المثنوي العربي
— 313 —

الرسالة التاسعة

[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "أوقاف" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢)م
شَمَّةٌ
مِن نسيم هداية القرآن
— 314 —
في (ط١)
إفادة المرام
اعلم أيها الناظر! إني أسمع من الناس شكايةً عن الغموض في آثاري، فاستمع مني ثمانية كلام:
فأولا: لا تعجل لعتابي لأجل الإشكالات، إذ مخاطبي نفسي الدساسة، وهي تفهم بسرعةٍ أجوبةَ أسئلتِها المخطئة ولو بالرمز.
وثانيا: إن كل مسألة افتتحت بی"اعلم" سلاحٌ قاطع، ودواءٌ نافعٌ، أُعطِيتُه من حيث لم أحتسب، في وقت شدة احتياجي وكثرة جروحي. فليس لي في الكتاب مالٌ إلّا ما ليس في الكتاب من الألم والجرح والداء المستتر في الضمير. وأما المذكور في الكتاب من الدواء والسلاح وذوق الحق، فليس مني، ولا مما مضغه فكري، بل من فيض القرآن الكريم.
وثالثا: إني لا أبالي بتنقيد الناس؛ إذ للّٰه الحمد إني لا أعرف الآن لنفسي غيرَ القصور والعجز وما تستحق من الذم. فإذا أردتُ التمدحَ والافتخار بأثري لا أرى إلّا ما أخجل به وأفتضح، إلّا أن اللّٰه ستّارُ العيوب. فكما لا قيمة لنفسي حتى أبتهجَ متصنعا بما يُظَن محاسنَ وهي في الحقيقة مساوئ، كذلك لا أقيم لنفس غيري المتكدرة بالأنانية أيضا وزنا، حتى أتصنّعَ له بالرياء الكلاميّ والتصلف في العبارة. إلّا أنه يليق أن تُلبَس الحقايقُ ما يليق بها.. ولكن هيهات أنا عاجز وأعجمي وخام لا أطيق أن أنسج غيرَ ما ترونه من أساليبي المشوشة، فأعترف وأنادي بأعلى صوتي: بأني عاجز، قاصر في الإفهام. لكن أقول تحديثا بالنعمة وأداءً للأمانة بأني لا أخدعكم، إنما أكتب ما أشاهد أو أتيقن عين اليقين أو علم اليقين.
ورابعا: لا تحسبنَّ أن ما أكتبه شيء مضغَتْه الأفكارُ والعقول. كلا! بل فيضٌ أُفيض على روحٍ مجروح وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الكريم، ولا تظنه أيضا شيئا سيالا تذوقه القلوب وهو يزول. كلا! بل أنوارٌ من حقائقَ ثابتةٍ انعكست على عقلٍ عليلٍ وقلبٍ مريضٍ ونفسٍ عمي.
وخامسا: إني ما أدري كيف صار عقلي ممزوجا بقلبي، فصرت خارجا عن طريق أهل
— 315 —
العقل من علماء السلف وعن سبيل أهل القلب من الصالحين، فإن وافقتُهما "فبها ونعمت"، وإن خالفتُ في كلامي أيّ السبيلين منهما فهو مردود عليّ.
وسادسا: لا تطلب في آثاري انتظاما وانسجاما ووضوحا، لأنها تقيِّد وتلخّصُ مشاهداتي في تحولات غريبة ومجرَّبات نفسية مختلفة، مع أمور أخرى، لو اطّلعتَ عليها لعذرتني.
وسابعا: لا تقل: إذا لم أدرِ الكلَّ، لا أُريد الكلَّ.. فإذا كنتَ في بستان أتترك كل الثمرات إن لم تأكل كلها.
وثامنا: إن ما يصادفك في المسائل من صورة البرهان والاستدلال ليس برهانا حتى يقالَ: فيه نظر! بل مبادئ حدسية قُيّدت وعُقدت واستُحفظت بأنوار اليقين المُفاضة من القرآن الكريم.
— 316 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحمد للّٰه رب العالمين على رحمته على العالمين برسالة سَيد المرسلين محمد صلى اللّٰه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
اعلم أن العالمَ بجميع أنواعه من طبقات الغيب والشهادة يشهد بأنه: "لا إله إلَّا هُو" إذ التساند بينها هكذا يقتضي.. وبجميع أركان جميع أنواعها من المنظومة الشمسية وغيرها تشهد بأنه: "لَا رَبَّ إلَّا هُوَ" إذ التشابه مع التناظر هكذا يقتضي.. وبجميع أعضاء جميع أركانها من أرضنا وغيرِها تشهد بأنه: "لا مَالِكَ إلَّا هُوَ" إذ التماثل مع اتحاد السكة هكذا يقتضي.. وبجميع أجزاء جميع أعضائها من طوائف النباتات وقبائل الحيوانات تشهد بأنه: "لا مُدبِّر إلَّا هُوَ" إذ التعاون مع الاشتباك هكذا يقتضي.
وبجميع جزئيات جميع أجزائها تشهد بأنه: "لا مُربّيَ إلَّا هُوَ" إذ توافق الأفراد في أساسات الأعضاء يصرّح باتحاد القلم وبأن المربّي واحدٌ، وتمايزُها في الصور المنتظمة ينصّ على أن الكاتب مختارٌ حكيم.. وبجميع حُجيرات جميع جزئياتها تشهد بأنه: "لا مُتَصَرف في الحقيقةِ إلَّا هُوَ" ولا تصرفَ إلّا تحت أمره التكويني؛ إذ لو لم يتحد لَلَزم وجود متصرِّفين غير متناهين، مع أنها أضدادٌ أمثال [٭]: أي على الرغم من أنها متماثلة فهي متضادة، وهي حرة وأسيرة، ومقيدة ومطلقة إلى آخر ذلك من المحالات. ومع أنها مستقلّين أُسراءُ، ومع أنها مطلقين مقيَّدين [٭]: هكذا في النسخة الخطية، ولعل سياق العبارة يقتضي: ومع أنها مستقلّون أُسراءُ، ومع أنها مطلقون مقيَّدون. مع محالات أُخر كثيرة.. وبجميع ذرّات جميع حُجيراتها تشهد: بأنه: "لَا نَاظِمَ إلَّا هُوَ" إذ اتحّاد الخيط بين الجواهر الفردة هكذا يقتضي.. وبعموم أثير ذَراتها تشهد بأنه: "لا إلهَ إلَّا هُوَ" إذ بساطةُ الأثير وسكوته وانتظاره وسرعة امتثاله لأوامر الخالق هكذا يقتضي.
اعلم أنّه لا حقَّ لأحدٍ في التشكي والاعتراض على صانع العالم؛ إذ في إرضاء الفرد المشتكي إغضابُ أُلوفِ حِكَمٍ متدلية في نظام مقتضٍ لكسر هَوَس ذلك الفرد
﴿ وَلَو اَتَّبَعَ الحَقُ اهواءهُم لَفَسَدت السمواتُ والارضُ ﴾
(المؤمنون:٧١).
— 317 —
فيا أيها المشتكي! مَن أنت حتى تعترض وتصيّر هوسَك الجزئي مهندسَ كليّات الكائنات، وتجعل ذوقَك الفاسد مقياسَ درجات النِّعم؟ وما يدريك لعلّ ما تراه نِقما عينُ النِّعَمِ؟ ومَن أنت حتى يُغيَّرَ حركةُ دواليب العالم و"جرخ الفلك" لتسكين هوسِك الذي لا يوازي جناح البعوضة، ولا يملأ نواةَ التينة؟ لكن لك أن تشتكي إليه، لا منه؛ إذ لك منك حَبَّة من صُبرة، والمملوك لا يملك. فاعرف حدَّك ولا تجاوز طورَك.
اعلم أن مَن يتصرف في حُجيرة من عضوٍ من جسد، لابد أن يتصورَ الجسدَ أولا، ثم يتصرّفَ لنظر نسَب الجزء إلى نقوش الكلّ ووضعيته. [٭]: أي ثم يتصرف ناظرا في نسب الجزء إلى نقوش الكل، حيث هناك علاقات وارتباطات كثيرة للجزء مع الكل (ت: ١٧٧). فالتصرف في الحجيرة تحت أمر خالق الكل البتة.
اعلم أن من يحفظ بيضات الهوام والسمك، وبذورَ الحشرات والنباتات، حفظا رحيما نظيما حكيما، كيف يليق بحفيظيته وحكمته أن يهمل ولا يحفظ أعمالَك التي هي نواتات لأشجارٍ مثمرة في الآخرة، وأنت حاملُ الأمانة وخليفةُ الأرض؟ مع أن شدّة حسّ حفظ الحياة في كل حي، وشدّةَ حسّ التأليف للبقاء والإدامة بين المتباينات المجتمعة يدلان بالحدس الصادق على أن الوجود ينجرّ إلى البقاء الأبدي بتجلي اسم "الحي الحفيظ الباقي".. وأيضا رمزٌ من القدَر الإلهي إلى أن في الفاني ما يبقى.
اعلم أن من يحفظ بذر التينة مثلا في الأطوار ويحميه في الأدوار ويصونه عن الانحلال ويحفظ في تلك البذيرة لوازمات شجرة التينة بكمال الاهتمام والمحافظة، وهكذا سائر النباتات والحيوانات.. لا يهمل -ذلك الحفيظ- البتةَ أعمالَ البشر خليفة الأرض بالضرورة وبالحدس الصادق.
اعلم أن المعنى يبقى واللفظ يتبدل، واللب يبقى والقشر يتمزق، والجسد يبقى واللباس يتخرّق، والروح يبقى والجسد يتفرق، و"أنا" يشبّ والجسد يشيب، والواحد يبقى والكثير يبلى، والوحدة تدوم والكثرة تتمزق، والنور يبقى والمادة تتحلل. فالمعنى الذي يبقى من أول العمر إلى الآخر، مع تبديله لأجسادٍ، وانتقالِه في أطوار، وتدحرجِه على أدوار مع محافظة وحدانيته، [٭]: أي مع الحفاظ على بقائه ووحدته (ت: ١٧٧). يدل على أنَّه يتخطى على الموت أيضا وينسلّ من كلاليبه، متشققَ الجسد،
— 318 —
عريان الروح، سالما في طريق الأبد. وشدّة دستور الحفظ والمحافظة في الماديات التي الأصلُ فيها الفناء، تدل بالحدس القطعي وبالطريق الأَولى على جريان ذلك القانون الباقي في المعنى والنور والروح الواحد البسيط، التي الأصلُ فيها البقاء.
اعلم أن عظمة الألوهيّة وعزّتَها واستقلالَها تستلزم دخولَ كلِّ شيء -مطلقا: عظيما أو حقيرا، أعظمَ الأشياء وأخَسَّها- تحت تصرفها. فخستُك وحقارةُ أحوالك لا تستلزم خروجَك. [٭]: خروجك عن تصرفها (ت: ١٧٧). إذ بُعدُك لا يستلزم بعدَه، وحقارة صفتك لا تستلزم حقارةَ وجودك. وتلوث وجه المُلك فيك، لا يستلزم تلوثَ ملكوتك.. وكذا لا تستلزم عظمةُ الخالق خروجَ الحقير عن تصرفه، إذ العظمةُ الحقيقية تستلزم الإحاطةَ، والانفرادَ في الإيجاد.
اعلم أن المادي الكثيف كلّما تعاظم تباعدَ عن الدقائق والخفايا وتقاصر يدُه عنها. وأما النور فكلّما تعاظم وتعالى كان أتمَّ نفوذا في الخفايا والدقائق. وكلما كان النور ألطفَ كان أكشفَ لباطن الشيء كشعاع "رونتكن". فإذا كان هذا هكذا في الممكن المسكين والكثرة المشوشة، فكيف بنور الأنوار من طرف الوجوب والوحدة العالِمِ بالأسرار ومدبّر الليل والنهار؟ فعظمتُه تستلزم الإحاطةَ والنفوذ والشمول.
اعلم وانظر إلى كمال مراعاة القرآن ومماشاته وتأنيسه لأفهام جمهور العوام الذين هم الأكثر المطلق؛ إذ يَذكر في المسألة ذاتِ الدرجات الدرجةَ القريبةَ إليهم، والصحيفةَ الواضحة لنظرهم، وإلّا لزم أن يكون الدليل أخفى من النتيجة. فالقرآن يذكر الأشياء الكونية للاستدلال على صفات الخالق جلّ جلاله. فكلما كان أظهرَ لفهم الجمهور كان أوفق للإرشاد.
مثلا: يقول:
﴿ ومن آيَاتهِ خَلْقُ السَّموَاتِ والارضِ واخْتِلافُ السنتكُمْ والوانِكُمْ ﴾
(الروم:٢٢) مع أن خلفَ طبقة الألوان مسافاتِ تعيّناتِ الوجهِ كما أُشير إليها في "ذرّة" ويقول:
﴿ انّ في خَلْق السَّموات والارْضِ واخْتِلافِ اللَيل والنَّهَارِ لآيات ﴾
(آل عمران:١٩٠) مع أن تحت صحيفة الليل والنهار المقروءة بأول النظر عجائبَ نقوشِ تحريكِ الأرض على نفسها وتدويرها حول الشمس.
ويقول:
﴿ والجبالَ اوتاداً ﴾
(النبأ:٧) مع أن تحت ما يُرى من صورة سفينة الأرض وخيمتها المرساة المربوطة بالعمد والأوتاد تسكينَ غضب الأرض التي
﴿ تكَادُ تمَيَّزُ مِنَ الغَيْظ ﴾
— 319 —
(الملك:٨) بسبب الهرج والمرج في بطنها وإسكات غضبها بخلق الجبال فتتنفس الأرضُ من منافذها، فتهتز بالزّلزلة فقط، بدل التمزق لولا الجبال، وتحت هذه الصحيفة أيضا جعل الجبال مخازنَ الماء ومشّاطةَ الهواء وحاميةَ التراب من استيلاء البحر والتوحل. وهذه العناصر أوتادُ حياة الحيوان، الذي الناطق منه "وتد" الدنيا. فقس على هذه أمثالها.
ومن هذا السر ترى الشريعةَ تعتبر رؤيةَ الطلوع والغروب، [٭]: أي طلوع الهلال وغروبه، لأن رؤيته أسهل للعوام لحساب الأيام والشهور (ت: ١٧٨). دون الحساب الحقيقي.. ومن هذا السر أيضا التردادُ للتثبيت، والتكريرُ للتقرير في القرآن الحكيم.
اعلم أن حقائق الآيات أوسع بمراتبَ من خيالات الأشعار، فتنیزّهتْ عن الشعرية. والمتكلمُ خلف الآيات يبحث عن شأنه وفعله، وفي الشعر فضوليٌّ يبحث عن غيره. والقرآن الباحث عن العاديّات في الجملة خارقٌ للعادة، [٭]: أي يبحثه بحثا خارقا للعادة. والكلمة الثالثة عشرة تفصّل هذه المسألة. والشعر الباحث عن خوارق العادات في الأكثر عادي.
اعلم أن مرايا وحدة الخالق وصحائفَ شواهدِها متعدّدةٌ متنوعة متداخلة متحدة المركز غيرُ محدودة؛ فتنوُّر واحدٍ في النظر المتبصر يستلزم تنوّرَ الكل، وبفتح واحدٍ يمكن بالدّخول فتحُ الكل، دون العكس ؛ إذ انسدادُ واحد لاسيما الأدنى لا يستلزم انسداد الكل. مع أن النفسَ الأمارة بتعليم الشيطان تكذِّب الأصلَ الصادق وتصدّق بالعكس الكاذب.
اعلم أنه كما لا يمكن أن يكون كاتبُ الكلمة غيرَ كاتب الحرف، وكاتب السطر غيرَ كاتب الصحيفة، وكاتُبها غيرَ كاتب الكتاب.. كذلك لا يمكن أن يكون خالقُ النملة غيرَ خالق جنس الحيوان، وخالقُه غيرَ خالق الأرض، وخالقُها غيرَ رب العالمين.
ومن إشارات الربوبية المطلقة العامة كتابةُ كلمةٍ أو كلام أو كتاب في حرف كبير، لرمز عمومِ الشعور والإحاطة كخلق السمك في حرف البحر، وخلق دابة الأرضة في سطر الشجر، وخلقِ الحيوان في نقطة الأرض، والنملِ في كل موضع يُظَن أنه جامد مهمل متروك، حتى إن بعض المصنوعات كصورة "يس" كتبت فيها سورة "يس".
اعلم أن هذه النجومَ والشموس متماثلة متساوية في الجملة، فليس ربُّها منها بالضرورة، وربُّ واحدِها ربُّ كلِّها وربُّ كل شيء.
— 320 —
...... [٭]: في (ط١) أيها الإنسان! لو أنصفت لما تضجرت من البراغيث والبعوض وأمثالها؛ إذ يتحمل -بكمال التسليم- افتراسَیك كلُّ الثمرات وأكثرُ الحيوانات تلك المخلوقاتُ اللطيفة المعصومة. فمن الإنصاف أن تتحمل أهون الاقتصاص من أيدي بعض المؤذيات.. فالجروح قصاص.
اعلم أن الفردَ الإنسان جماعةٌ من المكلَّفين، ولكل فردٍ من حواسّه -ظاهرا وباطنا- عبادةٌ تخصُّه، وضلالةٌ تفسِّقُه. فكما أن سجدةَ الرأس لغير اللّٰه ضلالة، كذلك سجدةُ خيال الشعراء بالحيرة المفرطة والمحبة الوالهة في مدح غير اللّٰه -لا بحساب اللّٰه- أيضا ضلالةٌ يَفْسُق بها الخيالُ. وقس على الخيال إخوانَه.
اعلم أن من أَعمّ أسباب ضلالة فكر البشر؛ ظَنَّ المألوفَ معلوما، مع أن الألفةَ تتضمّن الجهلَ المركب، فبحُكمِ الألفة لا يتأملون في العاديات المستمرّة مع أنها كلَّها خوارقُ معجزاتِ القدرة، وما يمُعنون النظر إلا في ما فوق العاديّات من نوع التجليات السيالة، كمَن لا ينظر من مجموع البحر -مع ما في بطنه من الحيوانات- إلّا إلى تموّجاته بالهواء وتلألئه بشعاعات الشمس، فيستدل بهذين الحالتين فقط على عظمة مالك البحر وصانعه جلّ جلاله.
اعلم أن أكثر معلومات البشر الأرضية ومسلّماته، بل بدهياته مبنية على الألفة، وهي مفروشة على الجهل المركب. ففي الأساس فسادٌ أي فساد. فلهذا السر توجِّه الآياتُ أنظارَ البشر إلى العاديات المألوفة، وتثقب نجومُ القرآن حجابَ الألفة، ويأخذ [٭]: يأخذ القرآن. بأُذُن البشر ويُميل رأسه، ويريه ما تحت الألفة من خوارق العادات في عين العاديات.
اعلم أن المناسبة حتى المكالمة لا تستلزم التساوي ولا التداني ولا التشابه؛ فقطرة المطر وزهرة الثمر لهما مناسبة ومعاملة مع الشمس. فيا أيها الإنسان! لا تحسبن أن حقارتَك تسترك عن نظر عناية خلاق الكون.
اعلم أن ما اشتهر من وقوع بسط الزّمان وطيّهِ لبعض الأولياء
كما وقع للشعراني(٭) في مطالعته للفتوحات المكية، [٭]: لمحي الدين بن عربي. في يوم واحد مرتين ونصفا، كما في آخر "اليواقيت والجواهر" لا ينبغي أن يُستغرَب فيُستَنكر؛ إذ فيما تراه له نظائر تقرّبه إلى الفهم؛ ألا ترى أنك ترى في الرؤيا كأن مرَّ عليك سنة [٭]: في (ط١) مرّ عليك سنة بل سنون في ليلة. في ليلة بل في ساعة. ولو قرأتَ القرآن بَدَلَ ما جرى عليك، وما
— 321 —
شاهدتَه من الأقاويل والأفاعيل لقرأت ختماتٍ في تلك الساعة. ففي انكشاف هذه الحالة لأهل الكشف في اليقظة ينبسط الزمان، ويطول العمر، ويتقرب إلى دائرة الروح التي لا يقيّدها الزمان. ولو صُوّرت "ساعة" لها أميالٌ متداخلة لأجل أن تكون ميزانا تشير إلى درجات سرعة الحركات الموجودة في مصنوعات اللّٰه، لا سيما لبيان درجات سرعة الصوت، والضياء، و"الألكتريق"، والخيال، ونور العقل، والملَك، والروح. فمِيلٌ يعدّ الساعات وميلٌ الدقائقَ، وميل الثوانيَ إلى الميل الذي يعدّ العاشرات، [٭]: تنقسم الدقيقة الواحدة إلى (٦٠) ثانية وكل ثانية إلى (٦٠) ثالثة وهكذا إلى العاشرة. وفي الكلمة الحادية والثلاثين، رسالة "المعراج النبوي" تفصيل لهذه المسألة. مع محافظة النسبة بين كلّ آنين من معدودِ أول الأميال إلى آخرها. ففي تلك الساعة مدارُ الميل العادّ للساعات المشيرِ إلى أبطأ الحركات، لو كان مثل دائرة ساعتك هذه، لكان مدارُ الميل العادّ للعاشرات المشيرة لأسرع الحركات مثل مدار زُحل بل أوسع، فافرض أحدا ركب ميلَ الساعات وواحدا امتطى ظهر ميل العاشرات، فانظر كَم بين ما رأَيَا وقَطَعا، فقد انطوى لهذا ما انبسط لذاك بدرجةٍ تكون ثانيةُ ذا سنةَ هذا. ولأن الحركةَ كجسم الزمان أو الزمان كلونِها، فما يجري فيها، يجري فيه أيضا. فلِمَ لا يجوز للولي الغالبِ روحُه على جسمانيّته أن يُصدر أفاعيلَه على مقياس سرعة الروح والخيال؟
اعلم أنه قد يستعظم المرءُ النتيجةَ وهي التوحيد المحض الخالص، ولا يسعها ذهنُه الكاسد، أو لا يتحملها خيالُه الفاسد. فيشرع يردّ براهينَها الصحيحة القاطعة، ويتعلل بأن نتيجةً بهذه العظمة لا يمكن أن يقبَلها ويقيمَها هذا البرهان ولو كان في غاية القوة. فالمسكين لا يعرف أن قيّومَ النتيجة الإيمانُ، وما البرهان إلّا مَنفَذٌ ينظر إليها.. أو مكنسة يطهّر الأوهامَ عنها. مع أن البرهان ليس واحدا، بل لها براهين عدد رمال الدهناء، [٭]: الدهناء: الفلاة. وبمقدار حصى البطحاء [٭]: البطحاء: مسيل واسع فيه رمل ودقائق الحصى. وقطرات الأمطار وأمواج البحار.
اعلم أن من هيّأ البطيخَ والتفاح لأكلك، لا بد أن يكون أعلمَ بأكلك منك، وخبيرا بذوقك الوجداني الذي لا يدريه غيرُك. فأين العروق والأغصان الجامدة الميتة من هذا العلم؟ فما الأسبابُ والأغصان إلاّ موازيبُ الرحمة ومَسيلاتُ النعمة.
— 322 —

القطعة الثانية من

شَمَّة من نسيم هداية القرآن
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
فسبحان اللّٰه ما أرقّ الحجابَ بين المُلك والملكوت، وما أعظمَ المسافة بينهما! وما أقصرَ الطريقَ بين الدنيا والآخرة وما أطولَها! وما ألطفَ الحجابَ بين العلم والجهل وما أغلظَه! وما أشفَّ البرزخَ بين الإيمان والكفر وما أكثفَه! وما أقصرَ المسافة بين العبادة والمعصية مع أن ما بينهما كما بين الجنة والنار! وما أقصرَ الحياة وما أطولَ الأمل!
