— 363 —
"عزاء جميل وفي أنسب وقت"
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول:
﴿ إنا للّٰه وانا اليه راجعون ﴾
(البقرة:١٥٦).
أُعزّي نفسي وأعزّيكم وأعزّي رسائل النور. ولكني أهنئ المرحوم "الحافظ علي" وأهنئ مقبرة "دنيزلي" لأن أخانا الرائد الذي أدرك حقيقةَ "رسالةِ الثمرة" عِلمَ اليقين، قد تَرك جسده في القبر، صاعدا كالملائكة إلى النجوم وعالم الأرواح، لأجل الارتقاء إلى مقامِ عين اليقين وحق اليقين، وخلد إلى الراحة والسكون متسرحا عن وظيفته التي أدّاها حق الأداء.
نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يكتب في سجل أعماله حسناتٍ بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة. آمين. وينیزلَ شآبيب رحمته بعددها على روحه... آمين. ويجعلَ القرآن الكريم ورسائل النور مؤنسين لطيفين له في القبر.. آمين. ويحسنَ إلى "مصنع النور" بعشرةِ عاملين بدلا منه.. آمين.. آمين.. آمين.
أما أنتم فيا إخوتي، اذكروه في أدعيتكم، كما أذكره أنا، مستعملين ألف لسان عوضا عن لسانه، راجين من رحمته تعالى أن يكسبه ألف حياة وألف لسان بدلا عما فقده من حياة واحدة ولسانٍ واحد.
ويا إخوتي الأعزاء الأوفياء!
نحمد اللّٰه سبحانه وتعالى بما لا يتناهى من الحمد والشكر، على ما يسّر لنا من نيلِ شرف المقام الرفيع لطلبة العلوم وأعمالهم الجليلة بوساطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب.
ولقد ثبت بوقائع عديدة بمشاهدة أهل كشف القبور، أن طالبَ علمٍ جادًا تواقًا للعلوم عندما يتوفى أثناء تحصيله لها، يرى نفسه -كالشهداء- حيًّا يُرزق ويزاول الدرس. حتى إن أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب كيفية إجابة طالبِ علم متوفى في أثناء دراسته لعلم الصرف والنحو، لأسئلة المنكر والنكير في القبر، فشاهد أنه عندما سأله الملك: من ربك؟ أجاب: مَن: مبتدأ، ربك: خبره، وذلك على وفق علم النحو، يحسب نفسه أنه مازال في المدرسة يتلقى العلم.
— 364 —
فبناء على هذه الحادثة فإني أعتقد أن المرحوم الحافظ علي منهمك برسائل النور كما كان دأبه في الحياة، وهو على هيئة طالب علم يتلقى أرفع علم وأسماه، وقد تسنّم مرتبة الشهداء حقا ويزاول نمط حياتهم.
وبناء على هذه القاعدة أدعو له في أدعيتي، وأدعو لمثيله "محمد زهدي" و"الحافظ محمد" قائلا: "يا رب سخِّر هؤلاء إلى يوم القيامة لينشغلوا بحقائق الإيمان وأسرار القرآن ضمن رسائل النور بكمال الفرح والسرور... آمين. إن شاء اللّٰه".
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنني لا أستطيع نسيان الأخ "الحافظ علي" وقد هزّني ألمُ فراقه هزا عنيفا. وأحسب أن ذلك المرحوم قد رحل بدلا مني كما كان أشخاصٌ مضحّون يتوفّون أحيانا بدلا من أصحابهم. فلولا أن قام أمثالُكم بما قام به هو من خدمات جليلة وعلى نسقه، لَلَحِق العملَ للقرآن وللإسلام ضررٌ كبير. وإنني كلما تذكرت وارثيه، وهم أنتم، زالت تلك الآلام وتركت مكانها للسرور والانشراح.
وإنه لأمر محيّر أن يتولد لديّ حاليا شوق للذهاب إلى ذلك العالم، عالم البرزخ الذي ذهب إليه أخونا بحياته المعنوية بل المادية وانكشف لروحي مشهد آخر.
وكما نتحاور ونتسامر مع إخوتنا في "إسبارطة" بالمراسلات ونحن مازلنا هنا، ونهدي لهم التحيات ونتجاذب أطراف الحديث معهم، كذلك عالم البرزخ الذي سكن فيه "الحافظ علي" قد أصبح في نظري مثل "إسبارطة" و"قسطموني". حتى طرق سمعي أنه قد رحل أحدهم هذه الليلة إلى هناك (أي توفي) فتأسفتُ أكثر من عشر مرات: لِمَ لم أَبعث معه السلام إلى "الحافظ علي"؟ ثم أُخطر إلى القلب: لا حاجة إلى وسائط لإبلاغ السلام. فإن رابطته كالتلفون، فضلا عن أنه يأتي ويستلم!
إن ذلك الشهيد العظيم قد حبّب إليّ مدينة "دنيزلي" فلا أَرغب في مغادرتها.
— 365 —
إن ما أنجزه هو و"محمد زهدي" و"الحافظ محمد" من خدمات في سبيل الإيمان والنور تدوم بإذن اللّٰه، وهم يشاهدونها من أَقرب موضع، وربما يعاونون في إنجازها.
