— 329 —
الشعاع الثالث عشر
هذا الشعاع عبارة عن رسائل نيّرة في غاية الأهمية، بعث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه (في السجن) وهي تبيّن بوضوح تام جهادَ رسائل النور الساطع. %
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت (ليلة القدر) مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما أملك، وأودعكم أمانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.
ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمونُ "من آمَنَ بالقَدرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ" كافٍ ويغني، إلّا أنني أقول: لقد شاهدت شهودَ يقينٍ السلوانَ الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة:
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾
(الطور:٤٨) وذلك:
بينما كنت أتأمل في قضائنا شهرَ رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فشاهدتها شهودَ عيان أنها محض العناية الإلهية لي ولرسائل النور ولكم ولشهر رمضاننا ولأُخُوتنا.
وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة أذكر بضع فوائد منها فقط:
أولاها: أنها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلبا على المرض.
— 330 —
ثانيتها: أن الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم والقرب منكم في هذه السنة أيضا، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها إزاء لقاء واحد منكم والمجيء إلى "إسبارطة".
ثالثتها: أن جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في "قسطموني" أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهَد أن يد عناية ربانية وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بی: "الخيرُ فيما اختاره اللّٰه" وتستقرئ رسائل النور -التي أفكر فيها دوما- حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.
إنه إزاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيرا، فضلا عن آلامي، ووقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الأثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.
ثم إن الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا أن الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست إلّا متجرا مؤقتا، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا أن المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة، قد بدّلت -هذه الفوائد- التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: "الحمد للّٰه على كل حال سوى الكفر والضلال".
فإلى جانب هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص أُخُوتنا، وتخص رسائل النور، وشهرَنا المبارك، شهرَ رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتْكم تلك الفوائدُ على القول: "يارب لك الحمد والشكر، حقا إن هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا". وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.
لا تعاتبوا -يا إخوتي- الذين أصبحوا السبب في وقوع الحادثة، إن هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، إلّا أنها جاءت مخففة معنًى وستزول بسرعة بإذن اللّٰه، فلا تتألموا بل استرشِدوا بالآية الكريمة:
﴿ وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ ﴾
(البقرة:٢١٦).
سعيد النورسي
— 331 —
إخوتي الأعزاء!
إنني محظوظ جدّا لوجودي بقُربكم، وأخاطِب أحيانا خيالَكم فأجد السلوان. اعلموا أنه لو كان من المستطاع لتحمّلت جميعَ مشاقّكم وضيقكم، وبكل فخر وسرور.
فأنا أُحب لأجلكم "إسبارطة" وحواليها بترابها وحجرها، حتى إنني أقول، وسأقوله في المحافل الرسمية: لو عاقبني مسؤولو الدولة في "إسبارطة" وبرّأتني ولايةٌ أخرى لفضّلت هذه المدينة أيضا.
نعم، إنني من إسبارطة بثلاث جهات رغم أني لا أستطيع الإثبات تاريخيا، ولكن لي القناعة بأن أصلَ "سعيد" المولود في ناحية "إسباريت" [٭]: ناحية تقع بقربها قرية "نورس" حيث مسقط رأس الأستاذ النورسي. قد رحل من هنا.
وكذا فإن ولاية إسبارطة قد وهبت لي من الإخوة الصادقين ما يجعلني لا أضحّي لأجل كل منهم بی"عبد المجيد" وبی"عبد الرحمن" بل أضحّى بسعيد وبكل امتنان ورضى.
إنني أعتقد أنه ليس هناك على الكرة الأرضية -حاليا- مَن يعاني من الضيق قلبا وروحا وفكرا أَقل من طلاب النور، لأن قلوبَهم وأرواحهم وعقولهم لا تعاني الضيق بفضل أنوار الإيمان التحقيقي. أما المصاعب المادية والمشقات الدنيوية فهم يقابلونها بصدور ملؤها الشكر والصبر لِما تعلّموه من رسائل النور أنها عابرة تافهة، حاملةٌ للثواب ووسيلةٌ لانفتاح مجال عملٍ لخدمة الإيمان وتوسعها.. فهم يُثبتون بأحوالهم أن الإيمان التحقيقي هو مبعث السعادة حتى في دار الدنيا.
نعم، إنهم يسعَون بجدٍ لتحويل هذه المشقات الفانية إلى رحمات باقية، قائلين:
"لنرَ المولى ماذا يفعل، إنما يفعله هو الأجمل".
نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يُكثر من أمثال أولئك ويجعلهم مدار شرف هذه البلاد واعتزازها وسعادتها ويرزقهم السعادة الأبدية في جنة الفردوس. آمين.
سعيد النورسي
— 332 —
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إن نیزول هذا القضاء الإلهي بنا -من زاوية عدالة القدر- ناشئٌ من ميلِ عددٍ من طلاب النور الجدد إلى كسب أمور دنيوية أيضا برسائل النور، مما لا ينسجم مع سر الإخلاص؛ لذا وجدوا أنفسهم أمامَ نفعيين دنيويين، منافسين لهم.
إن الحصول على رسالة كُتب أصلها قبل خمس وعشرين سنة (أي الشعاع الخامس) في مكان بعيد، والتي لم أحصل عليها إلّا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيّعت في الوقت نفسه دفع أشباه العلماء إلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.
وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة "الآية الكبرى" مع عدم موافقتي- بدلا من رسالة "مفتاح الإيمان" [٭]: كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور.. التي كنت أرغب في طبعها، بالحروف الجديدة، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس -هذا الخبر- على الدوائر الحكومية، فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى. فكأن "الشعاع الخامس" قد طبع، خلافا للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة. حتى زجّونا ظلما وعدوانا في هذا المعتكف (السجن).
أما القدر الإلهي فقد ساقنا إلى هنا لنكسب به منافع. فلقد أكسبنا ثوابا عظيما أكثر مما كان يغنمه الزهادُ المنیزوون في معتكفاتهم الاختيارية. ودعانا القدرُ الإلهي إلى المدرسة اليوسفية مرة أخرى ليعلّمنا درسَ الإخلاص تعليما تاما، وليقوّم علاقاتِنا وأواصرنا مع الدنيا التي هي تافهة حقا.
إننا نقول إزاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم: إن "الشعاع السابع" (رسالة الآية الكبرى) من أوله إلى آخره بحث في الإيمان، فلقد التبس عليكم الأمر وانخدعتم. وإن الشعاع الخامس يختلف عنه كليا وهو رسالة خاصة وسرّيّة للغاية حتى لم يعثَر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة. وإن أصل هذه الرسالة قد كتب قبل عشرين سنة فنحن لا نرضى بطبعها وحدها بل ولا بإراءتها أيضا إلى أي أحد كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحدا.
— 333 —
باسمه سبحانه
مع تهنئتي لكم بعيدكم السعيد مرة أخرى، أقول: لا تتأسفوا على عدم اللقاء فيما بيننا لقاءً ظاهريا، فنحن في الحقيقة معا دائما. وستدوم هذه المعية في طريق الأبد بإذن اللّٰه. وإنني على قناعة من أن الأثوبة الأبدية التي تكسبونها في عملكم في سبيل الإيمان والفضائل والمزايا الروحية والمباهج القلبية التي تحصلون عليها تزيل الغموم والضجر الذي ينتابكم مؤقتا في الوقت الحاضر.
نعم، إنه لم يحصل لحدّ الآن نظير ما حصل لطلاب النور بمعاناتهم أقل مشاق في سبيل أعظم عمل مقدس. نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحو الحياتَينِ معا له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم. فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنیزل بنا بالرضا والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته.
إن أحد إخواننا الأبطال قد تحمل المسؤولية الكاملة المترتبة على طبع رسالة "الآية الكبرى". أنه أظهر حقا أنه أهلٌ للفضيلة والشرف الأخروي الرفيع، باستنساخه للحزب القرآني [٭]: الحزب القرآني: عبارة عن مجموعة آيات مختارة من سور القرآن الكريم والتي تعمق الإيمان وتخص التفكر الإيماني في الكون. والحزب النوري. [٭]: الحزب النوري: عبارة عن خلاصة تأملات فكرية، كتبها الأستاذ النورسي باللغة العربية. لقد أبكتني حالتُه بكاءً ممزوجا بسرور عميق.
