صيقل الإسلام
— 181 —

فصل في نسبة الألفاظ للمعاني

ونسبة (١) الألفاظ (٢) للمعاني (٣) خمسة (٤) أقسام (٥) بلا نقصان
(١) اعلم أن اللسان كالإِنسان عاش أدوارًا وتحول أطوارًا وترقى أعصارًا. فإن نظرت الآن إلى ما تبطن "الآن" من أطلالِ وأنقاضِ اللسان التي تفتت في سيل الزمان لرأيت منها تاريخ حياة اللسان ومنشأه. فالدور الذي نجم اللسان إلى الوجود، إنما هو دور حبات الحروف الضعيفة الانعقادِ، المغمورة في الأصوات، الدال أكثرُها بطبيعة المحاكاة. ثم بتلخص المعاني
— 182 —
ارتقى إلى الهجاء. ثم بتكثر الأغراض تدرج إلى التركيبي "ولها آيات في الشرق". ثم بتشعب المقاصد تصاعد إلى التصريفي. ثم بامتزاج الحسيات الرقيقة والأغراض اللطيفة تعارج إلى النحوي، وهو العربي الذي أخصر الاختصارات، الموجز المطنب، القصير الطويل. ثم بسر قلب المجاز بالاستمرار حقيقةً تَوَلَّد الاشتراكُ. وبحكمة نسيان المناسبة وانقلاب الصفة بالجمود تَوَلَّدَ الترادفُ.. وقس.. فالتناسب نتيجة التناسل...
(٢) أي اللفظ مع اللفظ واللفظ مع المعنى والمعنى مع الفرد... [٭]: (أي اللفظ مع اللفظ الخ) حاصله: أن الأقسام الخمسة الآتية حاصلة من نسبتين: إحداهما: نسبة اللفظ إلى اللفظ، يحصل من هذا الترادفُ والتشكك. والأخرى: نسبة اللفظ إلى المعنى، يحصل من هذا التواطؤُ والاشتراك والتخالف. لكن الناظم احتبك في العبارة؛ بأنْ حَذَف من الأولى آخرها ومن الثانية أولها. وتقدير العبارة هكذا: ونسبة الألفاظ للألفاظ ونسبة الألفاظ للمعاني. فتَرَكَ من الأول ثانيه ومن الثاني أوله.
(والمعنى مع الفرد) أي نسبة المعنى المطابقي إلى جزئه أو لازمه. يحصل من هذا قسمان آخران: التباغض والتلازم. تَرَكَ الناظم هذا لسبقه في الدلالة.
(٣) والفرد معنى. فيه احتباك: "ذكر في كلٍ ما ترك في كلٍ".. [٭]: (والفرد معنى) أي جزء المعنى المطابقي أو لازمه من المعاني. فنسبته إلى أحدهما من نسبة المعنى إلى المعنى...
(٤) أي باندراج التساوي في الترادف. والنقل والمجاز في الاشتراك. [٭]: (أي باندراج التساوي الخ) وإلّا يكون الأقسام سبعة والتقسيمات المنتجة لها أيضًا سبعة...
(٥) أي الخمسة نتيجة خمسة، أو سبعة تقسيمات بالقياس المقسم.
تواطؤ (١) تشكك (٢) تَخَالُفٌ (٣) والاشتراك (٤) عكسه (٥) الترادف (٦)
(١) أي تساوى الحصص ذاتا، وإن تفاوتت كمالًا وانكشافًا، إذ قانون تولد الاتحاد والامتزاج من الاختلاف تحكم. وكم من مترجم عن تأثره يئن قائلا:
وطالما كنا كغصنَيْ بانٍ لكن نما وزدت في النقصان
ألم تر: نواتين توأمين إذ سعت "تا" انكشفت نخلة، وإن عصت "تي" انكمشت نخرة... [٭]: (أي تساوى الحصص) أي المراد من التواطؤ تساوي الأفراد ذاتا ومفهوما لا اتحادا في الكمال والانكشاف، لأن الاتحاد لا يمكن في الأفراد المتخالفة: (ألا ترى) الشاعر كيف يئن ويتأوه من نقصه وترقي رفيقه مع : أنهما من نوع واحد.
وانظر إلى النواتات يكون بعضها نخلة وبعضها نخرة مع أن الأصل واحد. فالتواطؤ في الذات فقط. -كالبياض للثلج- إذ لا يفرق بين ماهيته وهويته وذاته وصفته ومفهومه وأفراده فيقع التشكك في حمل البياض على الثلج إما على مفهومه أو على أفراده...
