الشعاعات العربية
— 420 —

نقاط أخرى أودّ أن أعرضها على إدارة مدينة "أفيون" ومحكمتها وشرطتها

الأولى: أن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا وظهور أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا إشارة قدرية منذ الأزل على أن الدين هو السائد وهو الحاكم في آسيا، وتأتي الفلسفة في الدرجة الثانية. وبناءً على هذا الرمز القدري، فإن الحاكم في آسيا إن لم يكن متدينا فعليه -في الأقل- ألّا يتعرض للعاملين في سبيل الدين، بل عليه أن يشجعهم.
الثانية: أن القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب، فلو خرج القرآن -والعياذ باللّٰه- من هذه الأرض لجنت الأرض، وليس ببعيد أن تنطح رأسها الذي أصبح خاليا من العقل بإحدى السيارات وتتسبب في حدوث قيامة.
أجل، إن القرآن هو العروة الوثقى وحبل اللّٰه المتين يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض أكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم، وهذه الرسائل التي أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة في هذا العصر وفي هذا الوطن لهذه الأمة تعد نعمة إلهية كبرى ومعجزةً قرآنية لا تنطفئ، لذا فليس على الحكومة التعرض لها وترويع طلابها منها ليبتعدوا عنها، بل عليها حماية هذه الرسائل والتشجيع على قراءتها.
الثالثة: بناءً على قيام أهل الإيمان الآتين بتقديم حسناتهم إلى أرواح الذين سبقوهم مع دعواتهم بالمغفرة لهم فقد قلت في محكمة "دنيزلي":
لو سألكم أهل الإيمان -الذين يعدون بالمليارات- في يوم المحكمة الكبرى وسألوا الذين يضيقون على طلاب رسائل النور الذين يعملون في سبيل إظهار حقائق القرآن ويحكمون عليهم بالسجن، وقالوا: "إنكم كنتم في غاية التسامح مع كتب الملاحدة والشيوعيين ومنشوراتهم باسم قانون الحرية وتسامحتم مع الجمعيات التي ربّت وغذّت الفوضى، ولم تتعرضوا لهم أبدا، ولكنكم أردتم أن تقضوا على رسائل النور وعلى طلابها بالسجن وبشتى وسائل التضييق، مع أنهم كانوا يحاولون إنقاذ الوطن والأمة من الإلحاد ومن الفساد وإنقاذ مواطنيهم من الإعدام الأبدي".. لو سألوكم هذا فماذا سيكون جوابكم؟ ونحن أيضا نوجه هذا السؤال إليكم..
— 421 —
لقد قلت هذا لهم، وعند ذلك قام أولئك الذوات المحترمون الذين كانوا من أهل الإنصاف والعدالة بإصدار قرار بتبرئتنا وأظهروا عدالة جهاز العدالة.
الرابعة: كنت أنتظر أن تستدعيني "أنقرة" أو "أفيون" إلى لجنة الشورى وتعاطي الأسئلة والأجوبة حول المسائل الكبيرة التي أخذت رسائلُ النور على عاتقها القيامَ بها.
أجل، إن رسائل النور هي أقوى وسيلة وأنجع دواء لهذه الأمة في هذا البلد في سبيل إعادة الأخوّة الإسلامية السابقة والمحبة السابقة وحسن الظن والتعاون المعنوي بين ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم، وفي سبيل البحث عن وسائل هذا التعاون.
ونذكر أدناه أمارة واضحة على ذلك:
لقد قام في هذه السنة في مكة المكرمة عالم كبير بترجمة أجزاء كبيرة من رسائل النور إلى اللغة الهندية وإلى اللغة العربية وأرسل هذه التراجم إلى الهند وإلى الحجاز قائلا:
"إن رسائل النور تحاول تحقيق وحدتنا وأخوّتنا الإسلامية التي هي أقوى سند نستند إليها، وهي بذلك ترينا أن الأمة التركية هي دائما في المقدمة من ناحية الدين والإيمان".