فلقد جلب الشعاع السابع (الآية الكبرى) الأنظار إليها، إذ المصادرة الحالية المؤقتة تنطوي على حكمةِ تهيئة مجالاتٍ وفتوحات لائقة بها في المستقبل. فنحن نأمل من رحمته تعالى أن لا يُضيِّع خدماتِ ومصاريفَ أخينا المذكور ورفقائه بل يجعلها ساطعة منورة. إن الذي يُدخلكم جميعا ضمن أدعيته الواردة بصيغة المتكلم مع الغير، أمثال: "أجِرنا، وارحمنا، واحفظنا"، دون استثناء أحدٍ منكم، ويسعى على وفق دستورنا: "الاشتراك المعنوي" الذي هو بمثابةِ أجساد كثيرة وروح واحدة، ويتألم أكثر من آلامكم ومقاساتكم، وينتظر الهمة والعون والثبات والمتانة والشفاعة من شخصكم المعنوي هو:
أخوكم
سعيد النورسي
— 334 —
أخي العزيز الصادق السيد رأفت!
إن أسئلتكم المتّسمة بالعلم، قد أصبحت مفاتيحَ لحقائق جليلة من مجموعة "المكتوبات" لكليات رسائل النور، لذا لا أقف غير مكترث بأسئلتكم. فالجواب المختصر لهذا السؤال هو:
لما كان القرآن الكريم خطبةً أزلية، يخاطب طبقات البشر كافة وطوائف أصحاب العبادة كافة، فلا بد أن يكون له من معانٍ متعددة على وفق مداركهم، وأن يتضمن معناه الكلي مراتبَ كثيرة. وقد يفضّل بعضُ المفسرين المعنى الأعم فحسب، أو المعنى الصريح وحدَه، أو الواجب فقط، أو المعنى الذي يفيد سُنَّة مؤكدة. فمثلا: يذكر أن قوله تعالى: وَمِنَ الّليْلِ فَسَبِّحْهُ (الطور:٤٩) يبين ركعتي صلاة التهجد التي هي سنّة نبوية مهمة، واستخلص من قوله تعالى: وإدْبَارَ النَجُوم أنها سُنّة الفجر المؤكدة. والحال أن المعنى الأول له أفراد كثيرة جدّا فضلا عن ذلك المعنى.
أخي! إن المحاورة معك لم تنقطع.
إخوتي الأعزاء الأوفياء:
أدّيتُ الآن صلاة الظهر، ووردتم بخاطري في أثناء الأذكار، بأن كلا منكم يحزن لتفكّره بنفسه وبأحوال أقاربه الساكنين معه. وفجأة ورد إلى القلب:
إن الذين آثروا آخرتَهم على دنياهم في السابق قد انیزووا في مغارات وصوامعَ إنقاذا لأنفسهم من آثام الحياة الاجتماعية. وذلك سعيا لكسب الآخرة سعيا خالصا، وقد قضوا حياتهم في المداومة على الرياضة الروحية.. أقول لو كان أولئك في هذا الزمان لكانوا طلابا لرسائل النور.
فلاشك أن هؤلاء -وهم تحت هذه الظروف الحالية- محتاجون أكثر من أولئك بعشر مرات، ويغنَمون من الفضائل والمزايا أكثر منهم بعشر مرات، و ينعمون بالاطمئنان أكثر منهم بعشر درجات.
— 335 —
إخوتي الأعزاء الميامين!
سلام وافر كثير.. لقد كنا في مدينتنا سابقا نقرأ سورة "الإخلاص" ألف مرة يوم عرفة، ولكني الآن أستطيع قراءتها خمسمائة مرة قبل يوم عرفة بيوم وخمسمائة مرة يوم عرفة. فمن يستطع منكم أن يقرأها كلَها مرة واحدة فليفعل. وعلى الرغم من أنني لا ألتقيكم ولا بواحد منكم، ولكنني في أغلب الأوقات أستطيع رؤية كل منكم وألتقي به لقاءً خاصا ضمن الدعاء وأحيانا باسمه.
إخوتي الأعزاء!
لقد تألمت في أذكار صلاة الفجر اليوم على حال "الحافظ توفيق"،(٭) إذ خطر لي أنه يعاني للمرة الثانية المشاق والعنت. ولكن خطر بالبال فجأة: هنّئه! إنه كان يرغب في أن يسحب نفسه قليلا عن المقام العظيم لرسائل النور ويتخلف عن كسب حظها العظيم لأجل حذرٍ لا نفع فيه. بيد أن قدسية عمله وعظمتَه وفّقته أيضا لاغتنام تلك الحصة العظيمة وذلك الثوابِ الجزيل. نعم، ينبغي عدم التخلف عن مثل هذا الشرف المعنوي الرفيع لأجل تعب قليل وضيق عابر.
نعم، يا إخوتي! لما كان كلُ شيء عابرا زائلا. إن كان لذةً ومتعة، تذهب دون جدوى وتخلّف حسرة وأسفا. بينما يَدَع فوائد جليلة دنيوية وأخروية إن كان تعبا وضيقا، من حيث زاوية نظر الخدمة المقدسة. حيث تنطوي على فوائد لذيذة حلوة تزيل تلك المشقات. فإني أطمئنكم بأنني راضٍ عن حالي وأتحلّى بالصبر الجميل والشكر الكامل على الرغم من أنني أكبركم سنا -سوى واحد منكم- وأكثركم معاناة ومشقات. وما الشكر على المصيبة إلّا لأجل الثواب الذي فيها، ولفوائدها الأخروية والدنيوية.
— 336 —
إخوتي الأعزاء!
إن موانع كانت تحول دون إتمامِ مسائلِ رسالة "الثمرة". أحدُها البرد الشديد، والآخر: اندهاش الماسونيين من قوتها. ولكن بزوال تلك الموانع سيُباشَر بها بإذن اللّٰه. إنني أفكرجانب القدر الإلهي في هذه المصيبة التي حلت بنا، فأجد مصاعبي تتلاشى وتتحول إلى رحمة إلهية.
نعم، كما هو موضح في "رسالة القدر" أن في كل حادثة سببين اثنين:
الأول: سبب ظاهري، يحكم الناسُ على وفقه، وكثيرا ما يظلمون.
والآخر: سبب حقيقي، يقضي القدرُ الإلهي على وفقه، فيعدل -تحت ظلم البشر- في الحادثة نفسها.
مثال ذلك: يُلقى أحدُ الأشخاص في السجن بتهمة سرقة لم يرتكبها. ولكن يقضي القدرُ الإلهي عليه بسجنه لجناية له خفية، فيعدل من خلال ظلم البشر نفسه.
ففي قضيتنا هذه، والامتحانِ العسير الذي دخلنا فيه لأجل تمييز الألماس من قطع زجاجية تافهة، وفرزِ الصدّيقين الفدائيين من المترددين المرتابين، وتمحيصِ الخالصين المخلصين ممن لا يدَعون أنانيتهم ومصالحهم الشخصية.. هذا الامتحان العسير الذي دخلناه ينطوي على سببين:
الأول: خدمةُ الدين خدمة فائقة، من خلال تساندٍ وترابط وإخلاص قوي، حتى أثار حفيظةَ أهل الدنيا والسياسة، وقد نظر البشر إلى هذا السبب فظلَمَنا.
الثاني: لمّا لم يبيّن كلٌ منا إخلاصا تاما، ولا أظهر تساندا كاملا ولا أهلية تستحقها الخدمة المقدسة، نظر القدرُ الإلهي إلى هذا السبب، وعَدَل في حقنا.
فهذا القدر الإلهي هو رحمة إلهية بحقنا في عين العدالة نفسها. إذ جَمع في مجلس واحد إخوةً مشتاقٌ بعضهم إلى بعض، وبدّل المصاعبَ إلى عبادات، وحوّل الأموال الضائعة إلى صدقات، واستقطب الأنظار إلى الرسائل المستنسَخة. وأفهمنا أن أموال الدنيا وأولادَها، وراحةَ الإنسان فيها أمور مؤقتة زائلة، وأنه سيدَعها حتما تمضي إلى التراب، فلا داعي لأن يُفسد
— 337 —
آخرتَه لأجلها، بل ليتعوّد على الصبر والتحمل، وأن يكون قدوة حسنة ورائدا بطلا، بل إماما لإخوانه في المستقبل.. وما شابهها من النواحي الأخرى التي كلُّها رحمةٌ إلهية محضة.
بيد أن هناك جهة واحدة فقط تشغل فكري وهي: أن القلب والروح سينشغلان بجروحِ ما ألمّ بنا من مصاعب ومضايقات في حياتنا التي دخلناها، والتي هي بحكم الضرورة، مثلما يترك العقلُ والقلب والعين وظائفها المهمة إذا ما جرح إصبع من الإنسان، فتنشغل تلك الجوارح بذلك الجرح.
