيفة، والفترة الباقية قليلة جدّا فلا حاجة لتقديم هذه اللائحة".
ولاشك أنكم على علم بأنني أدرجتُ نماذج أخرى عجيبة من الاتهامات ضمن الاعتراضات والدفاعات التي أرسلتُها إليكم وإلى المراجع الرسمية في "أنقرة" على غرار هذا الأنموذج، لذا فإني أطلب من محكمة "أفيون" وآمل منها باسم العدالة إعطاءَ الحرية الكاملة لرسائل النور التي لها بركة وخدمة تُعادِل خدمة جيش بأكمله في سبيل مصلحة هذه الأمة وهذا الوطن. وبذهاب أصدقائي الذين دخلو السجن بسببي فقد خطر على قلبي فكر يسوقني لاقتراف ذنب يستحق أكبر عقوبة لكي أودع هذه الحياة. وهو ما يلي:
بينما كان من المفروض أن تقوم الحكومة بحمايتي وبمد يد العون والمساعدة لي، لوجود مصلحة كبيرة للأمة أو منفعة كبيرة للوطن في هذا الأمر، فإن قيامها بالتضييق عليَّ يشير إلى أن عصابة الإلحاد الخفيةَ التي تحاربني منذ أربعين سنة، والبعض من أفراد عصابة الشيوعيين التي التحقت بها الآن، استطاعوا احتلال أماكن مهمة في المراكز الرسمية، وهؤلاء هم الذين يقودون الحملة ضدي. أما الحكومة فهي إما تجهل هذا الأمر أو إنها تسمح بذلك عن علم، وهناك أمارات عديدة مقلقة حول هذا الأمر.
السيد رئيس المحكمة!
لو سمحتم فإنني أود أن أطرح سؤالا يحيرني كثيرا..
لماذا يقوم أهل السياسة بتجريدي من جميع حقوقي المدنية ومن حقوقي في الحرية بل ربما من حقوقي في الحياة مع أنني لم أشترك في السياسة ولم أدخل معتركها؟ لقد عاملوني وكأنني سفّاح خضب يديه بدماء مئات الضحايا، فوضعوني في حبس منفرد ومنعزل ثلاثة أشهر ونصف، وحاولوا أثناءها التعرض لحياتي وأقدموا على تسميمي إحدى عشرة مرة. وعندما أراد أصدقائي الحريصون وتلاميذي الصادقون حمايتي من شر هؤلاء منعوا اتصالهم بي، بل
— 428 —
إنهم حرموني حتى من مطالعة كتبي المباركة والخالية من أي ضرر والتي أجد الأُنس معها في وحدتي وشيخوختي ومرضي وغربتي.
لقد رجوت المدعي العام أن يعطيني كتابا واحدا من كتبي، ومع أنه وعدَ بذلك إلّا أنه لم يفعل، فاضطررت إلى البقاء وحيدا في قاعة كبيرة ومقفَلة وباردة دون أي شاغل أشغل به نفسي، وأوعزوا إلى الموظفين وإلى الخدم والحراس التعاملَ معي بعداوة وبخشونة بدلا من المعاملة الحسنة التي قد أجد فيها بعض السلوان وبعض التسرية. وهاكم أنموذجا صغيرا من معاملتهم هذه:
كتبت عريضة إلى المدير وإلى المدعي العام وإلى رئيس المحكمة، وأرسلتها إلى أحد إخواني لكي يكتبها بالحروف الجديدة التي أَجهَلها، وفعلا تمت الكتابة وقُدّمت العريضة لهم. لقد عدّوا هذا جُرما كبيرا صادرا مني، فقاموا بتغطيةِ وسدِّ جميع نوافذ غرفتي وسمّروها، ومع أن الدخان كان يؤذيني، فإنهم لم يتركوا نافذة واحدة دون تغطيتها وسدِّها. ومع أن أنظمة السجن تقضي بأن لَا تتجاوز مدةُ الحبس الانفرادي خمسة عشر يوما، فإنهم حبسوني حبسا انفراديا مدة ثلاثة أشهر ونصف، ولم يسمحوا لأي صديق بالاتصال بيَّ.
