— 166 —
فصل في أنواع العلم الحادث
إدراكُ (١) مفردٍ (٢) تصورًا (٣) عُلِم ودَرْكُ (٤) نسبةٍ (٥) بتصديق وُسِمَ
(١) للنفس في الإدراك فعلٌ، يَستتبع إضافةً، تستلزم انفعالًا، يستولد كيفية، تستردف صورة. مع أنها عِلمٌ معلومٌ أيضًا. والأول صفة. والثاني مظروف للذهن. [٭]: (مع أنها علم معلوم أيضًا) أي الإدراك عبارة عن الصورة الحاصلة في الذهن. فتلك الصورة من حيث ينتقش ويتصف بها الذهن تكون علمًا وصفة. ومن حيث حصولها في الذهن تكون مظروفة للذهن ومعلومًا لتعلق ذلك الانتقاش به.
(٢) أي ولو حكما بإجمالية النسبة.
(٣) الإطلاق المستفاد من الإطلاق تقييد. أي التصور المطلق لا مطلق التصور. [٭]: (أي التصور المطلق لا مطلق التصور) دفعٌ لما يوهمه قول الناظم من عدم المطابقة بين التعريف والمعرَّف، إذ المتبادر من قوله (تصورًا علم) مطلق التصور أي سواء كان ذلك التصور مع الحكم أو لا. وهذا عام يشمل التصور مع الحكم أيضًا، لأن محل حصوله الذهن. وبهذا الاعتبار يكون المعرَّف أعم من التعريف.
وجه الدفع أن المعرف هنا أعني (تصورا) لكونه غير مقيد مقيدٌ بالإطلاق، أي التصور المطلق. وهو خاص لا يشمل التصور مع الحكم. فالمعرف يساوي التعريف فلا إشكال.
(٤) غُيِّرَ لمغايرة النوعين في التعلق لا في المتعلَّق فقط؛ فإن الأول كالحل، والثاني كالربط والعقد. [٭]: (غير لمغايرة الخ) أي بدّل الإدراك بالدرك، لأن التصور والتصديق كما تغايرا في المتعلق لأنه في الأول المفرد وفي الثاني الحكم تَغَايَرا في التعلق أيضًا. لأن التعلق في الأول بطرفي القضية وفي الثاني بالنسبة بينهما. ولا يخفى أن وجود النسبة يتوقف على العقد والربط بين الطرفين، والأول يدل على الانفصال بين الطرفين وانحلالهما عن النسبة.
— 167 —
(٥) أي دَرْكُ أَنَّ النسبة واقعة مفصلة مستردف الإذعان. لا درك نسبة؛ فإنه شرط أو شطر. ولا درك وقوع النسبة؛ فإنه تابع. [٭]: (أي درك أن النسبة واقعة) يعني أن الظاهر من هذا القول: أن الناظم ذاهب إلى مذهب القدماء من أن التصديق عندهم عبارة عن درك النسبة التامة الخبرية أي درك الثبوت بين الطرفين. بناء على أن أجزاء القضية عندهم ثلاثة: الموضوع والمحمول وثبوت الثاني للأول. لكن عند المتأخرين عبارة عن درك وقوع الثبوت بينهما. فالأجزاء عندهم أربعة إِنْ جعل الثبوت المسمى عندهم بی"النسبة بينَ بينَ" شطرًا أي جزء أو ثلاثة إن جعل شرطا.
وَصَفَ الأستاذ ذلك الإدراك بالإذعان في سائر رسائله أي الاطمئنان القلبي إشارة إلى أن القائل "لكلمة التوحيد" من غير إذعان واطمئنان بمفهومها لا يفوز بحقيقة الإيمان.
وقدم الأول (١) عند الوضع لأنه (٢) مقدم بالطبع (٣)
(١) وإن كان متأخرًا في النهاية، لأنه النتيجة؛ إذ التصديقات معرفة نسب الشيء. ونسبُ الشيء رسم صورته. [٭]: حاصله: أن التصديق لكونه يتوقف على تصور أجزاء القضية يكون التصور مقدمًا عليه.