حتى إن تلك الحالة ساقتني فكرا إلى مجلس الماسونيين مع أنه كان من الضروري نسيان الدنيا في ذلك الوقت. وأشغلت فكري بإنیزال صفعات التأديب بهم. وقد وجدت السلوانَ في احتمالِ أن يقبل سبحانه وتعالى هذه الحالة، حالة الغفلة، نوعا من جهاد فكري.
لقد تسلمت سلام الأخ "علي كول" شقيق "الحافظ محمد" المعلم القدير لرسائل النور.
وأنا بدوري أرسل ألف سلام ودعاء إليه وإلى جميع إخوته، وإلى جميع أهالي قرية "ساو" [٭]: قرية ساو: قرية قريبة من منفى الأستاذ النورسي "بارلا". وأهالي هذه القرية شيبا وشبابا رجالا ونساءً خدموا الإيمان عن طريق نشر رسائل النور واستنساخها. أحياءً وأمواتا.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.
نعم يا إخوتي، لا داعي للإخفاء، إن أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية، فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملا بأن يفرّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:
أولا: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.
ثانيا: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.
ثالثا: إن الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي
— 338 —
إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل متعها المخدرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الأخوّة فيما بينهم مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة.. هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا أيضا.. إلّا أنهم انخدعوا، لأن مسلك رسائل النور قد أسس على الإخلاص التام، وتركِ الأنانية، واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان أن مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا أيضا هو في الإيمان. فضلا عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أيا كانت أن تبلغها. لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن اللّٰه، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون.
لطيفة ناداني أحدهم صباحا من قاعة الجندرمة المجاورة لي، فصعدتُ الشباك.
فقال: إن باب قاعتنا قد انسد من تلقاء نفسه، ولا نقدر على فتحه مهما حاولنا..
قلت: هذه إشارة لكم بأن الذين تراقبونهم وتسدون عليهم الباب، فيهم أبرياءٌ أمثالكم. فلقد أهانوني بحجة لقاءٍ لدقيقة واحدة مع أحد إخوتي في الدين لم أره منذ عشر سنوات وسدّوا حتى الباب الخارجي الآخر بحجة أخرى، فانسد بابُكم عقابا لذاك.
سعيد النورسي
— 339 —
إخوتي الأعزاء!
كنت أَصرف منذ سنة من كيلو من الشعرية والرز، ولم تبق لي شبهة أن فيها بركة عظيمة. إلّا أنكم الآن لا تدَعوني لأطبخ بنفسي، لذا أقدّمها لكم هدية مباركة.
ولقد شاهدت مرةً بركةً خارقة من تلك الشعرية. فقد كنت أجفف حباتها بعد الطبخ. وشاهدتُ -أنا وآخرون- أن كلا من حباتها كانت تطول إلى عشرة أمثالها.
إخوتي الأعزاء!
كان الحراس وغيرُهم يسمعونني عندما كنت منشغلا هذه الليلة بقراءة الأوراد، فخطر للقلب: ألا يُنقص هذا الإظهارُ من الثواب؟ فقلقت واضطربت ولكن خطر بالبال قولُ حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي يقول: "رُبّ إظهارٍ خيرٌ من إخفاء".
أي إن قراءة الأوراد علنا، فيها استفادةُ الآخرين أو تقليدُهم أو تنبيههم من الغفلة أو إظهارُ العزة الدينية بما يشبه من إعلانٍ للشعائر الإسلامية أمام الضال السادر في السفاهة، وغيرها من الفوائد.. ولاسيما في هذا الزمان. فلا يدخل الرياءُ في أعمال الذين تعلّموا دروسَ الإخلاص تعلُّما تاما، بل هو أفضل من الإخفاء بكثير، بشرط عدم تدخل التصنع. وهكذا وجدتُ السلوان من هذا الكلام.
وعندما استدعاني حاكم التحقيق قبل يومين كنت أفكر في كيفية الدفاع عن إخواني، وفتحت كتاب "الحزب المصون" للإمام الغزالي وإذا بالآيات الكريمة الآتية تلفت نظري:
﴿ إنّ اللّٰه يُدافِعُ عَن الَّذينَ آمَنُوا... ﴾
(الحج:٣٨)
﴿ يَسْعى نُورُهم بَينَ أيْديهِم وَبايْمانِهم ... ﴾
(التحريم:٨)
﴿ اللّٰه حَفِيظٌ عَليهِم... ﴾
(الشورى:٦)
طُوبى لَهُم...
(الرعد:٢٩)
﴿ رَبَّنا اتْمِم لَنا نُورَنا وَاغْفِر لَنا ... ﴾
(التحريم:٨)
— 340 —
إخوتي الأعزاء الصدّيقين!
إن الذين اجتازوا الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين -القديمة والجديدة- [٭]: المقصود: سجن "أسكي شهر" و"دنيزلي". ولم يتزعزعوا، ولم يدَعُوا درسهم الإيماني، ولم يتخلوا عن صفة "الطالب" مهما كانت الظروف، ولم تنل من معنوياتهم هذه الكثرةُ الهائلة من الهجمات.. إن هؤلاء يرحب بهم الملائكة والروحانيون، كما سيرحب بهم أهلُ الحقيقة والجيلُ المقبل. فأنا مقتنع بهذا، ولكن الضيق المادي شديد لوجود المرضى والفقراء المساكين فيما بينكم. فتجاه هذا الأمر، ليكن كلٌ منكم مسليا لكلٍ من أولئك، وقدوة حسنة له في الصبر والأخلاق، وأخا شفيقا عليه في التساند واللطف، ومخاطبا ذكيا ومجيبا عن أسئلته في أثناء الدرس الإيماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر. نعم، هكذا أتصور الأمر وأتسلى به يا إخوتي يا من أحبهم أكثر من روحي.
سأرسل لكم يوما جبة مولانا خالد قدس سره(٭) والتي عمرها مائة وعشرون سنة. فكما أنه قد ألبسنيها فأنا بدوري سأرسلها إليكم متى شئتم، ليلبسها كلٌ منكم باسمه.
لقد أجرى الطبيب عليّ لقاح الجدري في بداية مجيئنا هنا. فتورّمت الذراع، وتسرب الورم إلى الأسفل حتى لا يَدَعُني أن أنام، ويزعجنى في أثناء الوضوء. تُرى هل أن جسمي لا يتحمل التطعيم بالجدرى أم هناك معنى آخر في الأمر؟ وقد أخذتُ التطعيم بالجدري قبل عشرين عاما في "أنقرة" ويلتهب موضع التطعيم إلى الآن بين حين وآخر، ويزعجني. فأخشى أن يكون هذا كذلك مثله، فكيف الأمر عندكم؟.
سعيد النورسي
— 341 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن حكمة واحدة لعدالة القدر الإلهي في سَوقنا إلى المدرسة اليوسفية لی"دنيزلي" هو حاجة المسجونين فيها وأهاليها وربما موظفيها ومأموري دائرة العدل، إلى رسائل النور وإلى طلابها أكثر من أي مكان آخر. وبناءً على هذا فقد دخلنا امتحانا عسيرا بوظيفة إيمانية وأخروية، إذ ما كان إلّا واحدٌ أو اثنان من كل عشرين أو ثلاثين مسجونا يؤدون صلاتهم ويوفون حقها من تعديل الأركان، ولكن ما إن دخل أربعون أو خمسون طالبا من طلاب النور وكلهم يؤدون صلاتهم أداءً تاما دون استثناء إلّا كان لهم درسا بليغا وإرشادا فعليا بلسان الحال، بحيث يزيل هذا الضيقَ والضجر والرهق بل قد يحببه. فمثلما يرشد طلاب النور إلى هذا الأمر بأفعالهم وأحوالهم، نأمل من رحمته تعالى أن يجعلهم -بما يحملون من إيمان تحقيقي في قلوبهم- قلعة حصينة، ينقذون بها أهل الإيمان من سهام شبهات أهل الضلال.
إنه لا ضير مما يفعله أهل الدنيا من منعنا عن مخاطبة الآخرين ولقائهم؛ إذ لسان الحال أفصح من لسان المقال وأكثر تأثيرا منه.
فما دام دخول السجن هو لأجل التربية، فإن كانوا يحبون الأمة حقا فليسمحوا بلقاء المسجونين مع طلاب النور كي يحصلوا في شهر واحد بل في يوم واحد على التربية المرجوة حصولها في أكثر من سنة، وليصبحَ أولئك المسجونون أفرادا نافعين للبلاد والعباد وينقذوا مستقبلهم وآخرتهم.