ثم إنهم أروني لائحة اتهام بأربعين صفحة كتبوها وهيؤوها في ثلاثة أشهر، ولأنني لا أعرف الحروف الجديدة ولكوني مريضا وذا خط رديء، فقد رجوتهم أن يبعثوا إليّ من يقرأ هذه اللائحة مع طالبَين من طلابي -من الذين يفهمون لغتي لكي يقوما بكتابة اعتراضي ودفاعي- فلم يأذنوا بذلك ولم يقبلوه وقالوا:
"ليأت المحامي لكي يقرأه". ثم لم يسمحوا حتى بذلك، بل قالوا لأحد الإخوان "اكتب اللائحة بالحروف القديمة وأعطها له". ولكن كتابة تلك اللائحة لا يمكن أن تتم إلّا في ستة أو سبعة أيام. وهكذا فبدلا من قراءةٍ تستغرق ساعة واحدة فقد مددوا هذا العمل إلى ستة أو إلى سبعة أيام، وذلك لكي يمنعوا أيّ اتصال معي، وهذا عمل استبدادي مذهل يلغي كل حقوقي في الدفاع. ولا يتعرض سفاح ارتكب مائة جريمة وحكم عليه بالإعدام إلى مثل هذه المعاملة في أية بقعة من بقاع الدنيا، والحقيقة أنني في ألم شديد لأنني لا أعرف أي سبب لمثل هذا التعذيب. لقد قيل لي بأن رئيس المحكمة شخص عادل ورحيم، لذا فقد قمتُ بتقديم هذه الشكوى إلى مقامكم كتجربة أولى وأخيرة.
— 429 —
توجد أربعة أسس في لائحة الاتهام:
الأساس الأول وهو الادعاء بأنني شخص أفخر بنفسي وأُمَجِّدها. وقد رددتُ هذا الادعاء بكل ما أملك من قوة، وكانت اللجنة المختصة في محكمة "دنيزلي" قد ذكرتْ أنه "لو ادَّعى سعيد أنه المهدي المنتظر لقَبل كلُّ طلابه ذلك".
الأساس الثاني قيامه بإخفاء مؤلفاته.
يجب أن لا تُعطى معاني خاطئة من قبل الأعداء المتسترين، لأن الإخفاء لم يكن بقصدٍ سياسي أو بأي قصد يضر بأمن البلاد، ولا يعدّ وجود جهاز طبع بالحروف القديمة عذرا لهم للهجوم علينا. أما قضية الصفعة الموجهة من رسائل النور إلى مصطفى كمال
(٭): أورد الادعاء العام اتهاما نتيجة سوء فهم فيما ورد من كرامة رسائل النور التي تجلى بعضها كصفعات تأديبية. إذ زعموا أننا نقول: إن البلايا والزلازل التي حدثت في أثناء الهجوم على طلاب النور وعلى رسائل النور إنما هي صفعات من رسائل النور... حاشا ثم حاشا، نحن لم نقل ولم نكتب هذا، بل ذكرنا في مواضع عدة مع إيراد الأدلة، أن رسائل النور بمثابة صدقات مقبولة، لذا فهي وسيلة لدفع البلايا، فعندما يتم الهجوم على رسائل النور تَبهت الأنوار وتجد المصائب الفرصةَ سانحة للظهور. أجل إن مئات الحوادث والوقائع وشهادة وتصديق الآلاف من طلاب النور ترينا استحالة وجود المصادفة في توافق تلك الحوادث كما أظهرنا ذلك جزئيا في المحاكم، فإننا نؤمن بشكل قاطع بأن هذه التوافقات دليل على قبول رسائل النور ودليل على الكرم الإلهي وهو نوع من الكرامة المهداة من القرآن الكريم إلى رسائل النور. (المؤلف). فقد عرفتْ بها ست محاكم وكذلك المراجع الرسمية في "أنقرة" فلم يعترضوا عليها وأصدروا قرارهم بتبیرئتنا وأعادوا لنا جميع كتبنا ومن ضمنها "الشعاع الخامس". ثم إن قيامي بإظهار سيئاته ليس إلّا من أجل صيانة كرامة الجيش. أي إن عدم محبة شخصٍ فردٍ ليس إلّا من أجل كيل الثناء إلى الجيش بكل حب.
