— 361 —
(حالة جزئية اعتيادية بسيطة من أحوالي استوجبت كتابتَها إليكم)
إخوتي! إنني اقتنعت قناعة تامة أنَّ العين تصيبني وتؤثر فيّ تأثيرا شديدا وتمرضني. وقد جربت هذا كثيرا.
فأنا أُحب مصاحبتكم من صميم روحي في كل الأحوال ولكن حسب القاعدة المشهورة: "النظر يدخل الجملَ القِدر والرجلَ القبر" [٭]: انظر: القضاعي، مسند الشهاب ٢/١٤٠؛ الديلمي، المسند ٣/٧٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٣٩٧. تصيبني العينُ والنظر. لأن الذي ينظر إليّ إما أنه ينظر بعداوة شديدة، أو بالتقدير والاحترام، فكلا النظرَين أيضا موجودان لدى بعض الناس الذين يحملون خاصية الإصابة في نظرهم، لذا إذا كان من المستطاع ولم يرغموني على مرافقتكم، فلا آتي المحكمة برفقتكم دائما.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
حسب مضمون الآية الكريمة:
﴿ وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًَا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
(البقرة:٢١٦) والقاعدةِ المقررة: "الخير فيما اختاره اللّٰه" فإن بلوغ أكثر الرسائل سرّيّة إلى أيادي أغرب الناس عنّا، وتحدّيها لأعتى المتكبرين، وإظهارَ أخطاءِ مَنْ هم في أعلى مناصب الدولة.. جعلتها تنسلُّ من تحت ستار القاعدة المقررة: "سِرًّا تَنَوَّرَتْ". فقد كان الغرض إلى الآن استصغار قضية رسائل النور ولكن على كل حال قد علموا أنها قضية عظيمة جدا، وأنّ جلبها للأنظار يفتح السبيل إلى فتوحات باهرة جديدة للرسائل ويُلجئ كذلك أعداءَها إلى قراءتها بإعجاب واهتمام. حتى إنها نوّرت كثيرا من المترددين في محكمة "أسكي شهر" والمتحيرين والمحتاجين وأنقذتهم. فبدّلت مشقاتنا تلك إلى رحمات. وستُظهر تلك الخدمة المقدسة فتوحاتِها بإذن اللّٰه هذه المرةَ في ساحة أوسع وفي محاكم كثيرة، ومراكز عديدة.
نعم، إن مَن يُشاهد أسلوبَ بيان رسائل النور لا يمكن أن لا يهتم بها، فهي لا تشبه المؤلفات الأخرى بتأثيرها في العقل والقلب وحدهما، بل تسخّر أيضا النفسَ والمشاعر.
— 362 —
إن تبرئة ساحتكم والإفراج عنكم لا يضر هذه الحقيقة ولكن براءتي أنا فيه ضرر. لأنه حتى نفسي الأمارة قد قبلتْ بأن أُضحّى لأجل حقيقة واحدة تمس العالم الإسلامي لا بحياتي الدنيوية وحدها بل إذا لزم الأمر بحياتي الأخروية وسعادتِها أيضا في سبيل إسعاد أهل الإيمان برسائل النور.
إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين!
لقد غيرتُ أحد أدعيتي منذ بضعة أيام، إذ رفعتُ كلمة "الصادقين" من دعائي الذي يضم: "واغفر لنا".. أو "وفّق طلبة رسائل النور الصادقين". والذي كنت أكرره لحدّ الآن مائة مرة أحيانا. وذلك لئلا يُحرَم من تلك الأدعية أولئك الإخوة الذين يرون أنفسهم مضطرين إلى العمل بالرخصة الشرعية ويتبرؤون منّا ظاهرا، مما يسببه الضيقُ والشبهات المثارة من ضجر ويأس واتخاذ موقف يخالف العزيمةَ والوفاء.
أخي العزيز الحافظ علي!
لا تهتم لمرضك، نسأله تعالى أن يرزقك الشفاء. آمين. فإنك رابح غانم كثيرا، لأن كل ساعة من العبادة في السجن بمثابة اثنتي عشرة ساعة. فإن كنت محتاجا إلى الدواء فلديّ بعضه لأرسله إليك. علما أن وباءً خفيفا منتشر في الأوساط. ففي اليوم الذي أذهب فيه إلى المحكمة أَمْرَضُ بلا شك.. ولعلك أصبحت معينا لي في ذلك فأخذت شيئا من مرضي، كما كانت تحدث بطولات خارقة سابقا، فيتمرض أحدهم بدلا من أخيه أو يموت بدلا منه.