لو كان عندنا رسالة "مرشد الشباب" لكانت تنفع كثيرا. نسأل اللّٰه أن ييسر دخولها هنا.
سعيد النورسي
— 342 —
إخواني الأعزاء الصديقين!
تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول "الشيخ ضياء الدين" بيني وبين أخي الكبير المرحوم "الملا عبد اللّٰه". ثم فكرت فيكم. وقلت في قلبي: إن الذي يُظهر ثباتا إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: لو رفع الحجاب (حجاب الغيب) وبدا لي كل منهم في درجة الأولياء الصالحين، بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية فلا يزيد شيء في نظري عنهم ولا أغير ما أُولِيهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر إلّا قليلا، وكذلك لو بدوا لي أشخاصا اعتياديين من العوام، فلا أنقص أبدا مما أمنحهم في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنیزلة رفيعة.
هكذا قررتُ، لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شيء. فالمقامات الشخصية والمزايا التي يضفيها حسن الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة فيقل حسن الظن وبالتالي المحبةُ. زد على ذلك أن صاحب الفضيلة والمزية يشعر بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع كي يحافظ على مكانته في نظرهم.
فشكرا للّٰه بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة.
سعيد النورسي
— 343 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أبارك لكم الليالي العشر بكل روحي وقلبي وعقلي. ونسأله تعالى ونأمل من رحمته الواسعة أن تكسبنا مكاسب عظيمة جدّا وفق ما بيننا من اشتراك معنوي.
لقد رأيت الليلة فيما يرى النائم أنني قد أتيتكم، وما إن بدأت أصلي بكم إماما حتى استيقظت. وفي الوقت الذي أتوقع تحقق رؤياي -حسب تجاربي- إذا بأخوين اثنين من إخواننا الميامين في قرية "ساو" و"حوما" [٭]: حوما: قرية قريبة من "بارلا". قد أتيا، تعبيرا عن الرؤيا باسمكم جميعا. فسررت كثيرا وكأنني قد التقيتكم جميعا.
إخوتي! على الرغم من أن هذا الوضع (السجن) قد سبب نوعا من التوجس والخيفة إزاء رسائل النور لدى الموالين للحكومة ولدى قسم من الموظفين، إلّا أنه سبّب في المعارضين جميعا ولدى أهل الدين والموظفين ذوي العلاقة اهتماما واشتياقا نحوها.
لا تقلقوا يا إخوتي ستسطع تلك الأنوار.
(٭): انتبه يا أخي! بينما كانت جميع أسباب العالم في سجن "دنيزلي" تستهدف الأستاذ ظاهرا فيساق إلى المحاكم ويقرر بحقه أحكام الإعدام، يقول الأستاذ: "لا تقلقوا يا أخوتي ستسطع تلك الأنوار". فانظر كيف تحقق هذا الكلام. (طلاب النور).
إخوتي الأعزاء!
إنني أخال أن الرسالة الصغيرة التي أثمرها سجن "دنيزلي" ستكون دفاعنا الحقيقي والأخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقا والناشئة من أوهامٍ وشكوك أثيرت ضدنا منذ سنة، قد صممت على نطاق واسع، وهي "العمل لطريقة صوفية.. إنهم منظمة سرية.. وأداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة والإخلال بأمن البلاد" وأشباهها من الحجج التي لا أساس لها من الصحة. لذا شنوا هجومهم علينا.
— 344 —
فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أصبحتْ خططهم بائرة وباءت بالإخفاق، إذ لم يجدوا في هذا الميدان الواسع وبين مئات من الطلاب ومئات من الرسائل والكتب طوال ثماني عشرة سنة سوى أبحاث في حقيقة الإيمان والقرآن وتحقق الآخرة والسعي للسعادة الأبدية، لذا بدؤوا يتحرون عن حجج تافهة جدّا ليستروا بها خططهم.
ولكن إزاء احتمال الهجوم علينا باستغفال بعض أركان الحكومة والتغرير بهم وإثارتهم علينا من قبل منظمة ملحدة رهيبة متسترة تعمل حاليا عملا مباشرا في سبيل الكفر المطلق، فإن رسالة "الثمرة" الواضحة كالشمس والمزيلة للشبهات والأوهام، والراسخة رسوخ الشم العوالي، تكون أقوى دفاع لنا تجاههم، وسوف تسكتهم بإذن اللّٰه. وأحسب أنها كُتّبت لنا لأجل هذا.
سعيد النورسي
إخوتي!
على الرغم من ضيق مكانكم ضيقا شديدا، فإن قلوبكم أوسعُ من ذلك الضيق، فضلا عن أن لكم حرية أكثر مما عندنا.
اعلموا يا إخوتي! إن أهم أساس لقوتنا ونقطة استنادنا هي: التساند. وإياكم النظر إلى تقصيرات بعضكم البعض، مما يولّده الانفعال في الأعصاب من جراء هذه المصائب. فالشكاوى هي بمثابة الاعتراض على القدر الإلهي، فلا يقولنّ أحدُكم: لو لم يكن كذا لمَا حدث هكذا. ولا يغضب بعضكم على البعض الآخر. فلقد علمتُ أنه لا نجاة ولا حيلة لنا من هجوم هؤلاء. فكانوا يهجمون علينا مهما كنا نعمل. وما علينا إلّا أن نقابلهم بالصبر والشكر والرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقدَره، لتمدّنا العناية الإلهية.
فينبغي لنا أن نسعى لكسب الثواب العظيم والحسنات الكثيرة في زمن قليل وبعمل قليل. دعواتنا الخالصة بسلامة إخواننا هناك.
— 345 —
إخواني الأوفياء الصادقين!
إن لقاء الأصدقاء ومجالسة الإخوان منبعٌ ثرٌ للسلوان لما يعاني منه الإنسان من سرعة تبدل هذه الحياة الدنيا، ومن زوالها وفسادها، ومن فنائها وفناء متعها التي لا تجدي شيئا، ومن صفعات الفراق والافتراق التي تنیزلها بالإنسان..
نعم، قد يقطع إنسان مسافة عشرين يوما ويصرف مائة ليرة لأجل لقاء أخيه لساعات معدودة. ففي هذا الزمان العجيب الذي قلما يوجد فيه صديق صدوق، لا تعد هذه المشقات والمصاعب التي نزلت بنا مع ضياع الأموال ذات أهمية تذكر إزاء رؤية أربعين أو خمسين من الأصدقاء الصادقين والإخوة المخلصين دفعة واحدة طوال شهرين من الزمان، ومجالستهم ومحاورتهم في سبيل اللّٰه، والتسلي بهم وتسليتهم تسلية حقيقية. فأنا شخصيا كنت أرضى بهذه المصاعب والمشقات رجاء رؤية واحد من إخوتي هنا فحسب بعد فراقي عنهم عشر سنوات.
اعلموا أن الشكوى اعتراض على القدر والشكر تسليم له.
ثقوا يا إخواني؛ أنه لو حضر الأجلُ الآن، وتوفيتُ، لاستقبلته براحة قلب وانشراح صدر، لأنني على قناعة تامة من أن فيكم "سعيدِين" كثيرين شبانا أقوياء ثابتين سيتولون القيام بمهمة رسائل النور والدفاع عنها وحمايتها ووراثتها، أفضل بكثير من هذا "السعيد" الضعيف العجوز العاجز المريض.
إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
لِمَا أنكم قد ارتبطتم برسائل النور رغبة بثواب الآخرة، وأداءً لنوع من العبادة، فلا شك أن كل ساعة من ساعاتكم -تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة- تصبح في حكم عبادة عشرين ساعة، والعشرين ساعة من العمل في خدمة القرآن والإيمان -لما فيها من جهاد معنوي- تكسب أهمية مائة ساعة، والمائة ساعة التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من إخوة طيبين -كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص- وعقد أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم
— 346 —
-بالقوة المعنوية- والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَرا، وتناوله رزقه المقدّر له فيها، نوالا للثواب.. تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا، والتجمل بالصبر وتحمل جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة.
سعيد النورسي
إخوتي!
إنني أَرغب -قلبا- في أن يظهر هنا من "قسطموني" وما جاورها، كما ظهر من "إسبارطة" وحواليها أبطالٌ ميامين ثابتون ثبات الحديد والفولاذ (أمثال "خسرو"(٭) و"الحافظ علي"). فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد الشكر فقد حققتْ ولايةُ "قسطموني" أمنيتي تحقيقا تاما، فأمدتنا بعديدٍ من الأبطال.