وحيث إنهم قد أخذوا مواقعَ رفيعة لدى دائرة الأولياء العظام -من حيث خدماتهم الجليلة- فأنا أذكر ذينك الاثنين مع "الحافظ محمد" ضمن سلسلة الأقطاب وأبعث إليهم هدايانا.
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إن ما تتحلّون به من إخلاص ووفاء وثبات كاف لغضّ الطرف عن نقائص بعضِكُم للبعض الآخر وسترها وأنتم ترزحون تحت ثقل هذه المضايقات والمشقات. وإن رابطة الأخوة الموثوقة بسلسلة رسائل النور لَحسنةٌ عظيمة تذهب بألف سيئة. فينبغي التعامل بالمحبة والصفح فيما بينكم حسب رجحان الحسنات على السيئات كما هو في الحشر الأعظم حيث تُذهب العدالةُ الإلهية السيئات برجحان الحسنات. وبخلاف ذلك فإن الانفعال وسَورة الغضب إزاء سيئة واحدة، والإثارة المضرة الناجمة من الضجر والضيق، يكون ظلما مضاعفا.. نسأل اللّٰه أن تزيلوا الضجر والسآمة بمعاونة بعضكم البعض الآخر في السراء وبث السلوان.
إخوتي الأعزاء الميامين الأوفياء!
إن سبب عدم محاورتي معكم منذ بضعة أيام هو ما انتابني من مرض شديد مسمّم لم أرَ مثلَه لحدّ الآن.
فأنا أشكر اللّٰه عز وجل باسم رسائل النور إلى آخر رمق من حياتي، وأفتخر بإخوتي الثابتين الأقوياء العاملين الذين لا يتزعزعون ضمن دائرة "النور" [٭]: دائرة النور: المقصود مجموعة من طلاب النور في قرية "إسلام كوي" وفي مقدمتهم الحافظ علي. ودائرة "الورد"،
[٭]: دائرة الورد: المقصود مجموعة من طلاب النور في "إسبارطة" وفي مقدمتهم خسرو. مع الأوفياء المضحين في "قسطموني". وأجد السلوان التام والمرتكز القوي معهم إزاء جميع ما يصبّه الظلمة علينا من عذاب. وحتى لو مُتّ الآن لاستقبلتُ الأجل بصدر رحب وقلب بهيج، ما داموا موجودين.
— 366 —
إن أهل الدنيا تُساورهم شكوك وأوهام لا أساس لها أصلا، وكأنني أتحداهم وأبارزهم في الميدان، لذا ألقَوني في غياهب السجن؛ بينما القدرُ الإلهي ألقاني في السجن، لأنني لم ادعُهم إلى الخير ولم أحاول إصلاحَهم.
ولئن لبثتُ في السجن مع بضعٍ مِن أحبّتي فحسب، لطالبتُ السلطات في "أنقرة" بإجراء محاكمة علنية تهم العالم الإسلامي. وسنرسل إن شاء اللّٰه نسخا عدة من رسالة "الثمرة" وأجزاء من "الدفاع" بالحروف الجديدة، إلى المراجع العليا المهمة.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن قسما من الأحاديث النبوية متشابهات، ليس خاصا ولا جزئيا، ولا يتوجه إلى مواضع عامة. وقسم آخر من الأحاديث يبيّن من الفتن الدينية التي تصيب الأمة الإسلامية زمانا واحدا فقط ومواضع محددة كالحجاز والعراق مثالا لها.
وفي الحقيقة ظهرت في زمن العباسيين فرقٌ ضالة كثيرة أضرت بالإسلام كالمعتزلة والروافض والجبرية والزنادقة والملاحدة المتسیترين. وقد أَخمد أئمةُ الإسلام العظام كالإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل والإمام الغزالي والشيخ الكيلاني والجنيد البغدادي(٭) نارَ تلك الفتن التي دبّت في مجال الشريعة والعقيدة.
وعلى الرغم من مرور ثلاثمائة سنة على هذا الظهور الإيماني فإن تلك الفرق الضالة المتسترة قد أوقعت المسلمين في فتنة هولاكو وجنكيز خان عن طريق السياسة. وقد أشار الحديث الشريف والإمام علي رضي اللّٰه عنه إلى هذه الفتنة إشارة صريحة وبتاريخها. ولما كانت فتنةُ زماننا هذا أعظمَ الفتن فقد أخبرتْ أحاديثُ شريفة متعددة وإشارات قرآنية كثيرة عنها بتواريخها.
وقياسا على هذا، عندما يبيِّن حديثٌ شريف الأحداثَ التي تمر على الأمة بصورة كلية، يبين حادثة واحدة -أحيانا- بتاريخها كمثال من ذلك الكلي. فمثل هذه الأحاديث المتشابهة قد لا تُدرَك معانيها على الوجه الصحيح، وقد أَثبتت أجزاءُ رسائل النور إثباتا واضحا تأويلَ تلك الأحاديث، وأظهرتْ هذه الحقيقةَ مع قواعدها وأصولها في كل من "الكلمة الرابعة والعشرين" و"الشعاع الخامس".
— 367 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد أُخطر إلى قلبي أن أبين لكم حقيقة لئلا يتهم بعضُكم بعضا بالأنانية وعدم الوفاء.