كما كنت أتوقع أن تثار أسئلة في مسائل كبيرة كالجبال الشوامخ أمثال: "ما درجة خدمة رسائل النور وطلابها ضد الشيوعية التي تحولت إلى حركة فوضوية في وطننا؟ وكيف يمكن صيانة هذا الوطن المبارك وحفظه من هذا السيل الجارف المخيف؟"... كنت أنتظر وأتوقع هذا، فإذا بي أُفاجأ بمسائل تافهة لا تزن جناح ذبابة، ولا تتجاوز مسائل جزئية لا تستلزم مسؤولية، نابعة من أحقاد شخصية وافتراءات مقصودة تجعل من الحبة قبة... وهكذا قاسيت من هذه الشروط والظروف القاسية آلاما لم أتجرعها حتى الآن. وقد وجهت إلينا الأسئلة نفسها حول المسائل التي وجهت إلينا في ثلاث محاكم سابقة والتي برأتنا منها هذه المحاكم مع إضافة مسألة أو مسألتين شخصيتين تافهتين وأسئلة لا معنى لها.
الخامسة: لا يمكن الوقوف أمام رسائل النور ومبارزتُها، لأنها لا تُغلب؛ فهي قد أسكتت منذ عشرين سنة أكثرَ الفلاسفة عنادا وتعلن حقائق الإيمان كالشمس في رابعة النهار. لذا فعلى الذين يحكمون هذا البلد الاستفادة من قوتها.
— 422 —
السادسة: إن التهوين من شأني بأخطائي الشخصية التي لا أهمية لها وإسقاطي في نظر عامة الناس بإنزال الإهانات بي، لا يضرّ رسائل النور، بل يمدّها -من جهة- إذ لو سكت لساني الفاني فإن ألسنة مئات الآلاف من نسخ رسائل النور لن تكفّ عن النطق، ولن تسكت عن الكلام والتبليغ، كما أن الألوف من طلبتها الأوفياء الذين مُنحوا قوةَ النطق ووضوح الحجة سيديمون تلك الوظيفة النورية القدسية الكلية إن شاء اللّٰه إلى يوم القيامة، كما كان شأنهم إلى الآن.
السابعة: كما ذكرنا في دفاعاتنا أمام المحاكم السابقة والتي سردنا فيها حججنا، فإن أعداءنا السريين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين خدعوا الحكومة واستغفلوها واستغلوا الأوهام والمخاوف المتسلطة على بعض أركانها ووجهوا جهاز العدالة ضدنا، إما أنهم من المخدوعين بشكل سيئ جدّا أو من المنخدعين أو هم يعملون لصالح الفوضويين من الذين يحاولون قلب نظام الحكم بشكل غادر، أو هم من أعداء الإسلام ومن المرتدين الذين يحاربون الحقيقة القرآنية ومن الملاحدة الزنادقة.. فهؤلاء لم يترددوا أبدا عندما حاربونا من إطلاق صفة النظام على الردة التامة، ومن إطلاق صفة "المدنية" على السفاهة والتسيب الأخلاقي الرهيب، ومن إطلاق صفة "القانون" على نظام الكفر القهري المنفلت والمرتبط بالأهواء. وهكذا استطاعوا أن يضيقوا علينا تضييقا شديدا، واستغفلوا الحكومة وخدعوها ووجهوا جهاز العدالة للانشغال بنا دون أي داعٍ، لذا فإننا نحيل هؤلاء إلى قهر القهار ذي الجلال ونلتجئ إلى حصنِ
﴿ حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ ﴾
ليحفظنا من شرور هؤلاء.