تحياتي إلى الإخوة جميعا الذين يدورون دوما في خيالي فردا فردا ممن لم أكتب أسماءهم، وأدعو لهم بالسلامة والأمان.
إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!
أبيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا أخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من إكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.
إن ما أقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت أقاسيه في شهر في سجن "أسكي شهر". لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونيا ظالما، كي يجدوا مبررا من قولي: "كفى إلى هذا الحد" النابعِ من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سببا لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته أكاذيبهم.
— 347 —
إنني أصبر شاكرا، وأعد هذا الصبر أثر خارقا من آثار إحسانٍ إلهيّ، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب أكثر ونوال أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: "خير الأمور أحمزها" [٭]: أي أقواها وأشدها. (انظر كشف الخفاء ١/١٥٥). لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.
ثم إن المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين أننا قد نذرنا حياتنا لحقيقة جليلة أسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. ولذلك ما ينبغي أن يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة إلى أن نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم على أن تفضل به علينا.
إخوتي الأعزاء!
إن أول ما نوصيه وآخرَه: الحفاظُ على الرابطة فيما بينكم، والحذر من الأنانية والغرور والمزاحمة، مع أخذ الحذر وضبط النفس.
سعيد النورسي
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد فُهِم من الادعاء الذي قدّمه المدعي العام، أن خطط الزنادقة المتسترين الذين يغررون ببعض أركان الحكومة ويستغفلونهم قد باءت بالفشل وظهر زيفُها وأكاذيبُها. إلّا أنهم يتشبثون الآن بحجج واهية، كإسنادِ تأسيسِ جمعية وتشكيل منظمة سرية محاوِلين به الستر على أكاذيبهم. وقد ظهر أَثر عملهم هذا في منع الناس -أيا كانوا- من اللقاء معي، وكأنه إذا ما حدث اللقاء سينضم الشخص إلينا فورا. بل حتى الموظفون الكبار يتوجسون خيفة أو يحببون أنفسهم لآمريهم بتشديد خناق المضايقة عليّ.
ولقد كنت عازما على قول هذه الفقرة الآتية ختام الاعتراض الذي قدمناه إليهم، إلا أن حادثة حدثت وحالت دون ذلك. والفقرة هي:
— 348 —
أجل، نحن جمعية، تلك الجمعية التي لها ثلاثمائة وخمسون مليونا من الأعضاء في كل عصر. وهم يؤكدون كمال احترامهم وصادق ارتباطهم وتعلقهم بمبادئ تلك الجمعية المقدسة -بإقامة الصلاة- خمس مرات يوميا، ويتسابقون في مدّ يد العون والمساعدة بعضهم إلى بعض، سواء بدعواتهم الشخصية عن ظهر الغيب، أو بمكاسبهم المعنوية الوفيرة وفق الدستور الإلهي: إنّما المؤمِنون أخوةٌ (الحجرات:١٠).
وهكذا فنحن أعضاء في تلك الجمعية المقدسة العظمى إذَن، أما وظيفتنا ضمن نطاق هذه الجمعية فهي: تبليغ الحقائق الإيمانية التي يتضمنها القرآن الكريم إلى طلاب الحق والإيمان على أصح وجه وأنزهه، إنقاذا لأنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي وبرزخ السجن الانفرادي السرمدي.
أما الجمعيات الدنيوية المؤسسة على الدسائس والأحابيل السياسية فلا علاقة لنا بها من قريب أو بعيد بل نترفع عنها.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شعرت بألم تام تجاه كلٍ منكم فجر هذا اليوم، ولكن خطرت بالبال فجأة "رسالةُ المرضى" فأورثت السلوان.
نعم، إن هذه المصيبة شبيهة بنوع من مرض اجتماعي، وإن أكثر الأدوية الإيمانية المذكورة في تلك الرسالة تعمل عملها في هذا المرض أيضا، ولاسيما الآلام التي تورثها المصيبة، فقد ولّت قبل هذه الساعة بينما ثبت أجرُها وخيراتُها وفوائدها الدنيوية والأخروية والإيمانية والقرآنية، مثلما ذكرتُه للمريض الميمون من "أرضروم". بمعنى أن تلك المصيبة الواحدة العابرة قد انقلبت إلى نِعمٍ متعددة دائمة. أما الزمان القابل فلأنه غير موجود الآن، فلا ألمَ حاليا لما ستدوم فيه من مصيبة. لذا فإيراث الألم من العدم بالتوهم هو عدمُ ثقة برحمة اللّٰه وقدره سبحانه وتعالى.
ثانيا: إن أغلب البشر على سطح الأرض مبتلَون بمصائب مادية ومعنوية قلبا وروحا وفكرا. وإن مصيبتنا بالنسبة إليهم خفيفةُ الوطء جدّا ومُربحة، فضلا عن أنها تورث مكاسب وفوائد مادية ومعنوية للقلب والروح والإيمان والصحة والسلامة.
— 349 —
ثالثا: لو لم نكن ندخل إلى هنا (السجن) في خضم هذه الأعاصير الهُوج، لكانت وطأة هذه المصيبة الخفيفة ثقيلةً جدّا لدى لقاء الموظفين الذين تُساوِر قلوبَهم الشكوكُ والأوهام، ولكان ينیزل بنا بلاءُ التصنع والتزلف لهم.
رابعا: إن رؤية أحباء حقيقيين رحماء -أرحم على الإنسان من شقيقه- في هذا الشتاء المادي والمعنوي المضاعف الذي تعطلت فيه الأعمال وفي هذه المدرسة اليوسفية التي هي مدرسة واحدة من مدارس الزهراء، واللقاءَ بإخوة الآخرة، وهم بمثابة مرشدين ناصحين، وزيارتَهم والاستفادة من مزاياهم الخاصة والتیزودَ من حسناتهم التي تسري سريان النور والنوراني في المواد الشفافة، وحصولَ ذلك بمنتهى الرخص وبتكاليف قليلة، فضلا عن الاستمداد من معاونتهم المعنوية ومن مسرّاتهم وسلوانهم.. كل ذلك يجعل هذه المصيبة تُبدل شكلَها وتتحول إلى نوع من مشهدِ عناية ربانية معنوية.
نعم، إن ظرافة لطيفة لهذه العناية الخفية هي أنهم يطلقون على جميع طلاب النور القادمين إلى هنا لقب: "العلماء". فترى على لسان الجميع ذكرهم باحترام وإجلال بكلمة "علماء.. علماء..".
فضمن هذه الظرافة إشارة لطيفة، وهي أن السجن قد تحول إلى مدرسة علمية وأصبح طلاب النور مدرسين ومعلمين فيها، وستصبح بإذن اللّٰه سائر السجون بمثابة مدارس بفضل هؤلاء العلماء.
إخوتي!
لو تُقرأ أحيانا أمثال هذه الرسائل الصغيرة المسلية، علاوة على مطالعة رسالة "الثمرة" ولاسيما المسائل الأخيرة منها، وتَداول الإخوة فيما بينهم تداولا فكريا المسائل التي تخطر على البال من رسائل النور، لكسب المرء بإذن اللّٰه شرف طالب العلوم الشرعية. ولقد أولى علماء أفذاذٌ الأهميةَ لطلبة العلوم الشرعية حتى قال الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه: "نوم طالب العلم عبادة".
— 350 —
لذا لو حدثت مائة ألف ضيق وضيق من جراء التتلمذ، هذا الشرف الرفيع، في مثل هذه المواضع المؤلمة الشاقة، وبخاصة في مثل هذا الزمان الذي انعدمت فيه المدارس الشرعية. ينبغي عدم الاهتمام بتلك المضايقات، بل التبسم بفرح وسرور في وجه تلك المصاعب قائلين: "خير الأمور أحمزها".
أما من حيث تكاليف العيش لعوائل الإخوة الفقراء، فحيث إن النظر يكون في المصيبة إلى الأكثر مصيبة وفي النعم إلى الأقل نعمة. وذلك بناء على قاعدة قرآنية إيمانية ونورية؛ لذا فهم في راحة تامة أكثر من ثمانين بالمائة من الناس. فليس لهم حق الشكوى، بل عليهم حق الشكر بثمانين درجة، شكر فوق شكر.