الأساس الثالث على الرغم من وجود مائة ألف طالب من طلاب النور وإحالة مائة ألف نسخة من رسائل النور إلى ست محاكم في ظرف عشرين سنة، فلم تُسجَّل لدى موظفي أمنِ عشرِ ولايات
— 430 —
أيُّ شيء يخلّ بالأمن أو يقلق هدوء البلد. وإن عدم وجود أية مادة تشير إلى هذا الإخلال لا في هذه المحاكم الست ولا عند موظفي هذه الولايات العشر لَهُوَ أكبر دليل وأفضل ردٍّ على التهمة العجيبة القائلة بأننا نحرّض على الإخلال بالأمن.
أما بخصوص لائحة الاتهام الجديدة هذه فمن العبث القيام بالرد عليها، لأنه ليس إلّا تكرارا لتُهم سابقة سبق وأن تمت الإجابة عليها عدة مرات، وسبق لثلاث محاكم إصدار قراراتها بتبرئتنا منها، وهي مسائل لا أهمية لها. ولما كان اتهامنا في هذه المسائل يُعد في الحقيقة اتهاما لمحكمة الجنايات الكبرى في "أنقرة" ولمحكمة "دنيزلي" ولمحكمة "أسكي شهر" (لأن هذه المحاكم برّأتنا في هذه المسائل) لذا فإنني أدَع الإجابة عنها لهذه المحاكم.
زد على هذا فهناك مسألتان أو ثلاث مسائل أخرى:
المسألة الأولى مع أنهم أصدروا قرارا ببراءتنا وبإعادة ذلك الكتاب إلينا بعد تدقيق وتمحيص تامّين دام سنتين في محكمة "دنيزلي" و"محكمة الجنايات الكبرى في أنقرة" فإنهم يلوّحون بمسألة أو مسألتين واردتين في رسالة "الشعاع الخامس" بخصوصِ قائد مات وانتهى أمره كمادة اتهام ضدنا. أما نحن فنقول: إن توجيه نقد صائب كلي بحق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت صلته بالحكومة لا يعدّ في نظر القانون ذنبا.
ثم قام مقامُ الادعاء باستخراج تأويل متحذلق من معنى عام وكلي، وطبّق هذا في حق ذلك القائد. علما بأنه ما من قانون يَعُدّ وجودَ معنى في رسالة خاصة وسرية يدِقّ على أفهام العامة ولا يدركها سوى واحد في المائة.. ما من قانون يعد ذلك ذنبا. ثم إن تلك الرسالة شرحت تأويلَ الأحاديث المتشابهة بشكل رائع. وعندما نكون بصدد بيان المعنى الحقيقي لحديث وانطبق هذا المعنى بحق شخص مقصّر فما من قانون يعد هذا ذنبا، خاصة وإن هذا البيان موجود منذ حوالي أربعين عاما وتم تقديمه لثلاث محاكم ولمحكمتكم، وقُدّم مرتين خلال ثلاث سنوات إلى ستة مراجع رسمية في "أنقرة" ولم يتم الاعتراضُ على دفاعي وعلى اعتراضاتي التي قدمتُ فيها إجاباتٍ قطعية.
