صيقل الإسلام
— 153 —

قزل ايجاز

على سلم المنطق
حاشية الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي
على متن "السلم المنورق للشيخ عبدالرحمن الأخضري"
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
مع شرح أخيه عبد المجيد النورسي
— 154 —
إيضاح على كل حال فقد كتبتُ هذا الأثر..لأجل تعويد الأذهان على الدقة في الملاحظة والإنعام في النظر.
وحيث إنه قد أُلّف.. فليُنشر.. وليلاحظ في الأقل المباحثُ المبدوءة بی"اعلم".
سعيد
ملاحظة: قام السيد الفاضل محمد زاهد الملازكردي بتصحيح هذه الرسالة وطبعها لأول مرة في مطبعة بركات بدمشق وذلك في محرم الحرام سنة ١٣٨٧هی. فضلًا عن قيامه بترجمة ونشر عدد من مجموعات رسائل النور. فجزاه اللّٰه خيرًا كثيرًا.
وقد أعدتُ النظر في هذه الطبعة من الرسالة وقابلتها مع طبعتها الأولى من غير شرح، ولم أغيّر منها سوى ما يستوجبه التنسيق والتنظيم، فوضعت حاشية الأستاذ النورسي في أعلى الصفحة عقب متن الناظم وجعلت شرح أخيه الملا عبدالمجيد في أسفل الصفحة.
وأملي في اللّٰه عظيم أن يقيّض من علمائنا المتبحرين في علم المنطق من يقدر هذه الرسالة والتي تليها (تعليقات) حق قدرهما ويستجلي ما غمض فيهما من نفائس علم المنطق لتكونا رسالتين يستفيد منهما الخواص والعوام معًا غير قاصرتين على الخواص من العلماء.
واسم الرسالة "قزل إيجاز" قد يثير القارئ الكريم فهو اسم مركب من التركية والعربية أو على الأقل الكلمة تركي التركيب. فكلمة "قَزَل" تعني بالعربية: العرج الشديد، (أَسوأ العَرَج وأَشده) أي: إن اسم الرسالة يعني: الإيجاز الشديد العرج.
أما إذا اعتبرنا اسم الرسالة اسمًا تركيًا فهو يعني: الإيجاز المتقد، الإيجاز الأحمر إلى حدّ الجمرة.
إحسان قاسم الصالحي
— 155 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
"مقدمة الملا عبدالمجيد النورسي"
أشكر على حمدي لواحد أحد ليس له ثان. كما أثني موحدًا لمن له كل يوم شأن، وأُصلّي كما أُسلّم على مَن لَمَّا كان في ذاته محمودًا كان اسمه محمدًا، وعلى آله وصحبه من بعد.
وبعد: فاعلم أني بعدما نجوت من بين تلاطم أمواج البليات من مخالب سباع المصيبات، ساقني القدر على رأس ألفين إلا خمسين سنة إلى ولاية مولانا جلال الدين الرومي وسكنت في جواره بعيدًا عن الأستاذ؛ لا هو يراني ولا أنا أراه إلّا في غفلات النوم والرقاد، إلى أن قضى الأستاذ نحبه وارتحل إلى دار السعادة شهيدًا، وبقيت أنا في الحسرات غريبًا ووحيدًا.
فأدى بي الوحشة إلى الوحدة وترك التماس بالناس، وترجيحِ التوحش على الاستئناس. ولم أجد لأزيل به كربتي ويكون تسليةً في وحدتي شيئًا إلّا الاشتغال بتحشية "قزل إيجاز" وشرحِ ما فيه من الألغاز، رجاءَ أن يشتغل به البال عما فيه من شدة الحال.