ثم إن حصولنا على ما قسم اللّٰه لنا هنا من رزق قد عينه القدرُ الإلهي، وجمعَتنا عدالةُ الرحمة الإلهية مودعةً الأهل والأطفال إلى رزّاقهم الحقيقي ومسرّحةً لهم من وظيفة الإشراف على رزقهم مؤقتا كما سيعزله يوما ما عزلا تاما. فما دامت الحقيقة هي هذه فعلينا أن نقول:
﴿ حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ﴾
(آل عمران:١٧٣) مسلّمين أمرَنا إليه تعالى شاكرين له أجزل شكر.
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إنني محظوظ وشاكر للّٰه بوجودي قريبا منكم وفي بناية واحدة (من السجن)، رغم أنني لا أقابلكم وجها لوجه. وأحيانا يخطر إلى قلبي أخذ تدابير لازمة دون اختيارٍ مني. فمثلا:
لقد أرسل الماسونيون إلى الزنزانة المجاورة لنا سجينا جاسوسا وكذابا. ولما كان التخريب سهلا -ولا سيما في مثل هؤلاء الشباب الطائشين- علمت أن الزنادقة يسعون لبثّ الفساد وهدم الأخلاق إزاء قيامكم بالإرشاد والإصلاح، لما لمستُ من هذا المدعو أذى مؤلما وإفسادا لأولئك الشباب.
فيا إخوتي!
يلزم -بل في غاية الضرورة- أخذُ الحذر الشديد تجاه هذا الوضع، وعدمُ إبداء مشاعر الاستياء من المسجونين السابقين قدر الإمكان، وعدمُ فسح المجال ليستاءوا منكم، والحيلولةُ دون حدوث التفرقة والثنائية، مع التحلي بضبط النفس والتجمل بالصبر.
— 351 —
ويلزم على إخواننا المحافظةُ على قوة التساند والأخوّة وذلك بإبداء التضحية وترك الأنانية والتواضع قدر الإمكان.
إن الانشغال بأمور الدنيا يؤلمني، فأعتمد على فطنتكم لأنني لا أستطيع التوجه إليها من غير اضطرار.
سعيد النورسي
إخوتي!
لقد أصبح ضروريا بيان مسألة أُخطرت صباح هذا اليوم إزاء كل احتمال:
كثيرا ما تحرت نفسي وشيطاني منذ عشرين عاما الحقائقَ التي استنبطناها من القرآن، والتي هي أشبه بالشمس أو النهار لا تقبل أي شك أو ريب أو تردُّد قائلَين: "ما رأي الفلاسفة المتزندقة تجاه هذا وما مستندهم؟"
ولما لم تجد نفسي وشيطاني ثلمة أو نقصا، سَكَتَا. وأعتقد أن الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني الحساسين جدّا والعاملين معا، قادرة على حمل أشد الناس تمردا على الصمت والسكوت أيضا.
وما دمنا نعمل من أجْل حقيقة هي من أهمّ الحقائق وأجَلِّها، وأشدها ثبوتا ورسوخا؛ ولا يمكن تقييمها أو تقديرها بأي قيمة مادية مهما كانت، ويهون بذل النفس والروح والصديق والحبيب، بل الدنيا بأسرها في سبيل تحققها، فلا بد إذن من أن نصمد بكمال المتانة والصبر تجاه جميع الويلات والمحن التي قد تنیزل بنا، وأن نواجه بصدر رحب جميع مضايقات الأعداء. إذ من المحتمل جدّا أن يُحرَّكَ ضدنا مشايخ أو علماء متظاهرون بالتقوى، مخدوعون بأنفسهم أو بتحريض غيرهم لهم.. وتجاه موقف كهذا، لا بد لنا من المحافظة على وحدتنا وتساندنا، وعدم تضييع الوقت معهم في الجدل والنقاش الفارغ.
سعيد النورسي
— 352 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شعرت بإخطار معنوي فجرَ هذا اليوم أن السبب الحقيقي لهذا الهجوم الواسع والتعدي علينا ليس "الشعاع الخامس" بل "الحزب النوري" و"مفتاح الإيمان" و"الحجة البالغة". [٭]: الحجة البالغة: هي القسم الثاني من مجموعة "عصا موسى" ويضم إحدى عشرة حجة إيمانية. فقد قرأتُ بإمعان قسما من "الحزب النوري" وتأملت في "مفتاح الإيمان" فعلمت: أنَّ الزنادقة لا يستطيعون الحفاظ على مسلكهم إزاء ضربات هذين السيفين الحادين الألماسيين، ولكن أظهروا "الشعاع الخامس" سببا ظاهريا وذلك لعلاقته الجزئية بالسياسة، واستغفلوا به الحكومة وأثاروهم ضدنا.
ولقد ورد بالبال مع هذا الإخطار نفسه أنه "لو تخلى بعض الإخوة الضعفاء عن العمل مؤقتا، لربما ينجو من هذه المصيبة"، فأردت أن أسمح لهم بهذا. ولكن فجأة أُخطر للقلب: أن الذي دامت علاقتُه إلى هذا الحد ودخل هذا الامتحان مرتين، والذي قاسى لأجله ما قاسى وتضرر أضرارا بليغة، لا يجوز له التخلي قلبا -والذي فيه الضرر دون النفع- بل يمكنه ذلك لمجرد خداعهم بإظهار اجتناب ظاهري بحت. وإلّا يُلحق الضررَ بنفسه وبنا وبمسلكنا المقدس وتأتيه لطمةُ تأديب بخلاف مقصوده جزاء لما يفعل.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الذي يقاسي عذاب هذا السجن ومشقاته الذي هو أشد برودة وضيقا من سائر الأماكن، لا شك أن تكون له رغبة في التهرب مما سبَّبَ هذا السجن وأدّى إلى الدخول فيه، كلٌ حسب درجته. ولكن سببه الظاهري الذي هو رسائل النور التي تُكسب أولئك الذين يقاسون المتاعب، الإيمانَ التحقيقي وحسنَ الخاتمة، والثواب الجزيل من الأعمال الصالحة لمئات العاملين الناشئ من الاشتراك المعنوي، أقول: إن هذه الفوائد تبدل تلك المشقات المُرّة إلى رحمات حلوة لذيذة، لذا فإن ثمن هاتين النتيجتين هو: الثبات التام والوفاء الخالص الذي لا يتزعزع.
— 353 —
ومن هنا فإن الندمَ والتخلي خسارتان جسيمتان. فهذا السجن خير لأولئك الطلاب الذين لا علاقة لهم بالدنيا، أو لهم علاقة واهية جدّا. بل هو موضع حرية لهم من جهة.
أما الذين لهم حرث في الدنيا وأمورهم المعاشية على ما يرام، فإن النقود المصروفة تكون بمثابة صدقات مضاعفة لهم، وتُبدّل ساعاتُ العمر الماضية إلى عبادات مضاعفة لذا ينبغي لهم الشكر بدل الشكوى.
أما قسم الفقراء والضعفاء المساكين، فلأنهم كانوا لا يكسبون ثوابا كثيرا خارج السجن بل يتحملون مسؤوليات شاقة، فهذا السجن الذي يُكسبهم الخير الكثير والثواب العظيم ومن دون أن تكون على عاتقهم مسؤولية ما، والمشقات التي تتخفف بالتسلي بين الإخوان.. تكون مبعث شكر لهم.
يا إخوتي الأوفياء الأعزاء!
قال لي أحد الأتقياء في "قسطموني" شاكيا: "لقد تردّيت، وتقهقرت عن حالي السابق إذ فقدتُ ما كنت عليه من أحوال وأذواق وأنوار".
فقلت له: بل قد ترقيتَ، واستعليت على الأذواق والكشفيات التي تلاطف النفسَ وتذيقها ثمراتها الأخروية في الدنيا، وتعطيها الشعور بالأنانية والغرور. وقد طِرتَ إلى مقام أعلى وأسمى وذلك بنكران الذات وترك الأنانية والغرور، وبعدم التحري عن الأذواق الفانية.
نعم، إن إحسانا إلهيا مهما هو عدمُ إحساس مَن لم يدَع أنانيتَه بإحسانه، كيلا يصيبه الغرورُ والعجب.
فيا إخوتي!
بناءً على هذه الحقيقة، فإن من يفكر مثل هذا الشخص، أو يهتم بمقامات باهرة يمنحها حسنُ الظن، عندما ينظر إليكم، ويرى فيكم طلابا قد لبسوا لباس التقوى والتواضع التام وتسربلوا بخدمة الناس، يتصوّركم من العوام، أو أُناسا عاديين، فيقول: "أهؤلاء هم أبطالُ الحقيقة ورجالُها، أو هؤلاء يتحدَّون الدنيا بأسرها! هيهات! أين هؤلاء من أولئك المجاهدين في سبيل هذه الخدمة المقدسة، والذين سبقوا الأولياء الصالحين في هذا الزمان فأعجزوهم عن اللحاق بهم".