— 431 —
ثم إن نقدَ ذلك الشخص الذي كان ضمن انقلاب أدَّى إلى مساوئ عديدة، لا ترجع إليه وحده حسنات ذلك الانقلاب، بل ترجع إلى الجيش وإلى الحكومة، أما هو فقد تكون له حصة واحدة منها؛ فكما أن قيامنا بنقده من زاويةِ سيئاته لا يُعد ذنبا، لا يجوز القول إن ذلك يعني الهجومَ على حركة الانقلاب. ويا ترى أيُّ ذنب وأيّ جريرة في أن تَنتقِد أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوّل جامعَ "آيا صوفيا" الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرّةُ الساطعة لخدماتها وجهادِها في سبيل القرآن، وهديةٌ تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات؟
المسألة الثانية حول موجِبات الاتهام في لائحة الادعاء العام: بعدما كسبنا البراءة في ثلاث محاكم، فإن بيانا رائعا لتأويل حديث شريف (في الشعاع الخامس) قبل أربعين سنة أنقذ الأمة. حيث إن شيخ الإسلام -للجن والإنس- "علي أفندي الزنبللي"(٭) قد قال: "ليس هناك أي جواز في لبس القبعة، حتى لو لبست مزاحا". كما لم يجوّز لبسَها شيوخُ الإسلام وعلماؤه، مما جعل عوام أهل الإيمان أمام خطر حين اضطروا إلى لبسها [٭]: وذلك بموجب قانون الأزياء الذي أُجبر الناس على لبس القبعات. إذ أصبحوا أمام خيارين: إما أن يتركوا دينهم، أو يقوموا بحركة عصيان.
ولكن إحدى فقرات رسالة "الشعاع الخامس" ذكرتْ أنه: "ستعلو القبعةُ الرؤوس وستقول: لا تسجدْ، ولكن الإيمان الموجود في ذلك الرأس سيُجبر تلك القبعة أيضا على السجود ويجعلها إن شاء اللّٰه مسلمة" فأنقذت عوام أهل الإيمان من التمرد والعصيان كما أنقذتهم من التخلي عن دينهم باختيارهم. فضلا عن أنه ليس هناك قانون يطالب الأشخاص المنیزوين بمثل هذه الأشياء، وأن ست حكومات في ظرف عشرين سنة لم تجبرني على لبس القبعة. كما أن النساء والأطفال وأئمة المساجد والموظفين في دوائرهم ومعظم القرويين غير مجبرين على لبسها، وفي الآونة الأخيرة رُفعت عن رؤوس الجنود. كما أن لبس الطاقية وأغطيةِ الرأس غير ممنوع في كثير من الولايات، ورغم كل هذا فقد أصبح هذا [٭]: أي عدم لبس القبعة. عنصرَ اتهام ضدي وضد إخواني. فهل يوجد في العالم كله قانون أو مصلحة أو أصل يَعد مثل هذا الاتهام (الخالي من أي معنى) ذنبا؟
— 432 —
الأساس الثالث المتخذ مدارا للاتهام: وهو زعم التحريض للإخلال بالأمن في "أميرداغ". وأنا أقول ردا على هذا:
أولا: نشير إلى الاعتراض الذي قدمتُه إلى هذه المحكمة وإلى ست مراجع رسمية في "أنقرة" بعلم هذه المحكمة وإذنها، وهو اعتراض لم يُردّ عليه، لذا فإنني أقدم الاعتراض نفسه كجواب للائحة الاتهام.
ثانيًا: يشهد كل من تكلم معي في "أميرداغ" ويشهد الأهالي وموظفو الأمن بأنني بعد صدور القرار ببراءتي ابتعدتُ بكل قوتي -وأنا قابع في انیزوائي- عن المشاركة في أية سياسة دنيوية، حتى إنني تركت التأليف والتراسل، فلم أكتب إلّا فقرتين صغيرتين حول الملائكة وحول حكمة التكرار في القرآن، ولم أكن أكتب سوى مكتوب واحد فقط في الأسبوع أحث فيه على قراءة رسائل النور، حتى إنني لم أبعث لأخي المفتي - [٭]: المقصود هو عبد المجيد. الذي كان من طلابي طوال عشرين عاما- سوى ثلاث أو أربع رسائل في ظرف ثلاث سنوات، وكان يبعث إليّ ببطاقات تهنئة العيد على الدوام، وكان يَقلق عليَّ قلقا كبيرا. أما أخي الآخر الساكن في بلدتي فلم أبعث له طوال عشرين عاما أية رسالة أبدا، ومع ذلك نرى أن لائحة الاتهام تقوم بحذلقة لا مثيل لها بتكرار الأسطوانة القديمة واتهامي بالإخلال بالأمن، وبالوقوف ضد الحركة الانقلابية. ونحن نقول ردَّا على هذا:
إن ما يزيد عن عشرين ألف نسخة من رسائل النور، طوال عشرين عاما، طالعها عشرون ألفا، بل مائة ألف من الناس بكل شوق وبكل قبول، ومع ذلك لم تجد ستُّ محاكم ولم يجد رجالُ الأمن في عشر ولايات معنية أيَّ شيء ضدهم. وهذا يبين بأنه لو كان هناك احتمال واحد فقط من ألوف الاحتمالات ضدنا فإنهم يأخذون به ويتخذون هذا الاحتمال وكأنه أمر واقع لا محالة، مع أنه لو كان هناك احتمال واحد ضمن احتمالين أو ثلاثة، ولم يظهر أي أثر له فلا يُعدّ ذلك الاحتمال ذنبا. حتى إن واحدا بالألف من الاحتمال غير وارد، وهناك احتمال وارد لكل شخص -ومنهم المدعي العام- وهو احتمالُ قيامه بقتلِ أشخاص عديدين،
— 433 —
أو القيام بالإخلال بالأمن خدمةً للشيوعيين وللفوضويين. إذن فإن النظر إلى مثل هذه المبالغة في الاحتمالات وكأنها أصبحت حقيقة وواقعة، واستعمالَها على هذا الأساس خيانة للعدالة وللقانون. ثم إن من الطبيعي وجود معارضة لكل حكومة، وإن المعارضة الفكرية لا تعدُّ جناية. فالحكومةُ تأخذ بالظاهر ولا تحاسِب على ما في القلوب. ونحن نخشى أن يكون الأشخاص الذين يوجِّهون مثل هذه التهم الباطلة في حق شخص لم يصدر منه أي ضرر ضد الوطن وضد الأمة، بل كانت له فوائد وخدمات كثيرة، ولم يتدخل في شؤون الحياة الاجتماعية بل وأجبروه على العيش في عزلة تامة، والذي قوبلت مؤلفاتُه بكل تقدير في أهم المراكز الإسلامية
(٭): في الخطأ الثمانين من الأخطاء المائة التي وقع فيها المدعي العام، نراه يقول: "إن التأويل الوارد في الشعاع الخامس يُعدّ خطأً "
وجوابي على ذلك هو: وردت في "الشعاع الخامس" الجملة التالية: "أحد التأويلات -واللّٰه أعلم- هو هذا التأويل" ومعنى هذه الجملة: "أن من الممكن أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث الشريف". لذا فلا يمكن من الناحية المنطقية تكذيب هذه الجملة، إلّا عند إثبات استحالتها.
ثانيا: منذ عشرين عاما، بل منذ أربعين عاما لم يقم أحد بردّ التأويلات التي أوردناها ردا منطقيا وعلميا سواء أكانوا من معارضيّ أو ممن يحاولون معارضة رسائل النور، ولم يقل أحد من أولئك العلماء المعارضين "إن هذه التأويلات فيها نظر"، بل صدّقوها مع ألوف من علماء طلاب النور، لذا فإنني أحيل إلى مقامكم تقدير مدى البعد عن الإنصاف عندما يردّ هذا التأويلَ شخص لا يعرف حتى عددَ السور الموجودة في القرآن الكريم.
والخلاصة: أن معنى التأويل لحديث شريف أو لآية كريمة هو: أنه معنى واحد محتمل من عدة معاني محتملة وممكنة. (المؤلف). نخشى أن يكون هؤلاء الأشخاص أداة في خدمة الشيوعية وفي خدمة الفوضوية دون أن يشعروا.
هناك أمارات أعلمُ منها أن أعداءنا الخفيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْمَ وجود فكرة المهدية -من الناحية السياسية- فيها ويدّعون أن رسائل النور وسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى أن يعثروا على سند لهم لهذه الأوهام الباطلة. ولعل العذاب الذي أتعرض له نابعٌ من هذه الأوهام. وأنا أقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:
"حاش!... ثم حاش!... إنني لم أقم بمثل هذا الادعاء، ولم أتجاوز حدي ولم أجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية أو أداة لنيل الشهرة والمجد، وإن السنوات الثلاثين الأخيرة خاصة، من عمري البالغ خمسة وسبعين عاما تشهد، وتشهد رسائلُ النور البالغةُ مائة وثلاثين رسالة، ويشهد الآلاف من الأشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.
