صيقل الإسلام
— 164 —

فصل في جواز الاشتغال به

والخلف (١) في جواز (٢) الاشتغال به على ثلاثةٍ أقوال
(١) ما أعظم ضرر الإطلاق في مقام التقييد، والتعميمِ في مقام التخصيص! ومن هذا تتعادى الاجتهادات المتآخية. [٭]: (ما أعظم ضرر الإطلاق الخ) يعني أن جواز الاشتغال بالكلام مقيد بقيد الاستعداد، وخاص بذوي القريحة. فلو اعتبر هذا القيد لم يبق الخلاف والشقاق بين ذوي الاجتهادات؛ إذ لا يخفى أن عدم الجواز إنما هو بدون هذا القيد وجوازه معه. فمن عدم اعتبار هذا القيد هنا وقع بين ذوي الاجتهادات بالمخالفة ما وقع من العداوة.
(٢) سلب الضرورة الاختيارية. [٭]: (سلب الضرورة الخ) أي المراد بالجواز هنا عدم اللزوم العرفي المعبَّر عنه بالانبغاء بين الناس حينما يقول بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون الأمر هكذا وهكذا، أي يلزم.
ولا يخفى أن الضرورة الاختيارية إذا انسلبت بقي الجواز الاختياري العرفي فلا مانع للاشتغال به عرفًا.
فابن الصلاح والنواوي (١) حرما وقال قوم (٢) ينبغي (٣) أن يُعلما (٤)
(١) أي لأدائه إلى ترك الواجب، أو لانجراره إلى الفاسد، أو لاختلاطه بالباطل، أو لانحراف المزاج الذي يأخذ من كل شيء سيئه. وإلّا فتعصبٌ بارد. [٭]: إن الأستاذ يشير إلى أسباب التحريم. (أي لأدائه إلى ترك الواجب) أي إن لم يجعل مقدمة لعلم التوحيد (أو لانجراره إلى الفاسد) كجامع الحطب بالليل. (أو لاختلاطه بالباطل) إذ المركب من الصحيح والباطلِ باطلٌ والاشتغال بالباطل حرام (أو لانحراف المزاج) أي انحراف فكره وذهنه عن صوب الصحة.
(٢) عرف في الأول، لأنه نكرة أو معرفة. ونكّر في الثاني لأنه معرف أو منكر. [٭]: (عرف في الأول) أي القول القائل بالتحريم. حيث ذكره بالكنية والنسبة إلى العلم، (لأنه معرفة) بين الناس.. (أو نكرة) عند السامع فعرفه له.. (ونكر في الثاني) وهو القائل بالجواز.. (لأنه معرف) أي بالبيت الآتي.. (أو منكر) أي لأن السامع لا يعرفهم وليس طالبًا لمعرفتهم.
(٣) أي ينطلب أي الانبغاء لزوم طبيعي لا عقلي أي فطرته مسخرة للعلم. فكما أن مقتضى الفطرة في أفعال الجامدات يوجه بالضرورة، كذلك مقتضاها في مظان الاختيار يوجه (بالضرورة أيضًا)، لكن مِن عالَمِ الأمر. [٭]: (أي ينطلب) من باب الانفعال أي طلبُ العلم طبيعي لا يُطلب بقصد بل ينطلب بنفسه.. : (إذ فطرته مسخرة للعلم) أي لا تنفك عن العلم. فكما أن مقتضاها في الجامدات يوجّه بالضرورة مثل النار محرقة بالضرورة كذلك في مظان الاختيار يوجه بها مثل الإنسان عالم بالضرورة. أي بحسب الفطرة.. (لكن هذا من عالم الأمر) أي والأول من عالم الخلق إذ الماديات بالخلق وغيرها من عالم الأمر كالروح.
— 165 —
(٤) لأنه مقدمة الواجب، ولأنه دليل ترك الشر، وإلّا فتعصبُ الصنعة. [٭]: (لأنه مقدمة الواجب) وهو التوحيد وردّ الكفريات.. (ولأنه دليل ترك الشر) أي دليل على معرفة الشر، لأن من لم يشتغل بالكلام لا يفّرق بين الأقوال السالمة والباطلة. فلزم الاشتغال به ليعرف الباطل ليتوقى منه؛ إذ لا يتحفظ ممن ومما لا يعرف. كما قال من قال:
عرفتُ الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقعْ فيه
والقولة المشهورة الصحيحة (١) جوازه (٢) لكامل القريحة (٣)
ممارس (٤) السنة (٥) والكتاب (٦) ليهتدى (٧) به إلى الصواب
(١) لأن تلقى الأمة بالقبول أمارة تجرد الحقيقة.
(٢) أي "مندوب" لأنه مكَمِّلٌ.. "مكروه" لأنه قد يشوش.. "مباح" لأن علم الشيء خير من جهله.. "فرض كفاية" لأنه المجهز.. "حرام" لغير المستعد، للمفهوم المخالف. [٭]: (أي مندوب) إشارة إلى أنه يجتمع فيه الأحكام الشرعية.
(لأنه المجهز) أي يجهز العقائد الحقة. وتصفيتها في كل قطعة من فروض الكفاية.
(للمفهوم المخالف) أي عكس كامل القريحة، بأن لم يكن له قريحة ولا كمالها.
(٣) والمستعد أيضًا. [٭]: (والمستعد أيضًا) عطف على كامل القريحة في المتن. أي من له استعداد بالقوة فقط.
اعلم أن من محاسن الخلقة والفطرة تقسيمَ المحاسن، ومنه انقسام المشارب، ومنه تفريق المساعي، ومنه امتثال فروض الكفاية في الخلقة، ومنه تقسيم الأعمال.
نعم، بتركه نزرع أكثر من السلف ونستغل الأقل.
(٤) أي مجهز بالمنطقين المنجبين
(٥) أي السنة الصغرى بجوانبها الأربعة تفسيرٌ كبير لسنة اللّٰه الكبرى المنبثة في العالم الأصغر والأكبر. [٭]: (السنة الصغرى) وهي السنة المحمدية التي جوانبها الأربعة عبارة عن الحديث القدسي والقولي والفعلي والتقريري. وتلك السنة كشافة للسنة الكبرى المنتشرة بين أنواع ذوي الحياة وبين طبقات الكائنات من القوانين والارتباطات التي لا تبديل لها ولا تحويل.
— 166 —
(٦) أي
﴿ ذلك الكتاب لاريب فيه ﴾
(البقرة:٢) الذي هو تمثال سنة اللّٰه في الفطرة، التي لا تبديل لها ولا تحويل. أي المنطق الأعظم للإنسان الأكبر، الذي قوته المفكرة نوع العالم الأصغر وهو الإنسان.
(٧) أي لئلا يزلّ الناظر لنفسه، ولا يضل الناظر لغيره. فإن الاستدلال للنفي غالب، دون الإثبات في العقائد. [٭]: (فإن الاستدلال الخ) حاصله: أن الحق والصواب في المسائل أقل، وغير الصواب أكثر وأغلب. فالاحتياج إلى الدلائل النافية لغير الصواب أكثر وأغلب من المثبتة للصواب.