— 183 —
(٢) أي التشكك مشكل بين المشتركين
اعلم أن التشكك مع امتناعه قد يتوهم فيما لبس نفسه، وألبست ماهيته هويته، ولابست ذاته صفته اسمًا ورسمًا كالبياض للثلج والعاج. وأما وجود الواجب والممكن فلا يشتركان إلا في العرض العام الذي هو الوجود الغير الذاتي للموجودات...
(٣) فيدخل غير التغاير من التقابل والتضاد والتناقض والتضايف والتنافي والتباين وعدم الملكة...
(٤) أي المتولد في الأكثر بالاستمرار أو بتناسي سر التشبيه: ألم تر لو تخيلتَ وجهَ السماء جبهة ونصف وجه أفطس أعور أو أرمد لرأيت الشمس عينه الباصرة المبصرة. أو توهمت السماء أرضا أو طودًا مظلين لأبصرت الشمس عينهما الجارية بماء الحياة وهو الضياء، وقس... [٭]: فإن لفظ العين في تلك العبارة مشترك بين الجارية والباصرة قد نُسي علاقة التشبيه بين الجارية والباصرة فصار حقيقة...
(٥) أي عكس عكسه المنعكس منتكسا أي "ذا" يتشعب عروقا و "هذا" فروعًا. [٭]: (أي عكس عكسه المنعكس منتكسا الخ) إذ في الاشتراك اللفظُ واحد والمعنى متعدد. وفي الترادف بالعكس. فالترادف بالصعود من جهة المعنى إلى اللفظ يتفرع. والاشتراك بالنكوس والتسفل من اللفظ إلى المعنى يتعرق...
(٦) أي التساوي أمه. فكم من مشتق يتجمد.. [٭]: (والتساوي أمه) أي الترادف قسم من التساوي ومتولد منه فكيف جعل قسما آخر؟
فأجاب: (فكم من مشتق يتجمد) أي يصير جامدًا ويخرج عن الوصفية وينفرد عن أبيه وأمه مستقلا برأسه...
واللفظ (١) إما (٣) طلب (٢) أو خبر (٤) وأول ثلاثة (٥) ستذكر (٦)
(١) أي ذو النسبة التامة. [٭]: (أي ذو النسبة التامة) لأن الأقسام من المركبات التامة لا من المفردات ولا من التركيبات الناقصة...
— 184 —
(٢) اعلم أن ابن آدم لَمحتاج في تنظيم أطنابه الممتدة إلى الكائنات وإصلاح روابطه المنتشرة إليها إلى إنشائيات تسد حاجاته الفطرية؛ فلتطمين تهوسه "يتمنى"، ولتسكين حرصه "يترجى"، ولتربية ميل الاستكمال فيه "يستفهم"، ولميل الاحتياج إلى التعاون "ينادي"، ولإظهار ارتباطه بالحق "يُقْسِم"، ولتأمين مَيل المحاسن "يأمر"، ولتوطين نفرة المَساوي "ينهى"، ولسد الحاجات بتوسع المجال "يحل ويعقد"، وقس.. ثم لخاطر ميل جولان الروح في الأزمنة والأمكنة مع النفوذ في أسرار الكائنات "يخبر":
الحاصل: أن لابن آدم وبنت حواء علمًا فعليًا يكون فكرهما مبدأ لخارجياتهما الاعتبارية. ومصورها "الإنشاء". وعلما انفعاليا يكون الخارج منشأَ ذهنياتِهما. وزعيمه "الخبر".
(٣) أي الحرف المنبث في غيره. وفي التنبيه والقسم طلبٌ ما والمطلوب محال أو ممكن. عدمٌ أو وجود. والوجود في الذهن أو في الخارج. وهو إما حقيقي أو اعتباري.. هذا.. [٭]: (أي الحرف المنبث في غيره) يعني أن (أما) هذه ليست للشرط بل هي حرف للترديد لا مدلول لها مستقلًا بل آلة للغير. (وفي التنبيه والقسم طلب ما) أي نوع من الطلب. والمطلوب في الأول إيقاظ المخاطب وفي الثاني إثبات المدعى أو تأكيده مثلًا.