— 434 —
أجل، إن طلاب النور يعرفون هذا، كما أنني سردت الحجج التي أَظهرتْ في المحاكم أنني لم أسْعَ من أجل مقام أو مرتبة لشخصي أو من أجل الحصول على مرتبة أو مقام أو شهرة معنوية أو أخروية، بل سعيت بكل ما أملك من قوة لتوفير خدمة إيمانية لأهل الإيمان، وربما كنت مستعدا لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها بل -إن لزم الأمر- بالتضحية حتى بالمراتب الأخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع أن الجميع يسعون للحصول على هذه المراتب، ويعلم أصدقائي المقربون بأنني -إن لزم الأمر- أقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من أجل أن أكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان [٭]: ذكر لي الأخ "محمد فرنجي" وقال: كنت أزور الأستاذ مرارا، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد. وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له. فوقع في نفسي شيء، إذ كيف يدخل جهنم من كان سببا لهداية أناس كثيرين جدا؟. وإذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير إلي بيده ويقول: ليس خالدا.. ليس خالدا.. بل مثلما يدخل أحدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل إلى الجنة. وقد ذكرتُ هذا وبرهنت عليه في المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الاتهام إسناد عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.
أيتوهم هؤلاء التعساء أن الدنيا باقية وأبدية؟ أم يتوهمون أن الجميع مثلهم يستغلون الدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ إن هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخصٍ تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد للتضحية بحياته الأخروية إن لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وأنه غير مستعد لأن يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة إيمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى الهجوم على شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءً أكانت من قريب أو بعيد وذلك بسر الإخلاص، وتحمّل عذابا لا مثيل له طوال عشرين عاما، ومع ذلك لم يتنیزل -حسب المسلك الإيماني- إلى السياسة. ثم إنه يَعد شخصَه من جهة النفس- أقل مرتبة من كثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دوما دعاءهم واستغفارهم له، ومع أنه يَعد نفسه ضعيفا وغير ذي أهمية، إلا أن بعض إخوانه الخلص أسندوا إليه في رسائلهم الخاصة بعضا من فضائل النور، وذلك لكونه ترجمانا للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من رسائل النور، ولم يخطر ببالهم في ذلك أيّ معنى سياسي، بل على مجرى العادة، ذلك لأن الإنسان قد يخاطب شخصا عاديا ويقول له: "أنت وليّ نعمتي... أنت سلطاني". أي يعطون له -من زاوية
— 435 —
حسن الظن- رتبا عالية لا يستحقها، وهي أكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته. وكما هو معلوم فإن هناك عادة قديمة جارية مقبولة -لم يعترض عليها أحد- فيما بين الطلاب وبين أساتذتهم وهي قيام الطلاب بمدحٍ مبالَغ فيه لأساتذتهم قياما منهم بحق الشكر، ووجودُ بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة.. فهل يعد هذا ذنبا بأي وجه من الوجوه؟ صحيح أن المبالغة تعد في جانب منها مخالفة للحقيقة، ولكن شخصا مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه... أفيستكثر عليّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف أَنْ أَشُدَّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وأَنْ أُنقذهم من الابتعاد والهرب وأَحُول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وأن أُحَوّل هذا المديح إلى رسائل النور ولا أردّهم ردا كاملا وقاطعا؟ وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق أو عن القانون وعن الإنصاف عندما يحاولون أن ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتيا وهو على أبواب القبر، وكأن هذه الخدمة مسخرة لغرض من أعراض الدنيا".
إن آخر ما نقول: لكل مصيبة
﴿ إنا للّٰه وانا اليه راجعون ﴾
سعيد النورسي