فإن كان صديقا تصيبه خيبةُ أمل، وإن كان معارضا يجد نفسَه محقا.
— 354 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن ثمرات [٭]: أي ما استنسخوه من الرسائل. سجنكم في نظري حلوةٌ وذات أهمية كثمرات الفردوس؛ فكما أنها حَققت الآمالَ العظيمة التي كنتُ أعقدها عليكم وصدّقتْ دعاواي، فقد أظهرتْ قوةَ التساند والترابط بأفضل ما يكون. إن تلك الأقلام المباركة كلما اتحدت أظهرتْ قيمةَ ثلاثمائة أو أربعمائة من الأقلام تحت هذه الشروط والضغوط، كاتحاد ثلاثِ أو أربع ألفات. [٭]: المذكورة في رسالة الإخلاص. وإن الحالة الروحية التي تحافظ على وحدتكم تحت هذه الأحوال المضطربة تثبت دعواي بالأمس.
نعم، -ولا مشاحة في المثال- فكما أن وليا عظيما لا يرتقي إلى موقع صحابي صغير في العمل للإسلام كما اتفق عليه أهلُ السنة، كذلك إن أخا خالصا من إخواننا الذي ترك حظوظَ نفسه في هذا الزمان وعمل في خدمة الإيمان وسعى في سبيل نكران الذات وبذل ما في وسعه للحفاظ على التساند والاتحاد، هذا الأخ يحرز موقعا أكثر من الولي.
هكذا اقتنعت وأنتم بدوركم تُسندون قناعتي هذه، ليرض اللّٰه عنكم أبدا، آمين.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن "رسالة الثمرة" ذاتُ أهمية عظيمة وقيمة عالية. آمل أن يفتح اللّٰه بها قلوبَ الكثيرين في وقت ما. وأنتم قد أدركتم قيمتَها وقدّرتموها حق قدرها حتى لم تدَعوا هذه المدرسة اليوسفية دون درس.
أقول ما يعود لنفسي: إن ثمرة هذه الأتعاب التي تكابدونها والمصاريف التي تبذلونها إنْ كانت هي هذه "الرسالة" وحدَها ورسالةَ "الدفاع" واللقاءَ معكم في موضع واحد.. فزهيدةٌ تلك المصاريف، وتلك الأتعاب. بل لو حُمّلت عشرة أمثال هذه المصيبة لكانت رخيصةً في سبيل هذه الأمور.
— 355 —
ولقد اقتنعت قناعة كاملة نتيجة تجاربي الكثيرة ولاسيما في هذا السجن الضيق أنَّ الاشتغال برسائل النور قراءةً وكتابةً يخفف كثيرا من الضيق والضجر ويورث الفرح والانشراح. وفي الوقت الذي لا أنشغل بها تتضاعف تلك المصيبةُ وتؤلمني أمورٌ تافهة. وبناءً على بعض الأسباب كنت أظن أن "خسرو والحافظ علي وطاهري"(٭) في ضيق شديد، ولكن رأيت أنهم ومن معهم أكثر ثباتا وأكثر استسلاما لأمر اللّٰه وينعَمون براحة القلب واطمئنانه.
فكنت أقول: تُرى ما السبب؟ وأدركت الآن أنهم يؤدون وظيفتهم الحقيقية ولا ينشغلون بما لا يعنيهم من أمور ولا يتدخلون بأمر القضاء والقدر. ولا يقلقون ولا يضطربون ولا ينتقدون أحدا ذلك التنقيد النابع من الأنانية وقصد النفع. فلقد بيَّضوا وجوه طلاب النور بثباتهم واطمئنان قلوبهم، وأَظهروا القوة المعنوية لرسائل النور تجاه الزندقة.
نسأل اللّٰه أن يعمم ما في أولئك من تواضع تام وعزة كاملة في نُكران الذات وخصال البطولة والريادة ويجعلها شاملةً جميع إخواننا. آمين.
إخوتي!
إن غرورا رهيبا ناشئا من الغفلة وحب الدنيا، يُجري حكمَه في هذا الزمان. فعلى أهل الحق تركُ الغرور والأنانية وقصدُ المنافع حتى لو كان في طريق مشروع أيضا. وحيث إن طلاب رسائل النور الحقيقيين قد أذابوا أنانيتهم الشبيهة بقطعة ثلج في الشخص المعنوي والحوض المشترك للجماعة، فلا يتزعزعون بإذن اللّٰه في غمرة هذه العواصف والأعاصير.
نعم، إن خطة مهمة ومجرّبة للمنافقين هي جمعُ أمثال هؤلاء الذين كلٌ منهم يملك شخصيةَ ضابط وحاكم، في مسألة واحدة، في مكان ضيق يهيّج الأعصاب ويورث الضجر والنقاش الحاد والجدال والنقد، ويثيرون فيهم النیزاع لبعثرة قوتهم المعنوية. ثم يؤدّبون مَن فَقدَ قوته المعنوية بيسر وسهولة.
فطلاب رسائل النور لأنهم يسلكون مسلك الخلّة والأخوة والفناء في الإخوان سيُفشِلون هذه الخطة المهمة المجربة للمنافقين بإذن اللّٰه.
— 356 —
إخوتي الأوفياء الأعزاء
كان فيما مضى مريدون كثيرون جدّا ينتمون إلى شيخ جليل، في بلد من البلدان، فقلقت منهم رجالات الدولة فيها، خوفا من تعرضهم لأمور السياسة، فأرادوا تشتيت جماعة الشيخ. فقال لهم: ليس لي إلّا مريد واحد ونصف مريد، لا غير، وإن شئتم نُقِم عليهم التجربة والاختبار.
نصب الشيخ خيمة في ضاحية من ضواحي المدينة، ودعا الألوف من مريديه إلى هناك ثم أمر بقوله: سوف أجري امتحانا، فمن كان حقا مريدي ويطعْ أمري فسيمضي إلى الجنة. فدعاهم إلى الخيمة واحدا إثر واحد، إلّا أنه ذبح خروفا بطريقة خفية. وبدا للمريدين كأنه ذبح أحد مريديه الخواص وأرسله إلى الجنة. وما إن رأى ألوف المريدين جريان الدم من الخيمة إلى الخارج تراجعوا عنه ولم يسمعوا لأمره، بل رفضوه وأنكروا عليه، إلّا رجلا واحدا قال: ليكن رأسي فداء له، فذهب إليه، ثم أعقبته امرأة. أما الآخرون فتفرقوا عنه. فقال ذلك الشيخ لرجال الدولة: ها قد شاهدتم أن لي مريدا ونصف مريد!
أما نحن فنشكره تعالى ألف شكر وشكر، إذ لم تفقد رسائل النور إلّا طالبا ونصف طالب في امتحان "أسكي شهر" ومحاكماتها، بخلاف ذلك الشيخ -في السابق- حيث انضم إلى الطلاب عشرة آلاف شخص بدلا من الواحد والنصف الضائع، وذلك بفضل اللّٰه ثم همة وجهود أبطال "إسبارطة" وحواليها.
وبإذن اللّٰه لن يضيع الكثيرون في هذا الامتحان، بهمة أبطال شرقي البلاد وغربيها، بل سينضم بدلا من الضائع الواحد عشرة أشخاص.
— 357 —
باسمه سبحانه
كان فيما مضى شخص غير مسلم، قد وَجد وسيلةً لبلوغ مرتبة خليفة الشيخ ضمن السير والسلوك في طريقة صوفية، وشرع بوظيفة الإرشاد. وعندما بدأ مريدوه الذين يتولى تربيتَهم بالرُّقي الروحي، كشف أحدُهم أن مرشدهم هذا في منتهى السقوط والتردي. ثم أدرك ذلك الشخص أيضا -بفراسته- أنه قد كُشف حالُه، فقال لذلك المريد: لقد عرفتني إذن!
قال له المريد: "ما دمتُ قد بلغت هذا المقام بإرشادكم، سأجلّك وأوقّرك بعد الآن أعظم من قبل". وبدأ بالتضرع إلى اللّٰه العلي القدير أن يهدي مرشدَه إلى سواء السبيل، حتى أنقذه اللّٰه مما فيه، وفاق مريديه كلهم في الرُّقي الروحي، فظل مرشدا حقيقيا لهم.. إذن يكون المريد أحيانا شيخا لشيخه.