فبعدما أردت أن أكسر صخور ألفاظه بفأس فكري، أبى وامتنع ذلك الفكر الكليل عن أمري؛ فصرت كلما أضربها بذلك الفأس نبا ذلك الفأس من الصخرة إلى الرأس. فبقيت حائرًا ذا يأس في يأس. فأغلظتُ على الفكر شدةَ الأمر، وأجبرته بعد الفر إلى الكر. مشوقًا له قائلًا "هَا بَابَامْ هَا" فاستحيىَ عن غلظة الأمر. فاجتهدَ كل يوم من الصبح إلى العصر، إلى أن صار مظهرًا للتحسين والتقدير، بعدما كان معروضًا للتحقير والتكدير.
فشكرت سعيه وقبلت عذره. لكن لكهولته عَجَزَ عن قلع بعض الصخور، مع أن بعض ما فصّل وحصّل ما كان بريئًا من الخطأ والقصور.
فأحلت فض ما بقي باكرة من مواضع عديدة وإصلاحَ ما وقع من الخطأ والغلط إلى ذوي الأذهان الثاقبة من شبان الاستقبال.
عبدالمجيد
بلدة "قونية"
١٣٨٥هیی - ١٩٦٥م
— 156 —
﴿ بسم (١) اللّٰه (٢) الرحمن (٣) الرحيم ﴾
(١) الباء للمصاحبة لا للاستعانة، لأن الكسب تابع للخلق، والمصدر شرط للحاصل بالمصدر. [٭]: (الباء للمصاحبة لا للاستعانة) إذ يلزم حينئذ أن يكون العبد أصيلا في الفعل، والخالق مُعينًا وتابعًا له في الفعل، والحالُ أن العبد ليس إلا مصدرًا للكسب. والحاصل بالمصدر أي المكسوب ليس إلا بخلق الخالق. فالكسب -أي كسب العبد- ليس إلا مقارِنًا ومصاحبًا وشرطًا في حصول ذلك الفعل، بخلق الخالق. فالعبد تابع، أي وكسبه شرط لا أصيل. كما هو رأي أهل الاعتزال من كون العبد خالقًا في فعله.
فالمناسب في باء البسملة المصاحبة، إذ ليس فيها ما في الاستعانة من ذلك الإيهام، لأنها تدل بمادتها وجوهرها على أن المستعين أصيل، والمستعانَ منه تابع، بخلاف لفظة المصاحبة، إذ ليس فيها تلك الدلالة فلا احتمال لذلك الإيهام.
قد ظهر من هذا أن انتشار كون الباء للاستعانة في تآليف بعض أهل السنة إنما ترشح عن الغفلة من هذا المذهب، أي الاعتزال.
(٢) مستجمع لجميع الصفات الكمالية. للّزوم البيّن. [٭]: (للزوم البيّن) أي البيّن بالمعنى الأخص بين الذات والصفات. وهو الانتقال بمجرّد تصور الملزوم إلى اللازم. ومنه إلى اللزوم بينهما. فلفظة الجلال دالة على الذات بالمطابقة وعلى الصفات بالالتزام فمن ذكر لفظ الجلال كان ذاكرًا لجميع صفات الكمال.
(٣) هذا مقام التنبيه لا الامتنان، فتكون صنعةُ التدلي في التعديد امتنانًا صنعةَ الترقي تنبيهًا. [٭]: (هذا مقام التنبيه) حاصله: أن الرحمن إشارة إلى عظام النِعَم، والرحيم إلى صغارها. فالانتقال من الأعظم إلى الأصغر ليس بمناسب، لأنه من صنعة التدلي. وهي ليست مقبولة إلا في مقام تعديد النعم للامتنان. والمقام هنا ليس لتعديدها للامتنان. فأشار بتقديم الرحمن إلى أن هذا المقام مقام التنبيه، لدفع غفلة السامع عن النعم الصغار.
فالتدلي هنا يُعدّ من الترقي. على أن الغفلة عن النعم الصغار أقوى احتمالًا فلا إشكال.
الحمد (١) للّٰه الذي (٢) قد أخرجا (٣) نتائج الفكر (٤) لأرباب الحجا
وحط (٥) عنهم من سماء العقل كل حجاب من سیحاب الجهل
(١) كتصور العلة الغائية. [٭]: (كتصور العلة الغائية) أي إن ذكر الحمد في أوائل التأليفات إشارة إلى أن المقصد والغاية منها الحمد والطاعة للّٰه تعالى.