الثامنة: قامت روسيا في السنة الماضية بإرسال العديد من الحجاج إلى حج بيت اللّٰه الحرام من أجل الدعاية وإظهار الروس بمظهرِ من يحترمون القرآن أكثر من الأمم الأخرى، ولتأليب العالم الإسلامي من الناحية الدينية ضد هذه الأمة المتدينة في هذا الوطن. ثم إنه نظرا للانتشار الجزئي لأجزاء كبيرة من رسائل النور في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي دمشق وحلب وفي مصر، وحيازتها على تقدير العلماء وقيامها بكسر الدعاية الشيوعية، فإنها أظهرت للعالم الإسلامي بأن الأمة التركية وإخوتهم لا يزالون متمسكين بدينهم وبقرآنهم، وأنها بمثابة الأخ الكبير للعالم الإسلامي وبمثابة قائد مقدام في سبيل خدمة القرآن. أي إن رسائل النور بينت هذه الحقيقة في
— 423 —
تلك المراكز والمدن الإسلامية وأظهرتها. فإذا كانت الخدمات الجليلة لرسائل النور تقابل بهذه الأنواع من التضييق والآلام ألا ترون من الممكن أن تحتد الكرة الأرضية وتغضب؟
التاسعة: أُورِدُ هنا تلخيصا لإثبات مسألة معينة أوردتها في مرافعتي أمام محكمة "دنيزلي":
ولو فرضنا أن قائدا رهيبا وعبقريا استطاع بذكائه أن ينسب لنفسه جميع حسنات الجيش، وأن ينسب سيئاته وسلبياته الشخصية للجيش، فإنه يكون بذلك قد قلل عدد الحسنات التي هي بعدد أفراد الجيش إلى حسنة شخص واحد، وعندما نسب سيئاته وأخطاؤه إلى الجيش يكون قد كثّر هذه السيئات بعدد أفراد الجيش، وهذا ظلم مخيف ومجانب للحقيقة، لذا فقد قلت للمدعي العام في إحدى محاكماتي السابقة عندما هاجمني لكوني وجهت صفعة تأديب لذلك الشخص عندما قمت قبل أربعين سنة بشرح حديث نبوي، قلت للمدعى العام: حقا إنني أقلل من شأنه بإيراد أخبار من الأحاديث النبوية، إلّا أنني أقوم في الوقت نفسه بصيانة شرف الجيش وحفظه من الأخطاء الكبيرة، وأما أنت فتقوم بتلويث شرف الجيش الذي يعد حامل لواء القرآن، وقائدا مقداما للعالم الإسلامي، وتلغي حسناته لأجل صديق واحد لك. فخضع ذلك المدعى العام للإنصاف، بإذن اللّٰه، ونجا من الخطأ.
العاشرة: لما كان من المفروض أن يقوم جهاز العدالة بحفظ حقيقة العدالة وحفظ حقوق جميع المراجعين له دون أي تمييز، والعملِ في سبيل الحق وباسمه وحده، فإننا نرى أن الإمام عليا رضي اللّٰه عنه في أيام خلافته يمثل أمام المحكمة مع يهودي ليتحاكما. [٭]: انظر: أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/١٣٩-١٤٠؛ الذهبي، ميزان الاعتدال ٢/٣٥٣؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء ص ١٨٤-١٨٥. وقد شاهد أحد مسؤولي العدل أن أحد الموظفين احتد وغضب على سارق ظالم وهو يقطع يده فأصدر أمره بعزل ذلك الموظف في الحال، وقال آسفا: "من خلط مشاعره الذاتية بإجراء العدالة فقد اقترف ظلما كبيرا".
أجل، إن الموظف عندما يقوم بتنفيذ حكم القانون إن لم يشفق على المحكوم فليس له أن يحتدّ عليه، فإن فعَلَ ذلك كان ظالما. حتى إن أحد الحاكمين العادلين قال: "إن الشخص الذي يقوم بتنفيذ قصاص القتل إن احتد وغضب أثناء ذلك التنفيذ يُعدّ قاتلا".
— 424 —
إذن فما دامت الحقيقة الخالصة والبعيدة عن الأغراض هي التي لا بد أن تسود في المحكمة، فإن من الغريب أن يتعرض طلاب النور -البريئون والمحتاجون إلى من يسرّي عنهم وإلى تجلي العدالة في حقهم- إلى إهانات ومعاملات قاسية هنا، رغم صدور قرارٍ بتبرئتنا من ثلاث محاكم، ورغم وجود أمارات عديدة لاستعداد تسعين في المائة من هذه الأمة للشهادة، وهذا يدل على أنه لا يمكن صدور أي ضرر من طلاب النور، بل على العكس من ذلك فإنهم يقدّمون فوائد جمة لهذه الأمة ولهذا الوطن. ولأننا قررنا أن نتحمل كلَ مصيبة وكلَ إهانة بكل صبر، فإننا نسكت ونحيل الأمر إلى اللّٰه تعالى ونقول: "لعل في هذا الأمر خيرا". ولكنني خشيت أن تؤدي هذه المعاملات الموجَّهة إلى هؤلاء الأبرياء نتيجةً لتبليغات مُغرضة إلى قدوم البلايا، لذا اضطررتُ إلى كتابة هذا الأمر.