فالفضل والسبق إذن هو أن لا يترك الطالبُ أخاه، عندما يراه مبتلًى بفساد، بل يزيدَ أخوّته معه، ويسعى لإصلاحه. فهذا هو شأن الأوفياء الصادقين. أما المنافقون فيستغلون مثل هذه الأوضاع ويروّجون: "أن هؤلاء الذين تهتم بهم كثيرا ليسوا سوى أُناس اعتياديين عاجزين". وذلك إفسادا لحُسن الظن القائم بين الإخوة وتهوينا لتساندهم.
وعلى كل حال فعلى الرغم من أضرار كثيرة تلحق بنا في المصيبة، إلّا أنها قضيةٌ تهم العالم الإسلامي قاطبة، لذا فإن لها قيمةً عظيمة يَهُون تجاهها كلُّ شيء. علما أن حوادثَ مشابِهةً لها لم تصبح مُلكا للعالم الإسلامي لأسباب سياسية دينية أو أسباب أخرى.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن سبب اهتمامي البالغ بتساندكم وترابطكم، لا ينحصر في منافعه التي تكسب رسائل النور والتي تعود إلينا، وإنما لعوام المؤمنين ممن ليسوا ضمن الإيمان التحقيقي. فهم أحوج ما يكونون إلى نقطة استناد وإلى حقيقة ثابتة عضَّت عليها جماعة بالنواجذ، فيرتكزون على تلك الحقيقة القاطعة للثبات تجاه تيارات الضلالة الرهيبة، حيث تكون لهم حجةً قوية، ومرشدا ثبتا، ومرجعا لا ينخدع ولا يخدع ولا يتراجع ولا يتزعزع.
— 358 —
فمن يشاهد ترابطكم المتين وتساندَكم القوي يطمئن قلبُه، إذ يدرك أن هناك حقيقة راسخة لا تُضحى بشيء، ولا يغلبها شيء، ولا تحني رأسَها لأهل الضلالة.. فيقوى إيمانُه، وتعمُق قوتُه المعنوية وينجو -بإذن اللّٰه- من الالتحاق بصفوف أهل السفاهة والدنيا.
إخواني الأوفياء الصادقين!
إياكم والمراء، احذروا المناقشة. فالآذان المتجسسة تستفيد منها، فمهما يكن المناقِش فهو على باطل في وضعنا الحالي، سواءً أكان محقّا أم لا! إذ ربما يُلحق بنا ضررا جسيما في حين ليس له إلّا النیزر اليسير من الحق.
أُكرر لكم الحكاية التي ذكرتُها لإخواني الحساسين في سجن "أسكي شهر":
ولما كنت مع تسعين من ضباطنا -في الحرب العالمية السابقة- أسرى معتقَلين في ردهة طويلة، في شمالي روسيا، كنت لا أسمح بالضوضاء والصخب بإسداء النصح لهم، إذ كانوا يحترمونني بما يفوق قدري بكثير، ولكن على حين غرة أثار الغضبُ الناشئ من توتر الأعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشاتٍ حادة. فقلت لبضعةٍ منهم: "اذهبوا إلى حيث الضجيج والصياح، وساندوا المبطل دون المحقّ". وقد قاموا بدورهم. فانقطع دابر المناقشات الضارة.
ثم سألوني: "لِمَ قمت بهذا العمل الباطل؟". قلت لهم: "إن المحقّ يكون منصفا ويضحي بحقه الجزئي في سبيل راحة الآخرين ومصلحتهم التي هي كثيرة وكبيرة. أما المبطل فهو -على الأغلب- مغرور وأناني لا يضحي بشيء، فيزداد الصخب!".
إخوتي!
اقرؤوا مكررا وبإمعان ما كُتب في الرسائل الصغيرة من مدار السلوان والصبر والتحمل. فأنا أَضعفُكم وأكثرُكم نصيبا من هذه المصيبة الضجرة. إلّا أنني بفضل اللّٰه أتحمل ذلك الضِيق. فللّٰه الحمد والشكر لم أَمتعض أبدا ممن يحمّلون الأخطاء والتبعات كلها عليّ. ولم أضجَر أيضا ممن دافعوا عن أنفسهم وألقوا التبعات -ضمنا- على الجماعة وحمّلوها علينا باعتبار وحدة المسألة.. فما دمنا نحن إخوة في اللّٰه فأرجو الاقتداء بي في هذا الصبر.
— 359 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء ويا أصحابي في مَضيف هذه الدنيا!
لقد فكرتُ هذه الليلة -بمشاعرِ "سعيد القديم" العزيزة- في سَوقنا معا إلى المحكمة وأنا مكبّل اليدين وسطَ جنود مدججين بالسلاح الأبيض، فانتابنى غضب شديد. وفجأة أُخطر إلى القلب:
ينبغي استقبال هذا المشهد بالشكر المكلل بالفخر والسرور، لا بالغضب والحدة، لأن هؤلاء في نظرِ ما لا يُعد ولا يحصى من ذوي الشعور والمَلك والروحانيين وأهلِ الحقيقة من الناس وأصحاب الضمائر وأهل الإيمان التحقيقي، يَظهرون بمظهرِ قافلةِ الأبطال الميامين الذين يَتَحدَّون هذا العصر في سبيل الحق والحقيقة ورفعِ راية القرآن والإيمان. وحيث إن الرحمة الإلهية والرضى الرباني متوجهان إليهم، ويُقدَّرون في نظرهما بالاستحسان والإعجاب، فلا قيمة ولا أهمية لنظر الإهانة الآتية من قبل شرذمة من السفهاء السائبين.
حتى إنني عندما ذهبت بالسيارة -بسبب المرض- استشعرت ضيقا شديدا. بينما شعرت بانشراح عظيم عندما كنت معكم في أثناء السَوق مُكبل اليدين مثلكم. بمعنى أن تلك الحالة ناشئة من هذا السر. أُكرر ما قلته مرارا:
إنه لا يشاهَد في التاريخ من يتحمل في سبيل الحق أقلَّ المشاق وينال أعظمَ الثواب مثل طلاب رسائل النور. فمهما تحمّلنا من مشاقَّ فهي زهيدة أيضا.
— 360 —
باسمه سبحانه
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
كان من الصعوبة النجاة من مصيبتنا هذه والتهرّب منها بجهتين:
أولاها: كان لابد لنا من المجيء إلى هنا، ليُطعمنا القدرُ الإلهي هنا ما قسّمه لنا. إذن فهذا الوضع هو أفضلُه وأكثره خيرا.
ثانيتها: لم نتمكن من الخلاص من المؤامرة والشِباك التي حيكت لنا. فقد شعرت بها ولكن لا خلاص. حتى إن الشيخ عبد الحكيم(٭) والشيخ عبد الباقي لم ينجيا. بمعنى أن شكوى بعضِنا لبعض في مصيبتنا هذه باطلٌ لا أساس له، ولا معنى، وهو مضر، ونوع من الإعراض عن رسائل النور.
حذار.. حذار مِن جعل ما أظهره الأركانُ الخواص من أعمالٍ وخدمات سببا لهذه المصيبة، ومن ثم الاستياء منهم. فهذا تخلّف عن رسائل النور وندامةٌ على تعلم الحقائق الإيمانية. وتلك مصيبةٌ معنوية أدهى من المصيبة المادية.
فأنا أُطَمْئِنكم -مقسما باللّٰه- أنه بالرغم من أن لي نصيبا في هذه المصيبة أكثر من كلٍ منكم بعشرين أو ثلاثين درجة، فلا أَستاء ممن سبّب هذه المصيبة بنيّة خالصة ومن جراء فعاليته في الخدمة وعدم أخذه بالحذر، بل حتى لو تضاعفت هذه المصيبة بعشرة أمثالها فلا أمتعض منه ولا أَستاء. وكذا لا معنى للاعتراض على ما فات. لأنه غير قابل للترميم.
إخوتي!
إن القلق يضاعف المصيبة ويكون جذرا في القلب لتستقر عليه المصيبةُ المادية، فضلا عن أنه يومئ ويُشَمّ منه نوع من الاعتراض والنقد تجاه القدر الإلهي، وهو نوع من الاتهام تجاه الرحمة الإلهية.
فما دام في كل شيء جهةُ جمال وجلوة من الرحمة الإلهية وأن القدر يفعل ما يفعل وفق عدالة وحكمة، فلابد أننا مكلفون بعدم الاهتمام بالمشقات الهينة في سبيل وظيفة مقدسة في هذا الزمان وذاتِ مساس بالعالم الإسلامي عامة.