— 157 —
(٢) وصف ليكون ثوابه أكثر، إذ الواجب أكثر ثوابًا. [٭]: (وصف) أي بنعمة الإخراج ليكون حامدًا على النعمة فيكثر ثوابه، إذ الحمد على النعمة لازم وثواب اللازم أكثر.
(٣) أي ترتب النتيجة على المقدّمات عادي، لا استعدادي ولا تولدي. [٭]: (أي ترتب النتيجة) إشارة إلى أن الأَولى ذكر الترتب بدل الإخراج، لأن حصول النتيجة من المقدمات "عادي" كخروج الماء بالحفريات لا "استعدادي" كخروج الثمرة من الشجرة، ولا "تولدي" كالولد من الإنسان. فالمناسب تبديل الإخراج بالترتب.
(٤) خص هذه النعمة ليَبْرَعَ مستهلّه لبراعة الاستهلال. كأن المعنى إذا مر في خزانة الخيال ما وجد ما يلبس إلّا صورة صنعته. [٭]: (لبراعة الاستهلال) أي ليُعلیم في أول التأليف نوع ما يُذكر فيه من المسائل.
(٥) الأَولى قشع للسحاب أو كشف للحجابْ وإلّا فالإبل ينص تليله تَحْتَ: "حط عنهم". [٭]: هذه مناقشة لفظية بين الأستاذين. حاصلها: أن الحط مستعمل للآبال ولا إبل هنا. فالأولى تبديل الحط بالقشع، نظرًا إلى لفظ السماء، أو بالكشف لمناسبته للفظ الحجاب. وإلّا فالسامع يتحرى الإبل الناصب عنقه القاعد تحت "حط". ولا إبل هنا فيقعُ في اليأس.
حتى بدت لهم شموس (١) المعرفة رأوا مخدراتها (٢) منكشفة
(١) التشبيه قياس والمقيس عليه حقه الوجود وما لهم إلا شمس. إلا أن الخيال الماضي حقيقة الآن. أو لأن السماء تلد من بطن كل ليلة شمسًا. [٭]: (التشبيه قياس) أي تشبيه المسائل بالشموس قياسها عليها، فيلزم من ذلك القياسِ وجودُ المقيس عليه وتعدده والحال أنه هنا واحد. فأجاب قائلا "إن الخيال الماضي" أي الشموس الآفلة الماضية في الزمان الماضي، المجتمعةَ بالتخيل في خزينة الخيال، كالحقيقة الموجودة. أو إن الشموس المستقبلة الموجودة في بطن السماء نظرًا إلى أنها تلد كل يومٍ واحدة والشموس كالموجودة الآن فلا إشكال.
(٢) هذا التلون والاندماج في الأسلوب، يردد الذهن بين أن يتصور الرأس سماء تتلألأ نيراتها في مطالعها وبين أن يتصورها قصرًا تتشرف مخدراته من بروجه. إلا أن في جنان الجنان رقيبات لشموس العقل وأزاهيرها من نجومه. [٭]: (هذا التلون والاندماج) أي التفنن في العبارة بتشبيه المسائل تارة بالشموس وأخرى بالمخدرات.. (يردد الذهن) أي مع استحسانه وتقديره إلى أن يتصور الرأس سماء مرة وقصرًا مرة أخرى. يتشرف من ذلك النيراتُ ومن هذا المخدراتُ مباهيا بهما.
: (إلا أن في جنان الجنان) يعنى كما أن المسائل شبهت بالشموس والمخدراتُ الرأسية لزم أيضًا تشبيهها بالأزاهير القلبية. إذ أزاهير القلوب رقيبات لشموس العقول في الفضل والشرف.
فالتشبيه بواحدة دون الأخرى جاعل لذلك الأسلوب غير محبوب لذوي القلوب.