وكذا أن التصديق عبارة عن معرفة نسبة الموضوع إلى محمولاته، كنسبة زيد إلى الكاتب والشاعر وغيرهما وتلك النسبة رسم ناقص له وهو يفيد حصول صورته في الذهن، وما هذا إلّا تصور. فالتصديق ينجر وينتهي إلى التصور. فالتصور نتيجة للتصديق متأخر عنهما.
(٢) إذ ليس للجعل أن يعزل ما نصبه الخلق. وإن الصنعة تلميذ الطبيعة، نورها مستفاد منها. وإن الاختيار متمم الفطرة مانع المانع ولا ينوب عنها. [٭]: (إذ ليس للجعل) حاصله: أن التصور شرط أو جزء للتصديق وهما مقدمان على الكل، والمشروط طبعا وفطرة. فليس للواضع أن يخالف مقتضي الخلقة باختياره عازلًا للفطرة، لأن الاختيار إنما هو تلميذ يتلو تلو أستاذه ولا ينوب منابه. وإنما وظيفته دفع الموانع لإكمال الخلقة.
(٣) أي شرط أو جزء، ولا يجوز تقوم الشيء بالنقيضين، أو اشتراطه بنقيضه؛ لأن التصور ليس جنسا ولا ذاتيًّا للتصورات، بل عَرَضٌ عام كالمصطلحات لأفرادها. [٭]: (أي شرط أو جزء) دفع لما يقال: من أن التصور والتصديق ضدان أو نقيضان، فكيف يكون أحدهما جزءًا أو شرطًا للآخر؟
وحاصل الدفع: أن الشرط أو الجزء للتصديق إنما هو التصور الخاص لا التصور الذي هو عرض عام. وإنما يلزم ذلك لو كان ذاتيًّا للتصورات.
— 168 —
والنظرِيْ (١) ما احتاج (٢) للتأملِ (٣) وعكسه (٤) هو (٥) الضروريُّ (٦) الجلي
(١) أي منهما، أي الإدراك والدرك بمعنى المدرَك، أي ماصدق عليه في زمان ما. [٭]: (أي منهما) راجع للتصور والتصديق. لا مفسر بما بعده، لأنه غير مذكور.
(بمعنى المدرَك) أول باسم المفعول ليصح الحمل. ولشمول التعريف لما يدرك بعدُ عمم الزمان بقوله (في زمان ما).
(٢) أي بالعموم وإلّا فالإلهام والتعليم والتصفية مِنْ طُرُقِهِ. [٭]: (أي بالعموم) أي الدرب الكبير والطريق العام. وإلا فله طرق أخرى كالإلهام والتعليم والتصفية.
(٣) أي استكشاف الرتب متحركًا لتحصيل المادة، مستردفًا لتجريد الذهن عن الغفلات، مستتبعًا لتحديق العقل نحو المعقولات، مستصحبًا لملاحظة المعلوم لتحصيل المجهول، منتهيًا إلى البسائط. ثم متحركًا لتحصيل الصورة، مستصحبًا للتفطن، مستلزمًا لترتيب الأمور، مولدًا للمُرَتَّبِيَّةِ الحاصلة بالمصدر. "هیذه الحقيقة مزقها العوام شذرًا مذرًا". [٭]: (أي استكشاف الرتب) حاصله أن للذهن لإحضار الدليل حركتين إحداهما أنه يدور في ساحة المعلومات والمعقولات يبحث عما يناسب لإثبات مدعاه، فإذا وَجَدَ تلك المقدماتِ المناسبة جَمَعها ويختم حركته الأولى للمادة. ثم يعود ثانيًا لتحصيل الصورة، فيضع كلًا من المقدمات في موضعها مراعيا للشرائط، فتتشكل الصورة أيضًا فيتم الدليل ويصل إلى المطلوب..
(٤) أي لا منطقًا ولا لغة. [٭]: (أي لا منطقا ولا لغة) أي المراد من العكس هنا المعنى العرفي الذي هو عبارة عن الضدية فقوله (عكسه) أي ضده لا العكس المنطقي، الذي هو عبارة عن تبديل الطرفين، ولا اللغوي أي الانتقال من جهة إلى جهة مثل الانعكاس.