فكما أن بين الأمس واليوم حجابا رقيقا لا يمنع من مرور الروح ونفوذِه إلى الأمس والماضي، وأن ذلك الحجابَ بالنسبة إلى الجسد مسافة سنة أو الأبد..
كذلك بين الملك والملكوت، والدنيا والآخرة حجابٌ رقيق شفاف لأهل القلب والروح، وغليظ كثيف غايةَ الكثافة لأهل النفس والهواء الجسماني.
وكما أن بين نهارك وليلك برزخا لطيفا، هو جفنك، فإذا فتحتَ عينَ نفسك زال ليلُك وانجلى نهارُك، وإن نسيت نفسَك فعميتَ دام عليك ليلُك سرمدا.. كذلك من نظر بحسابه تعالى إلى الكائنات صار كلّ ما شاهده علما. وإذا نظر بالغفلة وبحساب الأسباب صار كلّ ما يظنه علما، جهلا محضا.
وكما أن بين تنوّر "آيا صوفيا" وشدة ظلماته في الليل زمانا بمقدار تحريك الإصبعين لمفتاح "الألكتريق"، وفي فضاء العالم بالتهاب البرق وانطفائه في آن، واستضاءة الدنيا وظلماتِها بالسحاب الأسود وانكشافِه عن وجه الشمس بهبوب نسيم الرحمة دفعة.. كذلك من نظر بنور الإيمان والتوحيد يرى العالم مملوءا نورا، وأنسيةً وتحببا وتوددا، وأجزاء الكائنات أودّاء إخوانا أحياءً مؤنسين. وأما إذا نظر بالكفر يرى أجزاء العالم أعداءً وأجانبَ أمواتا موحشين ويرى العالم ظلماتٍ بعضها فوق بعض وهو في بحر مصطلم مظلم يغشاه موجٌ من فوقه موج إذا أخرج يدَه لم يكد يراها.
— 323 —
وكما أن ما بين وجهَي المرآة أرق من الورق، مع أن بينهما من الفرق كما بين الغرب والشرق، ثم تبدّلُ الوجهين -بأن تضحك في وجهك أو تعبس- يحصل بتحريك الإصبعين لها.. [٭]: المقصود: نوع من المرايا ذات الوجهين. كذلك لأفعال البشر وجهان؛ فبتعلُّق النية بها لوجه اللّٰه تنقلب وتريك وجها شفافا معكسا يسَع في عمقه المثالي ما لا يحدّ من التجليات، وبفقدان النية أو النية لغير وجه اللّٰه يُظهر الوجه الجامد أو الأسودَ السطحي الذي لا يُغني من الحق شيئا.
وكما أن الوجه الأسود الملون من المرآة لا يسع في عمقه شيئا وفي عرضه، إنما يسع بمقدار جِرمه الصغير وأما الوجه الشفاف؛ فلاتصاله بالبرزخ والمثال المطلق يسع ما لا يحد ولا يضيق عمقه من أعظم الأشياء.. كذلك الحياةُ لها وجهان: وجهٌ إلى الدنيا أسود ضيق فانٍ، ووجهٌ إلى الحق شفاف واسعٌ دائمي، فالنفس الغافلة بقبول مغلطة الشيطان تلبس الوجهَ الأسود وتُظهر أحكامَ الوجه الأشف، بطول الأمل وطلب الأبد.
اعلم أن مفتاحَ العالم في يد الإنسان وفي نفسه، فالكائنات -مع أنها مفتّحةُ الأبواب- منغلقة، [٭]: أي مع أنها مفتحة الأبواب ظاهرا إلّا أنها منغلقة حقيقة. فالحق سبحانه أودع -من جهة الأمانة- [٭]: إشارة إلى الآية الكريمة: (إنا عرضنا الأمانة) (الأحزاب:٧٢). في الإنسان مفتاحا يفتح به كلَّ أبواب العالم، وطلسما يفتح به كنیزَ خلّاق الكون. والمفتاحُ ما فيك من "أنا". إلّا أن "أنا" أيضا معمّى مغلق، ومُطلسَم منغلق، فإذا فتحتَ "أنا" بمعرفةِ ماهيته الموهومة انفتح لك الكائنات.
نعم، إن اللّٰه جلّ جلاله أعطى ليد الإنسان "أنا" ليصيِّره واحدا قياسيا -بالفرض والتوهّم لا بالعلم والتحقق- لفهم أوصاف الربوبية.
فالإنسان إذا عرف "أنا" ما هو؛ بأن رآه شعرةً شعورية في حبل وجود الإنسان، وخيطا رقيقا في ثوب ماهية البشر، وألِفا في كتاب الشخص؛ له وجهان: وجه إلى الخير، فَبِه قابلٌ للفيض فقط لا فاعل. ووجهٌ إلى الشر والعدم وبه فاعل، وماهيته موهومة، وربوبيته مخيّلة، ووجوده أضعف من أن يتحمل شيئا بالذات.. بل إنما هو كميزان الحرارة وأمثاله من الموازين التي يُعرَف بها مقادير الأشياء. فی"أنا" أيضا ميزان يُعرَف به الصفات المحيطة المطلقة للواجب الوجود..
وأذعَنَ [٭]: أي إذا عرف الإنسان كل ما ذكر عن ماهية "أنا" وأذعن.. دخل تحت: قَدْ افْلَحَ مَنْ زَكّيهَا (الشمس:٩) وأدى الأمانة بحقها.
— 324 —
فإذا تأمّلتَ في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عينا تفهّمتَ ورأيت به كل ما في الكون، لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفتْ في "أنا" ما يصدّقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفةُ "أنا" وربوبيتُه الموهومة ومالكيتُه المفروضة. فليرجع "أنا" من السّمَكَتية إلى الحبابية.. [٭]: من الوجود الحقيقي إلى الوجود الموهوم. وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدتَه مالكا، وخُنت في الأمانة دخلت تحت:
﴿ وقَدْ خَابَ مَنْ دَسّيها ﴾
(الشمس:١٠)، إذ الأمانة التي تدهشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال هي "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك والشرور والضلالات، إذ إذا تستَّر "أنا" عنك غلُظَ، حتى صار حبلا بلع وجودَك فصار كُلُّك أنا. ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به فيصير شيطانا يبارز أمرَ صانعه. ثم يقيس الناسَ، ثم الأسبابَ على نفسه فيقع في شرك عظيم.. ففي هذا الوجه لو أرسلتَ عينك وفتحت كل الآفاق انغلق في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كلَّ شيء بلون ما في نفسك من "أنا". ولونُه في ذاته -في هذا الوجه- الشرك والتعطيل، ولو مُلئت الآفاقُ آياتٍ باهرةً، وبقي في "أنا" نقطةٌ مظلمة طمَّت على الآيات.
مسألة مهمة: وهي أن "أنا" له وجهان: وجه أخذتْه النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.
فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة؛ ماهيتُه حرفية، ووجودُه تبعي، ومالكيتُه وهميّة، وحقيقتُه فرضية، ووظيفتُه صيرورتُه ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلَّموا المُلك كلَّه للّٰه، وحكموا بأنه لا شريك له لا في مُلكه ولا في ربوبيته ولا في أُلوهيته، وبيده مقاليدُ كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفافِ الحي أَنبت الرحيم جلّ جلاله شجرة طوبى العبوديةِ فأثمرت أغصانُها المباركة في حديقة الكائنات، دانيةً قطوفُها، متدلية بثمرات الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين المتلألئين كالنجوم في الظلمات.
وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفتَه تكمُّلَ ذاته بحب ذاته. فمن هنا تشعبت أنواعُ الشرك، وعلى رأس "أنا" تنبتتْ شجرةُ زقومِ الضلالةِ؛ فمن غصن "القوة البهيمية" أثمرت في أنظار البشر -باستحسان القوة الظالمة والحسن المرائي- أصناما عابدةً من جهة، ومعبودةً من جهة.. ومن غصن "القوة الغضبية" أثمرت على رؤوس البشر
— 325 —
نمارد وفراعين.. ومن "القوة العقلية" أثمرت في عقول البشر الدهريين والماديين وفلاسفةً يعطون للواجب واحدا، ويقسِّمون سائرَ مُلكه على غيره تعالى..
وإن "أنا" في ذاته كأنه كان هواء وبخارا، لكن بسبب شؤم نظرهم تميّع، ثم بالألفة تصلّب، ثم بالغفلة تجمّد، ثم بالعصيان تكدّر فاستغلظ حتى ابتلع صاحبَه. وتوسَّع بأفكار النوع، ثم قاسَ الناسَ والأسباب على نفسه فصار مبارزا لأوامر خالقه. فمن هنا اضطر بعضُ الفلاسفة إلى تأثير الأسباب، [٭]: أي إلى الاعتقاد بتأثير الأسباب. وإيجاد الطبيعةِ والتصادفِ، ونفيِ الحشر، وقِدَمِ الأرواح وأمثالِها من ضلالاتهم
﴿ قاتلهُمُ اللّٰه انَّى يُؤفكون ﴾
(التوبة:٣٠)، اختطفتهم الشياطينُ بمنقارِ "أنا" وأنابيبه ومخاليبه.
فی"أنا" في العالم الصغير كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت،
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنْ باللّٰه فَقَد اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ اْلوُثقى لا انفِصامَ لَهَا واللّٰه سَميعٌ عليم ﴾
البقرة:٢٥٦).
اعلم أن حياة الحسنات بالنية، وفسادَها بالرؤية والرياء والإراءة، وعرقَ الوجدانيات المشعورة بالذات تنقطع بالنية وبشعور ثانوي، [٭]: إن أساس الوجدانيات التي تستشعر بالذات شعورا فطريًّا، ينقطع بشعور ثانٍ ونية (ت: ١٨٣). كما أن النية حياةُ الأعمال، كذلك النية موتُ الأحوال بجهةٍ. [٭]: المقصود: الأحوال الفطرية (ت: ١٨٣). مثلا: نية التواضع تفسده، ونيّة التكبر تزيله، ونيّة الفرح تطيّره، ونيّة الغم تهوّنه وقس. [٭]: أي إن نية التواضع بتصنع وبشعور ثانوي تفسد التواضع الفطري، وكذا نية التكبر بشعور ثانوي تزيل عزة النفس والوقار الفطري.
اعلم أن الشجرة بل كل ما فيه قانونُ التكامل، لابد أن تنبت على نواة تربّت في بطن ثمرة من مثل تلك الشجرة. فإن لم تُسْبَقْ بغيرها كشجرة العالَم، فلابد لها من نواة عريانة ما تجسدت بالثمرة بعدُ. ثم حقُّها من العناية الأزلية أن تلبس أيضا ثمرةً من ثمرة الشجرة التي تنبّتت عليها، فلابد أن تكون تلك الثمرة التي تجسدت النواةُ بها أعظمَ وأكرمَ وألطف وأشرف وأعلى وأجلَّ. فالكائنات شجرة، والعناصر أغصانُها، والنباتات أوراقها، والحيوانات أزاهيرها، والأناسي ثمراتها. وأضوأُ ثمراتها وأنورُها وأولاها وأجلاها وأحسنُها وأزيَنُها وأعظمها وأكرمها وأشرفها وألطفها وأجمعُها وأنفعها هو محمد عليه الصلاة والسلام سيدُ المرسلين
— 326 —
وإمام المتقين وحبيب رب العالمين، صاحبُ المعراج وما زاغ البصر، ومَن انشق له القمر، وكلَّمه الضبُّ والظبي والذئب والجذع والذّراع والجمل والجبل والحجر والمدَر والشجر، ونبعَ الماء من بين أصابعه كالكوثر، أفضلُ الخلائق الإنسانية، ومجمعُ الحقائق الإيمانية، وطور التجليات الإحسانية، ومهبط الأسرار الرحمانية، وقائد ركب الأنبياء والصديقين، وأفضل الخلق أجمعين، حاملُ لواء العِزّ الأعلى بالتوحيد، ومالك أزمّة المجد الأسنى بالإسلام، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السوابق الأُولى، وترجمان لسان القِدم، ومنبع العلم والحلم والحِكم المتحقق بأعلى رتب العبودية، والمتخلق بأخلاق المقامات الاصطفائية، الخليل الأعظم والحبيب الأكرم، عليه أفضل الصلوات وأزكى التحيات وأنمى البركات، ما دامت الأرض والسماوات.
خذ بيدي يا سيد المرسلين فأنت الأمل يا نور كرم اللّٰه المبين لا انتماء لي إلا إليك يا سيدي وأنطقُ دليلي: لا إله إلّا اللّٰه محمد رسول اللّٰه
إلهي! أُحب وأتمنى أن يكون لي أُلوفٌ من الألسنة مستغفرة عني إلى قيام الساعة. فاجعل يا إلهي! نُسَخَ رسالتي هذه بدلا عني أَلسنةً لي، مستغفرين ومصلين على النبي بدلا عني مادام القلم وما يسطرون..
إلهِي، الذُّنُوبُ أخْرَسَتْني، وَكَثْرَةُ المَعَاصِي أخْجَلَتْنِي، وَشِدَّةُ الغَفْلَةِ أخْفَتَتْ صَوتِي، فَأدُقُّ بَابَ رَحْمَتِكَ، وأُنَادِى في بَابِ مَغْفِرَتِكَ بِصَوتِ سَيّدِي وَسَنَدِي الشَّيخ عَبْدِ القَادِرِ الكيْلانِي وَنِدائِهِ المَقبُولِ المَأنُوسِ عِنْدَ البَوَّابِ.
بِيَا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ لَا يَضُرُّهُ شَيءٌ، وَلَا يَنْفَعُهُ شَيءٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ شَيءٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيءٌ، وَلَا يَؤُودُهُ شَيءٌ، وَلَا يَسْتَعينُ بشَيءٍ، وَلَا يُشغِلُهُ شَيءٌ عَنْ شَيءٍ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيءٌ، وَلا يُعجِزُهُ شَيءٌ، اغْفِر لِي كُلَّ شَيءٍ، حَتَّى لَا تَسْألَنِي مِنْ شَيءٍ. يَا مَنْ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَةِ كُلِّ شَيءٍ، وَبِيَدِهِ مَقَاليدُ كُلِّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ
— 327 —
هُوَ الأوَّلُ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، وَالآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شيءٍ، وَالظَّاهِرُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، وَالبَاطِنُ دُونَ كُلِّ شيءٍ، وَالقَاهِرُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، اغْفِر لِي كُلَّ شَيءٍ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.. وَيَا عَليما بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُحيطا بِكُلِّ شَيءٍ، وَبَصيرا بِكُلِّ شَيءٍ. وَيَا شَهيدا عَلى كُلِّ شَيءٍ، وَرَقيبا عَلى كُلِّ شَيءٍ، وَلطيفًا بِكُلِّ شَيءٍ، وَخَبيرا بِكُلِّ شَيءٍ، اغْفِر لِي كُلَّ شَيءٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطيئَاتِ حَتّى لَا تَسْألَني عَنْ شَيءٍ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
اَللّٰهمَّ إنِّي أعُوذُ بِعِزَّةِ جَلَالِكَ وَبِجَلالِ عِزَّتِكَ، وَبِقُدرَةِ سُلْطَانِكَ وَبِسُلطانِ قُدْرَتِكَ مِنَ الفَضِيحَةِ وَالأهواءِ الرَّديَّةِ، يَا جَارَ المُستَجيرينَ أجِرْنِي مِنَ الشَّهَواتِ الشَّيطَانِيَّةِ وَطَهِّرنِي مِنَ القَاذُوراتِ البَشَرِيَّةِ، وَصَفِّنِي بِحُبِّ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ (ص) بِالمَحَبَّةِ الصِّدّيقِيَّة، مِنْ صَدَإِ الغَفلَةِ وَأوهَامِ الجَهْلِ حَتّى تَفنَى الأنَانِيَّةُ، وَيَبقى الكُلُّ للّٰه وَبِاللّٰه وَإلى اللّٰه وَمِنَ اللّٰه غرقًا بِنِعْمَةِ اللّٰه في بَحْرِ مِنَّةِ اللّٰه مَنْصُورينَ بِسَيفِ اللّٰه مَحْظُوظينَ بِعِنَايَةِ اللّٰه مَحفُوظينَ بِحِمَايَةِ اللّٰه عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يُشْغِلُ عَنِ اللّٰه.. فَيَا نُورَ الأنْوَارِ، وَيَا عَالِمَ الأسْرَارِ، وَيَا مُدَبِّرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَا مَلِكُ يَا عَزيزُ يَا قَهَّارُ، يَا رَحيمُ يَا وَدُودُ يَا غَفَّارُ، يَا عَلّامَ الغُيُوبِ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأبْصَارِ، يَا سَتَّارَ العُيوبِ، يَا غَفَّارَ الذُّنُوبِ، اغْفِر لِي ذُنُوبِي وَارْحَمْ مَنْ ضَاقَتْ عَلَيهِ الأسْبَابُ، وَغُلِّقَتْ دُونَهُ الأبوَابُ، وَتَعَسَّرَ عَليهِ سُلُوكُ طَريقِ أهْلِ الصَّوَابِ، وَانْصَرَمَتْ أيَّامُهُ وَنَفْسُهُ رَاتِعَةٌ في مَيادينِ الغَفْلَةِ وَالمعصيَةِ وَدَنِيِّ الاِكتِسَابِ.. فَيَا مَنْ إذا دُعِيَ أجَابَ، وَيَا سَريعَ الحِسَابِ، وَيَا كَريمُ يَا وَهّابُ، ارْحَمْ مَنْ عَظُمَ مَرَضُهُ وَعَزَّ شِفاؤهُ، وَضَعُفَتْ حيلَتُهُ وَقَوِيَ بَلاؤهُ، وَأنْتَ مَلْجَؤهُ وَرَجاؤهُ.. إلَهي إلَيْكَ أرْفَعُ بَثّي وَحُزني وَشِكَايَتِي.. إلهي حُجَّتِي حَاجَتِي، وَعُدَّتِي فَاقَتِي وَانْقِطاعُ حِيلَتِي.. إلهي قَطرَةٌ مِنْ بِحَارِ جُودِكَ تُغنيني، وَذَرَّةٌ مِنْ تَيَّارِ عَفْوِكَ تَكفينِي، يَا وَدُودُ يَا وَدُودُ يَا وَدُودُ يَا ذا العَرشِ المَجيدِ يَا مُبدِئُ يَا مُعيدُ يَا فَعّالا لِمَا يُريدُ، أسْألُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الّذي مَلأَ أركَانَ عَرشِكَ، وَأسْأَلُكَ بِقُدرَتِكَ الّتي قَدَرْتَ بِهَا عَلى جَميعِ خَلقِكَ، وَبِرَحْمَتِكَ الّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ،
لا إلَهَ إلَّا أنْتَ يَا مُغيثُ أغِثنَا واغْفِرْ جَميعَ ذُنُوبِي وَسَقَطَاتِ لِسَانِي في جَميعِ عُمري بِرَحْمَتِكَ يَا أرحَمَ الرَّاحِمينَ آمينَ وَالحَمْدُ للّٰه رَبِّ العالمِينَ. آمين.. آمين.. آمين..
"يا من يقرأ هذا الاستغفار أولا لنفسك، فأقرأه ثانيا: بدلا عني في سبيل اللّٰه.. فإني في قبري ساكن، ولساني ساكت ناطق بكتابي مستعيرا لسانك فانطق بحسابي أيضا حسبةً للّٰه...".
سعيد النورسي
— 329 —

الرسالة العاشرة

[٭]: هذه الرسالة بكاملها غير موجودة في الطبعة الأولى، وإنما هي في المخطوط وفي الطبعة التالية وهى رسالة مستقلّة في الترجمة التركية. تضم خلاصة لكثير من مباحث رسالة "المدخل إلى النور" والتي فصّلت في "الكلمات".
القطعة الثالثة من
شَمَّةٌ
مِن نسيم هداية القرآن
— 330 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
ومن اللّٰه التوفيق لأقوم الطريق.
سبحانك يا من أنطق السماءَ بحمده وتسبيحه بكلمات النجوم والسيارات.
ويا من أنطق الأرضَ بحمده وتسبيحه بكلمات الأشجار والنباتات.
وأنطق النبات والشجر بكلمات الأزهار والثمرات..
وأنطق الزهر والثمر بكلمات البذور والنواتات.
وأنطق النواة والبذر بلسان السنابل وكلمات الحبّات.
سبحانك يا من يسبح بحمدك الضياءُ بأنواره، والهواءُ بأعصاره، والماءُ بأنهاره،
والأرض بأحجاره، والنبات بأزهاره، والشجر بأثماره، والجو بأطياره،
والسحاب بأمطاره، والسماء بأقماره.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبراس
[٭]: النبراس: المصباح.
الأنبياء، وزبرقان
[٭]: زِبِرقان (بكسر الزاي والباء): أي القمر.
الأصفياء ونيّر
[٭]: نَيّر (بفتح النون وتشديد الياء): المقصود الشمس.
الأولياء، وشمس الثقلين، وضياء الخافقين.
[٭]: أفق المشرق والمغرب.
وعلى آله نجوم الهدى،
وأصحابه مصابيح الدجى.
— 331 —
اعلم [٭]: تفصيل هذا البحث في "الكلمة الخامسة عشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين". يا من يضيق ذهنُه عن فهم سرّ
﴿ وجَعَلناها رُجُوماً لِلشَّياطين ﴾
(الملك:٥) أن للصعود إلى سماء هذه الآية سلّما ذا درجات سبعة:
الأولى: أن للسماوات سكانا يناسبونها يسمَّونَ بالملائكة، إذ امتلاء الأرض -مع حقارتها بالنسبة إلى السماء- من ذوي الحياة والإدراك، يشير بل يصرّح بامتلاء السماوات ذات البروج -تلك القصور المزينة- من ذوي الإدراك.
وكذا إن تزيينَ الكائنات بجميع هذه التزيينات والمحاسن والنقوش مستلزمةٌ لوجود أنظار متفكرين مستحسنين بالحيرة والتقدير؛ إذ لا يُظهَر الحُسن إلّا لعاشق، كما لا يُعطى الطعامُ إلّا لجائع، مع أنه لا يكفي الجن والإنسُ لعُشر معشار عَشِير هذه الحشمة والوظيفة، بل لا تقوم بها إلّا ما لا يُعد من أنواع الملائكة والروحانيات.
الثانية: أن للأرض علاقةً مع السماء ومعاملةً معها وارتباطا يجيء منها إليها أشياء، من الضياء والحرارة والبركات وغيرها. فبالحدس القطعي نعلم أن للأرضيّين طريقا يصعدون فيها إلى السماء، إذا خَفّوا بوضع أثقالهم وخلع أجسادهم كالأنبياء والأولياء والأرواح.
الثالثة: أنَّ سكونةَ السماء وسكوتها وانتظامها واطّرادها تدل على أن أهلَها ليسوا كأهل الأرض التي فيها اضطرابٌ وتذبذب واختلافات وامتحان بمشاجرات، بسبب اختلاط الأشرار بالأخيار واجتماع الأضداد، بل كلُّ أهل السماء مطيعون يفعلون ما يؤمَرون.
الرابعة: أنَّ لمالك يوم الدين ولرب العالمين أسماءً متغايرةً أحكامُها، فالاسم الذي اقتضى إنیزالَ الملائكة للمحاربة في صف الصحابة مع الكفار، يقتضي وقوعَ المحاربة بين الملائكة والشياطين؛ أي السماويين الأخيار والأرضيين الأشرار. ألا ترى السلطان كيف يفعل؟ إذ قد يقتضي شأنُ سَطوته واسمُ حشمته تشهيرَ استحقاق المكافأة والمجازاة على رؤوس الأشهاد، أو إعلانَ تعظيم بعض خدامه، بأن لا يعامِلهم بعِلْمِه بهم فقط، وبتَلَفُونه الخاص، بل يأمر الوزيرَ فيحشّد الناسَ لميدان مبارزة محتشَمة، وامتحان عُلوي، واستقبال سياسي.