— 158 —
نحمده (١) جل على الإنعام بنعمة الإيمان والإسلام
(١) كرره للإثبات بعد الثبوت، والإنشاءِ بعد الخبر، والعملِ بعد العلم. ولم يتكلم وحده، لأنه وإن كان واحدًا ليس وحده. بل معه طوائف أعضائه وقبائلُ أجزائه وجماعاتُ ذراته ذوات الوظائف والحياة. فلتضمين الحمد معنى الشكر العرفي الجامع تَكَلَّمَ مع الغير. [٭]: (كرره.. الخ) حاصله: أن الحمد المذكور أولًا لاسمية الجملة هناك، كانت دالة على ثبوت الحمد والإخبار عنه والعلم به فكرره ثانيًا بالجملة الفعلية لتدل على الإثبات والإنشاء والعمل، وليكون الناظم الحامدُ بالذات مثبِتًا منشِئًا حامدًا، أي متكلما ومصدرًا للحمد بالفعل.
(لأنه واحد ليس وحده) أي لأنه وإن كان منفردًا في حدّ ذاته، لكنه ليس منفردًا في فعل الحمد، بل معه طوائف كثيرة من أعضائه وأجزائه وذراته.
(تكلم مع الغير) إشارة إلى أن الحمد هنا متضمن وعبارةٌ عن الشكر العرفي الذي هو عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم اللّٰه عليه إلى ما خلق له.
اعلم أيها الناظر لا بأس عليك أن تتلقى هذا المبحث مستقلا برأسه، لا شرحًا لهذه الجملة. فإن المناسبة ضعيفة لأن اليراع اجتذب اللجام من يدي فهرول حيث شاء. (سعيد).
إن الشخص مع أن روحه واحد، جسمُه جماعة. بل جماعاتٌ من ذوات الحياة، حتى إن كل حجيرة من حجيراته حيوان برأسه ذات خمس قوى حساسات.
فالشخص كصورة (يس) كُتب فيه سورة (يس) وشدة الحياة وقواها تتزايد بتصاغر الجرم معكوسًا. إن شئت وَازِنْ بين حواس الإنسان وبين حواسِ حُوينةٍ (أي ميقروسقوبية) تَر عجبًا. إذ ذلك الحيوان الصغير مع أنه لا يُرى إلّا بعد تكبير جسمه ألفَ دفعة يَرى رأسَ إصبعه ويسمع صوت رفيقه، وقس سائر حواسه وقواه. وأين للإنسان أن يرى إصبع ذلك الحيوان أو يسمع صوته. فبنسبة تصاغر المادة تشتد الحياة وتحد وتحتد وترق وتروق.
فهذا الحال يدل حدسا على أن الأصل الحاكم والمبدأ النافذ والمخلوق الأول هو الروح والحياة والقوة. وما المادة إلّا تصلبها أو زبدها.
— 159 —
فكما يَستخدِم روحٌ واحد جماعاتٍ من الماديات الحيوانية، جاز أن يستخدم روحٌ آخر أصغرَ الماديات. وإليه يستند فقط. فكما أن نواة في عالم التراب شيء صغير مع أنها في عالم الهواء نخلة عظيمة، كذلك تلك المادة الصغيرة ذات الحياة في عالم الشهادة تكون متسنبلة في عالم المثال والمعنى، بسبب استناد الروح إليها. [٭]: أيها الناظر لا تقل لِمَ هذا التطويل الغير المناسب للمقام، فإن القلم قد يطغى فليكن مسألةٌ مِنْ (قزل إطناب) مسافرة في (قزل إيجاز) (س)
مَن خصنا (١) بخير من قد أرسلا (٢) وخيرِ (٣) من خاض المقامات العلا
(١) لأن المضاف إلى المعرفة معرفة بجهةٍ والمنسوب إلى الشريف يتشرف. [٭]: (لأن المضاف إلى المعرفة) أي لأننا قد خُصصنا بالإضافة والانتساب إلى خير الرسل ذي الشهرة والمعرفة. والتخصيصُ بالإضافة إلى المعرفة وإن لم يكن معرِّفًا للنكرة حقيقة، لكن يقرّبها إلى المعرفة ويشّرفها بها. نعم، لتلك الإضافة والانتساب صرنا خير أمة أخرجت للناس. والمنسوب إلى الشريف شريف.