(٥) "هو" للجمع و "أل" للمنع أو للبداهة كوالدك العبد.. [٭]: (هو للجمع) أي للإشارة إلى جامعية التعريف، لأن (هو) يدل على حصر المعرف في التعريف (وال للمنع) أي للدلالة على كون التعريف مانعا عن الأغيار لأنه للعهد الخارجي أو للبداهة كما أن (ال) في (والدك العبد) للبداهة..
(٦) أي الذهني لا الخارجي مقابل الإمكان.. [٭]: (أي الذهني) أي البديهي لأنه هو الضد للنظري. أما الخارجي فبمعنى الوجوب الذي هو مقابل وضد للإمكان..
وما به (١) إلى تصور (٢) وصل (٣) يدعى (٤) بقول شارح (٥) فلنبتهل
(١) هذا قول شارح للقول الشارح:
— 169 —
إن أدخلت في "ما" القاموسُ، وقسم من التقسيمات، وأكثر التفسيرات، وكل التمثيلات وجميع الأمثلة لم يمتلئ... [٭]: (إن دخلت في ما) يعني أن لِی(ما) بطنا لو أدخل فيه جميع ما ذكر -لكن من قسم التصورات- لم يمتلئ ولم يشبع.
يعني أن كل ما في جوف (ما) مما ذكر تعريفات توصل إلى معرفات..
ما في الباء من السببية علة مُعِدَّة حضورًا ومُجَامِعة حصولا.. [٭]: (ما في الباء من السببية) يدل على أن التعريف علة لإحضار المعرف، بحيث لولاه لم يحضر. وبعد الإحضار والحصول، علة مجامعة ومقارنة معه لا تنفك عنه للزوم بينهما.
أي ذاتًا أو صفة أو لازمًا موضوعًا أو مفهومًا بنوعيه، أو مدلولا بأنواعه، أو مرادًا، أو ماهية حقيقية أو اعتبارية أو اصطلاحية مفصلا أو مجملا تاما، أو ناقصا بالعلل أو المعلولات أو بكليهما.. [٭]: (أي ذاتا أو صفة الخ) إن شئت إيضاح هذه الأقسام مع الأمثلة فراجع قبر الأستاذ رضي اللّٰه عنه وأرضاه (وهو في ربوة رفيعة من ربى ولاية إسبارطة مستور مجهول ممنوع عن الناس!!!).
(٢) أي متصورًا بوجه، فإن المجهول المطلق كما يمتنع الحكم عليه يمتنع تعريفه...
(٣) مصدره نائب فاعل، ميزانه ومفهومه روح كل محمولاته وجنس عال لها. كما أن المعلوم أب لموضوعاته و "المعلومُ موصِلٌ" أم مسائله... [٭]: (أي مصدره نائب فاعل ميزانه) أي فعل الوصول على أنه من باب التضمين (ومفهومه) هو الوصول: حاصله: أن التعريف كالأب ملقح للمعرف. أي نافخ لروح الوصول في رحم المعرف. فالتعريف موضوع والمعرف محمول والوصول روح منفوخ منه في رحمه. فكل المسائل داخلة في (المعلومُ موصِل) أي المعلومات موصلة إلى المجهولات...
(٤) أي الدعاء. هذا آخر صورة انتهت إليها هذه النسبة مناد على اسمية التعريف لإحضار ذات وقول. أي مركب ولو ذهنا. لأن البسائط لا تعرف بل تحدس حدسا.. [٭]: (أي الدعاء) أي مصدره الدعاء بمعنى النداء أي يسمي وينادي..
(هذا) أي ندائه بالقول الشارح وتسميته به آخر صورة ينجر وينتهي إليها النسبة التضائفية بين العرف والمعرف، إذ بينهما تضايف. أي التسمية إنما تتحقق بعد تمام الوصول لأن الاسم بعد تمام المسمى.. (هذا) مبتدأ (آخر) خبره الأول (مناد) خبره الثاني. أي يدل على أن التعريف اسم لِمَا كان مركبا من ذات وصفة ولو ذهنا، كالناطق في الحد الناقص. إذ البسيط لا يعرف وإنما يعرف بالحدس أي الانتقال دفعة وفجأة من المعلوم إلى المجهول..