الخامسة: أنه لابد أن يقلِّد أشرارُ الروحانيات أخيارَهم في تشبث الذهاب إلى مملكة السماء للطافتهم، ولابد أن لا يقبَلَهم أهلُ السماء، بل يطردونهم لشراراتهم. ولابد في حكمة
— 332 —
سلطنة الربوبية أن يكون لهذه المبارزة المعنوية والمعاملة المهمة علامةٌ وإشارةٌ في عالم الشهادة لإشهاد الإنسانِ الذي أهمُّ وظيفته المشاهدةُ والشهادةُ مع أنه لا يَرى فيما بين الحادثات السماوية أنسبَ من إعلان هذه المبارزة العلوية من رمي الشُّهب المشابِهة للمنجنيقات المُرماةِ من بروج الحصون الرفيعة، مع أنه لا يرى لهذه الحادثة حكمةً تناسبها غيرَ هذه الحكمة المشهورة المشهودة لجميع أهل الحقيقة، خلافَ سائر الحادثات.
السادسة: أنَّ القرآن الحكيم المعجز يرشد البشرَ ويزجرُه من العصيان بأسلوب غال ومثَل عال.. فانظر إلى إنذارِ
﴿ يَاَ مَعْشَرَ الْجِنِ والانْسِ ان اسْتَطَعْتُمْ انْ تَنْفُذُوا مِنْ اقْطَارِ السَّمواتِ واَلارْضِ فَانْفذُوا لاتَنفذُونَ الاَّ بسلْطان ﴾
(الرحمن:٣٣). الآيةُ في تعجيز الثَّقلين، وإعلان عجزهما في جنبِ وُسعةِ سلطنة الربوبية، كأنّهُ يقول: أيها الإنسان الحقير الصغير العاجز! كيف تعصي سلطانا يطيعه الشموسُ والأقمارُ والنجوم والملائكة الذين يرجمون الشياطينَ ببنادقَ كأنها جبالٌ بل أعظم! وكيف تتجاسر على العصيان في مملكةِ سلطانٍ؛ مِن جنوده مَن يقتدر أن يرميَ في وجه الأعداء بنجومٍ في عظمة أرضكم كما ترمي جَوزَك وبندقتك.
السابعة: أنَّ النجم كالمَلك والسَّمَك له أفراد في غاية الصغر وفي غاية الكبر. فكل ما يضيء في وجه السماء فهو نجم، فمن هذا النوع ما يُزَيّن به السماء كالجواهر والأثمار والأسماك، [٭]: أي إن هذه الأفراد الكثيرة لنوع النجم تزيّن وجه السماء وتتلألأ كالجواهر، كما تزين الأثمارُ البساتينَ الغناء والأسماكُ البحارَ. ومنه ما يُرجم به الشياطين كالمنجنيقات المرماة للطرد، أو للإشارة إلى وجود الحارسين المتيقظين المطيعين المجتنبين عن اختلاط العاصين، أو للرمز إلى جريان قانون المبارزة في أوسع الدوائر.. وللّٰه الحجة البالغة والحكمة القاطعة.
اعلم أن الآيات المصرِّحة بكتابة الأشياء قبل كونها وبعد كونها كثيرةٌ، كأمثالِ
﴿ ولاَ رَطْبٍ ولاَ يَابِسٍ الاَّ في كِتابٍ مُبينٍ ﴾
(الأنعام:٥٩). ويصدّقها منظوماتُ مكتوباتِ كتابِ الكائنات وموزوناتُ آياتها، لاسيّما آياتُ النظام والميزان والانتظام والتصوير والتزيين والامتياز.
أما قبل الكون، فالدليلُ جميعُ المبادي والبذور وجميعُ المقادير والصور، إذ ما البذور إلا صُنيدقات لطيفةٌ أُودعت فيها فهرستةُ ما رسمَه القَدر، فتبني القدرةُ وتستخدم الذرات على هندسته. وما المقادير إلّا مكتوباتٌ قدَرية منظومة، وقوالبُ علمية موزونة؛ إذ الذرات
— 333 —
الصم العمي الجامدة تتحرك في نمو الأشياء ثم تتوقف عند حدود معوجّة، توقفَ سميعٍ بصير بمظانّ الفوائد والثمرات. وهكذا فقس كثرة براهين الكتابة قبل الكون.
وأما الدليل على الكتابة بعد الكون؛ فمن العالَم جميعُ الثمرات التي هي كمطوياتِ صحائفِ أعمالِ الأشجار والأزهار، تَنشرُ على رأس الأشهاد ما جرى على رؤوس أُصولها، إذا دُفنت في الأرض وحُشرت في الربيع. ومن الإنسان قوّّته الحافظة التي هي في محل كالخردلة في الصغر، وما هي إلّا كسَنَدٍ استنسخته يَدُ القدرة بقلم القَدر من صحيفة الأعمال، وأعطَتْه ليد الإنسان ليتذكّر به وقتَ المحاسبة، وليطمئن أن خلفَ هذا الهَرج والمَرج والفناء والزوال مرايا للبقاء رَسَم فيها القديرُ هويّات الزائلات، وألواحا يكتب فيها الحفيظُ العليم معانيَ الفانيات.
اعلم أنه كما أن الساعة غيرُ ثابتة بل متزلزلة مضطربة الآلات، كذلك الدنيا التي هي ساعة كبرى أيضا متزلزلة؛ فبإدراج الزمان فيها صار "الليلُ والنهار" كميلين يعدّان ثوانيها، و"السنة" إبرةً تعدّ دقائقَها، و"العصر" كإبرة تعد ساعاتها. وبإدراج المكان فيها صار "الجو" بسرعةِ تغيره وتحوله وتزلزله كمِيل الثواني، و"الأرضُ" بتبدل وجهها نباتا وحيوانا موتا وحياةً كميل الدقائق، وبتزلزل بطنها وتولد "جبالها" كميل الساعات. و"السماء" بتغيراتها بحركات أجرامها وظهور ذوي الأذْناب والكسوفات والشهابات كالميل الذي يعد الأيام.
فالدنيا المبنية على هذه الأركان السبعة -مع أنها واصفةٌ لشؤونات الأسماء ولكتابة قلم القدرة والقَدر- فانيةٌ هالكة متزلزلة راحلةٌ كالماء السيال في الحقيقة. لكن تجمّدت -صورةً- بالغفلة، وتكدّرت بالطبيعة فصارت حجابا عن الآخرة.
فالفلسفة السقيمة والمدنية السفيهة تزيدان جمودَتها وكُدورَتَها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعية. وأما القرآن فينفش الدنيا كالعهن المنفوش بآياته، ويشفّفها ببيّناته، ويذيبها بنيّراته، ويمزّق أبديتَها الموهومة بنعياته، ويفرّق الغفلةَ المولدة للطبيعة برعداته. فحقيقةُ الدنيا المتزلزلة تَقرأ بلسان حالها المذكورة آيةَ
﴿ واذا قُرىءَ الْقُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرحَمون ﴾
(الأعراف:٢٠٤).
— 334 —
اعلم أن مميّز الإنسان عن الحيوان شمولُ علاقته بالماضي والمستقبل، وكليةُ إدراكه بالأنفس والآفاق.. وكشفُه لترتب العلل الظاهرية في إنشاء الأشياء الظاهرية. فأعظمُ وظيفته وأقدمُها، [٭]: أي أولى الوظائف وأهمها (ت: ١٨٨). وأتم جهازاته وألزمُها؛ التسبيحُ والتحميد بالجهاز المخلوق لهما، فيسبّح الإنسانُ صانعَه بلسان الماضي والحال والمستقبل، وبألسنة الأنفس والآفاق. [٭]: أي إن الإنسان يحمد ربه ويسبّحه بما أنعم عليه في الماضي والحال وما سينعم عليه من نعم في المستقبل، وبما يجده منها في نفسه أو في الآفاق (ت: ١٨٨). وبسر مشاهدته لتسبيحات المخلوقات وشهادته عليها يُثني على صانع الأشياء بقراءة أسمائه المكتوبة بالترتيب والترتب في حكمة صُنع الأشياء. فی"سبحان اللّٰه" يتضمن معنى الحيرةِ والتقدير، ومعنى التعجب والاستحسان، ومعنى التنیزيه والتقديس، ومعنى الهَيبة مع المحبة، ومعنى المجهولية للعظمة.
اعلم أن للّٰه عطايا وقضايا ومقدرات.. ينفذ العطاءُ في القضاء، والقضاءُ في القَدَرِ. أي يخرق العطاءُ قانونَ القضاء. كما تنخرق صلابةُ الحجر والتراب عند مرور العروق اللينة، وتنكسر مقاومةُ الحديد للمَيل اللطيف من الماء اللطيف عند الانجماد، ويُخرق لسهم القضاء قانونُ القَدر كما ينخرق القانونُ الكلي الذي هو قَدَرُ النوع بشذوذ الجزئيات الخارقة المخصّصة للإشارة إلى أنه سبحانه فاعلٌ مختار، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، ويَحْكُمُ ما يريدُ، لا مانع لما أعطى، ولا رادّ لما قضى.. فنسبة العطاء إلى القضاء كنسبة القضاء إلى القَدر، أي العطاء شذوذٌ عن قانون القضاء كما يقول العارف بحقيقة الحال: "يا إلهي إن حسناتي من عطائك، وسيئاتي من قضائك. لولا عطاؤك لكنت من الهالكين". أي استعداد النفس الأمارة بالسوء قانونُ شر وهلاك.
اعلم أن السر في تختيم الآيات بفذلكات متضمنة للأسماء الحسنى كأمثال آية الملك، أو بعين الأسماء كما في كثير من الآيات، هو أن القرآن الحكيم ببيانه الإعجازي يبسط الآثار للنظر، ثم يستخرج منها الأسماء، كأمثال آيةِ
﴿ وهُو الَّذي يَبْدَؤا الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدهُ وهُوَ اهْوَنُ علَيْه ولَهُ المثلُ الاعْلى في السَّموات والارْض وهو العزيز الحكيم ﴾
(الروم:٢٧).
وكذا ينشر للبشر منسوجاتِ صُنعه، ثم يطويها في الأسماء.
وكذا يفصّل أفاعيلَه ثم يُجْملها بأسمائه.
— 335 —
وكذا يرتّب المخلوقات ويشفّفها بإراءة النظام والميزان والفوائد، ثم يريك فيها الأسماء كأن تلك المخلوقاتِ ألفاظٌ، وهذه الأسماء معانيها أو ماؤها أو نواتها إيجادا وخلاصتها علما.
وكذا يذكر الجزئيات المادية المتكيفةَ المتغيرة، ثم يُجمِلها بالأسماء الكلية النورانية الثابتة.
وكذا يفرش الكثرةَ المتوسعة المنتشرة، ثم يضع عليها مظاهرَ الوحدة كجهة الوحدة.
وكذا يُظهِر بإظهار غاياتِ المسبَّبات بُعْدَ ما بين الأسباب والمسبَّبات المتصلتين في الظاهر، كما يُرى تماسُّ الأفق بالسّماء في ظاهر النظر، مع أن ما بينهما مسافة مدهشة. إذ لا طاقة لأعظم الأسباب بذاته على حَمل أخف المسبَّبات، فيُظهر القرآنُ بإظهار هذا البُعد محلَّ ظهور الأسماء ومَطَالِعها.
وكذا قد يذكر أفاعيلَ الخلق فيهدّد، ثم يسلّي بأسماءٍ تشير إلى الرحمة.. وقد يذكر مقاصدَ جزئيةً، ثم يقررها بأسماء هي كالقواعد الكلية والبراهين عليها. [٭]: الكلمة الخامسة والعشرون، رسالة "المعجزات القرآنية" تفصّل هذه المسائل بأمثلة كثيرة.
اعلم [٭]: تفصيله في ذيل "الكلمة السادسة والعشرين". أن العجز كالعشق طريقٌ موصلٌ إلى اللّٰه بل أقرب وأسلم. ثم إن أهلَ السلوك سلكوا في طرق الخفاء على اللطائف العشرة، وطرق الجهر على النفوس السبع.. وهذا العاجز استفاد من القرآن طريقا قصيرا، وسبيلا سويا هو أربع خطوات:
الخطوة الأولى: ما أشارت إليها آيةُ فلا تُزكّوا انْفُسكم (النجم:٣٢).
والثانية: ما أشارت إليها آية ولاَ تكونُوُا كالذينَ نَسوُا اللّٰه فأنسیيهم انفْسَهُم (الحشر:١٩).
والثالثة: ما أشارت إليها آيةُ مَا اَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰه ومَا اصَابَكَ مِنْ سَيِئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء:٧٩).
والرابعة: ما أشارت إليها آيةُ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ الاَّ وَجْهَهُ (القصص:٨٨).
وإيضاحه:
أن الإنسان بحسب جبلّته محبٌّ لنفسه، بل لا يحب بالذات -في الأول- إلّا ذاتَه، فيمدح نفسَه مدحا لا يليقُ إلّا بالمعبود، ويدافع عن نفسه بشدة وينیزّهها عن المعايب ولا
— 336 —
يقبل القصورَ لها ما أمكنه، حتى كأنه يصرفُ الجهاز المخلوق فيه لحمد معبوده وتسبيحه إلى نفسه، كی من اتخذ إلهه هواه (الجاثية: ٢٣). فلابد من تزكيتها هنا بعدم تزكيتها.
والثانية: نسيانُ النفس في مقام الكُلفة والخدمة، وشدةُ التزامها في مقام أَخذ الأُجرة والحظوظات. فتزكيتُها عكسُ هذه الحالة أي عدم النسيان في عين النسيان.
والمرتبة الثالثة: لا يرى من نفسه إلّا القصورَ والنقص والعجز والفقر، ويرى كلَّ المحاسن نِعَما من جانب فاطره تقتضي الحمد لا الفخر، فتزكيتُها في هذه المرتبة؛ علمُها بأن كمالَها في عدم كمالِها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها.
والخطوة الرابعة: دركُ أنه في نفسه وبالمعنى الاسمي فانٍ مفقودٌ حادثٌ معدومٌ، وبالمعنى الحرفي -والمرآتيةِ لأسماءِ صانعه- شاهدٌ مشهودٌ وواجدٌ موجودٌ. فتزكيتُها هنا معرفةُ أن عدَمَها في وجودِها، ووجودَها في عدمِها، ووِردُها: "له الملك وله الحمد".
وكذا إن مشرب أهل وحدة الوجود يذهب إلى إعدام الكائنات بنفي وجودها، ومشرب أهل وحدة الشهود يذهب إلى حبس الموجودات في سجن النسيان المطلق.. وأما ما أَفهمُ من منهاج القرآن فهو عفوها عن الإعدام والحبس، بل استخدامُها في وظائفِ إعلان الأسماء الحسنى بالمظهرية والمرآتية؛ بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وعزلُها عن الخدمة بالمعنى الاسمي وبحساب نفسها.
ثم إن الإنسان في وجوده دوائرُ متداخلةٌ ومصنوعات متراكبة؛ إذ هو نبات، وحيوان، وإنسان، ومؤمن.. فالمعاملة للتزكية قد تقع أولا في الطبقة الرابعة الإيمانية. ثم تتنازل إلى النباتية التي هي شديدة المقاومة، وقد تقع المعاملة في الكل في اليوم والليلة. ومما غَلِط فيه الإنسانُ عدمُ الفرق بين تلك المراتب فيقول: خُلق لنا ما في الأرض جميعا؛ فأولا يغلط بظن انحصار الإنسانية في معدته النباتية أو الحيوانية، ثم يغلط بانحصار غايات الأشياء في ما يؤول إلى نفسه. ثم يغلط بتقدير قيمة الأشياء بمقياسِ مقدار منفعته منها، فلا يشتري نجم الزهرة بزهرةٍ مشمومة.
اعلم [٭]: تفصيله في الثمرة الثانية من الغصن الخامس للكلمة الرابعة والعشرين. أن العبوديةَ نتيجةُ النعمة السابقة وثمنُها، لا مقدمةُ المكافآت اللاحقة ووسيلتها.
— 337 —
أيها الإنسان! أخذتَ أجرتك؛ إذ صنَعك هكذا في أحسن تقويم ثم تَعرَّفَ إليك بإعطاء الإيمان.
نعم، كما أنه بإعطاء المعدة أنعمَ عليك بجميع المطعومات.. كذلك بإعطاء الحياة صيَّر لك عالمَ الشهادة سُفرةً مملوءَةً من النِّعم. فانظر إلى تفاوت السُّفرتين. وكما أنه بإعطاء النفس الإنساني جعل لهذه المعدة عوالمَ المُلك والملكوت مائدةً مشحونة بالنِّعم.. كذلك بإعطاء الإيمان فرشَ لك مع الموائد المزبورة موائدَ مدخراتِ كنوز أسمائه.. وبإعطاء محبته فَتَح لك ومنَحك ما لا يوصف، فإذا أخذتَ مثل هذه الأجرة، فعليك بالخدمة. فإذا أعطاك بعد العمل نعمةً أخرى فما هي إلّا من محض الفضل.
اعلم أن ما يشاهَد من الجُود بلا حساب في تكثير أفراد الأنواع، لاسيما في صغار المخلوقات مع كمال الإتقان وحسن الانتظام، يشير بل يصرّحُ بعدم التناهي في تجليات الصانع، وبمباينة ماهيته، وبتساوي الأشياء بالنسبة إلى قدرته، وبوجوبه.
نعم، ما هذا الجُودُ والإيجاد إلَّا من ذلك الوجوب ومن برهانه. والجُودُ في النوع جلالي، والإتقانُ في الفرد جمالي. [٭]: أي يتجلى جلاله سبحانه إذا نظر إلى النوع -بأفراده الكثيرة- أما إذا ما أُنعم النظر في كل فرد فيتجلى جمال الإتقان في الصنعة. ففي الفرد يتجلى الجمال وفي النوع يتجلى الجلال.
اعلم أن الصنعة الإنسانية تسهُل على الصانع بدرجة علمه بها، وتَعسر بمقدار جهله، لاسيما في المصنوعات اللطيفة الدقيقة الجهازاتِ. فكلما كان أعلم كانت عليه أيسرَ وأسهلَ. فما يُشاهَد من السهولة بلا حدّ في السرعة المطلقة والوسعة المطلقة في خلق الأشياء المنتظَمة، يدل قطعا وحدسا على أن لصانعها علما لا نهاية له. كما تشير إلى تلك السهولة آيةُ
﴿ ومَا امْرُنَا الاَّ واحِدةٌ كَلَمحٍ بالْبَصَر ﴾
(القمر:٥٠).
اعلم أنه كما أن مَن لفَّ على مصنوعٍ أو مصنوعات لفائفَ مصنوعة، وألبَس مكنونةً مزينةً أو مكنوناتٍ أقمصةً نُسجت من جنس مادتها -كالجلود- وأدرج متولداتٍ منحوتات من بطونٍ متراكمة في أجوافها، لا شك ولا ريب أن المظروفَ كالظرف، والمحاطَ كالمحيط صنعُ واحدٍ ومالُه وملكُه.
— 338 —
كذلك لا شك ولا ريب أن من لفَّ لفائف الوحدة الاتصالية والنوعية على الكثرة، كوحدة الكل والكلي والظرف.. وكذا ألبَس على قامات جماعاتِ هذه المصنوعات المنثورة أقمصةَ هذه العناصر التي كأمهاتها.. وكذا أدرج هذه المخلوقات لاسيما الحيوانات التي هي تماثيلُ مصغرةٌ لهذه العوالم الكبيرة في أجواف تلك العوالم اللواتي هن كأبنية متداخلة ضُربت على موجودات هن كثمراتها أو نواتاتها، ما هو إلا واحدٌ أحدٌ صمدٌ يتجلى على المحيط بالواحدية، وعلى المحاط بالأحدية.
اعلم [٭]: تفصيله في الغصن الأول من "الكلمة الرابعة والعشرين" وفي "الكلمة الحادية والثلاثين". أنه كما أن للسلطان عنواناتٍ متنوعةً لحاكميته في دوائر حكومته وطبقات رعيته ومراتب سلطنته ووظائف أميريته، كأنه موجودٌ حاضرٌ ومشهودٌ ناظرٌ في كل دائرةٍ وخلفَ كلِّ حجابٍ بممثله وقانون نظامه، كذلك مثلا: - وللّٰه المثل الأعلى - إن مَن له الأسماء الحسنى، له تجلٍّ في عالَمٍ عالَمٍ بعنوان اسمٍ من أسمائه الحسنى ويستتبع ذلك الاسمُ في دائرة سلطنته سائرَ الأسماء بل يتضمنها.. وكذا يتصرف في كل طبقةٍ طبقةٍ كلًّا وجزءا، كليا وجزئيا بتجلٍّ خاص في ربوبية خاصة بجلواتِ اسم خاص، أي يتجلى عليه بخصوصيةٍ كأنه يخصّه، مع أنه يعمُّ ويحيط.
وله سبحانه في مراتب ربوبيته شؤوناتٌ متناظرة.. وله في سرادقات ألوهيته أسماء متعاكسة.. وله في مرايا حشمته تمثيلاتٌ متفاوتة.. وله في تصرفات قدرته عنوانات متنوعة.. وله في تجليات صفاته ظهورات متزاهرة. وله في جلوات أفاعيله تصرفات متظاهرة.. وله في تنويع مصنوعاته ربوبيات متدائرة على تجلي الأحدية على جزئيات محاط الواحدية، كما أشار إلى هذه الحقيقة العظيمة الواسعة ترجمانُ لسانِ القِدم في مناجاته في "الجوشن الكبير" [٭]: الجوشن: لغةً: الصدر والدرع. والمقصود هنا مناجاة الرسول (ص) المروية عن علي بن الحسين الملقب بی"زين العابدين" رضي اللّٰه عنه. وهذه المناجاة مشتملةٌ على تسعة وتسعين عقدة، وصَدَفُ كلٍّ منها متضمنةٌ لاثني عشر من جواهر التوحيد صريحا أو ضمنا؛ إذ إذا نودي أحدٌ بوصفٍ مطلق في مقام التعيين يدل على انحصار الوصف فيه. مثلا: "يا دائم" أي يا من لا دائمَ في العالم إلّا هو. فله سبحانه حجُب نورانية إلى سبعين ألفا، كما روي.. [٭]: انظر: أبو يعلى، المسند ١٣ /٥٢٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦ /٢٧٨، ٨/ ٣٨٢؛ الروياني، المسند ٢/ ٢١٢؛ ابن أبي عاصم، السنة ٢/ ٣٦٧؛ الطبري، جامع البيان ١٦/ ٩٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ١/ ٧٩. ولوجود المنافذ في الحجب والتناظر في الشؤونات والتعاكس في
— 339 —
الأسماء، والتداخل في التمثيلات، والتمازج في العنوانات، والتشابه في الظهورات، والتساند في التعرفات، والتعاضد في الربوبيات، وتجلي الأحدية في إحاطة الواحدية، لزم البتةَ لمن عرفه سبحانه في واحد مما مرّ، أن لا يستنكرَه في سائر ذلك، بل يفهم بالبداهة أنه هو هو.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الانْسَانَ في احْسَنِ تَقْويمٍ ﴾
(التين:٤).
اعلم أن من عجائب جامعية فطرة الإنسان، أن أدرج الفاطرُ الحكيمُ في هذا الجِرم الصغير موازينَ لا تُعدّ، لوزن ما لا يُحدّ من مدخرات رحمته. وأدمج فيه آلاتٍ لا تُحصى جهازاتُها المعنوية لفهمِ ما لا يتناهي من مكنونات كنوز أسمائه الحسنى.