(٤) أي ما يمكن عقلا في المحصل أن يكذب بتخلف المدلول ويصدق بمطابقة المدلول للمعنى كما هو يصدق لأنه تصديق.. [٭]: (ويصدق بمطابقة المدلول للمعني) حاصله: أن صدق القضية بمطابقة مدلول اللفظ للمعنى المراد. لكن هذه المطابقة لا تكفي وحدها لصدق القضية بل يلزم تطابق تلك المطابقة للواقع أيضًا كما قال الأستاذ (كما هو يصدق) أي يلزم أن يكون تلك المطابقة أيضًا صادقة أي مطابقة للواقع (لأنه تصديق) أي مصدق يعني هذه المطابقةُ مصدقة للمطابقة الأولى لولا هذه المطابقة لم تكف الأولى لصدق القضية.
وسر الفرق بين الإخبار والإِنشاء: أن الخارج في الأول لما كان كالعلة المجامعة لما في الذهن، فمتى جاء الذهني قابله إما بالوفاق أو بالخلاف؛ وفي الثاني ما في الذهن كالعلة المعدة. فما دام لم يتم لا خارج له. وإذا جاء الخارج ذهب من حيث هو إنشاء...
(٥) أي أو ثلاثة عشر.. [٭]: (أي أو ثلاثة عشر). نعم، قد زاد الأستاذ على ثلاثة الناظمِ عشرًا من الترجي والتمني.. الخ.
(٦) ما أقبح النظم المحوج في المختصر إلى المطول بلا طائل.
— 185 —
أمر (١) مع استعلا (٢) وعكسه (٣) دُعا (٤)
وفي (٥) التساوي (٦) فَالْتِماسٌ (٧) وقعا
(١) اعلم أنه يتفرع من الأمر -كالنهي- التهديدُ والتعجيز والتسخير والتسوية والتمني والتأديب والإرشاد والامتنان والإكرام والامتهان والاحتقار والوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة والتخيير والإيجاد. وكذا التعجب وغيرها، وأمثالُها من المعاني الهوائية التي يتشربها لفظ الأمر أو النهى والأمر باعتبار المقامات.
ثم إن الأمر للوجوب، لأن روح الأوامر كُن وهو تامة للإيجاد. ويتضمن الناقصة أيضًا.
أما الأوامر المتعلقة بأفعال المكلفين، فللإبقاء على الاختيار، استبدل الإيجاد بالإيجاب، لأنهما صنوان، والإيجابُ ينتج الوجوبَ في أمر الخالق دون الخلق، لجواز تخلف مطلوبهم عن طلبهم. [٭]: (أما الأوامر المتعلقة الخ) دفع لما يرد على ما قال: من (أن روح الأوامر (كن) وهو تام بمعنى الإيجاد): أنه لو كان بمعنى الإيجاد لزم أن يكون الأمر المتعلق بأفعال المكلفين أمرًا إيجاديا. ويترشح من هذا (الجبر) والحال (لا جبر ولا تفويض).
وجه الدفع: أن ذلك الأمر استبدل في حق العبد بالإِيجاب فهو أمر إيجابي، أي يتعلق الأمر بفعل العبد لها بالاختيار، لا إيجادي يتعلق بنفس الأفعال.
(٢) أي وإن لم يكن عاليًا.
(٣) أي الاستعلاء للغير.(ولقد سفل من استعلى غيرًا غير عال).
(٤) ما أجهل من لم يخص بالدعاء من اختص بأمر الإيجاد.
(٥) إذا عصرت "في" و"فا" تقطرت "إن" فلا إشكال. [٭]: (إذا عصرت "في" "وفا"): يعني بعدما تأملت في كون "الفاء" فصيحة وفي كون "في" ظرفية يتقطر من ذلك أن (إن) مع شرطه مقدر: تقديره إن كان التساوي فالتماسٌ، فيخلص التركيب عن الأشكال.
(٦) أي من جهة ما به التساوي إذ قد يتساوى المتباينان. [٭]: (إذ المتساويان قد يتباينان) كالمؤمن والكافر في التجارة مثلا، فالأمر الصادر من أحدهما للآخر التماس من جهة التجارة.
— 186 —
(٧) أي يدًا بيدٍ لا برأس لا بذيل. [٭]: (يدًا بيد) لا يبعد أن يكون هذا القول إشارة إلى أن المأمور به شرعًا المصافحة باليد لا بالرأس كفعل اليهود. ولا بالذيل كما يفعله الراكعون الرافعون لأعجازهم والخافضون للرؤوس للتعظيم.