لقد رأيت -يوما- من ولي عظيم قد ترك الأنانية وانمَحت نفسُه الأمارة. رأيت منه أنه يشكو بشدة من النفس الأمارة، فحرتُ في الأمر. ثم عرفت يقينا أنه لأجل إدامة المجاهدة المُثاب عليها إلى نهاية العمر تتحوّل أعتدة النفس الأمارة بموتها إلى العروق والمشاعر.
وهكذا يشكو أولئك الأولياء العظام من هذا العدو الثاني الوارث للنفس الأمارة.
فضلا عن أن القيمة والمقام والمزية المعنوية لا تتوجه إلى هذه الدنيا كي تُشعر بنفسها. بل إن بعضا ممن هم في أعلى المقامات، يعدّون أنفسهم أكثر الناس ضعفا وعجزا وإفلاسا لأنهم لا يستشعرون إحسانا إلهيا أُنعم عليهم. مما يدل على أن الكشف والكرامة والأذواق والأنوار التي تعتبر في نظر العوام مدارَ الكمالات لا تكون قطعا محكّا ولا مدارا لتلك المقامات والقيم المعنوية. ومما يُثبت هذه الحقيقةَ أنه بينما ساعةٌ واحدة من حياة صحابي كريم تعادل يوما من حياة وليّ، بل أياما من معاناته واعتكافه. لا تبدو في كل صحابي تلك الحالات الخارقة المعنوية والكشف كما هو لدى الأولياء.
وهكذا فيا إخوتي!
تأملوا جيدا وراقبوا أنفسكم لئلا تخدعكم نفوسُكم الأمارة بالسوء من زاويةِ قياس الآخرين بالنفس، ومن حيث سوء الظن بالآخرين، ولا تساورَكم الشبهة في أن رسائل النور لا تربّي طلابها.
— 368 —
إخواني الأعزاء الصديقين!
لقد كشف وزير المعارِف (التربية) النقاب عن وجهه وأظهر الكفر السافر في ثوب آخر. فقد كتب ذلك البيانَ بوسيلة أخرى قبل أن يتسلم دفاعاتنا الأخيرة. والواقع أنني لم أَكن أُفكر في إرسالها إلى تلك الدائرة، إلّا أنه بناءً على توصية إخواننا واستحسانهم فقد اتضح أن إرسالها كان ضروريا وملائما. لأن وزيرا متعصبا للإلحاد إلى هذه الدرجة لا يمكن أن يظل مكتوف اليد أمام تلك الأوراق والرسائل السرية الخاصة المرسلةِ إلى "أنقرة"، أو يقابلَها بعدم الاكتراث. ولقد وقعتْ تلك المرافعات غير القابلة للطعن وقع الصاعقة على رأسه. وحَسَنًا ما حدث.
ولسوف تَبعث تلك الرسائل بإذن اللّٰه تيارا قويا متعاطفا مع رسائل النور في تلك الدائرة أيضا.
إخوتي!
مادامت حقيقة بعض الناس على نحو ما بيّنّا. فإن الاستسلام لذلك البعض ما هو إلّا ضرب من الانتحار، بل يعتبر ندامة على الانتماء إلى الإسلام، بل يعد انسلاخا من الدين. لأنهم قد بلغوا من التعصب للإلحاد حدا لا يرضون من أمثالنا مجرد الطاعة والاستسلام والمصانعة، وإنما يقولون: دع قلبك ووجدانك وضميرك واعمل للدنيا وحدها.
ولا يسعنا تجاه وَضْعٍ كهذا سوى الحفاظ على كمال المتانة وضبط النفس والتوكل على اللّٰه عز وجل وتركِ الأمر إلى عنايته سبحانه، مع الدعاء لظهور رسائل النور عليهم بحقائق قوية والتي وصلتهم في أربعة صناديق.
هذا، وقد أَفادتنا التجارب مرارا بأن لا جدوى إطلاقا من وراء التهرب أو المجافاة أو إضمار مشاعر الاستياء بعضنا لبعض، ولا فائدة كذلك من الابتعاد عن رسائل النور أو محاولة الاستسلام لهم أو حتى الالتحاق بهم. وقد أثبت الزمان هذا بالتجارب.
لا تقلقوا أبدا! فمهما يكن من شيء فإن مخاوف ذلك الوزير خوف الفئران إن دلت على أمر فإنما تدل على جُبنه وضعفه، وهي لا تدل على محاولة الاعتداء بقدر دلالتها على اضطراره للتنصل والدفاع عن النفس.
— 369 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين المدركين لماهية التوكل وقيمته!
لم تكن لي الرغبة في قراءة أية صحيفة من الصحف ولا الاستفسار عنها منذ عشرين سنة خلت، إلّا أنني اليوم اطّلعتُ على موضوع في جريدة، مع الأسف ونزولا عند رغبة عدد من إخواننا الضعفاء، فأدركت: أن تيارات لها أهميتها تلعب دورها الخطر في الخفاء والعلن. ولما كنا نحن نُشاهَد في الساحة، فيردُ في الحسبان أن لنا علاقة مع تلك التيارات.
نسأل اللّٰه أن تكون لرسائل النور المرسَلة في أربعة صناديق والحاملةِ للدلائل القاطعة غيرِ القابلة للجرح مع مجموعة من دفاتر الدفاع نتائجُ تبشر بالخير لنا وللإيمان والقرآن والإسلام.