(٢) أي خير الخلق؛ لأنه خيار من خيار ست مرات. [٭]: (ست مرات) أي إن اللّٰه تعالى اختار من المخلوقات ذوي الحياة، ومنهم بني آدم، ومنهم أولاد إسماعيل، ومنهم قريشًا، ومنهم بني هاشم، ومنهم محمدًا عليه الصلاة والسلام هذا مآل حديثِ "مازلت خيارًا من خيار".
(٣) أي لأنه على خلق عظيم. عطف الدليل على المدلول.
محمد (١) سيد كل (٢) مقتفى العربي (٣) الهاشمي (٤) المصطفى (٥)
صلى (٦) عليه اللّٰه مادام الحجا يخوض في (٧) بحیر المعاني لججا
(١) أي اسما ومسمى. الثاني سبب للأول، لكن بالأول. [٭]: (أي اسمًا ومسمى الثاني سبب الأول لكن بالأول) أي في ذاته خلق محمدًا، وسمّى به ليطابق الاسم المسمى. فالذاتي سبب للاسمي لكن بالأول. وهو مصدر كالقول من آل يؤول. بمعنى الرجوع. أي كونه كثير الحمد في الخلقة. سيرجع ويصير سببًا لكونه كثير الحمد من بعد.
(٢) لأن كتابه جمع الجوامع لأنه متأخر. لأنه متقدم. [٭]: (لأن كتابه جمع الجوامع) أي لأن القرآن لكونه نَزَلَ متأخرًا من الكتب السماوية جامعٌ لجميع ما فيها ولكونه متقدما عليها في الفضل والشرف تأخر عنها، لأن السلطان يمشي خلف الجنود.
(٣) وفي أبنائه الصدقُ والذكاءُ.
— 160 —
(٤) وفي بيته الشهامةُ والسماحة والمنسوب منسوب إليه. [٭]: (المنسوب منسوب إليه) أي الأمر بالعكس معنى لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام كما أنه منسوب إليه لكافة الخلق، منسوب إليه لهاشم أيضًا.
(٥) كی"قِفَا" و ارجعون مكررًا، مع انفراده بحذف لفظ "من". فهو مشتق من خمسة أفعال وهى "اصطفى". [٭]: (كقفا وارجعوني) يعني كما أن التثنية والجمع في هذين اللفظين راجعان إلى الفعل، لا إلى الفاعل. إذ المراد منهما قف قف. ارجعْ ارجعْ ارجعْ. كذلك إن الإفراد في (المصطفى) عائد إلى نائب الفاعل وليس راجعًا إلى الوصف لأنه في النية مكرر مجموع قد اشتق من (اصطفى) خمس مرات على ما أشار إليه حديث الاصطفاء.
(٦) صورة الماضي دلت على كمال الوثوق والشوق والحمل على المسؤول بلطف لأن رد الخبر أشد من رد الإنشاء. [٭]: (صورة الماضي) يعني أن الطلب والسؤال بلفظ الماضي يجبر المسؤول على أن لا يكذب السائل ويحمله على أن يوفي بالمسؤول عنه بحيلة، لأن الماضي إخبار ورد الإخبار قبيح.
(٧) تبطن "في" "مِن" للدخول والخروج [٭]: تبطن "في" "من" أي كما يدل على ذلك التبطن مادة الخوض، لأنه بالدخول، وهو يقتضي الخروج. من. مفعول تبطن.
وآله وصحبه (١) ذوي الهدى (٢) من شبهوا (٣) بأنجم (٤) في الاهتدا (٥)
(١) اسم جمع صحابي. وتَذَكّرهم بالصلاة حق علينا. لأنهم الوسائط بيننا وبينه (ص). [٭]: (اسم جمع صحابي) وهو منسوب إلى صحاب، وهو مصدر كالذهاب. وليس الصحب بجمع لأن "فَعْل" ليس من أوزان الجموع. هو اسم لكل مَن رأى النبي أو النبي رآه ومات على الإيمان.