وإذا كان هناك أي تقصير أو ذنب في هذه المسألة فإنه يعود إليّ. ولم يمد لي هؤلاء المساكين يدَ المساعدة إلّا بدافع من إيمانهم ومن أجل آخرتهم ضمن مرضاة اللّٰه تعالى، ومع أنهم كانوا يستحقون التقدير فإن القيام بمثل هذه المعاملات القاسية تجاههم قد أغضب حتى الشتاء.
ومن الغريب أيضا والمحيِّر أنهم ساقوا أوهام تشكيل جمعية مرة أخرى، مع أن ثلاث محاكم دَققت هذه الناحيةَ وأصدرت قرارَها بالبراءة. ثم إنه لا يوجد فيما بيننا أيّ أمر يستدعي اتهامنا بتشكيل أية جمعية، ولم تجد المحاكمُ ولا رجال الأمن ولا أهل الاختصاص أيةَ أمارة حول ذلك، إذ لا توجد بيننا سوى رابطة الأخوة الأخروية مثلما يوجد ما بين المعلم وتلاميذه وما بين أستاذ جامعي وبين طلابه وما بين حافظ القرآن وتلاميذه الذين يسعون لحفظ القرآن. فالذين يتهمون طلاب النور بتشكيل جمعية عليهم أن ينظروا بنفس المنظار إلى جميع أهل المهن وإلى جميع الطلاب وإلى جميع الوعاظ أيضا، لذا فلا أجد لزاما عليَّ أن أدافع عن هؤلاء الذين جيىءَ بهم إلى السجن هنا نتيجة اتهامات تافهة لا أساس لها أبدا.
ولما قمتُ بالدفاع ثلاث مرات عن رسائل النور التي يهتم بها هذا البلد والعالمِ الإسلامي والتي صدرت منها فوائد مادية ومعنوية كبيرة لهذه الأمة، فسأقوم بالدفاع عنها مرة أخرى منطلِقا من الحقيقة نفسها، وليس هناك أي سبب يمنع دفاعي هذا ولا يوجد أي قانون أو أية سياسة تستطيع أن تَحُول بيني وتمنعني عن هذا.
— 425 —
أجل، نحن جمعية.. جمعية لها منتسبون يبلغ عددهم في كل عصر ثلاثمائة وخمسين مليونا، وفي كل يوم يُظهِر كل منتسب حرمته وتوقيره الكامل لمبادئ هذه الجمعية المقدسة بأدائه الصلاة خمس مرات ويُظهر استعداده لخدمة هذه المبادئ، ويهبّون لمساعدة بعضهم بعضا بأدعيتهم وبمكاسبهم المعنوية حسب دستورهم المقدس: انما المؤمنون اخوة (الحجرات:١٠). ها نحن أولاء أفراد هذه الجمعية العظيمة المقدسة، وظيفتنا الخاصة إيصال حقائق القرآن الإيمانية بشكلها اليقيني إلى أهل الإيمان، وإنقاذُهم وإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي ومن السجن البرزخي الانفرادي، ولكن لا توجد لنا أية علاقة بالجمعيات الدنيوية والسياسية المتّسمة بالألاعيب وبالأساليب الملتوية، ولا توجد لنا أية علاقة بلعبة الجمعيات أو بأية جمعية سرية مع أن هذه هي التهمة الموجهة إلينا على الدوام ونحن أصلا لا نتدنى أبدا إليها.
وبعد أن قامت أربعُ محاكم بتدقيق هذا الأمر وتمحيصه جيدا قررت إصدار قراراتها بالبراءة.
سعيد النورسي