— 170 —
(٥) أي مستقرئ مواطئ النشو، ومدارج الاستكمال، ومحلل يرد الشيء إلى أصله. [٭]: أي (مستقرئ) أي التعريف مفتش يبحث عما ينشأ ويحصل عنه المعرف من الأجناس والفصول والخواص والأعراض. وكذا محلل شارح يردّ المعرف إلى أصله. مثلا: إن من يريد أن يعرف الإنسان يتحرى أولا ما يتركب منه من الأجناس كالجوهر والجسم والجسم النامي والحيوان. ومن الفصول كالقابل للأبعاد الثلاثة والنامي والحساس والناطق. ثم يجمعها ساترا لها في بطن الحيوان الناطق فيتولد الإنسان.
وما (١) لتصديق (٢) به (٣) تُوُصِّلا (٤) بحجة (٥) يعرف (٦) عند العقلا (٧)
(١) "ما" موصوفة، أي تصديق، أي لا تصور. لأن النوعين غير متجانسين فلا يتوالدان وإن تلازما...
(٢) كما تضمن اللام "إلى" تضمن "توصل" "تكلف". فالأول متعلق بالثاني، إذ هذا التصديق مدعى. والثاني بالأول، إذ هو نتيجة بأَوْلٍ وبالإطلاق أو التخييل أيضًا... [٭]: كما تضمن (اللام) معنى (إلى) أي لأن الوصول يتعدى بإلى (تضمن توصل معنى تكلف) لأن الوصول يحصل بالكلفة فناسب تضمين التوصل. فاللام في (لتصديق) له معنيان: معناه الأصلي، ومعنى (إلى). (فالأول) أي إذا نظر إليه بالمعنى الأصلي (متعلق بالثاني) التكلف المتضمن للتوصل (إذ هذا التصديق) أي مدخول اللام (مدعى) وفي إثبات المدعى المجهول كلفة، فناسب تعلقه بالتكلف (والثاني) أي اللام بالمعنى الثاني (متعلق بالأول) أي التوصل المتضمن (إذ هو) أي التصديق المدخول للّام (نتيجة بأَوْلٍ) أي سيؤول وسيرجع ويصير نتيجة. وفي نتاجها لا يوجد الكلفة فالمناسب تعلقه بالتوصل لا بالتكلف.
(وبالإطلاق أو التخييل أيضًا)، أي ذلك التصديق المدخول للام لكونه غير مقيد شامل للقسمين. أي ما كان مدعى وما كان نتيجة، وبالتخييل والتقدير أيضًا يمكن الشمول للقسمين.
(٣) وبالجزئي على الجزئي، أو الجزئي على الكلي، أو بالكلي على الجزئي. [٭]: (وبالجزئي على الجزئي) أي الوصول قد يكون بالجزئي على الجزئي، مثل: هذا زيد، وزيد ضاحك، فهذا ضاحك (وبالجزئي على الكلي) كما في الحدسيات، كالانتقال من بعض الأمارات إلى المطلوب الكلي (وبالكلي على الجزئي) مثل:كل إنسان حيوان وكل إنسان كاتب فبعض الحيوان كاتب.
(٤) زاد هنا وجرده في التصور للإشكال في الأشكال، والاشتباك في الدليل. "ومصدر المجرد نائب فاعل المزيد" أي وصولا لازمًا إلى معلوم، أو مظنونٍ لذات الدليل أو صورته أو موهومٍ أو متخيَّل أو جهل مركب.. [٭]: (زاد هنا) قائلًا: "توصّل" من المزيد (وجرد هناك) قائلًا: "وصل" من الثلاثي (للإشكال في الأشكال) بكسر أول الأول وفتحه في الثاني. يعني أن الإشكالات الواقعة في الأشكال والضروبِ والقياساتِ أَجبرت على ترجيح المزيد على المجرد إشارة إلى زيادة الكلفة هنا.
