الشعاعات العربية
— 436 —

ملحق

لقد ورد في ختام قرار التحقيقات الأخيرة التي أُجريَت من قِبَل محكمة التحقيقات ما يأتي:
"لقد قرر مجلس الوزراء قبل أربعة أشهر منعَ نشر رسالة "المعجزات القرآنية" أي "الكلمة الخامسة والعشرين" ومصادرةَ أعدادها من السوق نظرا لورود شرح لثلاث آيات قرآنية، وهذا الشرح يعارض القانون المدني الحالي ويصادم المدنية".
وجوابا على هذا نقول: إن رسالة "المعجزات القرآنية" موجودة الآن ضمن رسالة "ذو الفقار" هذه الرسالة يقارب عدد صفحاتها أربعمائة صفحة، كنت قد نشرتُها ردا على انتقادات المدنية الغربية للقرآن الكريم ردا قاطعا لا يمكن جرحه أو الاعتراض عليه. ويشغل هذا صفحتين منها في معرضِ تفسير لثلاث آيات قرآنية وموجود بصورة متفرقة في ثلاث رسائل قديمة لي. الآية الأولى كانت آية الحجاب، والآية الثانية كانت حول الإرث وهي آيةُ
فلأمّه السدس
(النساء:١١)
أما الآية الثالثة فكانت أيضا حول الإرث وهي آيةُ
﴿ فللذكر مثل حظّ الانثيين ﴾
(النساء:١٧٦) ومع أنني قمت بشرح حِكَمِ حقائقِ هذه الآيات في صفحتين اثنتين وقبل عشرين عاما (بعضها قبل ثلاثين عاما) شرحا ألزم الفلاسفةَ، إلّا أنهم توهموا وكأنها كُتبت اليوم. وبدلا من منع رسالة "ذو الفقار" البالغة أربعمائة صفحة فقد كان في الإمكان إخراج هاتين الصفحتين فقط منها، ثم إعادتها إلينا، وهذا حق قانوني لنا؛ إذ لو وُجدت كلمةٌ واحدة أو كلمتان ضارتان في خطاب ما، حُذفت هاتان الكلمتان وسُمِح بنشر ذلك الخطاب، وقياسا على هذا فإننا نطالب بحقنا هذا من محكمتكم العادلة.
ولعدم وجود إمكانية مجيء أحدهم عندي ليقرأ لي لائحةَ الاتهام البالغةَ أربعين صفحة والصادرة قبل شهر، فقد قرؤوا هذه اللائحة لي اليوم (المصادف لليوم الحادي عشر من حزيران).. قرؤوا اللائحة واستمعتُ أنا فوجدت أن الدفاع الذي كتبتُه قبل شهرين وكذلك تتمة هذا الدفاع وملحقه الذي كتبتُه قبل شهر والذي أرسلته إلى مقامكم وإلى ست مراجع في
— 437 —
أنقرة يردّ لائحةَ الاتهام هذه ردا قاطعا، لذا لا أجد أيّ مسوّغ لكتابة دفاع جديد. ولكني أُحب تذكيرَ مقام الادعاء عندكم بنقطتين أو ثلاث فأقول:
إن السبب الذي حدا بي إلى عدم الإجابة على هذه اللائحة يعود إلى أنني لم أشأ أن أطعنَ في كرامة ثلاث محاكم عادلة أصدرت قراراتها ببراءتنا ولم أشأ أن أهينها. ذلك لأن تلك المحاكم حققت بشكل دقيق جميعَ الأسس الواردة في لائحة الاتهام هذه ثم أصدرت قراراتها بالبراءة. إن عدمَ احترام هذه القرارات وعدَّها وكأنها لا شيء يُعدّ تجاوزا واعتداءً على شرف جهاز العدالة.
النقطة الثانية: لقد حاول مقام الادعاء بحذلقةٍ إعطاءَ معانٍ لم تخطر على بالنا لمسألتين أو ثلاث من بين آلاف المسائل لاتهامنا، بينما توجد هذه المسائل في أمهات رسائل النور وحازت على رضى وقبولِ المحققين من علماء الأزهر في مصر وعلماء الشام وحلب وعلماء مكة المكرمة والمدينة المنورة وخاصة على رضى وقبول العلماء المحققين لرئاسة الشؤون الدينية، لذا فقد دهشتُ واستغربتُ عندما رأيت المدعي العام يورد بعض الردود وبعض الاعتراضات العلمية في لائحة الاتهام وكأنه عالمٌ من علماء الدين وشيخٌ من شيوخه. ولنفرض جدلا أن لي بعضَ الأخطاء فلا يمكن أن تُعد ذنبا يحاسِب عليه القانون بل مجرد خطأ علمي، هذا مع العلم أن أي عالم من آلاف العلماء لم يرَ هذه الأخطاء التي يشير إليها المدعي العام ولم يعترض عليها.
