— 324 —
جواب حقيقي لسؤال مهم
سألني بعض الموظفين المرموقين:
"لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال حول جعلك واعظا عاما لعموم "كردستان" والولايات الشرقية بدلا عن الشيخ السنوسي(٭) براتب قدره ثلاثمائة ليرة؟ [٭]: هذا الراتب كان راتبا ضخما جدّا آنذاك ولا يأخذه إلا الوزراء. ذلك لأنك لو كنتَ قبلت هذا العرض منه لكنتَ سببا في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحية الثورة؟". [٭]: حدثت في الولايات الشرقية (كردستان) عدة ثورات، كان أهمها الثورة التي قادها أحد رؤساء العشائر الكردية "الشيخ سعيد بيران" ضد سياسة النظام الحاكم آنذاك. فقضى عليها وأعدم قائد الثورة وسبعةٌ وأربعون ممن معه في ١٥/٤/١٩٢٥.
فقلت لهم جوابا على سؤالهم هذا: بدلا من قيامي بإنقاذ عشرين أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال، فإن رسائل النور كانت وسيلة وسببا لإنقاذ ملايينِ السنين للحياة الأخروية لمئات الآلاف من المواطنين، أي إنها قامت بعمل يكافئ أضعاف تلك الخسارة بآلاف المرات، فلو أنني قبلت ذلك العرض لما ظهرت رسائل النور التي تحمل في طياتها سر الإخلاص والتي لا تكون تابعا لأي أحد ولا وسيلة استغلال لأي شيء كان. حتى إنني قلت لأصدقائي المحترمين في السجن: لو أن الحكام الموجودين في أنقرة الذين آلمتْهم صفعات رسائل النور الشديدة فحكموا عليّ بالشنق، ثم استطاعت رسائل النور أن تنقذ إيمانهم وأن تنقذهم من الإعدام الأبدي، فاشهدوا بأنني أصفح عنهم من كل قلبي.
وقد قلت لمدير الشرطة وللمفتشين الذين أزعجوني غاية الإزعاج بترصداتهم ومراقباتهم لي بعد صدور قرار التبرئة من محكمة "دنيزلي":
"لا شك أن من كرامة رسائل النور التي لا يمكن إنكارها أنه بعد بحث وتدقيق دام تسعة أشهر، لم يستطع أحد من أن يعثر على أية وثيقة أو أية علاقة مع أي تيار أو مع أية جمعية أو
— 325 —
جماعة داخلية أو خارجية لا في مئات الرسائل والخطابات التي كتبتها خلال عشرين سنة من حياتي المليئة بالآلام وبأنواع الظلم، ولا مع طلاب النور الذين يُعدون بالآلاف. فهل يستطيع أي فكر أو أي تدبير أن يعطينا مثل هذا الوضع الباهر. إذ لو انكشفت أسرار شخص واحد لبضع سنين من عمره، لظهرت عشرون مادة تدينه وتفضحه. إذن فهذه هي الحقيقة.
فإما أن تقولوا: إن هناك ذكاء وعبقرية لا تبارى تنسّق هذا العمل وتسيّره.. أو لو قلتم: هناك عناية ربانية فائقة وحفظ إلهيّ.
عند ذلك أقول لكم: إذن فإن من الخطأ محاربة هذه العبقرية، لأن فيها ضررا كبيرا للأمة وللوطن، كما أن مجابهةَ ومعارضة العناية الربانية والحفظ الإلهي ليست إلّا تمردا فرعونيا.
ولو قلتم: إننا إن لم نقم بمراقبتك ورصد حركاتك، تستطيع أن تعكر حياتنا الاجتماعية بدروسك وبأسرارك الخفية.