(٢) أي اكتسبوا الهدى كالمال، الحاصل بالمصدر المكسوب لهم. فإن الهدى هو الذي يحتذى عليه لا المصدر، لأنه كسب. [٭]: (أي اكتسبوا الهدى) مفعول الحاصل صفة له، المكسوب صفة للمصدر. يعني: المرادُ من الهدى هنا الحاصل بالمصدر، لا المعنى المصدري الذي هو الكسب.
(٣) أي بلسان من "أفصح من نطق بالضاد" بأنهم مكمَّلون ومكمِّلون.
(٤) أي العشر السيارة فإن نورها مستفاد من الشمس. [٭]: (هي العشرة السيارة) وهي العطارد والزهرة والمريخ والمشتري والزحل والنبتون والأورانس والأرض والقمر و..
— 161 —
(٥) نتيجة التشبيه لا وجه الشبه لأنه لابد أن يكون أظهرَ أوصافِ المشبه به، والأظهر في الأحاديث النورانية وما يقاربها. [٭]: (نتيجة التشبيه لا وجه الشبه) يعني أن وجه الشبه النورانيةُ على ما هو المتبادر من حديثِ "بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وبعدُ (١) فالمنطق (٢) للجَنان نسبته كالنحو للّسان
(١) اعلم أنه تأكيد وتشويق مبني على حب النفس المستلزمِ لحب صنعتها المقتضي لفنائها فيها، المؤدي إلى ظن انحصار الكمالات فيها. لزوميةٌ أو ادعائية؛ هكذا: أيّ شيء وُجد لزم بقائه لعدم العبثية، وبقاؤه مستلزم للخلقة لأنه جزؤها، والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الإنسان. ووجودُ الإنسان بسر الحكمة مستلزم لنتيجته، وهي كماله ومعرفة الصانع، والوصول إلى الكمال مستلزم لإصابة العقل وسداده، وسدادهُ مستلزم للمنطق المتصف بما ذكر. فمهما وجد شيء فالمنطق كذا. [٭]: (لزومية أو ادعائية) خبر مبتدأ محذوف أي هذه شرطية لزومية الخ.
(وبقاؤه لازم للخلقة) أي البقاء جزء للخلقة لأن الوجود كما أنه مستلزم لها ولولاها لم يوجد الوجود، كذلك البقاء مستلزم للخلقة ولولاها لم يكن البقاء. وأيضًا البقاء تكرُّر الوجود ودوامه. فالوجود والبقاء كلاهما مستلزمان للخلقة، وجزآن لها. فالخلقة عبارة عن الإيجاد والإبقاء معًا. فالإبقاء جزء لها كالوجود.
(والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الإنسان) نعم "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" يدل على أن الغاية من الخلقة ونتيجتَها الحياةُ، وذوو الحياة وأشرفهم الإنسان، فهو نتيجة الخلقة.
(بما يذكر) أي في هذا الكتاب من القواعد.
(فمهما وجد فالمنطق كذا) هذه نتيجة لما أشار إليه الأستاذ من القياسات الكثيرة المطوية الغير المتعارفة.