ثم إن ثلاث محاكم برّأتنا وبرأت رسائل النور كلها سوى خمسَ عشرة كلمة واردة في "اللمعة الرابعة والعشرين" حول (الحجاب) حيث أصدرت محكمة "أسكي شهر" عقوبات خفيفة بحقي وبحق خمسة عشر بالمائة من أصدقائي. وكنت قد ذكرت في تتمة دفاعي التي قدمتها إليكم بأنه لو كانت هناك عدالة على سطح الأرض لما قَبِلتْ ذلك الحُكم ضدي بسبب تفسيري ذاك، الذي اتبعتُ فيه حُكم ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير. وقد حاول المدعي العام بذكائه وبمعاذير شتى اختيارَ بعض الجمل لكتاب ولخطابات تعود إلى عشرين سنة مضت وتحويرَها ضدنا. بينما أصبحت خمس أو ست محاكم -وليست ثلاث محاكم فقط- من المحاكم التي برأتنا شريكةً لنا في هذا الذنب أو الجرم المزعوم. وأنا أذَكّر مقام الادعاء العام بضرورة عدم التعرض إلى كرامة تلك المحاكم العادلة.
— 438 —
النقطة الثالثة: إن نقدَ ومعارضةَ رئيس مات وانتهى أمره وانقطعت صلتُه بالحكومة، لكونه سببا في بعض السلبيات في الانقلاب لا يُعدُّ ذنبا أو جرما في نظر القانون. ولم يكن انتقادُنا له صريحا، بل قام المدعي العام -بحذلقته- بتطبيق ما جاء في بياننا بشكل عام وكلي، على ذلك الرئيس. فما كان سرًّا من المعاني التي لم نوضحها أظهره هذا المدعي العام على الجميع وفضحه وركّز عليه أنظارَ الناس جميعا. فإن كان هناك ذنبٌ في هذه المعاني فمن المفروض أن يكون المدعي العام شريكا فيه، ذلك لأنه جلب أنظار الجماهير لهذه المعاني وحرّضهم.
النقطة الرابعة: على الرغم من قيام ثلاث محاكم بإصدار قراراتها بتبرئتنا بشكل قاطع من تهمة تشكيل جمعية إلّا أن المدعي العام يحاول تكرار الأسطوانة القديمة حول الأوهام والمزاعم الخاصة بتشكيل جمعية سرية، ويجهد نفسه في البحث عن أي معاذير غير حقيقية في هذا المجال. ومع أن هناك عدة جمعيات سياسية ضارة لهذه الأمة ولهذا الوطن، فإنه يؤذَن لها ويسمح لها بأداء نشاطها، بينما يتم إلصاق تهمة "استغلال الدين لتحريض الناس على الإخلال بالأمن" بنا، مع أن هناك آلافَ الشهود وآلاف الشواهد وقراراتِ ستِ ولايات بعدم التعرض لنا، تُثبت بأن الصداقة الموجودة بين طلاب النور -وهي صداقة دراسة- هي في صالح الأمة وفي صالح الدين، وهي في سبيل تأمين السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية، وأن هؤلاء الطلاب وقفوا وجاهدوا متساندين ضد جميع تيارات الإفساد سواء أكانت من الخارج أم من الداخل، لذا فإن إلصاقَ تهمةِ تشكيل جمعية سرية والإخلالِ بالأمن مع أنه لم يسجَّل في ظرف عشرين عاما أيّ حادثةِ إخلال للأمن ضد أي طالب من طلاب النور الذين يتجاوز عددهم مئات الآلاف.. إن مثل هذه التهم لا يحتدّ لها النوعُ الإنساني وحده بل يحق لهذه الأرض أيضا أن تحتدّ وتردّ هذه التهمة.. على أي حال فإنني لا أجد مبررا لإطالة الكلام، إذ إن دفاعي (الذي كتبتُه قبل لائحة الاتهام هذه) وتتمة دفاعي كافيتان للرد وللإجابة على المدعي العام.