انظر إلى حواسّك العشرةِ كيف أحاطت بألوان عوالم المسموعات والمبصَرات والمذوقات وغيرها.. وكذا أعطاه جزئياتِ صفاتٍ وأحوالٍ من الإرادة والعلم والسمع وغيرها لفهم صفاته المحيطة وشؤونه الواسعة.. وكذا لفّ على أنانيته لفائفَ بعدد العوالم وألوانها، ليعرفَ حالها بتلك اللطائف.. وكذا ألبس على قامة ماهيته أقمصةً بعدد حُجب الربوبية ليترقى فيها بقطعها.. وكذا أودع فيه لطيفةً مُدرِكة، بصورة عجيبة، بحيث تصير الحافظة التي هي في صغر الخَردلة كعالَمٍ واسع، تسير تلك اللطيفة في تلك الخردلة دائما، ولا تصل إلى ساحلها. ومع ذلك قد يضيق على تلك اللطيفة هذا العالمُ الكبير، فتحيط هي بهذا العالم، وتحيط بها وبجميع ميادين جولانها ومكاتيب مطالعتها هذه الخردلة. فسبحان من صغّرها بلا غاية في عين كبرها بلا نهاية. ومن هذا السر، تتفطن لتفاوت مراتب الإنسان؛ فمن الإنسان من يغرق في ذَرّة، ومن الإنسان من تغرق فيه الدنيا.
ثم إن الإنسان قد يَفتح بمفتاحٍ من مفاتيحه الموهوبة عالَما واسعا من أبسط ما انتشرت إليه الكثرة، فيضل فيها فلا يصل إلى الوحدة والتوحيد إلّا بعُسر عظيم. فللإنسان في معناه وسَيره الروحي طبقاتٌ؛ ففي طبقة يتيسر له باليسر والسهولة الحضورُ والتوحيد، وفي طبقة أخرى تستولي الغفلةُ والأوهام، وقد تتسع عليه الضيقةُ بحيث يغرق في الكثرة غرقا تاما، فينسى الوحدة رأسا. وإن المدنيين الذين توهموا السقوطَ ترقيا، والجهلَ المركب يقينا، والانغماس التام في النوم انتباها، هم في هذه الطبقة السفلى. فهم أبعد بدرجات من البدويين من درْك الحقائق الإيمانية.
— 340 —
اعلم أن الواحدية تدل على أن الاسمَ يحيط بكل شيء، وأن الأحدية تدل على أن كلَّ شيء حيٍّ يشير إلى كل اسم له تعلّقٌ بالكون، فالتجلي بالواحدية بإحاطته بكل الأشياء، وبالأحدية بإراءة كل شيء لكل الأسماء.
اعلم أن أكثر مظاهر الجلال تجلي الأسماء على الكل والكليات والأنواع والجماعات. والجودُ المطلق في النوع من تجلي الجلال. وأن أغلب مرايا الجمال المتجلي نقوشُ جزئيات الموجودات، وجمال أشخاصها مع تزايد الحسن، وجلاء المرآتية بتلاحق الأمثال في تكثير الأفراد، والإتقان والانتظام الأجمل في شخصٍ شخصٍ من تجلي الجمال.. وكذا يظهر الجلال من تجلي الواحدية؛ ويظهر الجمال من تجلي الأحدية. وقد يتجلى الجمالُ من الجلال كما يتجلى الجلالُ من الجمال.. فما أجملَ الجلالَ في عين الجمال، وما أجملَ الجمالَ في عين الجلال!
اعلم أن شهود البصر للمصنوع المصنّع المرصّع مع عدم شهود البصيرة لصانعه ليس إلّا؛ إما لعدم البصيرة أو عماها، أو ضيقِها من عظمة تصور المسألة، أو للخذلان. وإلّا فهو [٭]: أي عدم شهود البصيرة للصانع، أي إنكار الصانع! أنكرُ من إنكار شهود البصر، كالسوفسطائي بل أشنع وأكمه. [٭]: كمه، كمها: عمى، أكمه: أكثر عمًى، وشبه بالسوفسطائي لأنه ينكر وجود الأشياء بل حتى نفسه.
اعلم أنه كما أن من زرع بذرا في مزرعة، وعمّتها حبّاتُ البذر ولو منمنمة، [٭]: منمنمة: صغيرة الحبوب. تكون المزرعةُ محميّةً له، ومصونةً من تصرف الغير بالزرع مرة أخرى، حتى كأن البذر سورٌ معنوي.. كذلك كل نوع من أنواع النباتات والحيوانات المزروعة المبثوثة في مزرعة الأرض والمنثورة المنشورة في أكثر وجهها، سورٌ يمنع الشركة، وحارسٌ يطرد الغير، وحامٍ يردّ الأوهام. فكيف بتساند المجموع، وتعاضد الجميع بتلاحق الشواهد وتعانق الأفراد؟!
اعلم أنه كما أن من يُحب أن يشاهِدَ في رياض جنته وحديقته المنتظمة صورةَ القِفار الغير المنتظمة، ومثالَ أحجارها الموحشة، وتماثيلَ اعوجاجاتها المشوشة؛ لإظهار لطافةِ تنظيماته، قد يصنع فيما بين منظومات بستانه صخورَ الكهف بتنحيتاتٍ مشوشة، فكمالُ انتظامها هنا في عدم انتظامها.
لكن يتفطن المدققُ أن تنظيمَ هذا بعدم الانتظام إنما هو بقصدِ ناظمٍ حكيم؟
كذلك إن ما يُشاهَد فيما بين المخلوقات المنظومة والمصنوعات الموزونة، من القفار
— 341 —
المختلفة الأشكال المشوشة، ومن الجبال والآكام المتفاوتة الأحجار البعيدة عن النظام؛ بدرجة تتوهم النظرةُ الحمقاء الظاهرية أنْ لعبَت بها يدُ التصادف، ما هي إلّا منتظمةٌ بعدم التنظيم، ومشوشيتُه السطحية بقصدِ صانعٍ حكيم وفاطر عليم، بشهادة إحاطة المنظومات والموزونات بها وفرشها عليها، كنظم الدرر المنظومة على نحور الجواهر المنثورة لإظهار شعشعة الصنعة المنتظمة، وكإراءة شدة الظلمة لتلك النيّرات. فانظر إلى الأشجار ذوات الأشواك، وإلى النباتات المجهزة برماح أشواكها لدفع آكل النباتات، حتى ترى انتظاما عجيبا في عدم انتظامها، ولطافةً ظريفةً في خشونتها الموحشة. ومن أمارات كون عدم الانتظام -كالانتظام- بقصدِ صانعٍ حكيم؛ عدمُ توافق شكل بعضٍ لبعضٍ بدرجةٍ كأن كل فرد من نوعٍ مستقلٍّ منحصرٌ في ذلك الشخص، مع اتحاد النوع وتآخذ أسباب التوافق. فعدم التوافق دليل عدم الاتفاقي وعدم التصادف.
اعلم أن من مزايا جامعية فطرة الإنسان، ومن مميزاته على سائر الحيوان، فهمَه لتحيّات ذوي الحياة لواهب الحياة. أي أنه كما يفهم كلامَ نفسه، يفهم بسمع الإيمان جميعَ كلمات ذوي الحياة المسبّحات، بل الجمادات. فكلٌّ منها يفهم كلامَ نفسه فقط -على ما يظهر- كمتكلّمٍ أصمَّ من هذه الجهة. وأما الإنسان فمتكلمٌ سميعٌ يسمع في وسعة البصر، أي يمكن له أن يسمعَ في وقتٍ بلا مزاحمةٍ ما تتكلم به الموجودات من أدلّات الأسماء الحسنى. فقيمة كلٍّ منها بمقدار نفسه؛ وقيمة الإنسان المؤمن بمقدار الكل. فهو فردٌ كنوعٍ، بل كأنواع.. واللّٰه أعلم بالصواب..
اعلم أن الحقيقةَ تشبه الظاهر في الصورة، مع عظمة بُعْدِ ما بينهما في نفس الأمر. مثلا: التوحيد العامي الظاهري يَثْبُتُ بأن لا يُثبَتَ ولا يُسنَد شيءٌ من الأشياء إلى غيره تعالى، وهذا النفي سهل بسيط. وأما التوحيد لأهل الحقيقة فإنما يَثْبُتُ بأن يُثْبِتَ كلَّ شيء مما يشاهَد من الأشياء ويسندَه إليه سبحانه، ويرى فيه سكّته ويقرأ عليه خاتمه جلّ جلاله. وهذا الإثبات يُثبت الحضورَ وينافي الغفلة.
اعلم أن من حكمة إمهال الكافر المتوجّه بالمعنى الاسمي والقصد الذاتي إلى هذه الحياة الدنيوية؛ خدمتَه لتظاهر ألوان نعَمه تعالى الحاصلة بالتركيب الصُّنعي، وإن لم يشعر هو..
— 342 —
وكذا تنظيمُه لمحاسنِ جميلاتِ مصنوعاته تعالى، وإن لم يفهم هو.. وكذا تشهيره -بطرزٍ جالبٍ للنظر- لغرائب صنعته سبحانه، وإن لم يتفطن هو.. كالساعة تعلّمُك عدد الساعات وهي لا تعلم ما تعمل هي.
اعلم أنه يمكن أن يذهبَ الموفَّق من الظاهر إلى الحقيقة بلا مرور على برزخ الطريقة؛ وقد رأيتُ من القرآن طريقا إلى الحقيقة بدون الطريقة، أي المشهورة. وكذا رأيت طريقا موصلا إلى العلوم المقصودة بدون المرور على برزخ العلوم الآلية.. نعم، ومن شأن الرحمة الحاكمة أن تُحسِن لأبناء هذا الزمان -السريعِ السيرِ- طريقا هكذا قصيرا سليما.
اعلم أنه كما أن وجودَ الشيء وحياتَه برهانٌ باهر على وجوب وجود موجده وصفاته، وآيةٌ نيّرة على أنه وحده، أي له كل شيء، وحجةٌ قاطعة لأيدي الأسباب.. كذلك فناءُ الشيء وموته في تجدد الأمثال برهانٌ ظاهر على بقاء المبدئ المعيد الوارث الباعث، ودليلٌ واضح على أنه لا شريك له -أي ليس لشيءٍ من الأشياء شيءٌ من الأشياء من جهة الخلق والإيجاد- وحجة قاطعة لأيدي أنفُس الأشياء من التأثير في أنفُسها.
الحاصل: أن الحياة تقول: "لا إله إلّا هو وحده"، وتردّ الأسبابَ.. وأن الموتَ يقول: "لا إله إلَّا هو لا شريك له"، ويردّ الأنفس.
اعلم أن من وظائف حياة الإنسان؛ شهودَه لتحيات ذوي الحياة لواهب الحياة. ثم الشهادةَ عليها، أي يشاهِد عبادةَ الكل فيشهَدُ عليها ويُعلنها كأنه ممثلُ الكلِّ ولسانُهم، يخبر الكلَّ بعمل الكلِّ في الإعلان لدى سيدهم.
اعلم أن القرآن والمنیزَل عليه القرآنُ يبحثان عن مسائلَ عظيمة، ويثبتان حقائقَ جسيمةً. ويبنيان أساساتٍ واسعةً؛ كأمثال إثبات وحدانية مَنْ يطوي السَّیماء
﴿ كَطَيّ السِجل لِلكُتُبِ ﴾
(الأنبياء:١٠٤)..
﴿ والارضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه ﴾
(الزمر:٦٧)..
﴿ ومَا امْرُ السَّاعة الاَّ كَلَمْحِ البَصَرٍ ﴾
(النحل:٧٧) بالنسبة إليه. و
﴿ وتُسَبحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والارضُ ومَنْ فيهن ﴾
(الإسراء:٤٤) و
﴿ خَلَقَ السَّمَواتِ والارْضَ في سِتَةِ اَيَّامِ ﴾
(الأعراف:٥٤)..
﴿ ويُحْيي الارْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾
(الروم:١٩) ويحشر في تلك الأحياء أزيد من ثلاثمائة ألف حشر ونشر وقيامات، بإحياء أنواع النباتات والحيوانات،
— 343 —
وكتابتِها على صحيفة الأرض في نهاية الاختلاط والاشتباك، مع غاية التمييز بلا خبط ولا غلط. مع أنّ حشر واحد من تلك القيامات المشهودة ليس بأهونَ من حشر طائفة الإنسان، إذ يزيد عددُ طائفةٍ واحدة من طوائف الذباب الذي يوجد في عمر سنة على عدد الإنسان في عمر الدنيا. وكذا يقولان:
اللّٰه خالِقُ كُلّ شَئٍ وهُوَ عَلى كُلِّ شَئٍ وكيل ٭ له مَقَاليدُ السَّمییوات والارْض
(الزمر:٦٢- ٦٣) و
﴿ خلَقَكُم وَما تَعْملُونَ ﴾
(الصافات:٩٦)..
﴿ وأعدّ للكافرينَ عذاباً أليماً ﴾
(الأحزاب:٨) ويقولان:
﴿ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شراً يَرَهُ ﴾
(الزلزلة:٨).. وهكذا من عظائم المسائل المبرهنة المهمة، فليس نظرُهما في الكائنات كنظر الفنون الفلسفية والعقول الإنسانية، بل مَثَلُهما كمثل من يعرّفك صنعةً لتعريف صانعه، والمصنوعُ في قبضته يقلّبه، ويريك باطنَه وصحائفه وتلافيفَه وغاياتِ جهازاته عند صانعه، ويعلّمك كتابا بمعانيه وإشاراته.. ومَثلُ الإنسان وفلسفته كمثل من يعرّفك مصنوعا بعيدا من يدكما [٭]: أي بعيدا عن يد الإنسان وفلسفته. ومن فهمكما -وإنما يصل نظركما إلى سطحه ولا ينفذ إلى باطنه- فيلقمك مسائلَ سطحيةً كوساوسَ شطحيّةٍ لا تسمن ولا تغني، وكمثل أجنبي أعجمي لا يعرف من العربية كلمةً، لكن له معرفة بمناسبات النقوش والصور، فشرع يعلمك كتابَ الفصوص المذهّب ببيان مناسبات نقوش الحروف، وكيفية صورها ووضعية بعض إلى بعضٍ. وهكذا، من سفاسفَ واهيةٍ صورية.
فإذا كان هذا هكذا؛ فلا تجعلْ مقاييسَ العلوم الإنسانية محكّا لحقائقهما، [٭]: أي القرآن والمنیزل عليه القرآن (ص). وتفصيل هذه المسائل في "الكلمة الثانية عشرة". ولا تزنهما بميزانها؛ إذ لا توزَن الجبالُ الراسيات بميزان الجواهر النادرات، ولا تَطلب تزكيتَهما بها بجعل دساتيرها الأرضية مصداقا على تلك النواميس السماوية. فلا تظنن التزلزلَ بتحريك الأهواء الضالة لبعض التفرعات الجزئية، فأهمية الشيء بقدر قيمته.
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في "الكلمة الحادية والعشرين". أيها المصاب ببليةٍ دامت من مدة! لا توزّع من جنود صبرك وقوّته، في مقابلة ما مضى إلى يومك هذا، بل إلى ساعتك هذه ؛ إذ التحقتْ تلك الأيامُ الأليمة الخالية إلى صف جنودك بانقلابها لذائذ معنوية وحسناتٍ أخروية. وكذا لا توزِّع من صبرك في مقابلة ما يأتي بعد يومك هذا، بل ساعتِك هذه. إذ هو عدمٌ ومعدومٌ وفي يد المشيئة. فأجمِع جميعَ قوة صبرك وجنودِه على هذا اليوم، وفي هذه الساعة، مع تقوّي قوتك المعنوية بالتحاق جنود
— 344 —
البلايا الأعداء إلى جنودك بانقلابها أحبابا ممدّةً، مع الاستمداد من التوكل على المالك الكريم الرحيم الحكيم في مقابلة ما يأتي. فإذا فعلت هكذا، يكفي أضعفُ صبرك لأعظم مصيبتك.
اعلم أنه كثيرا ما يُتوهَّم -بقصور الفهم- ما هو من منابع الحقيقة ومعادن الحق أنه من مخايل المبالغة ومظانّ المجازفة.
مثلا: روي: "لو وزنت الدنيا عند اللّٰه جناح بعوضة، ما شرب الكافرُ منها جرعة ماء" [٭]: الترمذي، الزهد ١٣؛ ابن ماجه، الزهد ٣؛ الحاكم، المستدرك ٤/٣٤١. أو كما قال.. المراد لا يساوي ما تمثّل في مرآة حياتك الفانية ووُسعة عمرك الزائل من هذه الدنيا الخارجية، مقدارَ جناح بعوضة من عالم البقاء. كما أن حبةً باقيةً بالتنبّت تُرجَّح على بيدر من تبنٍ يفنى بالتفتت.. فلكلِّ أحدٍ من هذه الدنيا -التي هي مظاهرُ الأسماء الحسنى ومزرعةُ الآخرة- دنيا، فإنْ نظر إلى دنياه بالمعنى الحرفي، واستعملها للباقي كانت لها قيمة عظيمة؛ وإلّا -فلفنائها- لا توازي ذرةً باقية، وقس عليها بعضَ ما ورد في ثواب بعض الأذكار مما لا يجري في مقاييس العقل.
اعلم أن مما يدل على أن دستورَ الحياة هو التعاونُ دون الجدال -كما توهمَتْه الفلاسفة الضالة المضلة- عدمَ مقاومة التراب الصلب ولا الحجر الصلد لسيَران لطائف رقائق عروق النباتات اللينة اللطيفة، بل يشق الحجرُ قلبَه القاسي بتماسِّ حريرِ أصابعِ بناتِ النبات، ويفتح الترابُ صدرَه المصمّتَ لسرَيان رائد النباتات.
نعم، تجاوبُ أعضاء الكائنات بشمسها وقمرها لمنفعة الحيوانات، وتسارعُ النباتات لإمداد أرزاق الحيوانات، وتسابقُ مواد الأغذية لترزيق الثمرات، وتزيّنُ الثمرات لجلب أنظار المرتزقات، وتعاون الذرات في الإمداد لغذاء حجيرات البدن؛ دليلٌ قاطع ساطع على أن الدستور العام هو التعاونُ وما الجدال إلَّا دستورٌ جزئي بين قسم من الحيوانات الظالمة.
اعلم أن مِن أظهر براهين التوحيد، السهولةَ المطلقةَ المشهودة. مع أن في الشركة يستلزم كلُّ شيء -لاسيما حي- كلَّ ما يلزم للكل. ففي كل فرد من الكلفة كلفةُ ما في الكون، لاستلزام الفرد في الانفراد كلَّ كلفة الكل، كميةً.
اعلمي أيتها النفس الأمارة! أنكِ متهَمةٌ في أحسن مطالبك؛ إذ قد تشتاقين إلى أمور
— 345 —
الآخرة، لكن بالمعنى الحرفي، أي لئلا تتنغصَ الدنيا عليكِ بفنائها، فشوقُ الآخرة للتسلي من ألَم الفناء. فأُفّا وتُفا [٭]: الأف: وسخ الأذن. والتف وسخ الأظفار، ثم استعمل ذلك عند كل شيء يضجر منه. قاله الأصمعي. لهمّتكِ الدنية، كيف تُصيّر السلطان الدائمي خادما لحقير دنىٍ زائل؟ وتعمل خانا لسكن بعض الحيوانات في ليلة، بعَمَد مرصعةٍ بالجواهر تأخذُها من تحت قصرٍ سلطاني مستمرٍّ.. [٭]: أي كيف تهونين من شأن الآخرة، فتجعلينها في خدمة الدنيا.. فإنك تبنين عمارة مؤقتة لنیزول بعض الدواب -الشهوات- بما تسرقينه من أعمدة مذهّبة لقصر سلطان في الآخرة! فتخربين القصر على رأسكِ، وتأكلين ثمرات الجنة الباقية قبل بدُوّ صلاحها في هذا البستان الكاذب.
اعلمي أيتها النفس العاشقةُ لنفسها، المستندةُ على ظهور وجودها! أنك اكتفيتِ بقطرة سراب [٭]: المقصود الحياة الدنيا كما سيأتي. عن بحر ماء الحياة، وبلمعةٍ ضعيفةٍ في ليلةٍ مدلهمّة عن الشمس في رابعة النهار.
أما ظهورُ وجودِك بالنسبة إلى ظهور وجود فاطرك؛ فكنسبة عدد نفسِك الواحدة، إلى ضرب جميع الموجودات في ذراتها. إذ نفسُك تدل على وجود نفسك بوجه واحد، وبمقدار جرمك.. وتدل على وجود موجِدها بوجوه لا تعد، مع دلالة كل من الموجودات على ظهور وجود موجِدك بوجوهٍ لا تعد أيضا إفرادا وتركيبا، فلابد أن يكون ظهورُ وجوده عندك أظهرَ من وجودكِ بدرجةِ أعظميةِ العالم على صغرك.
وأما حبُّك لنفسك، لأنها مخزنُ لذّتك ومركزُ وجودك ومعدنُ نفعك وأقربُ إليك. فقد التبس عليك ظل الظليل الزائل، بأصل الأصيل الكامل. فإن تحبَّ نفسَك لِلذةٍ زائلة؛ فلابد أن تحبَّ من يفيدك لذائذَ باقيةً بلا نهاية، ويفيضُ على جميع من تلتذ بسعاداتهم لذائذَ تُسعِدُهم.
وإن كانت نفسُك مركزَ وجودك؛ فربُّك موجِدكَ، وقيّومُ وجودك مع وجودات كل من لك علاقة بوجودهم.
وإن كانت نفسك معدنَ نفعك؛ فرازقُك هو الذي بيده الخيرُ كله، وهو النافع الباقي، وعنده نفعُك ونفعُ كلِّ مَن لك نفعٌ في نفعهم.
وإن كانت نفسُك أقربَ إليك؛ ففاطرُها أقربُ منها إليها، إذ تصل يدُه منها إلى ما لا تصل يدُها ولا شعورُها ولا حبُّها إلى ذلك الشيء الذي هو في بحبوحة نفسها، فلابد أن تجتمع
— 346 —
جميعُ المحبات المنقسمةِ على جميع الموجودات مع محبتك لنفسك فتهديها إلى جناب المحبوب الحقيقي.
اعلم أن مما يحجُبك عن اللّٰه ويبقيك في الغفلة؛ انحصارَ نظرك الجزئي على الجزء والجزئي، فيجوِّز صدورَه بالتصادف عن الأسباب الواهية. وأما إذا رفع رأسه ومدّ نظره إلى الكل والكلي، لا يجوّز صدورَ أدنى شيء من أعظم الأسباب.
مثلا: يمكنك أن تسند رزقَك الجزئي إلى بعض الأسباب، ثم إذا نظرتَ إلى خلو الأرض وفقرها في الشتاء، ثم امتلائها متبرّجةً متزينة بالأرزاق التي طبختها القدرةُ في مراجل الأشجار وجفان الجنان، تيقنتَ أنه لا يمكن أن يكون رازقك إلّا من يرزق كل حي بإحياء الأرض بعد موتها.
ومثلا: يمكنك أن تسندَ ضياءك الجزئي المادي، ونورَك المخصوص المعنوي إلى بعض الأسباب الظاهرية فتقول:
﴿ انّمَا اوتُيتُهُ عَلى علمْ ﴾
(القصص:٧٨) ثم إذا نظرت إلى اتصال ضيائك بنور النهار، واتصالِ نورِ قلبك بضياء منبع الأنوار، تيقنتَ أنه لا يقتدر على إضاءة قالبك، وتنوير قلبك حقيقةً إلّا من يُقلِّبُ الليلَ والنهار بتحريك السيارات والأقمار. يضلّ من يشاء من الفجار ويهدي من يشاء من الأبرار بتنیزيل التنیزيل للاعتبار والاختبار.
اعلم أيها الإنسان أمامك مسائلُ عظيمةٌ هائلة، تُجبر كلَّ ذي شعور على الاهتمام بها!