إننا لم نتدخل بأمور دنياهم، ولم يثبتوا علينا أي دليل كان على تدخلنا فيها، لذا اضطرت "أنقرة" إلى طلب جميع رسائل النور لإجراء التحقيق عليها.
فما دامت الحقيقة هي هذه، وقد شاهدْنا إلى الآن تجليَ العناية الربانية في العمل لرسائل النور بما لا يمكن إنكاره، وقد شعر كلٌّ منا بها جزئيا كان أم كليا، وما دامت التيارات السياسية العالمية تحشّد كلٌ منها قواها تجاه الآخر، ونحن لا نَقدر إلّا على الرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقََدره والسلوان العظيم السامي النابع من العمل للإيمان والقرآن والنور. فإنّ ألزم ما ينبغي لنا عمله هو عدم القلق والاضطراب، وعدمُ اليأس، وإسنادُ كل منا الآخرَ وإمدادُ روحه المعنويةِ، وعدمُ الخوف، واستقبال هذه المصيبة بالتوكل، وعدم الاكتراث بأقوال الصحف التي يطلقونها جزافا ويستهولون كل حبة صغيرة، بل علينا استصغار ما استعظموه من أمور.
إخوتي! إنه لا أهمية لهذه الحياة الدنيوية، وبخاصة في هذا الزمان وتحت هذه الظروف والضغوط. نعم، لنستقبل بالرضى كلَ ما يصيبنا.
— 370 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصادقين!
لقد وَجد بضعة من إخواننا سلوانا جميلا يسلون به أنفسهم. وهو على هذه الصورة. فهم يقولون:"إن قسما من إخواننا الحديثي العهد بالسجن، يتحملون هذه المصيبة ويصبرون عليها بضعَ سنين بل عشر سنين، من جراء عمل غير مشروع اقترفوه في ساعة أو ساعتين. بل يقول بعضُهم: حمدا للّٰه لقد نجونا من آثام أخرى، فلِمَ نشكو إذن من ضيق وعنت خيّر، من جراء عمل مشروع جدّا وخدمة إيمانية بوساطة رسائل النور، يستغرق بضعة أشهر؟"
وأنا بدوري أقول لهم: ألف ألف بارك اللّٰه فيكم.
نعم، إن مقاساة المرء خمسةَ أو عشرةَ شهور من المشاق بِنِيَّةِ إنقاذ إيمانه وإيمان غيره لخمس أو عشر سنوات، إنما هو مبعث شكر وافتخار واعتزاز في سبيل خدمة حلوة خيّرة سامية وعبادة فكرية رفيعة.
ولقد ورد في حديث شريف: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللّٰه بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" [٭]: انظر:البخاري، الجهاد ١٠٢، ١٤٣، فضائل الأصحاب ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١٠. فتأملوا في عدد الذين يُنقذون، أو سينقذون إيمانهم من أعاصير الشبهات الرهيبة بوساطة خدماتكم وكتاباتكم، سواءً هنا أو في أرجاء البلاد كلها أو في "أنقرة". فاشكروا ربكم من خلال الصبر والامتنان والرضى التام.
وإذا ما أصرّ حزبُ الشعب الجمهوري الحاكم في أنقرة وعاند تجاه رسائل النور ذاتِ الحجج الرصينة والمرسَلة إلى هناك، ولم يحاوِل حمايتها والحفاظ عليها بالمصالحة معها، فهذا يعني أن أفضل مكان لنا هو السجن. ويعني أيضا أن الملحدين قد وحّدوا بين الزندقة والشيوعية، وأن الحكومة ستضطر إلى الخضوع لأقوالهم. وعندئذٍ تنسحب "رسائل النور" من الميدان ويتوقف عملُها، وتبدأ المصائب المادية والمعنوية بالهجوم.
— 371 —
باسمه سبحانه
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾
(الأنعام:١٣٠)
جواب أستاذنا عن سؤال ورد لحل الإشكال في صدد بعثة الرسل من الجن أيضا كما هو مفهوم الآية الكريمة.
أخي العزيز!
حقا إن لسؤالك هذا أهمية كبيرة، ولكن لما كانت أهمُّ مهمة لرسائل النور، إنقاذَ الإنسان من شِباك الضلالة وظلمات الكفر المطلق، فإن تسلسل الأولوية يحُول دون بلوغ مثل هذه المسائل، فلا تفتح بابَ البحث فيها، علما أن السلف الصالح أيضا لم يبحثوا فيها كثيرا، لأن مثل هذه الأمور الغيبية المحجوبة قد يُساء فيها الاستعمال ويستطيع الماكرون أن يتخذوها وسيلة لمآربهم الذاتية. مثلما يخادع أصحابُ التنويم المغناطيسى في الوقت الحاضر الناسَ ويغررون بهم باسم تلقّي الأخبار عن الجن، لذا لا يُبحث في مثل هذه الأمور كثيرا، لئلا يُساء إلى الدين.
ثم إنه لم يبعث نبي في الجن بعد خاتم الأنبياء (ص).