: (ومصدر المجرد نائب فاعل المزيد) يعني أن (توصّل) لكونه بناء المجهول يقتضي نائب الفاعل ولا مفعولَ ينوب منابه لكونه غير متعد فأشار الأستاذ إلى أن مصدر المجرد أعني "الوصول" نائب عن فاعله.
فمعنى توصل (وقع الوصول) (أي وصولا) مفعول مطلق نوعي (لازما) صفة للإشارة إلى اللزوم بين الدليل والنتيجة (إلى معلوم) متعلق بالوصول أي نتيجة ذات يقين (أو مظنون) أي من الظنيات (لذات الدليل أو صورته) أي سبب الظنية ما وجد في الدليل أو صورته من موجِبات الظن (أو موهوم) أي من الوهميات.
— 171 —
(٥) اعلم! أنها نَسَّابة أنسال الحادثات، وسرّادةُ سلاسلِ مناسبات الكائنات، وتمثالُ مجاري الحياة من جرثوم الحقيقة العظمى إلى الثمرات.. [٭]: (اعلم أنها نسابة لأنسال.. الخ) الضمير عائد للحجة. (نسابة) صفة مبالغة من النسبة. بمعنى كثير المعرفة بالأنساب. والأنسال جمع نسل بمعنى الذرية. أي الحجة الإلهية كأنها تاريخ جامع للحادثات الكونية وعارف بتناسل بعضها عن بعض.
(وسرادة سلاسل) أي مركز لاجتماع تلك السلاسل كأنها "سانترال" محل ومرابط لتلك السلاسل.
(٦) مجاز من "يتحد" وهو من "يحمل" وهو من "يحدد" والمعرفة هي كيفية هذه النسبة، إشارة إلى استغناء هذه الدعوى عن الدليل...
(٧) اللام عوض الصفة أي المنطقيين. لا الإضافة لأن "عاقلا" من ذي كذا. [٭]: (اللام) أي الألف واللام في العقلاء (عوض) أي بدل (عن الصفة) أي عقلاء منطقيين (لا الإضافة) أي عقلاء المنطق. لأن العاقل ليس باسم فاعل حتى يضاف إلى مفعوله (بل هو مِن ذي كذا) أي من باب ذي كذا. فالمعنى عند ذوي العقول من المنطقيين.
واعلم! إن الكل -كالإنسان مثلا- في حكم مصدره، جزؤه مستتر تحت جزئه أو خلفه كالعين للمفتش والأذن للجاسوس والعقل للمنطقي. [٭]: واعلم (أن الكل كالإنسان) أي المیركب من أجزاء كالعين والأذن وغيرهما إذا وقع (في حكم) أي فعل (مصدره) اسم مكان ضميره عیائد للحكم، مبتدأٌ خبرُه (جزؤه) والضمير راجع للكل. والجملة صفة الحكم مثل (تجسس زيد) فإن التجسس يكون بالأُذن. فالقاعدة في التعبير عن ذلك الحكم والفعل إما استتار الفاعل أي الكل في ذلك الجزء أو إضافة الكل إليه بواسطة (ذو) فيقال للشخص المنطقي "عاقل" أَو ذو عقل لأن المنطق يصدر من العقل وللمفتش "عَايِن" أو ذو عين هكذا. وإلى هذا أشار بقوله (مستتر تحته أو خلفه) كالعين للمفتش والأذن للجاسوس والعقل للمنطقي.
— 172 —
أنواع الدلالات الوضعية
دلالة (١) اللفظ (٢) على ما (٣) وافقه (٤) يدعونها (٥) دلالة المطابقة (٦)
(١) هذه هي الثانية من أحوال اللفظ الأربعة التي يقسمها اللفظ واللغة والمنطق والبيان والاستنباط الأصولي من الوضع والدلالة والاستعمال والفهم. [٭]: (التي انقسمها اللفظ واللغة الخ) إن قيل: المقسوم أربعة والمقسوم عليه خمسة فكيف يصح التقسيم؟ قلت، نعم، لكن التقسيم أيضًا على أربعة، إذ اللفظ خارج عن المقسوم عليه، إذ الوضع ناظر إلى اللغة والدلالةُ إلى المنطق والاستعمالُ للبيان والفهمُ للأصول. لكن لا تظنن أن اللفظ بقي خارجا عن التقسيم، بل هو كالأم لهذه الأربعة، تأخذ من حصة كل واحد، إذ بيده رأس حصة كل منها، حيث يقول اللغوي: وضع اللفظ لهذا المعنى، والمنطقي: دلالة اللفظ على هذا المعني مطابقة وهكذا..