منها "الموت" الذي هو فراقُك عن كلِّ محبوباتك من الدنيا وما فيها.. ومنها "السفر" إلى أبد الآباد في أهوال دهاشة.. ومنها "عجزُك" الغير المعدود في "فقرك" الغير المحدود في سفرك الغير المحصور في عمر معدودٍ محدود، وهكذا..
فما بالك تناسيتَ وتعاميتَ عنها -كطير الإبل- أي "النعامة" يخفي رأسه في الرمل، ويغمض عينه لئلا يراه الصيادُ.. إلى كم تهتم بالقطرات الزائلة، ولا تبالي بالبحور الدهاشة!
اعلم أني أحمد اللّٰه على أن فتح لي أعاظمَ مسائلِ هذه الكائنات بمسألة من النحو، هي الفرق بين "المعنى الحرفي والاسمي"، أي هذه الموجودات كلماتٌ دالات على معانٍ في غيرها، أي مكتوباتٌ ربّانية تالياتٌ للأسماء الحسنى، لا اسمية حتى تدل على معنى في نفسها لذاتها..
— 347 —
فما تفرَّع من الوجه الأول؛ علمٌ وإيمانٌ وحكمةٌ. ومن الوجه الثاني؛ جهلٌ مركبٌ، وكفرانٌ مرجَّب، [٭]: المرجب: الذي جعل له رُجْبة وهي دعامة من الأحجار تدعم بها النخلة (مجمع الأمثال ١/ ٣٢). وفلسفة مذهّبة.
وكذا أشكره على أنْ فتح لي مسألةً جسيمةً من أعاظم مسائل الربوبية بمسألة من المنطق، وهي الفرق بين "الكلي ذي الجزئي، والكل ذي الجزء"، فتجلي الجمالِ والأحدية كالأول.. وتجلي الجلالِ والواحدية كالثاني.. وتجلي الكمال والكبرياء جمع الجمع.. أي جمال في عين الجلال كالكلّي في عين الكل، والجزئي في عين الجزء.
اعلم أن الدنيا فهرستةُ الآخرة؛ فيها إشارات إلى مسائلها المهمة، منها الذوقُ في الرزق الجسماني. فالذي أدرج في وجودك حواسَّ وحسياتٍ، وجوارحَ وجهازات، وأعضاءَ وآلات لإحساس جميع أنواع نِعمه الجسمانية، ولإذاقة أقسام جلوات أسمائه المتجلية على الجسمانيات، في هذه الدار الزائلة الذليلة التي ليست لذيذةً ولا للَذةٍ.. يشير بهذا الصُّنع الحكيم، إلى أن صاحب الإحساس والإذاقة، [٭]: أي الذي وهب هذا الإحساس والتذوق. أعدّ لضيوف عباده ضيافةً جسمانيةً أيضا لائقة بالأبدية في قصورٍ
﴿ تَجري مِنْ تَحْتِها الانْهَارُ خَالِدينَ فيها ابَدَاً ﴾
(المائدة:١١٩).
اعلم [٭]: الغصن الخامس من "الكلمة الرابعة والعشرين" يفصل هذه الخاطرة. أيها السعيد العاجز الخائف! أن الخوفَ والمحبة إذا توجّها إلى الخلق، صار الخوفُ بليةً أليمةً، وصارت المحبةُ مصيبةً منغّصةً ؛ إذ تخاف من لا يرحمُك أو لا يسمع استرحامَك. وتُحبُّ من لا يعرفك. أو يحقّرك لمحبتك، أو لا يرافقك، بل يفارقك على رغمك.. فاصرفْهما من الدنيا وما فيها إلى فاطرك الكريم وخالقك الرحيم، ليصير خوفُك تذلّلا لذيذا بالالتجاء إلى صدر الرحمة كتلذذ الطفل بالتخوّف الذي يجبره إلى الانضمام إلى صدر أمه الشفيقة، وتصير محبتُك سعادةً أبديةً لا تزول ولا تُذِلّ، لا إثم ولا ألم..
اعلم أيها الإنسان! أنك ثمرةٌ أو نواةٌ لشجرة الخلقة، فبجسمانيتك أنت جزءٌ صغير ضعيف، عاجز ذليل، مقيّد محدود. لكن الصانعَ الحكيم رقّاك بلطيف صُنعه من الجزء الجزئي، إلى الكل الكلي.. فبإدراج الحياة في جسمك أطلقكَ من قيد الجزئية في الجملة، بجولان جواسيسِ حواسِّك المنبسطة على عالم الشهادة لجلب أغذيتهم المعنوية.. ثم بإعطاء الإنسانية
— 348 —
جعلك كالكل بالقوة (كالنواة).. ثم بإحسان الإسلامية والإيمان، جعلك كالكلي بالقوة.. ثم بإنعام معرفته ومحبته صيّرك كالنور المحيط، فاختر ما شئت.. فإن أخلدتَ إلى الأرض واللذائذ الجسمانية؛ صرتَ جزءا جزئيا، عاجزا، ذليلا. وإن استعملت جهازات حياتك بحساب الإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية؛ صرت كالكل الكلي والسراج المركزي.
اعلم يا من يحب الموجودات الدنيويةَ التي لا تصل إليها إلّا بمقدار جِرْمك، ومساعدة قيدك. فتتألم بسائر الفراقات الأليمة، جزاءً لصرفك المحبةَ في غير محلها.. إن أحببتَ الواحدَ الأحدَ، وتوجّهتَ بحسابه وباسمه وبإذنه وبنظره وبحَوله، تنیزّهتَ بالجميع معا في آنٍ بلا فراق ولا ألم. كمثل من ينتسب لسلطان له مع كل جزء من مملكته ارتباط، يسمع ويبصر كل ما يجري في كل مكان ومن كل مكين، كأنه هو في كلٍّ وعند كلٍّ، فيسمع ذلك الخادم بسمعِ سيدِه، ويبصرُ ببصره بواسطة آلات المخابرة والمشاهدة لذيذات النغمات وجميلات الصور الموجودات في محلّ سلطنة بعيدةٍ.
اعلم [٭]: تراجع الرشحة العاشرة من "الكلمة التاسعة عشرة". يا من يشتاق إلى معرفة أخبار أمثال القمر، بحيث لو قيل لك: إن أفديتَ نصفَ عمرك؛ لنیزل أحدٌ من القمر وأخبرك بأن في القمر كذا وكذا، وأخبرك بحقيقة استقبالك، لفديت بلا تأسف.. أنه جاء أحدٌ يخبرك أخبار مَن ليس القمرُ إلّا كذباب يطير حول فَراشٍ، يطيرُ هو حول سراجٍ من قناديلِ سقف بيته الذي أعدّه لعبيده المسافرين.. وكذا يخبرك بأخبار الأزل والأبد، والحياة الأبدية، والحقائق الأساسية، والمسائل العظيمة التي أصغرُها أعظمُ من انفلاق الأرض مع القمر. فإن شئتَ فاستمع إلى سورةِ اذا الشَّمْسُ كوِّرَتْ وإلى اذا السَّماءُ انفَطَرتْ وأمثالِها.. وكذا يريك سبيلا سويا إلى الوحدة، يُنجيك من التشتت في ضلالات الكثرة الموحشة، ويمد إلى يدك العروة الوثقى وسلسلة عرشية تنقذ من استمسك بها من الغرق في ظلمات الممكنات المشتتة، ويَسقيك من عين الإيمان بالحياة الأبدية ماء الحياة، لتخلِّصك من الاحتراق بنار الفراق من جميع ما تحبه على الإطلاق.. وكذا يخبرك بمرضيات خالقك الذي الشمسُ والقمرُ والنجوم مسخَّرات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه وبمطالبه منك.. وكذا صار ترجمانا لمخابرة سلطان الأزل والأبد الذي لا نهاية لقدرته وغَنَائه، وبمكالمته معك أيها العاجز بلا نهاية، والفقير بلا غاية.
— 349 —
فمع كل ذلك كيف لا تترك نفسَك لفهم هدى القرآن؟ ولا تنسَى هَوسكَ لاستماع رسول الرحمن؟ وكيف لا تستقبل رسولَه بالتسليم والإيمان؟ وكيف لا تشتاق إلى السلام عليه بالصلاة والسلام؟ وكيف لا تحتاج إلى الاستخبار منه ما يطلبه سيدُنا الحنّان ومالكُنا المنّان جلّ جلالُه؟
اعلم أننا نرى الصانعَ الحكيم بكمال حكمته، وعدم العبثية في صنعه وعدم التضييع، يَنسج من الأشياء الحقيرة الصغيرة القصيرة الأعمار، منسوجاتٍ جسيمةً غالية عالية دائمة، لاسيما في نسج النباتات.. وكذا -بسرّ عدم العبثية مطلقا وعدم الإسراف- يوظّف الفردَ الواحد من الآلات والجهازات بوظائفَ كثيرة متنوعة، لاسيما في رأس الإنسان. فلو انفرد لكل وظيفة من الوظائف المكلفة بها ما في رأسك مقدار خردلة، للزم أن يكون رأسك كجبل الطور في الكبر ليسع أصحاب الوظائف. ألاَ ترى اللسان -مع سائر وظائفه العظيمة- مفتشٌ [٭]: بمعنى ناظر أو مشرف. لمدخرات خزينة الرحمن، ولجميع المطعومات المطبوخة في مطبخ القدرة. فله وظائف بعدد تنوع أذواق المطعومات، وقس. أفلا تشير هذه الفعاليةُ الحكيمةُ إلى أن ذلك الصانعَ يجوز -بل يجب- أن يَنسجَ من الأشياء السيالة السريعة في سيل الزمان، ومن الأيام الميتة والأعوام الماضية والأعصار الخالية نسائجَ غيبيةً، ومنسوجاتٍ أخرويةً بمكوك الليل والنهار والشمس والقمر في اختلاف الملوين، [٭]: أي الليل والنهار. الواحد: ملا. وتحوّل الفصول؟ كما نسج في الإنسان الذي هو فهرستةُ العالم ما يؤيد هذا، إذ يُبقي دقائقَ حياته الماضية الفانية بين منسوجات حافظته ومكتوباتها، فيكون الفناءُ والموت في هذه الشهادة الضيقة، انتقالا باقيا وبقاءً صافيا في دوائرِ عوالمِ الغيب. وقد نسمع من منابع الوحي "أن دقائق عمر الإنسان تعود إليه"؛ فإما مظلمةٌ بالغفلات والسيئآت، وإما مضيئةٌ بمصابيح الحسنات المعلقة في حلقات الدقائق.
اعلم أن من حكمة تفنن الصانع الجميل الحكيم في تصوير الأفراد صغيرا وكبيرا كما في الحيوان لاسيما فيما يطير بجناحَيه، وفي السمك وفي المَلَك وفي العوالم في الجملة، من الذرات إلى الشموس، بجعل الصغير مثالا مصغرا للكبير.. لُطفَ الإرشاد، وتسهيلَ التفكّر، وتيسيرَ قراءةِ مكتوباتِ القدرة، وإظهارَ كمال القدرة،
وإبرازَ نوعي الصنعة الجمالية والجلالية، إذ من
— 350 —
أسباب المجهولية الدقةُ والخفاءُ، فيزيلهما بوضوحِ حروف الكبير. وكذا من أسباب المجهولية الوسعةُ والعظمة، فلا يحيط بها النظر ولا يضبطها الفَهم فيزيلهما بتقارب حروف الصغير. وأما النفسُ الأمارة المتتلمذة عند الشيطان فتظن صغرَ الجسم سببَ صغر الصنعة، فتجوِّز صدورَها من أسباب صمٍّ عُميٍ، وتدّعى في الكبير المنبسط عدم الكتابة بالحكمة، ووجودَ العبثية والتصادف..
اعلم [٭]: هذه المسألة الدقيقة "حكمة تعدد الغايات" توضحها حاشية الحقيقة السادسة من "الكلمة العاشرة - رسالة الحشر". أنه إن قيل: إن الجودَ المطلق والرزقَ بلا حساب يلائمان العبثيةَ، وينافيان الحكمة من جهة؟ يقال له: نعم، إن انحصرت الغايةُ في الواحدة مع أن لكل شيء لا سيما حيّ، غاياتٍ متعددةً وثمرات متنوعة ووظائفَ مختلفة. ألا ترى أن للسانك وظائفَ بعدد شعر رأسك؟ فالجود باعتبارٍ غايةٌ بلا حساب وباعتبارٍ وظيفةٌ لا ينافي الحكمة والعدالة في وجوده الناظر إلى مجموع الغايات والوظائف، كالعسكر المستخدَم في تعقيب ذي جناية أو في حماية قافلة مثلا. ففي العسكر كثرةُ وجود بلا حساب بالنسبة إلى أمثال هذه الخدمات الجزئية مع القلة والمساواة لما يلزم لحفظ الثغور والحدود وسائر الغايات..
اعلم أنه يمكن أن يتصوَّرَ الإنسانُ خلف أثره وصنعته الجزئية، ولا يمكن في مصنوع الصانع الأزلي إلّا من خلف سبعين ألف حجاب خلف ذلك المصنوع الجزئي. ولو أمكن لك أن تنظر إلى مجموع مصنوعاته دفعةً؛ لارتفعت الحُجبُ الظلمانيةُ، وبقيت الحُجبُ النورانية. فالطريق الأقرب في نفسك، لا في الآفاق إلاّ بالعشق السديد.
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في الثمرة الثانية من الغصن الخامس للكلمة الرابعة والعشرين. أن أغلبَ مَن له نسلٌ من الحيوانات والنباتات ينوى كلُّ فرد -من الأغلب- الاستيلاءَ على وجه الأرض، ويريد التسلطَ عليها ليتخذَها مسجدا خالصا لنفسه يَعبُد بإظهار أسماء فاطره، في كل جزءٍ منها عبادةً غير متناهية لخالقها الذي لا نهاية للياقته للعبادة. فإن شئتَ فانظر إلى البطيخ ونواتاته، والشجر والنواتات في ثمراته، والسمك وبيضاتُه، والطير وبيضاته، إلاّ أنّ ضيقَ عالَم الشهادة وإحاطةَ علم عالم الغيب والشهادة بما كان، وبما يكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون.. اقتضيا قبولَ عباداتها بالقوة، [٭]: حتیى ولو لم تخرج بعدُ إلى طور الفعل. ونياتها المندمجة في بذورها.
— 351 —
اعلم أن ذكر القرآن لبعض الغايات الراجعة إلى الإنسان إنما هو للإخطار [٭]: للتنبيه. لا للانحصار. أي لتوجيه نظره إلى الدقة في فوائد نظام ذلك الشيء ذي الغاية، وفي انتظامه الدال على أسماء صانعه؛ إذ الإنسان إنما يهتم بما له علاقةٌ ما به، فيرجّح ذرةً ما إليه على شمس ليست إليه.. مثلا:
﴿ وَالْقَمَر قَدَّرْناهُ مَنَازِلَ ﴾
(يس:٣٩)
﴿ لِتَعْلَموا عَدَدَ السنّينَ وَالْحِسابَ ﴾
(يونس:٥) هذه غايةٌ من ألوف غايات تقدير القمر، وليس المراد الانحصار، أي إنما خُلق ذلك لهذا، بل إن هذا المشهود لكم من ثمرات ذاك.
اعلم أن من سكّته التي لا تُقلَّد، ومن خاتَمه الذي يختص به، ومن أبهر براهين التوحيد في قدرة غير متناهية، وعلمٍ لا يتناهى في تصرفٍ مطلق، في إتقان مطلق، في سهولةٍ مطلقةٍ.. خلقُ أشياء مختلفات لا تُعد، من شيء واحد بسيط، كالنباتات بأشتاتها من التراب وكمختلفات أعضاء الحيوان دما لحما عظما وغيرها من غذاءٍ بسيط.. وكذا خلقُ الواحد من أنواعٍ متباينة لا تحصى كجسد الإنسان -مثلا- من مطعوماته الغير المحصورة..
فسبحان مَن هو القدير على أن يجعل شيئا كلَّ شيءٍ، ويجعلَ كلَّ شيء شيئا.
اعلم أن في اَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (الواقعة:٦٤) سر عظيم ومثل عظيم! [٭]: الأظهر: سرًّا عظيما ومثلا عظيما. إذ كما أنك تَحفظ من التفتت والضياع بعضَ البذور وتدّخرها ثم تزرعها في مزرعتك.. كذلك إن الوارثَ الباعث الحفيظ الذي يحيي الأرضَ بعد موتها يكتب ثمرات أعمال جميع النباتات فيرثُها حافظا لها، ثم يزرعها منثورةً بحكمة توزيعٍ وانتظام تقسيم بإطارة بعض البذور إلى الأطراف لا مجتمعةً خلف أصلها فقط، ثم ينشر أوراقَها وأزهارها حتى يصير نظيرَ:
﴿ وَاِذا الصّحُفُ نُشِرَتْ ﴾
(التكوير:١٠). فانظر من شدة اهتمامك حتى تقتدرَ على حفظ بعض البذور، إلى كمالِ حفيظيةِ الحفيظ المطلق في محافظةِ ما لا يعد من الصُّنَيدقات اللطيفة المتضمنة لفهرستات أمهاتها المعيّنة بمسطر القدر، من مغيّرات ومُفسدات لا تحد في انقلابات لا تُعد، مع نهاية التمييز في نهاية الاختلاط. فهذا الحفظ لا يخليك غاربك على عنقك [٭]: لعله: حبلك على غاربك. تفعل ما تشاء ثم تموت وتستريح..
﴿ اَيَحْسَبُ الانسانُ اَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
(القيامة:٣٦) كلا ليحاسَبنّ على النقير والقطمير.
— 352 —
اعلم أن من وظائف الحياة الإنسانية فهمَ الإنسان بمقياسيةِ جزئياتِ صفاته وشؤونه وشؤون أبناء نوعه أو جنسه لصفات فاطره وشؤونه، وأما فهمُ عظائم شؤونه الحشرية والأخروية وكلياتِ أفعاله في القيامة وإحياء الأموات؛ فتحتاج لفهمها بالإذعان إلى جعل الفاعلية في الحشر الربيعي والقيامة الخريفية قياسا لشؤونه في القيامة الكبرى. انظر إلى الربيع لترى فيه تنظيرا -كتفسيرٍ- لأمثالِ اِذَا الشَّمْسُ كوِّرَتْ (التكوير:١).
اعلم أن من عظمة إحاطة الإسلامية امتدادَ أساسات جدرانها من أعلى عليي كليات صفات ذي العرش، ومسائل خلق العرش والسماوات والأرض وملائكتها، إلى جزئيات خطراتِ القلب، مع امتلاء ما بينهما بدساتيرَ محكمةٍ رصينةٍ.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ فَلاَ تَغُرَّنّكُمُ الْحَيوةُ الدّنْيَا ولا يَغُرنّكم باللّٰه الغَروُر ﴾
(لقمان:٣٣)
اعلم [٭]: الدرس الثالث من رسالة "المدخل إلى النور". يا من يدعو المسلمين إلى الحياة الدنيوية التي هي لعِب في نوم ولهو، ويشوّقهم للخروج من دائرة ما أحلّه اللّٰه من الطيبات الكافية "لكيفهم"، [٭]: لمسرّاتهم البريئة المباحة شرعا. إلى الدخول في دائرة ما حرَّمه من الخبيثات المنغّصة التي تجبرهم على ترك بعض شعائر دينهم أو ترك دينهم.. إن مثَلَك معهم [٭]: جاء هذا المثال بوضوح تام في الكلمة السابعة. كمثل سكران بسُكر لا يميّز بين الأسد المفترس والفرس المؤنس، ولا يفرق بين آلة الصَّلب وآلة لعب الصبيان من الحبل المتحرك في الهواء؛ ولا يعرف الجرحَ المبرّح من الورد المفرّح، بل يظن الأسدَ فرسا، وآلةَ الصلب حبلَ اللعب، والجرحَ المقشعر الوردَ المحمرّ. ومع ذلك يظن نفسه مرشدا مصلحا.. فجاء إلى رجل هو في وضعيةٍ مدهشة؛ إذ خلف هذا الرجل أسدٌ عجيب متهيئ للهجوم في كل آن، وقدامَ الرجل آلة الصلب قد نُصِبتْ، وفي جنبيه جرحةٌ عميقة قد انفرجت، وقرحةٌ مزعجة قد انفجرت.. وفي يديه علاجان إذا استعملهما، انقلب -بإذن اللّٰه- الجرحان وردَين محمرّين. وفي لسانه وقلبه طلسمان إذا استعملهما انقلب
— 353 —
-بأمر اللّٰه الأسدُ- فرسا يركبه إلى حضور سيده الكريم الذي يدعوه إلى دار السلام يضيّفه. وانقلب حبلُ الفراقِ والصلب المتدلي من شجر الزوال والفناء بلطف اللّٰه آلةَ السير والتنیزّه، والمرور بالاهتزاز على المناظر السيالة المتجددة وعلى المرايا الجوالة المتبدلة، لازدياد لذةِ تجددِ تجليات الجمال المجرد الدائم التجلي والظهور، على مرّ الفصول والعصور والدهور، ولازدياد اللذةِ في تجدّد صوَر الإنعام والنِّعم على مرِّ الأنام والأيام والأعوام. ثم يقول ذلك السكران الذي هو أيضا في مثل تلك الوضعية، لذلك الرجل: اترُك الطلسمَين واطرح العلاجين وتعال نَلْهُ ونلعبْ ونرقص ونطرب!
فيقول له الرجل: يكفي لكيفي ما يساعده حِرز الطلسمين وحفظ العلاجين، ولا يمكن اللذة والسعادة في ما عداه، إن أمكن لك أن تقتل أسدَ الموت الذي "لا يموت إلا في الجنة".. [٭]: عن أبى سعيد الخدري رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُون: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم،ْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآه،ُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأ: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) (مريم:٣٩) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا". (رواه البخاري في تفسير هذه الآية، ورواه مسلم برقم ٢٨٤٩). (يشرئبون: يَمُدُّونَ أَعْنَاقهمْ يَنْظُرُونَ). وأن ترفع هذه الآلة المسمَّرة في الأرض إلى الثرى بحكم حاكم الأرض، أي تزيل آلةَ الزوال بتبديل الأرض غير الأرض.. وأن تشفيَ من هذا الجرح المستولى على كلِّية حياتي، بتبديل حياتي العاجزة الفانية حياةً باقيةً قادرة على الإطلاق وأن تُبرئ هذه القرحة المحيطة بكلية ذاتي، بتحويل ذاتي الفقيرة ذاتا سرمديةً غنيةً على الإطلاق. وإذ لم يمكن لك هذه الأمور "الأربعة" لا يتيسر لك أيها الشيطان السكران أن تخدع إلّا مثلَك سكرانا بسُكرٍ لا يميّز بين الضحك والبكاء، والبقاء والفناء، والداء والدواء، والهوى والهدى. وأما أنا "فحسبي اللّٰه ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير".
فإذا تفطنتَ لسر التمثيل، أو اشتقت إلى رؤية صورة الحقيقة؛
فاعلم أن تلاميذ المدنية السفيهة الضالة، وطلبةَ الفلسفة السقيمة المضلة، قد سُكروا باحتراصات عجيبة وتفرعنات غريبة، فجاؤوا يدعون المسلمين إلى اتّباع عادات الأجانب، وترك شعائرَ فيها شعورٌ وإشعار بأنوار الإسلام، فيقابلهم تلامذة القرآن بی: يا أيها الضالون الغافلون! إن اقتدرتم أن ترفعوا من الدنيا الزوال والموت، ومن الإنسان العجزَ والفقرَ فاستغنوا من الدين وشعائره، وإلّا
— 354 —
فاخسؤوا واتركوا وسوَستَكم ودمدمتكم التي هي كزمزمة الذباب [٭]: تتابع صوته. في ما بين نعرات هذه الرعود الأربعة، والآيات التكوينية المنادية بأعلى صوتها على لزوم الدين بشعائره
﴿ وَاذَا قُرِئَ القُرآنُ فاسْتَمِعوا لَهُ وَانْصِتوُا لَعَلَّكُمْ تُرحَمُونَ ﴾
(الأعراف:٢٠٤).