ثم إن رسائل النور قد سعت في هذا الزمان لإثبات وجود الجن والروحانيين بحجج قاطعة لتُبطل مفهوم المادية الساري سريانَ الطاعون في البشرية. فنظرتْ إلى هذه المسائل بالدرجة الثالثة تاركة أمر تفاصيلها للآخرين.
ولعل اللّٰه يهيئ أحدَ طلاب النور فيفسّر "سورة الرحمن" ويحل هذه المسألة.
— 372 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول: إنا للّٰه وانا اليه راجعون (البقرة:١٥٦)
حقا إن وفاة "الحافظ علي" و"الحافظ محمد" و"محمد زهدي" ليس ضياعا كبيرا لنا ولإسبارطة وحدها، بل ضياعا أيضا للعالم الإسلامي. ولكن تجلي العناية الربانية قد جرى إلى الآن، أنه عند ضياع أحد طلاب النور، يليه مثنى أو ثلاث من الطلاب على النمط نفسه، فيظهرون في الساحة.
فنحن على أمل كبير أن يظهر طلاب جادّون -بشكل آخر- يؤدون وظيفة أولئك الأبطال، وسيظهرون بإذن اللّٰه. فلقد أدّى أولئك الميامين الثلاثة في فترة قصيرة مهمة مائة سنة من العمل.
نسأل اللّٰه أن ينیزل عليهم شآبيبَ رحمته بعدد حروف رسائل النور التي قرؤوها وكتبوها ونشروها.. آمين.
أبلغوا عني التعازي إلى أقرباء "الحافظ محمد" وقريته الطيبة، وأنا بدوري قد جعلتُه رفيقا للحافظ علي ومحمد زهدي وضممت أسماء أولئك الثلاثة بين أسماء أساتذتي الأقطاب. وقد جعلت "الحافظ عاكف" كذلك رفيقا لعاصم ولطفي.
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن في تأخير مسألتنا هذه خيرًا، والخير فيما اختاره اللّٰه. لأن محبة ذلك الرجل الميت الرهيب تُلقَّن في جميع المدارس والدوائر الحكومية وفي أوساط الشعب عامة. وستؤثر هذه الحالة تأثيرا أليما وفجيعا جدّا في العالم الإسلامي وفي المستقبل.
— 373 —
ثم إن حصول أولئك الذين لهم علاقة معه -وهم آخِر من يتخلون عنه- على رسائل النور التي تُثبت وتُظهر حججا قاطعة حول ماهية ذلك الرجل، وقراءتَها بلهفة وإمعان، حادثةٌ مهمة بحيث تجعل دخولَ ألوف من أمثالنا في السجن -بل حتى سوقَهم إلى الإعدام- زهيدا رخيصا في سبيل الذود عن الدين الإسلامي، لأنها تنقذ -في الأقل- أكثر المتمردين عتوا، من الكفر المطلق والارتداد عن الدين، وتخرجهم إلى كفر مشكوك فيه، ويحدّ من تعديهم الجريء وتجاوُزِهم المتعنت.
"ولتكن رؤوسُنا فداءً لحقيقة افتدتها ملايينُ رؤوس الأبطال".
هذه الجملة التي صدعتُ بها وجوهَهم في المحكمة ختام مرافعتي، أعلنّا بها أننا نَثبت حتى النهاية، فلا نتخلى عن هذه الدعوى، وآمل أن لا يكون فيكم من يتخلى عنها، فما دمتم قد صبرتم وصمدتم حتى الآن، فتجمّلوا بالصبر والتحمل فإنّ قسمَتنا من الرزق ووظيفتَنا هنا لم تنتهيا بعدُ.. ولن تكون هناك حركة عنيدة مضادة لرسائل النور دفاعا عن مسلك الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائم اللذَين أثبتتهما "رسالةُ الثمرة" بحجج دامغة لا يمكن إنكارها، بل ستُبحث عن وسيلة للمصالحة أو التَرك. والصبر مفتاح الفرج والسرور.
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الذين يسوموننا العذابَ قد قبضوا بأيديهم على وسائل الحياة ومباهج الحضارة والمُتع والملذات ويتهموننا: أننا لا نعبأ بذلك الطراز من الحياة، بل يدينوننا على ذلك، حتى إنهم يريدون أن يعاقبونا بالإعدام أو بعقوبات مشددة من السجن، ولكن لا يجدون حجة قانونية لذلك.
أما نحن فنقبض بأيدينا على الموت الذي هو ستارٌ دون الحياة الباقية، ونسعى أيضا بكل ما نملك من قوة لإنقاذهم من تبعات المسؤولية الحقيقية، ومن الحُكم عليهم ومن الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائمي. حتى إنهم إذا أصدروا أشد العقوبات عليّ بسبب الرسائل
— 374 —
القوية المرسَلة إلى "أنقرة"، فإن قلبي وكذا نفسي تطاوعاني على إنیزال تلك العقوبات الصارمة بي إذا نجا أولئك الذين يُصدرون تلك الأحكام من إعدام الموت بسبب تلك الرسائل. بمعنى أننا نريد لهم الحياة في كلا العالَمين ونتحرى لهم عن دواعي ذلك، أما هم فيريدون القضاء علينا ويتشبثون بحجج لذلك.