فاللفظ داخل في حصة كل. وبهذا الاعتبار تأخذ الأم من حصص الأولاد أربعا..
(٢) اعلم! ما أدق حكمة اللّٰه في اللفظ وما أعجب شأنه وما ألطفه نقشا! إن الرابط بين مأخذي جنس الإنسان وفصله هو النَفَس ذو الرأسين، الموظف بوظيفتين، صاحب الثمرتين، الموجه إلى القبلتين، المثمِر أسافلُه لنار حياة الحيوان مع تصفية مائها، والمولِد أعاليه لحركات نطق الناطق.
فبدخوله إلى عالم الغيب يصفى الدم الملوث بأنقاض الحجيرات المحللة، بسر امتزاج (مولد الحموضة الهوائي بكربونه) بسبب العشق الكيميوي. فإذ يمتزج العنصران يتحد كل جزئين منهما. وإذ يتحدان يتحركان بحركة واحدة. فتبقى الحركة الأخرى معلقة باقية. فبسرِّ "تحوّل الحركة حرارة والحرارة حركة" تنقلب تلك الحركة الباقية المعلقة حرارة غريزية، أعني نار حياة الحيوان. فبينما يخرج النَفَس من عالم الغيب إلى عالم الشهادة تعبًا إذ يتداخل في المخارج متكيفا بالصوت، والصوتُ يتفرق على المقاطع متحولا حروفًا "أجدى من تفاريق العصا". بينما هي قطعاتُ صوتٍ لا حَراك لها. إذ صارت أجسامًا لطيفة عجيبة النقوش، غريبةَ الأشكال، حاملةً للأغراض والمقاصد، تتطاير مترنمة من أوكارها، مرسلة إلى ما قَدر لها صانعُها الحكيم سفراء بين العقول. فاللفظ زبد الفكر، صورة التصور، بقاء التأمل، رمز الذهن. فبسبب الخفة والتعاقب وقلة المؤونة وعدم المزاحمة وعدم القرار ترجّح اللفظ لهذه النعمة العظمى: فما أجهل من يكذب أو يسرف بقيمة هذه النعمة!.
— 173 —
(٣) "أي المفرد" لأن دلالة المركب على جزء معناه مطابقة. واللفظ أمارة ورمز على ما في الذهن على مذهبٍ، وعلى ما في الخارج على مذهب.. [٭]: (أي المفرد) لأن اللام في اللفظ للعهد والإشارة إلى المفرد، فلا يرد على حصر التقسيم وجمعِه دلالةُ المركب على جزئه مطابقة على ما سيجيء، فلا تبقى خارجة عن التقسيم وعن أقسام الدلالة، لأن المقصود من الوضع في الدلالة المطابقية ليس وضعَ اللفظ لعين المعنى بل ما كان للوضع فيه مدخل..
(٤) أي مقدار قامات المعاني.. لا يشتكى قصر منها ولا طول. [٭]: (أي مقدار قامات) اقتباس من شعر الشاعر:
وألفاظ رقاق النسج قدت على مقدار قامات المعاني
(٥) فيه ما مر في "يدعى" فإن نسبة الحكم لها صور متفاوتة واستحالات متسلسلة. [٭]: (فإن نسبة الحكم) نعم، إن دلالة اللفظ على المعنى لها صور وعنوانات متخالفة كالتطابق والتضمن والالتزام، وانقلابات متسلسلة بتبدل المواضع والتراكيب. مثلا: إن الناطق يكون تارة مدلولًا تضمنيًا وتارة التزاميًا وهكذا..