نعم، إن خلفي أسد الأجل يهددني دائما، فإن استمعتُ بسمع الإيمان صدى القرآن، انقلب الأسدُ فرسا، والفراقُ بُراقا يوصلني إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى حضور سيدي الحنّان الكريم. وإلّا صار الموت أسدا مفترسا يمزقني على رغمي، ويفرّقني عن جميع محبوباتي فراقا أبديا. وكذا بين يدي وأمامي آلات الفناء والزوال، قد نُصبت وتدلت في اختلاف الليل والنهار، وآلات الهلاك والفراق قد تموجت على أمواج الفصول والعصور. فهذه الآلاتُ نصبت لصلبي مع جميع أحبابي، فإن أصغيت بصماخ الإيقان لإرشاد القرآن انقلبتْ تلك الآلاتُ مركبَ السير والتنیزّه في نهر الزمان وبحرِ الدنيا لمشاهدة تجدّد تجليات شؤونات القدرة على صفحات الفصول، بزنبرك [٭]: زنبرك: المحرك، النابض. الشمس وسير القمر ودوران الأرض للتعمم [٭]: لبس العمامة. بلفائف الليل والنهار، والتقمّص بحُلتَي الصيف والشتاء، ولمشاهدة تجدد جلوات الأسماء على المظاهر السيالة والمرايا المتحولة والألواح المتبدلة في اختلاف الليل والنهار.
وكذا، إنَّ في جنبي الأيمن من الفقر الغير المحدود قرحةً مستوليةً، فمع أني أعجزُ من أعجزِ حيوان من جنس الحيوان، إني أفقرُ من جميع الحيوانات، أي حاجاتي المعنوية والمادية تساوي حاجاتِ الكل، مع أن اقتداري أقلُّ من فعاليةِ عصفورة. فإن تداويتُ بشفاء القرآن انقلب الفقرُ المطلق الأليم شوقا لذيذا إلى ضيافة الرحمة، واشتهاءً لطيفا لتناول ثمرات رحمة الرحمن الرحيم. فيزداد لذةُ الفقر والعجز بمراتبَ على لذة الغَناء والقوة. وإلّا بقيت في آلامِ إزعاجات الحاجات، وفي ذل السؤال والتعبد لكل ما عنده حاجة من مطالبي، والتذللِ لكل شيء.
وفي جنبي الأيسر أيضا، جرحٌ عميق هو عجزٌ وضعفٌ بلا حدّ في مقابلةِ أعداء ومهالكَ
— 355 —
بلا عدٍّ؛ فألم الخوف يزيل لذةَ الحياة الدنيوية.. فإن أنصتُّ بالتسليم لدعوة القرآن، انقلب عجزي تذكرةَ دعوةٍ للاستناد بالقدير المطلق، والاتصال -بسر التوكل- بنقطةِ استناد فيها أمنٌ وأمان من الأعداء. وإلّا بقيتُ مضطربا بين أعداءٍ متشاكسين لا تعد، بعجز لا يحد.
وكذا إنّي على جناح سفر طويل، يمر على القبر والحشر إلى الأبد، فلا يرينا العلم والعقل نورا ينوّر ظلمات تلك الطريق، ولا يعطينا رزقا يصير زادَ ذلك السفر؛ إلّا ما يُقتَبس من شمس القرآن ويؤخَذ من خزينة الرحمن. فإن وجدتَ شيئا يمنعني عن هذا السفر، لكن غيرَ قطع الطريق بالضلالة التي هي قبول السقوط من فم القبر في دهشة ظلمات العدم الذي هو أهوَلُ وأدهشُ، فقل.. وإلّا فاسكت حتى يقولَ القرآن ما يقول. فبعدما قرأتْ هذه الآياتُ الخمسة [٭]: وهي: زوال الدنيا، موت الإنسان، عجزه وفقره وسفره الطويل. من كتاب العالم على رأس الإنسان آيةَ
﴿ فَلاَ تَغُرنَّكُمْ الحَيوةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰه الغَرورُ ﴾
(لقمان:٣٣)
كيف يجوز اتّباعُك أيها الغِرّ المغرور؟ ولا يختار مشرَبَك إلاّ سكرانُ بشراب السياسة، أو حرصِ الشهرة، أو شهوةِ السُّمعة، أو رقةِ الجنسية، أو زندقةِ الفلسفة، أو سفاهة المدنية وغيرها مما يُسكَر بمثله.. مع أن هذه الضربات القارعةَ على رأس الإنسان، وهذه الأهوال التي تضرب وجهَ البشر سيطيّر سُكره. ومع ذلك إن الإنسان ليس -كالحيوان- مبتلًى بآلام الحال فقط، بل يضرب رأسَه خوفُ المستقبل وحزنُ الماضي مع ألم الحال.
فإن أردتَ أن لا تبقى أشقى وأذلَّ وأحمقَ وأضلَّ من جميع الحيوانات؛ فأنصت واستمع بسمع الإيمان بشارة القرآن بإعلانِ
﴿ اَلاَ انَّ اوْلِيَاء اللّٰه لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ٭ الذَّينَ امَنوا وكَانُوا يَتقون ٭ لَهُمُ البُشرى في الحَياة الدّنيا وفي الآخِرةِ لاَ تَبْديلَ لِكَلماتِ اللّٰه ذلِكَ هو الفَوْزُ العْظَيِمُ ﴾
(يونس:٦٢-٦٤).
— 356 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ والتّين وَالزيتون ٭ وَطورِ سينينَ ٭ وَهَذا البَلَد الامين ٭ لَقَد خلقنا الانْسانَ في احْسَن تَقْوِيم ٭ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ اسفَلَ سَافلِين َ٭ الاَّ الَّذينَ امَنُوا وعَمِلُوا الصَّالحِاَت فَلَهُمْ اجْرٌ غَيْرُ مَمْنون ﴾
(سورة التين).
اعلم [٭]: الدرس التاسع من "المدخل إلى النور" وتوضيحه في "الكلمة الثالثة والعشرين". أن إتقان الصنعة وكمالَها في كل شيء يدلّ على أن صانع الكلِّ كما أنه عند كلٍّ في كلِّ مكان ليس في مكان وليس عند شيء.. وأن الإنسان لاحتياجه إلى كل شيء من أصغرِ جزءِ جزئي إلى أكبرِ كلِّ كلّي، لا يليق أن يَعْبُد إلّا مَن "بيده ملكوتُ كل شيء، وعنده خزائنُ كل شيء".. وأن نفسَ الإنسان من جهة الوجود والإيجاد والخير والفعل في غاية الصغر والقصور والنقص، أدنى من النمل والنحل وأضعفُ من العنكبوت والبعوضة. ومن جهة العدم والتخريب والشر والانفعال، أعظمُ من السماوات والأرض والجبال. مثلا: إذا أحسن، أحسن بما تسعه ذاتُ يده وتصل إليه قوةُ ذاته. وإذا أساء، أساء بما يتعدى وينتشر.
فبسيئةِ الكفر يحقّر مجموعَ الكائنات والموجودات بتنیزيل قيمتها من أوج كونها مكتوباتٍ ربّانيةً ومرايا إلهيةً إلى حضيض صيرورتها موادَّ متغيرةً سريعةَ الزوال والفراق، يلعب بها التصادفُ بالعبثية.. ويُسقط الإنسانَ الذي هو قصيدةٌ منظومة موزونة معلِنة لجلوات الأسماء القدسية، ونواةٌ لشجرة باقية، وخليفةٌ تفوَّقَ على أعاظم الموجودات بحمل الأمانة.. إلى دركةِ جعْلِهِ أذلَّ من أذلِّ حيوان زائل فانٍ، وأضعفَ وأعجزَ وأفقر.
وكذا إن الإنسانَ من جهةِ "أنا" له اختيارٌ كشعرة، واقتدار كذرة، وحياة كشعلة، وعمرٌ كدقيقة، وموجوديةٌ هي جزء جزئي مما لا يعد من أنواع لاتحد في طبقات الكائنات.. ولكن من جهة عجزه وفقره له وسعةٌ عظيمة إذ له عجز عظيم بلا نهاية، وفقر جسيم بلا غاية، يتيسر له أن يصير مرآة واسعة لتجليات القدير بلا نهاية والغنيِّ بلا غاية.
وكذا إن الإنسان من جهة الحياة الدنيوية المادية الحيوانية كنواة، تَصرِف الجهازاتِ المعطاةَ لها للتسنبل والتشجر في وسعة عالم الفضاء إلى جلبِ موادَّ واهيةٍ في مضيق التراب إلى أن تتفسخَ بلا فائدة.. فمن جهةِ الحياة المعنوية كشجرة باقية امتدت أغصانُ آمالها إلى الأبد.
وكذا إن الإنسان من جهة الفعل والسعي المادي حيوانٌ ضعيف عاجز، له دائرة ضيقةٌ
— 357 —
نصف قطرها مَدُّ يده.. ومن جهة الانفعال والدعاء والسؤالِ ضيفٌ عزيز للرحمن الذي فَتَح له خزائنَ رحمته وسَخّر له بدائعَ صنعته؛ له دائرة عظيمة نصف قطرها مدُّ نَظَرِهِ بل خيالِه بل أوسع.
وكذا إن الإنسان من جهة لذة الحياة الحيوانية وكمالها وسلامتها ومتانتها أدنى من العصفور بمائة درجة؛ لتَنَغُّص لَذّاتِه بأحزان الماضي ومخاوف الاستقبال.. ومن جهة الجهازات وتفصّل الحواسّ وتنوع الحسيات وانبساط الآلات وتكثّر مراتب الاستعدادات -المشيرة هذه الحالة- إلى أن وظيفته الأصليةَ هي الشهودُ لتسبيحات الموجودات، والشهادةُ عليها، والتفتشُ بالتفكر، والنظارةُ بالعبرة، والدعاءُ للحاجة، والعبوديةُ بدرك العجز والفقر والقصور. ومن وجهِ جامعيةِ استعداده المستعِد لأنواع العبادات أعلى من أعلى عصفور بمائة مراتب. فبالبداهة يَعلم من له عقل أنّه ما أُعطي له هذه الجهازات لهذه الحياة بل لحياة باقية.
مثلا: إذا رأينا أحدا أعطى لأحدِ خَدَمِه عشرةَ دنانير ليشتري لنفسه لباسا من قماش مخصوص، فاشترى من أعلاه. ثم أعطى لآخرَ ألفَ دينار للاشتراء. نعلم يقينا أن هذا ليس لاشتراء لباس من ذلك القماش الذي ما قيمةُ أعلاه إلا عشرةُ دنانير، بل إنما أُعطي لما هو أغلى وأعلى بمائة مراتب. فإذا اشترى -لبلاهته- بالألف لباسا من ذلك مع أن ما اشتراه أدنى بمائة درجة من لباس الأول، لابد أن يعاقَب عقابا مديدا ويؤدَّب تأديبا شديدا.
وكذا إن الإنسان بقوة ضعفه، وقدرة عجزه أقوى وأقدر بمراتبَ؛ إذ يُسخَّر له بالدعاء والاستمداد ما لا يَقتدر على عُشر معشاره باقتداره. فهو كالصبي يصل ببكائه إلى ما لا يصل إليه بألوف أضعاف قوته. فيتفوقُ بالتسخير لا بالغلبة والغصب والجلب. فعليه أن يعلن عجزه وضعفَه وفقرَه وفاقته بالاستمداد والتضرع والعبودية.
وكذا إن الإنسان من جهة نظاريته لمحاسنِ كمالاتِ سلطنةِ الربوبية، ودلّاليته لبدائع جلوات الأسماء القدسية، وفهمه بطعمه لمدخرات خزائن الرحمة، وعلمه بوزنه لجواهر كنوز الأسماء المتجلية، وتفكره بمطالعته لمكتوبات قلم القدرة، وشوقه برؤيته للطائف المصنوعات.. أشرفُ المخلوقات وخليفةُ الأرض.
— 358 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ يَا اَيُّهَا النَّاسُ انْتُمُ الفُقَرَآءُ إلى اللّٰه ﴾
(فاطر:١٥)
﴿ فَفرّوُا إلى اللّٰه ﴾
(الذاريات:٥٠).
اعلم أيها السعيد القاصر العاجز الفقير! أن في نفسك قصورا بلا نهاية، وعجزا بلا غاية، وفقرا بلا انتهاء، واحتياجا بلا حدّ، وآمالا بلا عدّ. فكما أُودع فيك الجوعُ والعطشُ لمعرفة لذة نعمته تعإلى، كذلك رُكّبْتَ من القصور والفقر والعجز والاحتياج لتنظر بمرصادِ قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه، وبمقياسِ فقرك إلى درجات غناه ورحمته، وبميزانِ عجزك إلى قدرته وكبريائه، ومن تنوع احتياجك إلى أنواع نِعَمه وإحسانه.
فغايةُ فطرتك هي العبودية. والعبودية أن تعلن عند باب رحمته: قصورَك بی"أستغفر اللّٰه" وبی"سبحان اللّٰه".. وفقرَك بی"حسبنا اللّٰه" وبی"الحمد للّٰه" وبالسؤال.. وعجزَك بی"لا حول ولا قوة إلّا باللّٰه" و بی"اللّٰه أكبر" وبالاستمداد.. فتُظهرَ بمرآة عبوديتك جمالَ ربوبيته.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ انَّ الاَبْرارَ لَفي نَعيمٍ ٭ وَاِنَّ الْفُجَّارَ لَفي جَحيمٍ ﴾
(الانفطار:١٣-١٤)
اعلم [٭]: الدرس الرابع من "المدخل إلى النور" وفي "الكلمة الثالثة" توضيح وافٍ. أيها السعيد الغافل! أن لكل أحدٍ في سفر حياته طريقين إلى القبر، والطريقان متساويان في القصر والطول. لكن أحدهما -مع أنه لا ضرر فيه- فيه منفعةٌ عظيمة بشهادات أهل الشهود المتواترين وإجماعهم، يصل إلى تلك المنفعة العظيمة من عشرةِ سالكيه تسعةٌ.. والآخَر -فمع أنه لا نفعَ فيه بالاتفاق- فيه ضررٌ عظيم بإجماع أهل الخبرة والشهود. فاحتمالُ الضرر من العشرة تسعة، إلّا أن مَن يسلك في هذا لا يحمل سلاحا ولا زادا، فيخفّ في الظاهر، ويخلص من ثقل مَنٍّ، [٭]: المن يساوي ٢٤ أوقية. لكن يحمل على ظهر قلبه مائة مَنٍّ مِن المِنّة، ويثقل على عاتق روحه أحمالَ الأهوال والمخاوف. ولأن التمثيل يريك المعقول محسوسا، نمثل لهذه الحقيقة مثالا:
— 359 —
مثلا: تريد أن تذهب إلى إسطنبول، أو تُرسَل إليه، ومن مكانك إليه طريقان؛ يمينا وشمالا متساويان قصرا وطولا، متخالفان نفعا وضرا، خفةً وكلفةً. ففي جانب اليمين نفعٌ عظيم بإجماع أهل الشهود والاختصاص بلا ضررٍ وبالاتفاق، وحملُ سلاح ومِزوَدِ زادٍ بمقدار مَنّ، مع خلاص الروح والقلب من ثِقلة حمل المنّة والخشية اللتين هما في ثقلة الجبال.. وفي اليسار ضرر بشهادات ملايينَ من أهل الخبرة والشهود، وبلا نفع باتفاقِ الموافقين والمخالفين، مع خفةٍ ظاهر في طرح السلاح الصارم اللازم، وترك الزاد الألذّ الألزم. لكن حَمَل [٭]: أي السالك قد حمل على عاتق... على عاتق روحه بدلَ "قيتي" [٭]: مقياس للوزن يساوي (١٢٨٢ غم). السلاح قناطيرَ الخوف، وعلى ظهر قلبه بدل أربع "حقات" [٭]: أو أوقية: مقياس للوزن القديم. الزاد مائة مَنٍّ من المِنّة. إذ قد يخبر الشاهدون الصادقون أن الذاهبين بيُمن الإيمان في اليمين في أمنٍ وأمان في مدة سيرهم، وإذا وصلوا إلى البلد حصل لتسعةٍ من العشرة نفع عظيم وربح جسيم. وأن الماشين بشؤم الضلالة والبطالة والبلاهة في اليسار، لهم في مدة سيرهم اضطرابٌ عظيم من الخوف والجوع، يتنیزل الماشي لكل شيء لخوفه في ضَعفه في عجزه، ويتذلّل لكلِّ شيءٍ لاحتياجه في فقره. وإذا وصلوا إلى البلد يُحْبَسون أو يُقتَلون لا ينجو إلّا واحد أو اثنان. فمَن له أدنى عقلٍ لا يرجِّح ما فيه احتمالُ الضرر، على ما لا ضرر فيه لأجل خفةٍ قليلة. فكيف يرجِّح ما فيه أعظم الضرر من المائة بتسعة وتسعين احتمالا، على ما فيه أَعظم النفع بتسعة وتسعين احتمالا لأجل خفّة جزئية في الصورة، مع ثقلةٍ كلّيةٍ في الحقيقة؟
أما المسافر فأنتَ، وأما إسطنبول فعالم البرزخ والآخرة، وأما الطريق الأيمن، فطريق القرآن الآمر بالصلاة بعد الإيمان. وأما الطريق الأيسر، فطريق أهل الفسق والطغيان.
وأما أهلُ الخبرة والشهود، فالأولياء المشاهدون؛ إذ ذو الولاية ذو ذوق شهودي في الحقائق الإسلامية، فما يعتقده العامي قد يشاهده الولي. وأما السلاح والزاد، ففي ضمن التكليف المتضمِّن للعبودية المتضمِّنة للصلاة المتضمنة لكلمة التوحيد المتضمنة لنقطتي الاستناد والاستمداد المتضمنتين للتوكل على القدير الحفيظ العليم وعلى الغني الكريم الرحيم..
فخلُصَ من التنیزل والتذلل لكل شيء له فيه جهة ضرٍّ أو نفع. إذ "لا إِلهَ إِلَّا اللّٰه" يفيد أن لا نافعَ ولا ضار إلّا هو ولا نفعَ ولا ضرَّ إلّا بإذنه.
— 360 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
وما هذه الحَيَاةُ الدُّنيَا اِلاّ لَهْوٌ ولَعِبٌ وَاِنَّ الدَّار الآخِرةَ لَهِيَ الحَيَوانُ
(العنكبوت:٦٤).
اعلم [٭]: الدرس الخامس من "المدخل إلى النور" و"الكلمة الرابعة" تكشف دقائق هذا المثال. أيها السعيد المسافر إلى الشيب، إلى القبر، إلى الحشر، إلى الأبد! إن ما أعطاك مالكُك من العمر لتحصيل لوازمات الحياتين بقدر الطول والقصر، قد ضيعتَه كلَّه في هذه الحياة الفانية التي هي كقطرة سرابٍ بالنسبة إلى البحر، فإن كان لك عقل فاصرف نصفَه أو ثلثه لا أقل عُشرَه للباقية. ومن العجائب أن يقال لمثلك مِن أحمق الناس هو عاقل ذو فنون.
مثلا: هل تَرى أحمقَ من عبدٍ أعطاه سيدُه أربعة وعشرينَ دينارا وأرسله من "بوردور"، إلى "أنطالية"، [٭]: أسماء مدن تقع جنوبي تركيا. إلى "الشام"، إلى "المدينة"، إلى "اليمن". وأمره أن يصرف تلك الدنانير في لوازمات سفره، لكن إلى "أنطالية"، يمشي راجلا له نوع اختيارٍ، لو لم يصرف شَيئا لوصل أيضا. ومنها إلى سائر منازله لا اختيار له، إن اشترى وثيقةً لركب سفينةً أو "شمندوفرا" [٭]: شمندوفر: القطار. أو طيارةً وقطع مسافة شهرٍ في يومٍ. وإلا لذهب ماشيا طريدا تائها وحيدا. مع أن ذلك السائح الأبله صرف ثلاثة وعشرين دينارا في مسافة يومين! فقيل له: فلا أقلَّ فاصرف الواحد لِزاد السفر الطويل، يمكن أن يرحمك سيدُك. فقال: لا أصرف لاحتمال عدمِ الفائدة. فقيل له: فيا للعجب لبلاهتك إلى هذه الدرجة! كيف يفتيك عقلُك أن ترمي نصفَ مالك في قمار "البيانكو" [٭]: البيانكو: اليانصيب. وهو ثمانية وأربعون دينارا، مع اشتراكِ ألفِ إنسان برجاء الظفر بألفِ دينارٍ، باحتمالٍ واحد من ألفِ احتمالٍ. فكيف لا يفتيك هذا العقلُ بأن تعطي جزءًا واحدا من أربعة وعشرين جزءًا من مالكَ لتظفر بكنوزٍ لا نفاد لها بتسعمائة وتسعة وتسعين احتمالا بشهادات ملايين من أهل الخبرة والاختصاص. مع أنه يُهتم في مثل هذه المنفعة الجسيمة بإخبارِ واحدٍ عامي، فكيف بإخباراتِ شموس البشر ونجومه المتواترين، وأهلِ الشهود الذين يُرجَّح اثنان من مثبتي أهل الشهود على ألوف النافين المنكرين، كما يرجَّح شاهدان لهلال رمضان على ألوف المنكرين لرؤيته.
— 361 —
أما العبد المسافر فأنت. وأما "بوردور" فدنياك. وأما "أنطالية" فالقبر. وأما "الشام" فالبرزخ. وأما "اليمن" فما بعد الحشر. وأما الدنانير الأربعة والعشرون، فأربعٌ وعشرون ساعة في عمر اليوم، تَصرِف ثلاثا وعشرين ساعةً لمصالح الحياة الفانية؛ وتتهاونُ في صرفِ ساعةٍ واحدةٍ في أداء خمس صلوات التي هي مِنْ أَلْزَمِ الزاد في السفر الطويل!
هذا التمثيل لبيان سر من أسرار الآية الكريمة:
﴿ وَاُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتقين ٭ وَبُرّزَتِ الجحيمُ لِلْغاوينَ ﴾
(الشعراء:٩٠-٩١).
اعلم [٭]: البحث خلاصة "الكلمة الثامنة" والدرس الثاني من "المدخل إلى النور". يا أيها الغافل التارك للدين في طلب الدنيا! أحكي لك حكايةً تمثيليةً، فيها مثالُ قِسم من حقائق الدنيا والدين.
كان فيما غبرَ من الزمان أخوَان، فذهبا إلى أن انقسم الطريق طريقين: في أحداهما كلفةُ اتّباع القوانين، وفي الأخرى لا كلفةَ في الظاهر.. فذو الخُلق الحَسن اختار جانب اليمين مع الكلفة الخفيفة. وذو الخُلق السيئ اختار جانب اليسار مع الخفة الثقيلة. فذهب ذو الشمال فيما بين القِفار إلى أن دخل صحراءَ خالية فسمع صوتا هائلا، فرأى أسدا مدهشا يهجم عليه، ففرّ إلى أن صادف بئرا عميقا بستّين ذراعا، فرمى نفسه فيه، فسقط ثلاثين ذراعا فوصل يدُه إلى شجرة في جداره، ولها عِرقان؛ قد تسلطت عليهما فأرتان: بيضاء وسوداء تقطعان العرقين. فنظر فيما تحته فرأى ثعبانا عظيما رفع رأسه إلى قرب رجله، وسعةُ فمه كفم البئر. ونظر في جوانبه فرأى حشرات مضرّة مؤذيةً. فنظر إلى الشجرة فرآها شجرة التين، لكن أثمرت أنواعا متباينةً من ثمرات الأشجار المختلفة، فبينما ضجت لطائِفُه من دهشة الوضعية، إذ تجاهلت نفسُه بالتغافل مع أنيناتِ لطائفِه، فحسِبَ -بالمغالطة- أنه في بستانٍ، فبسرّ حديثِ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" [٭]: البخاري، التوحيد ١٥،٣٥؛ مسلم، الذكر ٢، ١٩، التوبة ١؛ الترمذي، الزهد ٥١، الدعوات ١٣١؛ ابن ماجه، الأدب ٥٨. هكذا ظنَّ، فهكذا عُومِلَ. فبقى أبدا بين هذه الأهوال لا يموت ولا يحيى. فهذا المسكين -بسوء فهمه- لم يتفطن أنه لا يمكن التصادف في هذه الأمور المطلسمة.