ألا إن حقيقة الموت الظاهرةَ كالشمس والمشاهَدةَ جليا كالنهار والمصدّقةَ بثلاثين ألف جنازة يوميا من البشر، تُعلن وتبين لأهل الضلالة ثلاثين ألفا من إعدام أبدي وثلاثين ألفا من سجن انفرادي.
إننا لسنا مغلوبين أمامهم. ليقضوا ما هم يقضون. فالآية الكريمة:
﴿ فإنّ حزب اللّٰه هُم الغالبُون ﴾
(المائدة:٥٦) تبشّر بظهورنا عليهم منذ اثنتى عشرة سنة...
ما دام الأمر هكذا سنقول بعد الآن للمحكمة وللناس:
إننا نسعى لإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي للموت الماثل أمامنا والذي يرقبنا، ونجهد للنجاة من السجن الانفرادي الدائمي المظلم للقبر الذي فتح بابه على مصراعيه داعيا لنا، ويُقحمنا فيه... إننا نعاونكم في إنقاذ أنفسكم من تلك المصيبة التي لا حيلة لكم دونها.
إلّا أن أهم مسألة دنيوية وسياسية في نظركم، قليلةُ الأهمية في نظرنا وفي نظر الحقيقة، بل لا أهمية لها ولا قيمة لدى الذين لم يُعهد إليهم بتلك الوظائف، بل تُعدّ من الأمور التي لا تعنيهم بشيء. بينما الوظيفة الضرورية الإنسانية التي ننهمك بها، لها علاقات مع الناس قاطبة وفي الأوقات كافة.
فالذين لا يروق لهم وظيفتُنا هذه ويحاولون رفعَها وإزالتها، عليهم رفعَ الموت أولا وإزالته وسدّ باب القبر وغلقه.
— 375 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنه لَتجلٍ من تجليات العناية الربانية انفجارُ وزير التربية بالغيظ والحقد وقذفه جام غضبه وهجومه العنيف علينا قبل أن يرى دفاعاتنا ويدرسَ أوراقنا وكتبنا، بل كان ذلك بشعور مبطّن منه. وبينما كنا ننتظر أن تتخذ "أنقرة" تجاهنا طورَ الشدة والعنف، بالنسبة لعِظم المسألة، والناشئة من تدقيق أعلى المستويات في الدولة الرسائلَ السرية الخاصة أمثال "الشعاع الخامس" و"ذيل الهجمات الست" ودفاعاتي التي تتعرض بشدة للكفر المطلق وتُنیزل ضرباتها به بكل شجاعة. أقول بينما كنا ننتظر ذلك إذا بتلك المَراجع العليا في "أنقرة" تأخذ موقف اللين، بل بما يتسم بالمصالحة.
إن حكمة واحدة من تجلي العناية الربانية هذه هي قراءة رسائل النور قراءة عامة تشمل البلاد كلها، وقراءتُها في المراجع العليا في الدولة قراءة بإمعان وبشوق، فلا شك أن قراءة درس رفيع كهذا الدرس، وفي هذا الزمان بالذات، وفي مجتمعات واسعة ودوائر رفيعة كلية هي عناية ربانية، وأمارة قوية على ظهور رسائل النور على الكفر المطلق.
إخوتي!
إن قسما من أصحاب العوائل ذوي الموارد القليلة، قد يجدون لأنفسهم عذرا بالانسحاب من ميدان رسائل النور والتنائي عنا وربما التخلي عن رسائل النور تحت هذا العنف والضيق والأضرار التي لحقت بهم.
فبينما كنت أفكر في هذا الظن المحتمل، تبدّل الأمر بعد الإفراج. فأقول:
إن الذي دفع كل هذه الأثمان الغالية المادية والمعنوية حفاظا على هذه البضاعة القيّمة النفيسة جدا، وتحمَّل صنوفَ العذاب في سبيلها، إذا ما تخلى عنها فقد خسِر خسرانا مبينا. وإنه لَضرر لا مبرر له للشخص وللخدمة معا إذا ما تخلى أحدُهم عن أجزاء رسائل النور وانقطعت علاقتُه عمّا يتعلق بها وتَرَك الحفاظ علينا وأحجم عن مدّ يد العون إلينا وودّع الخدمة كليا. لذا ينبغي عدم استبدال شيء بالوفاء والارتباط والصلة وخدمة الإيمان، مع أخذ الحذر.