لقلت لكم: لقد حصلت الحكومة على جميع دروسي بلا استثناء، فلم تجد فيها أي شيء يوجب العقاب، ومع أن ما يقرب من خمسين ألف نسخة من الرسائل من هذه الدروس متداولة بين أفراد الشعب وهم يقرؤونها بكل اهتمام وبكل لهفة، فما من ضرر لحق بأي شخص كان، بل على العكس رأينا منافعها. وقد أقرت المحكمة السابقة والمحكمة الحالية أنه لم يتم العثور فيها على أي شيء يوجب التهمة أو المؤاخذة، فأصدرت المحكمة الحالية قرارها بالبراءة بالإجماع. أما المحكمة السابقة فإنها احتجّت ببضع كلمات وردت ضمن مائة وثلاثين رسالة لكي تكون عذرا لها في إصدار حكم بالحبس لمدة ستة أشهر على خمسة عشر طالبا من طلاب النور من بين مائة وعشرين من الموقوفين منهم، وذلك من أجل شخص عظيم في مناصب الدنيوية. [٭]: المقصود مصطفى كمال. إذن فهذا برهان قوي وحجة قاطعة على أنّ تعرضكم لي ولرسائل النور ليس إلا نتيجةَ توهّم لا معنى له وليس إلّا ظلما قبيحا. ثم إنه لا توجد عندي دروس جديدة وليس لي سرّ مطوي وخفي لكي تقوموا بمثل هذه المراقبة والترصد.
إنني الآن في حاجة ملحّة إلى حريتي. ألا يكفي هذا الترصد غير المجدي والمراقبة العقيمة والملاحقة الظالمة المستمرة منذ عشرين سنة؟ لقد نفد صبري.. وربما أدعو عليكم
— 326 —
بسبب ضعفي وشيخوختي دعاءً لم أدعُه من قبل، وإن "دعوة المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب" [٭]: أصل الحديث: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّٰه حجاب". (مسلم، الإيمان ٢٩؛ البخاري، الجهاد ١٨٠، الزكاة ٦٣، المظالم ٩، المغازي ٦٠). حقيقة راسخة.
ولكن ذلك الظالم وهؤلاء التعساء المتبوئين وظائف دنيوية عالية قالوا لنا:
"إنك ومنذ عشرين عاما لم تضع قبعتنا على رأسك حتى ولا مرة واحدة. ولم تحسر عن رأسك أمام المحاكم -السابقة منها واللاحقة- بل بقيتَ في قيافتك القديمة مع أن سبعة عشر مليونا لبسوا القيافة الجديدة".
قلت لهم: ليس هناك سبعة عشر مليونا، ولا سبعة ملايين، بل ولا يوجد من يلبسها بمحض اختياره سوى سبعة آلاف من السُكارى عَبَدة الغرب ومقلديه. لذا فبدلا من أن ألبس قيافة تجبرني عليها قوة القانون وتسمح لي بذلك الرخصة الشرعية [٭]: حيث إنه إكراه. فإني أُفضل أن ألبس قيافةَ سبعة مليار من الذوات المحترمين وسلوكَ طريق العزيمة والتقوى. ولا يمكن أن يقال لشخص مثلي تَرَك الحياةَ الاجتماعية وهجرها: إنه "يعاند وهو معارض ومخالف لنا". ولنفرض أنه عناد، فمادام مصطفى كمال نفسه لم يستطع أن يكسر هذا العناد، ومادامت محكمتان ومحافظو ثلاث ولايات لم يكسروه فمن أنتم حتى تحاولوا مثل هذه المحاولة العقيمة، ولماذا تحاولون هذا عبثا مع أنها لا تأتي بخير للأمة ولا لهذه الحكومة؟ حتى لو افترضنا أنني معارض سياسي فمادمتم تقرون وتعترفون بأنني شخص قد قطع علاقته مع الدنيا منذ عشرين عاما وبأنني أعد بذلك شخصا ميتا من الناحية المعنوية منذ عشرين عاما، لذا فليست هناك من فائدة من أن يبعث هذا الشخص من جديد في معترك الحياة السياسية بمواجهتكم، بل يُشَكل هذا ضررا بالغا له، لذا فإن توقع المعارضة السياسية من مثل هذا الشخص ليس إلّا جنونا مطبقا. ولما كان الحديث الجاد مع المجانين يعدّ جنونا فإنني سأترك التحدث مع أمثالكم.. افعلوا ما شئتم..".
فأدى قولي هذا إلى إسكاتهم وإغضابهم في الوقت نفسه.