فلنرجعْ ونترك هذا المشؤوم في عذابه؛ ولنذهب خلف الأخ الميمون المتيامن. فهذا يذهب مستأنسا بحُسن ظنه الناشئ من حُسن سيرته. انظر كيف استفاد بحُسن نَظره مما
— 362 —
لم يستفد منه أخوه، إذ صادف في طريقه بستانا فيه أثمارٌ وأزهار، مع مستقذراتٍ وميتات. فتنیزّه بالمستحسنات ولم يلتفت إلى الملوَّثات كأخيه. ثم ذهب حتى دخل في صحراء خالية فسمع صوتَ الأسد الهاجم، فخاف لكن لا بدرجة أخيه، باحتمالِ أن الأسدَ مأمورُ سلطانِ الصحراء، ففرّ فصادف بئرا بستين ذراعا فطرح نفسه فيه، فتعلق في نصفه بشجرة لها عِرقان، تسلطت عليهما فأرتان تقطعانهما، فنظر فوقه فرأى الأسد؛ ونظر تحته فرأى ثعبانا عظيما -فمه كفم البئر- تقرُب إلى رجليه، فتدهّش من الخوف لكن أدنى بمراتب من دهشة أخيه. لأنه تفطّن بحُسن ظنِّه وفهمه من تناظر هذه الأمور العجيبة أن فيه طلسما، وأنها تحت أمر حاكم ناظر إليه يجرّبه. فتولّد من خوفه "مَرَقُ" معرفَةِ مَن هو الذي يتعرّف إليَّ ويسوقنى إلى أمرٍ من عنده. فتولد من "مرقه" محبةُ صاحب الطلسم. فنظر إلى رأس الشجرة فإذا هي تينة أثمرت أثمارا متباينةً فزال خوفه بالكلية، وتيقن أنه تحت حُكم طلسم، إذ لا يمكن أن تثمر التينة ثمراتِ سائر الأشجار. فما هي إلا إشاراتٌ إلى ألوانِ الأطعمة التي أعدّها ذلك الملِك الكريم لضيوفه. فتولد من محبته له طلبُ ما يفتح به الطلسم ويرضى به الطلسم، فأُلهِمَ المفتاحَ، فنادى: تركتُ الكلَّ لك، وتوكلتُ عليك! فانشقّ الجدار، فانفتح بابٌ إلى جنانٍ نیزيهة. فرأى الأسد والثعبان انقلبا خادمَين يدعوانه إلى الدخول..
فانظر إلى تفاوت حال الأخوين: ذاك ينتظر الدخولَ في فم الحية، وهذا يُدعى إلى الدخول في باب البستان المنوّر المزهر المثمر.. وذاك في دهشة أليمةٍ وخوف يتفطّر منه أعماقُ قلبه، وهذا في عبرة لذيذة وخوف تتقطر منه محبةٌ وحرمة ومعرفة.. وذاك في وحشةٍ ويأسٍ ويُتمٍ، وهذا في أُنسيةٍ ورجاء واشتياق.. وذاك في هدفِ تَهاجُمِ الأعداء الموحشة، وهذا ضيف يستأنس بخدام المُضيف.. وذاك يعجِّل عذابَه بأكل الثمرات اللذيذة التي أُذن في طعمها لاشتراء ما هي من أنموذجها لا إلى أكلها، إذ في بعضها سمٌّ، وهذا يؤجّل الأكلَ ويلتذ بالانتظار..
فإذا تفهّمتَ دقائق التمثيل فاعرف أوجُه التطبيق: أما الأخَوَان فالروحُ المؤمن والكافر، والقلبُ الصالح والفاسق. وأما الطريقان فطريق القرآن والإيمان، وطريق العصيان والطغيان. وأما الصحراء فالدنيا. وأما الأسد فالموت. وأما البئر فالبدن والحياة، وأوسط العمر ستون. وأما الشجر فالعمر. وأما الفأرتان البيضاء والسوداء فالنهار والليل. وأما الثعبان فالبرزخ
— 363 —
الذي فمه القبر.. وأما الحشرات المضرة فالمصيبات.. وأما الثمرات فالنعم الدنيوية المشابهة المذكِّراتُ لثمرات الجنة.. وأما المسمومة منها فالمحرّمات. وأما الطلسم فسر حكمة الخلقة.. وأما المفتاح فی
﴿ اللّٰه لا اِلَهَ الاَّ هُوَ الحَيُّ القَيومُ ﴾
(البقرة:٢٥٥) (أي يا اللّٰه أنت معبودي ورضاك مطلوبي) و"لا إله إلا اللّٰه". وأما تبدّلُ فم الثعبان بباب البستان؛ فلأن القبرَ لأهل القرآن والإيمانِ بابٌ إلى رحمة الرحمن في دهليز الجنان، ولأهل الضلالة والطغيان باب إلى ظلمات الوحشة والنسيان في برزخ كالزندان [٭]: الزندان: السجن. كبطن الثعبان. وأما تبدلُ الأسد المفترس فرسا مونسا؛ فلأن الموتَ للضال فراقٌ أبدى عن جميع محبوباته، وإخراجٌ له من جنته الكاذبة الدنيوية إلى زندان القبر في الانفراد. وأما للهادي فوصالٌ إلى أحبابه، ووصولٌ إلى أوطانه، وخروج من زندان الدنيا إلى بستان الجنان لأخذ أُجرة الخدمة من فضل الحنّان، المنّان الديّان الرّحمن. جل جلالُه ولا إله إلا هو.
اعلم [٭]: الدرس السادس من "المدخل إلى النور". أيها السعيد المغرور المفتخر بما لم تفعل! أنه لا حقَّ لك في الفخر والغرور؛ إذ ليس منك في نفسك إلا القصور والشر. وإن كان خيرا فهو جزئي كجزئك الاختياري، لكن بجزئك الاختياري تفعل شرّا كليا، إذ بقصورك تُسقِط ثمراتِ سائر الأسباب المتوجهه إلى مقصودك، فتستحق خسارة كليةً وخجالةً عامةً، لكن عكستَ القضية فَتَفَرْعَنت..
مثَلُك في هذا، كمثل مغرورٍ أحمق صار شريكا لجماعةٍ في التجارة بسفينةٍ، ففعل كلُّ واحد وظيفته، فترك هو وظيفته التي بها تتحرك السفينة حتى غرقت فخسروا ألف دينارٍ، فقيل له: الحقُّ أنّ كلَّ الخسارة عليك، فقال: لا، بل تنقسم علينا فعليَّ بمقدار حصتي. ثم في سفر آخر، فعلَ كما فعلوا فربحوا ألف دينار؛ فقيل له: فليُقسم الربحُ على رأس المال، فقال: لا، بل كل الربح لي، إذ قلتم أولا كل الخسارة عليك، فإذن كل الربح لي. فقيل له: أيها الجاهل! "الوجودُ" يتوقف على وجود كل أجزاء الموجود والشرائط. فثمرةُ الوجود تُعطى للكل، والربح وجود. وأما الخسارة فثمرةُ العدم مع أن الكلَّ ينعدم بعدم جزء واحد وبفَقد شرطٍ.
فيا أيها السعيد اسما، والشقي جسما! تُرجَع ثمرةُ العدم على من صار سببا للعدم، فلا حقَّ لك في الفخر والغرور.
— 364 —
أما أولا: فلأن الشرَّ منك والخير من ربك.
وأما ثانيا: فلأن شرَّك كلي وخيرَك جزئي.
وأما ثالثا: فلأنك أخذتَ أُجرة عملك الخير قبل العمل، بل لا تساوي جميعُ حسناتك لعُشر معشار عشير ما أَنعم عليك مَن جعلك إنسانا مسلما. ومن هذا السر تكون الجنة من محض الفضل، وتكون جهنم عين العدل؛ إذ قد يعمل البشر بشرّه الجزئي الآنيّ جنايةً كليةً دائمةً.
وأما رابعا: فلأن الخير إنما يكون خيرا إن كان للّٰه. فإذا كان له، فالتوفيق منه، فالمنّة له.. فالحقُّ "الشكرُ" لا "الفخر" بالإراءة والرياء الذي يصيّر الخيرَ شرا.. فمن جهلك بهذه الحقيقة صرتَ مغرورا في نفسك، غَرورا لغيرك.. فتُسند حسنات الجماعة إليه فيتفرعنُ في نظرك، بل تقسِّم مالَ اللّٰه وفعلَه على الطواغيت.
وكذا من هذا الجهل إسنادُك سيئاتك التي هي منك -بالنص- إلى القدَرِ فرارا من المسؤولية، وتملّكُك للحسنات التي هي من فيضِ فضلِ فاطرك -بالنص- إلى نفسك، لتُحمَد بما لم تفعل.. فتأدّبْ بأدب القرآن:
﴿ مَا اصَابَك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰه وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾
(النساء:٧٩) فالتزم ما لَك، ولا تغصِب ما ليس لك. وكذا تأدّب بآداب القرآن؛ بجعل جزاءِ السيئة مثلَها.. والحسنةِ عشرَ أمثالها.. فلا تُعدّي عداوتَك من المسيء بصفةٍ إلى أقاربه وإلى سائر صفاته، وتجاوزْ بمحبتك من المحسن إلى أنسابه مع الصفح عن عيوبه. [٭]: هذه المعاني مفصّلة في المكتوب الثاني والعشرين، رسالة "الأخوة".
اعلم [٭]: "الكلمة الخامسة" والدرس السابع من "المدخل إلى النور". أيها السعيد الغافل الفضولي! إنك تترك وظيفتَك، وتشتغل بوظيفة ربِّك. فمِن ظلمك وجهلك تركُك لوظيفة العبودية الخفيفة التي هي في وسعتك.. وحملُك على ظهرك ورأسك وقلبك الضعيف وظيفةَ الربوبية التي تختص بمن
﴿ خَلَقَكَ فَسَوّيكَ فَعَدَلَكَ ٭ في اَيّ صُورَةٍ مَاشَاءَ رَكّبَكَ ﴾
(الانفطار:٧،٨) فالتزم وظيفتَك، وفوّض إليه وظيفته لتسعدَ وتستريح.. وإلّا صرت عاصيا شقيا وخائنا غويا. مثلُك [٭]: هذا المثال موضح في "الكلمة الثانية". كمثل نفرِ عسكرٍ له وظيفة أصلية هي التعليم المخصوص، والحرب والجهاد، والسلطان مُعينُه في هذه الوظيفة بإحضار
— 365 —
لوازماتها، ولسلطانه وظيفةٌ مخصوصة هي إعطاء أرزاق ذلك النفر وتعييناته ولباسه حتى دوائه.. لكن قد يَستخدم النفرَ في وسائل هذه الوظيفة، لكن بحساب الدولة.
ومن هذا السر؛ إذا قلتَ لنفر يطبخ طعامه: ما تفعل؟ يقول: أفعل سُخرةً "وعنقرةً" [٭]: عنقرة: كلمة مستعملة بالتركية أصلها يوناني، وهي تعني العمل مجانا من دون رغبة ولا أجرة. للدولة، ولا يقول أعمل لرزقي.. لعلمه أنه ليس من وظيفته، بل على الدولة حتى أن تُدخل اللقمةَ في فمه، إن لم يقتدر بالمرض مثلا. فالنفر المشتغل بالتجارة لتَدارُك رزقه جاهلٌ شقيّ يُزيَّف [٭]: بمعنى: يهان ويحقر. ويؤدّب.. والتارك للتعليم والجهاد خائن عصيّ يُضرَب ويُعنَّف.
فيا سعيد الشقي! أنت ذلك النفر، وصلاتُك هي تعليماتك. وتقواك -بترك الكبائر ومجاهدتُك مع النفس والشيطان- هي حربُك. فهذه هي غاية فطرتك لكن اللّٰه هو الموفِّق المعين. وأما رزقُك وإدامةُ حياتك وما يتعلق بك من الأموال والأولاد، فهي من وظيفة فاطرك، لكنه قد يستخدمك في وسائلِ قرعِ أبوابِ خزائنِ رحمته بالسؤال الفعلي أو الحالي أو القالي، وقد يستعملك في الذهاب في المسالك التي توصلك إلى مطابخ نعمته، فتطلب بلسان الاستعداد أو الاحتياج أو الفعل أو الحال أو القال ما عيّن وَقدّر لك..
فما أجهلَك في اتهامك -في حق رزقك- مَن رزقك أطيب الرزق، وأنت طفل صغير بلا اختيار ولا اقتدار ويرزق كل دابة لا تحمل رزقها وهو السميع العليم القدير الغني الذي جعل الأرض في الصيف مطبخةً لضيوفه يفيض فيوضه في ظروف الرياض، ويملأ أواني الأشجار بلذيذات الأطعمة.. فاعمل بحسابه وباسمه وبإذنه فيما استعملك فيه بعد إيفاء وظيفتك الأصلية.. فإذا تعارضا فعليك بوظيفتك فتوكل عليه، وقُلْ: حَسْبِيَ اللّٰه ونِعْمَ الوَكيلُ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصير.
— 366 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وَاِذا سَاَلَكَ عِبادي عَني فَانّي قَريبٌ اُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذا دَعَانِ ﴾
(البقرة:١٨٦)
وكذا
﴿ اُدْعُوني اَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
(غافر:٦٠)
وكذا
﴿ قلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤكُم ﴾
(الفرقان:٧٧).
اعلم [٭]: الدرس الثامن من "المدخل إلى النور" وموضح في "الكلمة الثالثة والعشرين". يا مَن يدّعي أنه يدعو ولا يُجاب! إن الدعاء عبادةٌ. وثمرةُ العبادة في الآخرة. وأما المقاصد الدنيوية فأوقاتُ تلك الأدعية التي هي عبادات مخصوصة.
فكما أن الغروبَ وقتُ صلاة المغرب. والخسوف والكسوف وقتُ صلاة الكسوفين لا غايةٌ لهما، وانقطاعَ المطر؛ وقتُ صلاة الاستسقاء، لا أن الصلاة وُضعت لنیزول المطر، بل هي عبادةٌ لوجه اللّٰه تدوم مادام لم ينیزل، وإذا نیزل المطر انقضى وقتُها.
وكذا، تسلّطُ الظالمين ونیزولُ البلايا أوقاتٌ لأدعيةٍ مخصوصة تدوم مادامت هي، فإن رُفعت بها فنورٌ على نور، وإن لم تُرفَع لا يُقال: لم يُقبَل الدعاء، بل: لم ينقضِ وقتُ الدعاء.
وأما وعد الإجابة في اُدْعُوني اَسْتَجِب لَكُمْ فالإجابة غيرُ قبول الدعاء بعينها، بل الجوابُ دائمي، وإسعافُ الحاجة تابعٌ لحكمة المُجيب.
مثلا: تقول لطبيبك: يا حكيم! فيقول: لبيك مجيبا.. فتقول: أعطني هذا الطعامَ أو الدواء. فقد يعطيك عينَ ما طلبت أو أحسنَ منه، وقد يمنعُك بضرورةٍ في مرضك. ومن أسباب عدم قبول الدعاء ظنُّ كونِ الدعاء لهذه المقاصد الدنيوية. مثلا: يُظن صلاةُ الاستسقاء موضوعةً للمطر فلا تكون خالصةً فلا تُقبل.
اعلم أن بالانقلاب ينفرجُ وادٍ معنويّ بين الطرفين، فلابد من جسر ممدود فيه مناسبة بين العالَمين ليمرَّ عليه بالتعرِّي والتلبّس من هذا العالم إلى ذلك العالم. لكن الجسر له أشكالٌ متخالفة، وماهيات متباينة وأسماءٌ متنوعة باعتبار أجناس الانقلابات وبُعد مقام المنقلَب إليه عن نوع المنقلِب. فالنومُ جسرٌ بين عالم اليقظة والمثال. والبرزخ جسر بين الدنيا والآخرة.
— 367 —
والمثال جسر بين العالم الجسماني والروحاني. والربيع جسر بين الشتاء والصيف. وأما في الحشر فليس فيه واحد، بل تندمج فيه انقلاباتٌ كثيرة عظيمة فجسرُها أعجبُ وَأعوج وأغرب!
اعلم أن في إكثار ذكر القرآن لمآل الَيْهِ مَرْجِعُكُمْ (الأنعام:٦٠) ثمّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ (البقرة:٢٨) وَالَيْهِ الْمَصيرُ (المائدة:١٨) واليه مَآب (الرعد:٣٦) بشارةً عظيمة، وتسليةً جسيمة -وإن تضمنت للعاصي تهديدا- إذ تقول هذه الآياتُ للناس: إن الموتَ والزوال والفناء والفراق من الدنيا ليست أبوابا للعدم والسقوط في ظلمات الفناء والانعدام، بل هي أبوابٌ للقدوم والذهاب إلى حضور سلطان الأزل والأبد. فهذه الإشارة تُنجي القلبَ من دهشة ألَمِ تصوُّر تَمزُّقِهِ مع جميع محبوباته بين أيدي عدَمَات هائلة غير متناهية، والتفرّق بين أنيابِ فراقات مدهشة. فانظر إلى دهشة جهنّمَ المعنويةِ المندمجة في الكفر!
إذ بسرِّ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" ظنَّ الكافرُ هكذا.. فصَوَّرَ فاطرُه ظنَّه عذابا أبديا عليه.. ثم انظر إلى درجةِ تفوّق لذة اليقين بلقاء اللّٰه حتى على الجنة، ثم بعدَه مرتبةُ الرضاء، ثم بعده درجة الرؤية، حتى إن جهنم الجسمانية للمؤمن العارف العاصي كالجنة بالنسبة إلى جهنم المعنوية للكافر الجاهل بخالقه. ولو لم يكن من البراهين الغير المحصورة للبقاء ووسائله، إلا "تضرّعاتُ حبيب المحبوب الأزلي" وقد اصطف خلفَه في تلك الصلاة الكبرى صفوفُ الأنبياء وصفوفُ الأولياء مؤمِّنين على دعَواته ومناجاته، لكَفَتْ وسيلةً وبرهانا. أيمكن أن يوجد في هذا الحُسن الأبدع الأجمل، والجمال الأبرع الأكمل هذا القبحُ الأعجَبُ والنقصُ الأغرب؟ أي بأن لا يَسمعَ مَن يَسمع أخفى هواجسِ الحاجات، لِأخفى المخلوقات بدليل قضائها في أوقاتها اللائقة، وأن لا يَقبلَ أرفعَ الأصوات الصاعدة من الفرش إلى العرش، وأحلى المناجاة، وأعظمَ الدعوات، في أشد الحاجات..؟ كلا ثم كلا.. هو السميع البصير.
نعم، هذه المعاملة من أوسع مراتب شفاعته عليه الصلاة والسلام وكونه رحمةً للعالمين.
اعلم أنه كثيرا ما أُصادف الغافلين وهم يتحججون بمسألة القَدر، ويتعمقون في مسألة الجزء الاختياري، وخَلق الأفعال.. مع أنهم بلسان غفلتهم ينكرون القدر رأسا ويعطون الأزمّة ليد التصادف، يتوهمون أنفسَهم فاعلين على الإطلاق، ويقسّمون مالَ اللّٰه وصُنعَه على أبناء جنسه وعلى الأسباب. فالنفسُ الكافرة أو الغافلة في وقت الغفلة تسلب الكلَّ باطنا وإن أثبتت ظاهرا. والمؤمنةُ العارفة تثبت الكلَّ له إيمانا وإذعانا؛ فهاتان المسألتان في الكلام،
— 368 —
غايتان لحدود التوكّل والإيمان، ولمراقي التوحيد والإسلام، لأهل الصحو والحضور من العارفين، وبرزخٌ حاجز. [٭]: وبرزخ حاجز لأهل الغفلة. فأين أنتم أيها الغافلون المتفَرعنون في أنانيتكم، وأين التحقق بهاتين المسألتين؟ فإن ترقيتَ في المَحويّة والعبودية إلى درجة نفي الجزء الاختياري، وإلى مقام إحالة كل شيء على القَدرِ، فلا بأس عليك، إذ فيك نوعٌ من السُّكر؛ إذ هما حينئذٍ من المسائل الإيمانية الحالية، لا العلمية التصورية.
اعلم [٭]: المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين" توضح هذا البحث. أن التواضعَ قد ينافي تحديث النعمة. وقد ينجرُّ تحديثُ النعمة إلى الكِبر والغرور، فلابد من الدقة والإمعان وترك الإفراط والتفريط.
وللاستقامة ميزان وهو أن لكل نعمةٍ وجهين: وجهٌ إلى المُنعَم عليه فيزيّنه ويميّزه ويتلذذ به، فيفتخر، فيقع في السُّكر فينسى المالك، فيتملّك، فيظن الكمالَ بمُلكه الذاتي، فيتكبر بما لا حقّ له فيه.. ووجهٌ ينظر إلى المنعِم فيظهر كرمَه، ويُعلن رحمته، وينادي على إنعامه، ويُشهد على أسمائه. وهكذا مما يتلو من آيات جلواته في إنعامه. فالتواضع إنما يكون تواضعا إذا نظر إلى الوجه الأول، وإلّا تضمن كفرانا. وتحديثُ النعمة إنما يكون شكرا معنويا وممدوحا إذا نظر إلى الوجه الثاني، وإلا تضمن تمدحا وغرورا.
يا يوسف الكشرى! [٭]: الكلام موجه إلى "ملا يوسف" أحد طلاب الأستاذ النورسي القدامى. إذا تلبستَ بلباس فاخر غالٍ لأخيك يوسف الكيشي، فقال لك سعيد: ما أحسَنك! فقل: الحُسن للّباس، لا لي، فتصيرَ متواضعا في التحديث.
اعلم أن عِرقَ الرقابة والغبطة والحسد إنما يتحرك عند أخذ الأجرة وتوزيع المكافأة وملاحظتِها. وأما عند الخدمة وفي وقت العمل فلا، بل الأضعفُ يحبُّ الأقوى، والأدنى يميل إلى الأعلى، ويستحسن تفوّقَه عليه، ويحب زيادته في الخدمة عليه؛ لأنه يتخفف عنه ثقلُ الخدمة وكلفةُ العمل. فإذ كانت الدنيا دار خدمة وعمل فقط للأمور الدينية والأعمال الأخروية، لابد أن لا يتداخل فيها الرقابةُ والحسدُ، وإذا تداخلت فيها الرقابة يظهر عدمُ الإخلاص، وأنّ العامل في تلك الأعمال يلاحظ مكافأةً دنيوية أيضا، وهو تقديرُ الناس واستحسانُهم. ولا يعرف المسكينُ أنه بهذه الملاحظة أبطلَ عملَه -بدرجةٍ- بعدم الإخلاص بتشريك الناس برب الناس في إعطاء الثواب، وأضعفَ قوتَه بتنفير الناس عن معاونته.
— 369 —
اعلم أن معنى الكرامة مباينٌ لمعنى الاستدراج، إذ الكرامةُ كالمعجزة فعلُ اللّٰه.. ويتفطّن صاحبُها أنها منه سبحانه، وليس من نفسه، ويطمئن بأنه حامٍ له رقيبٌ عليه يختار له الخير. فيزداد يقينا وتوكلا. فقد يشعر بتفاصيل الكرامات بإذن اللّٰه، وقد لا يشعر وهذا أولى وأسلمُ. كأنْ أنطقه اللّٰه بما في قلب أحدٍ، أو مثّله له يقظةً لهدايته، وهو لا يعلم ما يفعل اللّٰه به لعباده.