— 376 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنه لَتجلٍ من تجليات العناية الربانية وحماية من الحفظ الإلهي، أَنْ غُلب الخبراء في "أنقرة" أمام حقائق رسائل النور. ومع أن هناك أسبابا كثيرة للنقد والاعتراض إلّا أنهم قرروا براءتها -حسب ما سمعت- علما أن العبارات القوية الشديدة للرسائل السرية الخاصة، وتحدّياتِ الدفاعات التي تتعرض لهم، والهجومَ العنيف لوزير التربية، ووجودَ عضوين ترَبَّيا على الفلسفة المادية في هيئة الخبراء من منتسبي وزارة التربية، ووجودَ عالم كبير يؤيد مستحدثات الأمور (الانقلابات) وإثارةَ منظمة الزندقة المتسترة منذ سنة وراء حزب الشعب الجمهوري ووزارة التربية ضدنا.. أقول: بينما كنا ننتظر أن تُصدِر هيئةُ الخبراء اعتراضات شديدة -للأسباب المذكورة- واتهامَنا اتهامات تُنیزل بنا أقصى العقوبات، أغاثتنا الحمايةُ الإلهية والعناية الرحمانية، وأظهرت لهم المقامَ الرفيع لرسائل النور وصرفَتهم عن الانتقادات الشديدة، حتى إنهم لأجل إنقاذنا من العقوبات، وصرفِ النظر عن كوني مجرما سياسيا له سوابق -من قضية "أسكي شهر" وحادثة "٣١ مارت" المشهورة- وكوننا لا نعمل إلّا للدين والعقيدة، وإظهارِ عدم وجود تآمر سياسي في عملنا، قالوا:
"إن سعيدا النورسي منذ السابق يدّعي أحيانا وراثة النبوة، ويتخذ طورَ المجدد في خدمة القرآن والإيمان، أي إنه يتصرف أحيانا تصرف منجذب بجذبة روحية".
فهذه الفقرة التي هي من التعابير الفلسفية الملحدة، والتي تعني أن الشخص أيا كان طالما يعمل للدين فهو إذن يعمل للتجديد بوراثة النبوة!
ولقد استعملوا ذلك التعبير الفلسفى الملحد بانتقاد حسنِ الظن المفرط لدى بعض إخواننا، وإسناد الانجذاب الروحي والانتشاء إليّ في أثناء كلامي العنيف، لأجل تبرئتي من السياسة والحيلولة دون إنیزال العقوبة بي، فضلا عن تخفيف حدّة معارضينا وأعدائنا بنوع من التلطيف، ولأجل كسر ما فيّ أيضا -حسب ظنهم- من حُب للجاه يقينا والأنانية وقصد المصلحة والنفع الذاتي، قياسا على الآخرين.
— 377 —
ولكن رسائل النور كلها من أولها إلى آخرها جوابٌ واضح وضوحَ الشمس إزاء ذلك التعبير وتزيل كل معنى يُشم منه ذلك التعبير ويمحيه، بأن مسلكَنا هو ترك الأنانية والغرور والالتزام بالأخوة. لذا فلا شطحات تنم بالغرور عندنا. فضلا عن أن حياة "سعيد الجديد" في رسائل النور المتسمة بالتذلل للّٰه، وتعديله حسن الظن المفرط لدى إخوانه بدروس مكررة دون النظر إلى شعور أحد، تزيل كلَ ما يُشم من ذلك التعبير من معنى.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لا أرسل إليكم حاليا القرارَ الذي اتفقت عليه هيئةُ الخبراء، لئلا يتضرر المخبر والكاتب.
إن هذه الهيئة الأخيرة قد حاولتْ بكل ما لديها من جهد أن تنقذنا وتحافظ علينا من شر أهل الضلالة والبدع، فقد أقرت بالاتفاق على براءتنا من كل ما أُسند إلينا من التهم، شاعرين بمسؤوليتهم تجاه رسائل النور التي استرشدوا بها. وأن أكثرية الرسائل قد كتبت كتابة علمية إيمانية، وأن "سعيدا" يبين ما اقتنع به بيانا جادا خالصا، وأن ما لديه من قوة واقتدار ليسا كما يُسنَد إليه من إحداث طريقة صوفية وتأسيس جماعة والمجابهة مع الحكومة، بل قوتُه واقتداره ليستا إلّا لإبلاغ حقائق القرآن إلى المحتاجين إليها.
وقالوا أيضا بشأن الرسائل السرية الخاصة التي عُبِّر عنها: إنها غير علمية: "إنه ينجذب أحيانا جذبات روحية ويراوده هيجان الشعور واضطراب الروح، فلا ينبغي أن يكون مسؤولا بسبب هذه المؤلفات". هكذا يُفهم من قرارهم.
وكذا أنه بتعبير "سعيد القديم" و"سعيد الجديد" له شخصيتان، وفي الثانية قوة إيمانية خارقة وعلم حقائق القرآن.
وقالوا مراعاةً لمشاعر أهل الفلسفة المادية: "ربما ينجذب روحيا، وله خلل في الدماغ". قالوا ذلك لأجل إنقاذنا من تبعات التعابير العنيفة للرسائل السرية الخاصة، ولتهدئة شعور معارضينا، وقالوا أيضا -ضمن هذا الشعور-: "ربما هو مصاب باختلال عقلي يرى الخيالَ واقعا".
— 378 —
إن ما يُبطل احتمالَهم هذا من أساسه والجواب الشافي الكافي لهم هو ما حصلوا عليه من رسائل النور التي سبقت جميعَ العقول، ورسالة "الدفاع" و"الثمرة" اللتان أوقعتا جميع المحامين في حيرة وإعجاب.
إنني أَحمد اللّٰه كثيرا أنه قد وُهب لي -بهذا الاحتمال- ما يشير إليه حديث شريف.
ثم إن خبراء قد قرروا بالاتفاق على تبرئة ساحتنا جميعا -أنا وإخوتي- من التهم ويقولون: "إنهم ارتبطوا بسعيد بسبب مؤلفاته العلمية الدقيقة إنقاذا لإيمانهم وآخرتهم. ولم نجد أية أمارة أو صراحة تشير إلى سوء قصدهم تجاه الحكومة لا في مراسلاتهم ولا في كتبهم" ووقّع القرارَ ثلاثةُ أشخاص: أحدهم الفيلسوف نجاتي، والآخر يوسف ضياء (عالم) وآخر الفيلسوف يوسف.