(٢) اعلم كما أن النحو شريعة الموجودات الطيارة اللسانية. الذين آدَمُهم الهابطُ من ذروة الخيال المسمى باللفظ موجود في فضاء اللسان، كذلك أن المنطق شريعة الموجودات الذهنية الساكنة في الجَنان، أي اللطيفة الربانية، الذين آدمهم النازل من أعلى الدماغ المسمى بالمعنى موجود في الجنان. إن الآدم للآدم نسيب والشرع للشرع قريب. لأنهما كليهما وَضْعٌ إلهي سائق لذوى العقول ممن في الجَنان واللسان إلى الصراط المستقيم. [٭]: (كما أن النحو الخ) حاصله: أن النحو والمنطق باحثان عن اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فهو "آدم"، أي كالأب للمسائل النحوية، محله الخيال ومقر فعاليیته اللسان.. وأما المعنى فهو "حواء" أي كالأُم للمسیائل المنطقية مسكنه القلب. كل منهما خادم لتشريع القواعد لتمييز الصحيح عن الفاسد. فبينهما مكافأة تامة. فإذا وصلا إلى حدّ البلوغ يصعد المعنى من القلب إلى الخيال ويتزوج بما في خزينة الخيال من الألفاظ ما يشاء،
: ثم ينحدران إلى اللسان فيتولد ويتناسل من اجتماعهما القواعدُ، وتصير تلك القواعد شريعة مبيّنة للحلال والحرام والصحيح والفاسد.
فتبيّن أن الإنسان ما هو إلّا القلب واللسان كما قيل:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
— 162 —
فيعصم (١) الأفكار (٢) عن غي الخطا وعن دقيق الفهم يكشف الغطا
فهاك (٣) من أصیوله قواعدا تجمع من فنیونیه فوائدا
(١) أي إنْ راعى، وما دام لم تستخلف الطبيعة الصنعة. يشير إلى العلة الغائية ورسمه، وإلى جهة الحاجة وآليته. [٭]: (أي إن راعى) أي إن بنى صاحبُ الدليل ترتيبَه على ما أَمَر به المنطق.
(ولم تستخلف الخ) أي ولم يكن تصنيعه للدليل تابعًا لطبيعته وسليقته في الصحة والاستقامة. أي حاصلا منها بحيث إن لم يكن صاحب الدليل مراعيًا للقواعد أيضًا لم ينحرف دليله عن الصحة والاستقامة. وإن كانت سلامة دليله ناشئة عن سليقته لاعن القواعد لا يعد من المنطقيين.
(٢) الفكر هو الكشاف لترتب العلل المتسلسلة في الخلقة للتقليد، فيحلل فيعلم، فيركب فيصنع. أي بتخريج السلسلة المتناتجة وتلقيحها. [٭]: (الفكر هو الكشاف) حاصله: أن الولد كما أنه نتيجةُ عللٍ مترتبة في الخلقة كالجد والأب ولابد لوجوده من تلك العلل، كذلك المعرّف نتيجة عللٍ مترتبة كالجنس البعيد والقريب والفصل لابد لمعرفته من وجود هذه العلل وترتيبها.
فالفكر مقلد الخلقة يحلل سلاسل العلل ويأخذ منها ما يناسب مطلوبه فيركّب ويصنع ما يصنع.
(أي بتخريج السلسلة) أي بتحصيل المبادئ المناسبة للمطلوب وإدخال بعضها في بعض. كإدخال الحد الأصغر تحت الحد الأوسط وإدخاله تحت الحد الأكبر.
(٣) (فهاك) جزاء لما دلت عليه الفاء الجزائية. الجزاء هو الوجوب اللازم للأمر عرفًا بإقامة الملزوم مقام اللازم. وإلا فالأمر إنشاء لا يلزم. [٭]: (جزاء لما دل) تقديره: إذا كان المنطق عاصمًا فهاك، أي خذ من قواعده الخ...
(الجزاء هو الوجوب عرفًا) إشارة إلى ما يردّ ما يَرِدُه وجهُ الورود أن "هاك" أمر، والأمر ليس بخبر، والجزاء لابد أن يكون خبرًا حتى يكون ويصلح جزاءً للشرط. والأمر لكونه إنشاء لا يكون باقيا فكيف يكون لازمًا.
وجه الرد أن الأمر مستلزم عرفًا للوجوب. فالأمر ملزوم والوجوب لازم. وقد أقيم الملزوم مقام اللازم.
(تقديره إذا كان المنطق عاصما وجب الأخذ من قواعده) أي لزم لزومًا عرفيًا كما يقال بين الناس: ينبغي أن تفعل كذا أو لا ينبغي.