الموقوف في سجن أفيون
سعيد النورسي
— 439 —
باسمه سبحانه
أوضّح لمحكمة أفيون ولرئيس محكمة الجنايات الكبرى أنه:
لقد قطعتُ علاقتي بالدنيا لأنني مفطور منذ البداية على عدم تحمل التحكم. وتبدو الحياة الآن أمام عيني ثقيلة جدّا إلى درجة أنني أرى بأنني لا أستطيع العيش في مثل هذه الحياة المليئة بتحكمات لا معنى ولا ضرورة لها، إذ لا أستطيع تحمّل تحكمات ونوازع السيطرة لدى المئات من الأشخاص الرسميين خارج السجن، فقد مللتُ من مثل هذه الحياة. وأنا أطالبكم بكل ما أَملك من قوة أن تعاقبوني. وبما أنني لا أستطيع نيل الموت فإن من الضروري لي البقاءَ في السجن. وأنتم تعلمون جيدا أن الاتهامات الباطلة التي أَسْنَدها لي مقامُ الادعاء غيرُ موجودة وغيرُ واردة أصلا. لذا فهي لا تكفي لإيقاع العقوبة بي. ولكن وجود تقصيرات كبيرة عندي تجاه الوظيفة الحقيقية هو الذي يسبب لي عقابا معنويا. ولو كان الاستفسار مناسبا فإنني مستعد للإجابة على استفساراتكم. أجل إن ذنبي الوحيد المتأتي من تقصيراتي الكبيرة والذي لا يُغتفر من حيث الحقيقة، هو أنني بسبب عدم التفاتي إلى الدنيا لم أعمل ما أنا مكلف به من إيفاء وظيفةٍ جليلةِ الشأن في سبيل الوطن والأمة وفي سبيل الدين، وأن عدم علمي ذلك لا يشكل عذرا بالنسبة إليّ، وقد توصلت الآن إلى هذه القناعة في سجن "أفيون" هذا.
إن الذين يتهمون طلاب النور الذين تنحصر علاقتُهم الأخروية الخالصة برسائل النور وبمؤلفها، ويحاولون تحميلهم مسؤولية تشكيل جمعية سياسية، بعيدون كل البُعد عن العدالة والحقيقة. أَثبتَ ذلك قرارُ التبرئة لثلاث محاكم بثلاث جهات. فضلا عن هذا نقول:
إن جوهر الحياة الاجتماعية الإنسانية ولاسيما للأمة الإسلامية وأساسَها هو: وجود محبة خالصة بين الأقرباء، ووجودُ رابطة وثيقة بين القبائل والطوائف، ووجود أخوة معنوية وتعاونية نحو إخوته المؤمنين ضمن القومية الإسلامية، ووجود علاقةِ فداء نحو قومه وجنسه، ووجود التزام قوي ورابطة قوية لا تهتز مع الحقائق القرآنية التي تنقذ حياته الأبدية، ومع ناشري هذه الحقائق، وأمثالها من الروابط التي تحقق أساس الحياة الاجتماعية، وإن إنكارها لا يؤدي إلّا إلى قبول الخطر الأحمر الذي يتربص بنا في الشمال والذي يبذر بذور الفوضى
— 440 —
ويحاول القضاء على الأجيال وعلى القومية ويجمع أطفالَ الناس هناك ويضعهم تحت تصرفه ويحاول إزالة شعور القرابة وشعور القومية وإفساد المدنية البشرية والحياة الاجتماعية إفسادا تاما، أقول إنه بذلك الإنكار وذلك القبول يمكن إطلاق اسم الجمعية على طلاب النور، لذا فإن طلاب النور الحقيقيين يُظهرون علاقاتهم المقدسة مع الحقائق القرآنية ويظهرون ارتباطهم الذي لا ينفصم مع إخوانهم في الحياة الآخرة. ولأنهم يتقبلون برحابة صدر أية عقوبة تقع عليهم بسبب هذه الأخوة فإنهم يعترفون بهذه الحقيقة كما هي في حضور محكمتكم العادلة، ولا يتدنَّون عند الدفاع عن أنفسهم إلى دَرَك الحيلة والنفاق والكذب.
الموقوف
سعيد النورسي