وإنه لَتوافق لطيف، إذ بينما نطلِق على هذا السجن أنه مدرسة يوسفية بحقّنا، وأن رسالة "الثمرة" ثمرتها، فإن هذين المسمّيين بی"يوسف" قالوا بلسان الحال: نحن أيضا لنا حصة خفية في درس هذه المدرسة اليوسفية.
أما دليلهم اللطيف على الجذبة والانجذاب الروحي، فهو عبارةُ: "الكلمة الثالثة والثلاثون والمكتوب الثالث والثلاثون بثلاث وثلاثين نافذة.." وأمثالها من التعابير.. وكذا "إنه يسمع تسبيحات القطط بی: يا رحيم يا رحيم.. وإنه يعدّ نفسه شاهد قبر.." فأظهروا هذه التعابير دليلا على الانجذاب ورؤية الخيال واقعا!
سعيد النورسي
— 379 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
ما دمنا نحن تحت العناية الربانية كما تشير إليها أمارات كثيرة، وأن رسائل النور لم تُغلَب تجاه أعداءٍ ظلمة كثيرة جدا، وأنها أسكتت إلى حدّ ما وزيرَ التربية وحزب الشعب الجمهوري، وأن الذين استهولوا مسألتنا كليا حتى أوقعوا الحكومة في قلق واضطراب سيحاولون بكل وسيلة إخفاءَ أكاذيبهم وافتراءاتهم.. فلابد أن نتحلى بالصبر والحيطة مع كمال الاستسلام لأمر اللّٰه والثبات على الخدمة وعدم الوقوع في خيبة الأمل بالذات، وعدم اليأس من ظهور خلاف المأمول، وعدم التزعزع أمام أعاصير مؤقتة زائلة.
نعم، إن خيبةَ الأمل التي تفتّ من القوة المعنوية لأهل الدنيا وتكسر شوكتَهم، تكون لطلاب رسائل النور الذين يرون ألطاف العناية ولمسات الرحمة تحت المشاق والمضايقات والمجاهدات، دافعةً إلى العمل والجد.
ولقد ساقني أهلُ الدنيا السياسيون قبل أربعين سنة إلى مستشفى المجاذيب بإلصاق جنون مؤقت بي. فقلت لهم: إن ما ترونه عقلانيا أراه خلافا للعقل، فأنا أتبرأ من مثل هذه الأمور. وأرى أن هذه القاعدة تسري فيكم:
"وكل الناس مجنونٌ ولكن على قدر الهوى اختلف الجنون"
والآن كذلك أقول الكلامَ نفسه إلى الذين أسندوا الجنون المؤقت إليّ لإنقاذي وإنقاذ إخواني من مسؤولية كبيرة، وكأنَّ نوعا من جنون ينتابني من حيث الرسائل السرية الخاصة. وأُعيد القول مع بيان رضاي من الجنون من جهتين:
الأول: لقد ورد في حديث شريف ما معناه: أن من أكمل المؤمنين إيمانا أن يعدّه الناسُ مجنونا. [٭]: هناك روايات كثيرة بهذا المعنى، نذكر منها: "أكثروا ذكر اللّٰه حتى يقولوا: مجنون". (انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٦٨، ٧١؛ عبد ابن حميد، المسند ص ٢٨٩؛ ابن حبان، الصحيح ٣/٩٩، البيهقى، السنن الكبرى ٩/١٥٣؛ المنذرى، الترغيب والترهيب ٢/٣٩٩؛ الحاكم، المستدرك ١/٤٩٩).
— 380 —
الثاني: إنني لا أرضى فقط بإسناد الجنون إليّ وحده بل أضحى بعقلي الكامل وحياتي كلها وبكل فخر واعتزاز لأجل إنقاذ إخواني وسلامتهم ونجاتهم من ظلمات هذا السجن.
وإذا ارتأيتم أن تُكتب رسالةُ شكر إلى أولئك الذوات الثلاث ويبلَّغون أننا نشركهم في مكاسبنا المعنوية فافعلوا.
إخواني الأوفياء الصادقين، ورفقائي المخلصين في خدمة القرآن والإيمان.
لمناسبة دنو زمن فراق بعضنا بعضا. ينبغي لكلٍ منكم التجاوز عن تقصير أخيه والصفح عنه كليا عما سببته الانفعالاتُ من الضجر والذنوب التي حالت دون الحفاظ على دساتير الإخلاص. فأنتم أقوى أخوّةً من أشقّاء النسب، والأخ يستر تقصير أخيه، ويتناسى نقصه، ويصفح عنه.
فأنا هنا لا أحيل اختلافكم وأنانيتكم غير المتوقعة إلى النفس الأمارة، ولا أجده لائقا بطلاب النور، بل أعدّه نوعا من أنانية مؤقتة التي توجَد في أولياءَ صالحين ممن تركوا نفوسهم أيضا.
فلا تخيّبوا يا إخواني حسنَ ظني بكم بالإصرار والعناد. تصالَحوا.