كلمتي الأخيرة:
﴿ حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ ﴾
﴿ حسبي اللّٰه لا اله الّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾
— 327 —
قلت لهم في دفاعي الموجز هذه المرة:
إن ما تحتويها رسائل النور من الحقيقة والرحمة والحق قد منعتنا من الخوض في السياسة. ذلك لأن الخوض فيها يؤدي إلى وقوع الأبرياء في بلايا ومصائب عديدة فنكون قد ظلمناهم. وقد طلب بعضهم إيضاح هذا الأمر فقلت لهم:
إنه بسبب التعصب العنصري والأنانية التي نشأت في هذا العصر العاصف من المدنية الغادرة، والدكتاتورية العسكرية التي أعقبت الحرب العالمية، وما أفرزتْه الضلالةُ من القسوة وعدم الرحمة، ساد أشد أنواع الظلم وأشد أنواع الاستبداد، بحيث لو قام أهلُ الحق بالدفاع عن حقوقهم بالقوة لأصاب الكثيرَ من الأبرياء والضعفاء أشدُّ الظلم نتيجةَ الحيدة عن العدل، فيبقى هؤلاء مغلوبين على أمرهم يقاسون أشد أنواع الظلم. ذلك لأن الظالمين الذين تدفعهم النوازع المذكورة آنفا لا يترددون أبدا في مدّ يد الأذى والبطش والظلم بعشرين أو ثلاثين من الأبرياء ويؤاخذونهم بجريرةِ أو خطأ شخص أو شخصين بأسباب واهية ومعاذير شتى. فلو قام أهل الحق بضرب ذلك الموضع في سبيل الحق والعدل لأعطوا خسارة بمُعَدَّلِ ثلاثين إلى واحد. ولو قاموا باتباع القاعدة الظالمة المتمثلة بالمقابلة بالمثل وبطشوا بعشرين أو ثلاثين شخصا مأخوذين بجريرة واحد أو اثنين من الظالمين لاقترفوا -باسم الحق وتحت شعاره- ظلما عظيما وشنيعا.
هذا هو السبب والحكمة من تهرّبنا الشديد ونفورنا من التعرض للسياسة وللحكم وذلك بأمر القرآن، وإلّا فإن عندنا من قوة الحق ما يمكننا من الدفاع عن حقنا بكل جدارة. ثم مادام كل شيء زائلا وفانيا ومادام الموت موجودا والقبر لا يزال فاغرا فاه، ومادام الأذى ينقلب إلى رحمة، فإننا نفضل أن نصبر ونتوكل على اللّٰه ونشكره ونسكت. أما محاولة الإخلال بسكوتنا وهدوئنا بالإكراه بإيقاع الأذى بنا فإنها تناقض كل مفاهيم العدالة والغيرة الوطنية والحمية الملية.
وخلاصة الكلام: إنه لا يوجد هناك لأهل السياسة ولا لأرباب الحكم ولا لأصحاب الإدارة ولا للشرطة ولا لدوائر العدل شيء يستدعي منهم التعرض لنا. كل ما هنالك أن
— 328 —
بعض الزنادقة المتسترين استطاعوا بشيطنتهم وبالتعصب الزنديقي الناجم عن الكفر المطلق -الذي يعد طاعونا بشريا ونتاجَ الفلسفة المادية، والذي لا توجد هناك في الدنيا أيةُ حكومة تدافع عنه ولا أي شخص عاقل يأنس به-.. استطاعوا بهذه الشيطنة أن يخدعوا بعض موظفي الدولة ويُلقوا إليهم بأوهام وبمخاوف لكي يوجسوا منا خيفة وبذلك دفعوهم ضدنا.
ونحن نقول: إننا بعون اللّٰه تعالى وبالقوة التي نستمدها من القرآن الكريم لن نترك الميدان ولن نهرب ولو أقاموا الدنيا بأجمعها ضدنا وليس فقط بعض هؤلاء الأشخاص المصابين بالأوهام. ولن نسلم السلاح تجاه هؤلاء المرتدين الزنادقة من الكفار.
سعيد النورسي