— 163 —
سميته (١) بالسلم (٢) المنورق يرقى به سماء علم (٣) المنطق
(١) أيها الناظم! ليهنك القطوف الجواد الذي لا يثقل الحاذّ في تسميته ترسم تمثيلي. [٭]: (ليهنك) مضارع هنأ محذوف اللام بجزم اللامْ تبريك وتهنئة لقطوف الناظم. (وفي تسميته ترسم) إذ يستفاد من تسميته بالسلّم تشبيهه به. ويستفاد من التشبيه جعل السلّم الذي هو آلة للصعود إلى الفوق مثالًا للتأليف. والإيضاح بالأمثلة رسم كما أشير إليه آنفًا. فالمراد من الرسم التعريف مطلقا لا الرسم الاصطلاحي.
(٢) عَلَم الشخص، لأن المصباح المتمثل في المرايا الكثيرة مع أنه أَلْفٌ واحدٌ. [٭]: (علم الشخص) كأنه قيل: إن أمثال هذه الأسماء لإطلاقها على كثيرين، كليات ذوات جزئيات. فأشار إلى الجواب، بأن الاسم إذا وضع بأوضاع متعددة لأشخاص لا يقتضي الكلية، لأن كلًا من أوضاعه لواحد لا لكثيرين. نعم، مع أن كون المصباح مرئيًا في المرايا الكثيرة لا يخلّ وحدتَه لأنها صور لا ذوات.
(٣) المُرْسَمِ بمقوى النطق اللفظي، ومسدد النطق الإدراكي، ومكمل القوة النطقية. شُعُبَاتِ فَصْل الإنسان. [٭]: (المرسم) صفة العلم. أي بهذا العلم يتقوى الإنسان في نطقه اللفظي، ويتسدد في نطقه الإدراكي، ويزداد في قوته العقلية. هذا إشارة إلى أن الناطق الذي هو فصل الإنسان متضمن لهذه النطوق الثلاثة. فالمرسم أي المعرف لا الرسم الاصطلاحي..
واللّٰه (١) أرجو أن يكون (٢) خالصًا (٣) لوجهه (٤) الكريم ليس ناقصا
(١) التقديم يقوى جناحَ "خالصا". [٭]: (التقديم يقوى) أي تقديم المفعول يفيد الحصر، وهو يَرُدُّ توجيه الرجاء إلى غيره تعالى فيحصلُ الخلوص به أيضًا فيتكرر الخلوص فيتقوى.
(٢) لأن الإخلاص لا يكفي في حصول الخالصية، أو لعدم الأمن من دسائس النفس. [٭]: (لأن الإخلاص) أي الإخلاص مصدر من العبد، والخالصية أي الحاصل بالمصدر من اللّٰه تعالى. ولا لزوم بينهما. فليست الخالصية إلّا فضلا من اللّٰه تعالى، فالتقديم للتقوية لازم.
(٣) إذ لامناص بالنص إلا في المستثنى الثالث في الحديث. [٭]: (إلا في المستثنى الثالث في الحديث) وهو: "هلك الناس إلّا العالمون، هلك العالمون إلّا العاملون، هلك العاملون إلّا المخلصون".
(٤) هذا من أساليب التنزيل التنزيلية، المبني على النورانية كالشمس، مثلًا وَجْهُهَا عينُ ذاتها، كما أن ذاتها عين وجهها. [٭]: (هذا) أي التعبير عن اللّٰه تعالى بإضافة الوجه إليه.
(من الأساليب الخ) أي من التعبيرات التي استعملها القرآن تنزلًا للتقريب إلى فهم البشر.
: (كالشمس مثلا) أي بلا تشبيه. أي إن الشمس كما أنها لكونها نورانية لا يفرق بين ذاتها ووجهها، بل كلاهما واحد.. كذلك وجه اللّٰه تعالى عين ذاته وذاته عين وجهه. فمتى أُضيف الوجه إليه تعالى يُراد الذات. أي يكون الإضافة من قبيل إضافة المسمّى إلى الاسم. فلا إشكال.