(٦) وإن قارنها دلالة التضمن والالتزام بتسليم بقاء الضعيف مع القوي، ووجود الدلالة بدون الإرادة؛ لأن الحيثية مرادة في "مقول الإضافة" بسر أن الحكم على المشتق وما في معناه يدل على التقييد... [٭]: (لأن الحيثية مرادة) علة لمقدر: كأنه قيل: بعدَ تسليم المقارنة والبقاءِ لا يصح ولا يخص التسمية بالمطابقة فأجاب: بأن الحيثية مرادة والمجوز لإرادتها ترتبُ الحكم على المشتق كما هنا، أي من حيث وافقه..
وجزئه (١) تضمنًا (٢) وما (٣) لزم فهو التزام إن بعقل (٤) التزم (٥)
(١) بمقدمتين: نقلية وعقلية. ببقية إرادة واحدة، لا مستقلة. وإلّا فمطابقة مجاز أو حقيقة قاصرة. ولا بإرادة مشتركة وإلّا فمجاز وحقيقة. وبالدخول في "جوابِ ما هو"، لا الوقوع في "طريق ما هو". فما ذكر عند المنطقيين وإلّا فمطلق. [٭]: (بمقدمتين) أي دلالة اللفظ على جزء المعنى ثابتة بمقدمتين نقلا وعقلا. أما نقلا: فلأن دلالة اللفظ على جزء المعنى ليست مهجورة، بل هي ثابتة عند العلماء ومعتبرة في الأحكام. وأما عقلا: فلأن وجود المركب إنما هو بوجود الأجزاء ولولاها لم يوجد، فاستلزامه لها ودلالته عليها ضرورية.
(وبالدخول في جواب ما هو) عطف على (ببقية) أشار به إلى لزوم تصور ذلك الجزء بالجزئية وإلّا لم تكف الدلالة تضمنا. وإنما يعلم ذلك التصور بصلاحية ذلك الجزء للدخول في جواب ما هو، لأن تعبير الدخول خاص بالأجزاء، والوقوع عام، فالحيثية مرادة. أي من حيث هو جزء. وإلى هذا أشار بقوله (لا الوقوع في طريق).
— 174 —
(٢) هذا والالتزام مصدران جعليان مشتقان من الدلالة التضمنية والالتزامية. [٭]: (وهذا) أي التضمن (والالتزام مصدران) توجيه لما يقال: من أن التسمية بالتضمن والالتزام ليست بصحيحة إذ لا يجوز حملهما على الدلالة.
وجه التوجيه: أنهما مصدران جعليان أي مشتقان أي مشقوقان أي متغيران أي محرفان من التضمنية والالتزامية. مثل "شَمُو من شمس الدين".
(٣) أي خارج، وإلّا تَدَاخَلَ القِسمان. [٭]: (أي خارج) ليخرج الداخل من شمولِ (ما) (وإلّا تداخل القسمان) أي التضمن والالتزام لأن الجزء الداخل لازم.
(٤) أي عقليًا بيّنا أخصَّ عند المنطقي. وإلّا فسواء عقليًا أو عاديًا أو عرفيًا أو شرعيًا أو اصطلاحيًا أو دائمًا أو مؤقتًا لكلمة أو كلام أو قصة. أو اللازم لتصور أو تصديق أو تخييل أو معنى من المعاني الحرفية التي لا وطن لها، تبعيا أو قصديا. [٭]: (أي عقليا بَيِّنًا) هذه الأقسام المذكورة المتساوية عند غير المنطقي، إيضاحها بالأمثلة ليس في وسعِ (عبدالمجيد) الآن بل مدفون مع الأستاذ!.
(٥) أي وإن كان ضدًا، إذ كثيرًا ما يكون أقربُ الأشياء إلى الشيء خطورًا ضدُّه، لاسيما إذا انضاف إلى الضدية الإضافيةُ. حتى قيل: إن النقيض نظير نقيضه. [٭]: (حتى قيل: إن النقيض نظير نقيضه) كالنور والظلمة، والليل والنهار، فإن تصور كلٍ يخطر الآخرَ بالبال.