وأما الاستدراج فينكشف له صورةُ الأشياء الغائبة وهو في غفلة، أو يعمل أفعالا غريبة، وهو مستند بنفسه واقتداره فيزدادُ بُعدا وأنانية وغرورا. فيقول: انَّماَ اوتُيتهُ عَلَى عِلْمٍ (القصص:٧٨) وانكشف لي بصفاء نفسي وضياء قلبي.. فلا التباس بين أهل الاستدراج وأهل الولاية في الطبقة الوسطى.
وأما مظهر الفناء الأتمِّ من أهل الطبقة العليا المنكشف لهم بإذن اللّٰه الأشياءُ الغيبية، فيرونها بحواسّهم التي هي للّٰه [٭]: كما جاء في الحديث الشريف "... فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها..." (رواه البخاري). فالفرق أظهرُ؛ إذ نورانيةُ باطنِهم المترشحةُ إلى الظاهر أرفع من أن تلتبس بظلماتِ من يرائي ويدعو إلى أنانيته.
﴿ وان من شيء الاّ يسبّح بحمده ﴾
(الإسراء:٤٤).
اعلم [٭]: "الكلمة الرابعة والعشرون - الغصن الرابع" توضيح واف لهذه المسألة. أن التسبيح والعبادة على وجوه غير محدودة في كل شيء، ولا يلزم شعورُ كل شيء بكل وجوه تسبيحاته وعباداته دائما. إذ لا يستلزم الحصولُ الحضورَ؛ [٭]: أي لا يستلزم حصول التسبيح جمعَ النفس وبلوغها تمام اليقظة عند التسبيح. مثَلُ ذلك كمثل أجير جاهل يعمل في سفينة لمالكها الذي استأجره ليجسَّ بإصبعه على بعض مسامير "الألكتريكية" في بعض الأوقات، ولا يعرف الأجير ما يترتبُ على عمله من الغايات الغالية. وإنما يعرف ما يعود إلى نفسه من الأجرة ولذةِ المكافأة. حتى قد يتوهمُ أنّ وضعَ هذا العمل ليس إلاّ لهذه اللذة.. كمَثل الحيوان الذي لا يعرف من غايات الازدواج إلّا لذّةَ قضاء الشهوة، ولا يضرّ جهلُه هذا -ولا يمنع- من حصول النسل الذي هو غايةٌ من الغايات المطلوبة لمالكه. كمثل النمل ينظّف وجهَ الأرض من جنائز الحُوينات، مع أنه لا يعرف إلّا تطمين حرصه.. أو كمثل العنكبوت الذي يزيّن وجهَ الفضاء، ورؤوس النباتات والأحجار بخيوط حريره المتلمّعة بالضياء للمسابقة مع الهوام في سير الهواء ولا يعرف إلّا نسج مصيدته، ومدَّ ما يطير
— 370 —
به ليمرَّ عليه.. وكمثل الساعة تُعرِّفك عددَ ما انقضى من عمرك اليومي، وهي لا تعرف إلّا زوال ألم تضييق أمعائها.. [٭]: المقصود حركة النابض وانفتاحه التدريجي. وكمثل النحل صنع ما صنع بحلاوة الوحي المندمج في لذّته الخاصة.. وكمثل الوالدات النباتية والحيوانية والإنسانية إنما تعمل للذة الشفقة، ولا تخل جهالاتُها بالغايات بحصول تلك الغايات التي زيّنت بيتَ الكائنات. بل كأن تلك الشفقة نواةٌ ومِسطَر لتلك الغايات.
ويكیفي المیسبّحين العابديین علمُهم بكیيفية عملهم فیقط. كما قال عز وجل:
﴿ كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه ﴾
(النور:٤١). ولا يلزمهم علمُهم بكون عَمَلهم تسبيحا مخصوصا هكذا، وشعورهم بصفة العبادة المعينة. ويكفيهم شعورُ سائر إخوانهم المتفكرين بما في أعمالهم من لطائف العبادات وغرائب التسبيحات. بل يكفي علمُ المعبود المطلق فقط. وإذ لا ابتلاء بالتكليف لا تلزمهم "النية" فلا يلزم شعورُهم بوصف عملهم. على أن تلك المصنوعات في الأصل كلماتُ تسبيحاتٍ أفادت معانيَها ثم صارت تلك الكلماتُ مسبّحاتٍ بألسنتها كذواتها. وفي تلك الكلمات مسبحاتٌ أخرى. وفي هذه أيضا مسبّحات صغار، وفيها أيضا مسبحات أصاغر وهكذا، إلى ما شاء السبّوح القدّوس جلّ جلالُه ولا إله إلّا هو.
اعلم أن ما أُرسل إليك وزيّنك من الرأس إلى القدم من أشتات النِّعم والمحاسن واللطائف إنما تمرّ "بميزانٍ" من خلال حُجبٍ متباينة، وتتسَلَّلُ "بنظام" من بين لفائفَ متخالفةٍ، وتتوجه إليك "بالانتظام" من خلف طوائفَ متضادة.
اعلم أن في النفس أمرا لطيفا كدرهم من وَرِق رقيق، أظن أنه مرصاد الأبد؛ إذ ما يمسّه شيء إلّا ويعطيه حُكمَ الأبد ويموّهه بوَهم الأبدية، وإذا استعمله الهوى والهوس، صار آلةً تجلب أحجارَ الآخرة وأساساتِها إلى الدنيا، فيبنى قصرها عليها، فيأكل أثمارَ الآخرة بلا نضج في الدنيا الفانية.
اعلم أن النفسَ شيءٌ عجيب! وكنیزُ آلاتٍ لا تُعد، وموازين لاتحد، لدَرك جلواتِ كنوز الأسماء الحسنى إن تزكّت.. وكهفُ حيّاتٍ وعقارب وحشرات، إن دسَّت وطغت. فالأَولى-واللّٰه أعلم- بقاؤها لا فناؤها؛ فالبقاءُ مع التزكية -كما سلكت عليه الصحابةُ- أوفقُ بسر الحكمة من موتها الأتم كما سلك عليه معظم الأولياء.
— 371 —
نعم، إن في جرثوم [٭]: أي أصله. النفس جوعا شديدا، واحتياجا عظيما، وذوقا عجيبا. وإذا تحوّل مجرى سجاياها، انقلب حرصُها المذموم اشتياقا لا يشبع، وصار غرورُها المشؤوم وسيلةَ النجاة عن جميع أنواع الشرك، وتحول حبُّها الشديد لنفسها وذاتها؛ حبا ذاتيًّا لربها وهكذا.. حتى تنقلب سيئاتُها حسناتٍ.
اعلم أنه كما أن قيمةَ الإنسان المؤمن قيمةُ ما فيه من الصنعة العالية، والصبغة الغالية ونقوش جلوات الأسماء، وقيمةَ الإنسان الكافر أو الغافل قيمةُ مادته الفانية الساقطة.. كذلك قيمةُ هذا العالم تزيد بلا نهاية -إن نُظِر إليه بالمعنى الحرفي وبحسابه سبحانه- كما علَّم القرآن. وتسقط قيمتُه إلى درجة المادة المتغيرة الجامدة -إن نُظِر إليه بالمعنى الاسمي وبحساب الأسباب- كما علَّمَتْه الحكمةُ الفلسفية.
فالعلم المستفاد من القرآن المتعلق بالكائنات؛ أعلى وأغلى بما لا يُحدّ من العلم المستفاد من فنون الفلسفة.
مثلا: يقول القرآن: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (نوح:١٦) فانظر كيف يفتح بهذا الحُكم لفهمك مشكاةً إلى سلسلة جلوات الأسماء. أي أيها الإنسان! إن هذه الشمس بعظمتها مسخَّرةٌ لكم، ونورٌ لبيتكم، ونار لإنضاج مطعوماتكم بأمرِ مَن يرزقكم، فلكُم مالكٌ رحيم، عظيم القدر بدرجةٍ ما هذه الشموس إلا مصابيح له أُسرجت في منیزل معدّ للمسافرين فيما بين منازله الباقية، وهكذا فقس.
وأما ما تقول الحكمة من أن "الشمس نارٌ عظيمة متحركة على نفسها تطايرت منها أرضُنا وسيارات هي منظوماتها، وارتبطت بالجاذبة جاريةً في مداراتها".. فلا تفيدك إلّا حيرةً في دهشة، وعظمة صماء، وحكمة عمياء.
اعلم أنه لا حقَّ لك في أن تطلب حقا من الحق سبحانه، بل حقٌّ عليك أن تشكره دائما؛ إذ له الملك والحمد.
يا اللّٰه، يا رحمن، يا رحيم، يا كريم! اجعل هذا الكتابَ نائبا عني في تكرير هذه الشهادة بعد موتي إلى يوم الدين:
— 372 —
اَللّٰهمَّ يا ربَّ محمد المختار، يا رب الجنة والنار، يا رب النبيين والأخيار، يا رب الصديقين والأبرار، يا رب الصغار والكبار، يا رب الحبوب والأثمار، يا رب الأنوار والأزهار، يا رب الأنهار والأشجار، يا رب الإعلان والإسرار، يا رب الليل والنهار! نُشهدك ونُشهد حملةَ عرشك، ونُشهد جميع ملائكتك، ونُشهد جميع مخلوقاتك، بشهاداتِ جميع أنبيائك وبشهادات جميع أوليائك، وبشهادات جميع آياتك التكوينية والكلامية، وبشهادات جميع مصنوعاتك، وبشهادات ذرات الكائنات ومركباتها، وبشهادات حبيبك عليه أفضل صلواتك، المتضمِّنة شهادتُه لجميع تلك الشهادات، وبشهادات قرآنك، بأنّا كُلَّنا نَشهد بأنك أنت اللّٰه الواجب الوجود، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحق المبين، الحي القيوم، العليم الحكيم، القدير المريد، السميع البصير، المتكلم، لك الأسماء الحسنى. ونَشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، ونستغفرك ونتوب إليك.. وكذا نشهد بأن محمدا عبدك، ونبيك، وحبيبك، ورسولك، أرسلته رحمةً للعالمين.. فَصَلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه أبد الآبدين آمين آمين آمين..
في بيان جوهرة من كنوز آيةِ
﴿ ومَاخَلَقْت الْجِنَ والانْسَ الاَّ لِيَعْبُدونِ ﴾
(الذاريات:٥٦).
اعلم [٭]: الدرس العاشر من "المدخل إلى النور" وهو خلاصة "الكلمة الحادية عشرة" ونواتها. يا أيها السعيد الناسي لنفسك ولوظيفة حياتك! الغافِلُ عن حكمة خِلقة الإنسان، الجاهلُ بما أودع الصانعُ الحكيمُ في هذهِ المصنوعات المزيَّنة! أن مَثَل بناء هذا العالم وإدخال العالم الإنساني فيه، كمثل سلطان له خزائن فيها أصناف الجواهر، وله كنوزٌ مخفية، وله مهارةٌ في صنع الغرائب، وله معرفةٌ بعجائبِ فنونٍ لا تعد وبغرائبِ علوم لا تحد. فأراد ذلك الملك أن يُظهر على رؤوس الأشهاد حشمةَ سلطنتِهِ وشعشعةَ ثروته وخوارقَ صنعتِه وغرائبَ معرفته، أي أن يشهَد كمالَه وجمالَه وجلالَه المعنوية بالوجهين؛ بنظره، ونظر غيره.
فبنى قصرا جسيما ذا منازل وسرادقات. فزيّنها بمرصّعاتِ جواهر كنوزه، ونَقَشَها بمزينات لطائف صنعته، ونظّمها بدقائق فنون حكمته، ووسَمها بمعجزات آثار علومه، وفرش فيها سُفرةَ لذيذاتِ نعمه ونعمته. وهكذا مما يَظهر بمثله الكمالاتُ الخفية. فدعى رعيته للسير والتنیزّه، وأضافهم بضيافة لا مثل لها، كأن كل لقمة منها أنموذجُ مئاتِ صنعةٍ لطيفة. ثم عيّن أستاذا لتعريف ما في ذلك القصر من رموزِ تلك النقوش وإشاراتِ تلك الصّنائع،
— 373 —
ووجوه دلالات تلك المرصعات المنظومات والجواهر الموزونات على كمالات صاحبها، ولتعليم الناس آدابَ الدخول والمعاملات مع صانع القصر، فيقول لهم:
أيها الناس! إن مليكي يتعرف إليكم بإظهار ما في هذا، فاعرفوه.. ويتودَّدُ إليكم بهذه التزيينات، فتودَّدوا إليه بالاستحسانات.. ويتحبَّب إليكم بهذه الإحسانات، فأحبّوه.. ويرحم إليكم، فاشكروه.. ويتظاهر إليكم فاشتاقوا إليه. وهكذا مما يليق بمثله أن يقول للداخلين. فدخل الناس فافترقوا فرقتين: ففريق نظر إلى ما في القصر، فقالوا: لهذا شأن عظيم، فنظروا إلى المعلم الأستاذ فقالوا: السلام عليك! لابد لمثل هذا، من مِثلِكَ.. فَعَلِّمْنَا ممّا علَّمك سيدُك.. فنَطق فاستمَعوا فاستفادوا فعملوا بمرضيات الملِك.. ثم دعاهم الملك لقصر خاص لا يوصَف، فأكرمهم بما يليق بمثله لمثلهم في مثل ذلك القصر..
والفريق الآخر: ما التفتوا إلى شيء غير الأطعمة، فتعامَوا وتصامُّوا، فأكلوا أكلَ البهائم فتناموا، وشربوا من الإكسيرات التي لا تُشرب، فسكروا فتنهقوا، فشوشوا على الناظرين، فأخذهم جنودُه فطرحهم في سجن يليق بهم.
وأنت تعلم أن الملك لما بنى هذا القصر لهذه المقاصد، وحصولُ هذه المقاصد مربوطٌ بوجود هذا الأستاذ، وباستماع الناس له.. يحقّ أن يقال: لولا هذا الأستاذ لَما بنى الملكُ القصر، وإذا لم يستمع الناس لتعليمات الأستاذ المبلِّغ يخرب القصر ويبدَّل.
وإذا تفطنت لسر التمثيل فانظر إلى صورة الحقيقة.. أما القصر فهذا العالم الذي نُوّر سقفُه بمصابيح متبسمة، وزُيّن فرشُه بأزاهير متزينة. وأما الملك فهو سلطان الأزل والأبد الذي
﴿ تُسَبحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والارْضُ وََمَنْ فيهِنَّ وانْ مِن شَئٍ اِلاَّ يُسَبحُ بحمدِهِ ﴾
(الإسراء:٤٤)..
﴿ اللّٰه الذَّي خَلَقَ السَّمییواتِ والارضَ في سِتَّةِ ايّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْش يُغشى اللَّيْلَ النَّهار يَطْلُبُهُ حَثيثاَ والْشَمْسَ والقَمَرَ والْنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِاَمْرِهِ ﴾
(الأعراف:٥٤). وأما المنازل، فالعوالم المزيَّنة كلٌّ بما يناسبه. وأما الصنائع الغريبة، فهي معجزاتُ قدرته. وأما الأطعمةُ، فهي خوارق ثمرات رحمته. وأما المطبخ والتنور، فالأرض وسطحها. وأما الكنوز المخفية وجواهرها، فالأسماء القدسية وجلواتها. وأما النقوش ورموزها، فمنظوماته المصنوعات المرموزات ودلالاتها على أسماء نقاشها. وأما الأستاذ المعلم ورفقاؤه وتلامذته، فسيدُنا محمد
— 374 —
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي اللّٰه عنهم.. وأما حواشي الملك في القصر؛ فالملائكة عليهم الصلاة والسلام.. وأما المسافرون المدعوون للسير والضيافة، فالإنسان مع حواشيه من الحيوانات. وأما الفريقان، فأهل الإيمان والقرآن الذي يفسّر لأهله معانيَ آيات كتاب الكائنات. والفريق الآخر؛ أهل الكفر والطغيان التابعون للنفس والشيطان صمّ بُكم عميٌ هم
﴿ كَالانْعَامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ سبيلاً ﴾
(الفرقان:٤٤) لا يفهمون إلّا الحياة الدنيوية..
فأما السعداء الأبرار فاستمعوا للعبد الواصف لربه بی"الجوشن الكبير" وللمبلّغ بدلالته للقرآن الكريم. وأنصَتوا للقرآن؛ فصاروا نظّارين لمحاسن سلطنة الربوبية؛ فكبّروا مسبّحين، ثم صاروا دلالين لبدايع جلوات الأسماء القدسية؛ فسبّحوا حامدين وصاروا فاهمين بالطبع بحواسّهم لمدخرات خزائن الرحمة؛ فحمدوا شاكرين. ثم صاروا عالمين بجواهر كنوز الأسماء المتجلية بالوزن بموازينِ جهازاتهم؛ فقدسوا مادحين. ثم صاروا مطالعين لمكتوبات قلم القدرة؛ فاستحسنوا متفكّرين. ثم صاروا متنیزّهين برؤية لطائف الفطرة؛ فأحبّوا الفاطر مشتاقين. ثم قابلوا تَعَرُّفَ الصانع إليهم بمعجزاتِ صنعته بالمعرفة في الحيرة فقالوا: "سبحانك ما عرفناك حق معرفتك يا معروفُ، بمعجزات جميع مصنوعاتك.." ثم قابلوا تودّدَه إليهم بمزينات ثمرات الرحمة بالمحبة. ثم قابلوا تعطّفه وتعهّده لهم بلذائذ نعَمه بالمحمَدة والشكر، فقالوا: "سبحانك ما شكرناك حقَّ شكرك يا مشكورُ، بأَثْنِيَةِ جميع إحساناتك على رؤوس الأشهاد، وبإعلانات جميع نعمك ولذائذها في سُوق الكائنات، وبشهاداتِ نشائدِ منظوماتِ جميع ثمرات رحمتك ونعمتك لدى أنظار المخلوقات". ثم قابلوا إظهاره لكبريائه وكمالهِ وجمالهِ وجلالهِ في مظاهر الكائنات ومرايا الموجودات السيالة؛ بالسجود في المحبة في الحيرة في المحوية. ثم قابلوا إراءته وُسْعةَ رحمته وكثرةَ ثروته بالفقر والسؤال. ثم قابلوا تشهيره للطائف صنعته؛ بالتقدير والاستحسان والمشاهدة والشهادة والأشهاد. ثم قابلوا إعلانَه لسلطنة ربوبيته في أقطار الكائنات؛ بالتوحيد، بالإطاعة والعبودية بإعلان عجزهم في ضعفهم وفقرهم في فاقتهم. فأَدَّوا وظائف حياتهم في هذه الدار، حتى صاروا في أحسن تقويم، أعلى من كل الخلق خليفة أمينا ذا أمانة ويُمنٍ وإيمانٍ. ثم دعاهم ربُّهم إلى دار السلام للسعادة الأبدية فأكرمهم بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأما الفريق الآخر الفجّار الأشرار، فكفروا فحقَّروا بالكفر جميعَ الموجودات بإسقاط
— 375 —
قيمتها كما مرَّ سابقا. وردّوا جميع تجليات الأسماء فجنوا جناية غير متناهية فاستحقوا عقابا غير متناه.
أيها السعيد المسكين! أتحسب أن وظيفةَ حياتك حُسنُ محافظةِ النفس والتربية المدنية وخدمة البطن والهوسات؟.. أم تحسب أن غايةَ إدراج هذه الحواسّ والحسيات، والجوارح والجهازات، والأعضاء والآلات، واللطائف والمعنويات في ماكنة حياتك استعمالُها في هوَسات النفس الدنية في هذه الحياة الفانية؟ كلا! بل ما حكمةُ إدراجها في فطرتك إلّا إحساسُك جميعَ أنواع نِعَمه تعالى، وإذاقةُ معظم أقسام تجليات أسمائه.
فما غاياتُها إلّا أن تزن بتلك الموازين مدخراتِ خزائنِ رحمته، وأن تفتح بتلك الجهازات مخفيات كنوز جلوات أسمائه جل جلاله؛ بل ما غاياتُ حياتك إلّا إظهارك وتشهيرك بين إخوانك المخلوقات ما في حياتك من غرائب جلوات أسمائه.. ثم إعلانُك بحالك وقالك عند باب ربوبيته عبوديتَك.. ثم تبرُّجُك وتزيُّنك بمرصّعاتِ جواهرِ جلواتِ أسمائه للعرض والظهور لنظر شهود الشاهد الأزلي.. ثم فهمُك لتحية ذوي الحياة بالتسبيحات لواهب الحياة، ومشاهدتُك لها، وشهادتُك بها، وإشهادك عليها.. ثم فهمُك بمقياسيةِ جزئياتِ صفاتك وشؤونك لصفات خالقك وشؤونه المطلقة المقدسة.. ثم فهمُك الكلمات الموجودات الناطقات بتوحيده وربوبيته.. ثم تفطّنُك بأمثال عجزك وفقرك لدرجات تجليات قدرته وغناه.
وما ماهيةُ حياتك إلّا خزينةٌ وخريطةٌ وأنموذج وفذلكة ومقياس وميزان وفهرستة لغرائبِ آثارِ جلوات أسماء خالق الموت والحياة.. وما صورةُ حياتك إلّا كلمةٌ مكتوبة مسموعة مفهّمة لأسمائه الحسنى. وما حقيقتُها إلّا مِرْآتِيَّتُها لتجلي الأحدية. وما كمالها في سعادتها إلّا شعورُها بما تمثَّل فيها مع المحبة والشوق لما هي مرآةٌ له، وأما سائر ذوي الحياة فيشاركونك في بعض الغايات المذكورة لكن لا يساوونك، إذ أنت المرآةُ الجامعة كما رُوي: "ما يسعني أرض ولا سماء ويسعني قلب عبدي المؤمن". [٭]: الحديث "ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس باللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللّٰه ومحبته ومعرفته. أ هی. وانظر: أحمد بن حنبل، الزهد ص٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ الزركشي، التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ص٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢٥٥.
— 376 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
يا اللّٰه، يا رحمن، يا رحيم، يا فرد، يا حي، يا قيوم، يا حكم، يا عدل، يا قدوس
بحق اسمك الأعظم، وبحق آيات فرقانك الأحكم، صلّ على سيدنا محمد رسولك الأكرم بعدد ذرات وجودنا وبعدد عاشرات دقائق عمرنا وحياتنا، وأنیزِلْ علينا وعلى -ناشر هذه المجموعة من طلاب النور- وعلى طلبة رسائل النور السكينةَ والتمكين والاطمئنان كما أنیزلتَ على أصحابِ وآل نبيّك المختار عليه الصلاة والسلام، وأنیزِل علينا وعلى طلبة رسائل النور السكينة والإيمان الخالص واليقين الكامل والنية الصادقة والمتانة الأتم في خدمة القرآن والإيمان..
وآمِن فَزَعَنا بدفع البِدعِيَّات الهائلات عن شعائر الإسلام، وفرّح قلوبنا بإعلان الشعائر الإسلامية في العالم عن قريب الزمان. وبنشر رسائل النور بكمال الرواج بين عالم الإسلام. وسلِّمنا وسلِّم ديننا وسلم طلبة رسائل النور من تجاوز الملحدين.. وارزقنا وارزق طلبة رسائل النور السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة. واشف أمراضنا واجعل القرآن شفاء لنا ولهم من كل داء واجعلنا واجعلهم من الحامدين الشاكرين دائما آمين والحمد للّٰه رب العالمين.
وصلى اللّٰه على سيدنا محمد وآله وصحبه. أجمعين آمين..