المثنوي العربي
— 377 —

الرسالة الحادية عشرة

[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "نجم استقبال" بإسطنبول سنة ١٣٤٢هی (١٩٢٣م).
شُعْلَةٌ
من أنوار شمس القرآن
— 378 —
اعلم أن الفاطر الحكيم إنما ركّب في وجودك هذه الحواسّ، والحسيات، والجهازات لإحساس أنواع نِعَمه، ولإذاقة أقسام تجليات أسمائه.
فما غاياتُ حياتك وما حقوقها إلّا إظهارُك لآثار تجليات أسمائه، وتشهيرُ غرائبها لدى أنظار المخلوقات..
وما إنسانيتك؛ إلّا شعورُك بهذه الوظيفة.
وما إسلاميتك؛ إلا إذعانك بهذه المظهرية.
— 379 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحمد من اللّٰه.. وباللّٰه.. وعلى اللّٰه.. للّٰه.. كما يليق باللّٰه.. الحمد للّٰه على "الحمد للّٰه" بدور يدور بأنابيبَ في تسلسل وبتسلسل يتسلسل في دور دائرٍ بلا نهاية.
اَللّٰهمَّ إنا نقدّم إليك بين يَدَيْ كلِّ نعمةٍ ورحمةٍ، وبين يدي كلِّ عنايةٍ وحكمةٍ، وبين يدي كلِّ حياة ومماتٍ، وبين يدي كلِّ حيوانٍ ونباتٍ، وبين يدي كلِّ زهرةٍ وثمرةٍ، وبين يدي كلِّ صنعةٍ وصبغةٍ، وبين يدي كلِّ نظامٍ وميزانٍ، وبين يدي كلِّ سكونٍ وحركة في ذرات العالم ومركباتها شهادةً نشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيء قدير.. ونشهد أنّ محمدا عبدُه ونبيه وحبيبُه ورسوله أرسله رحمةً للعالمين.
اَللّٰهمَّ صلِّ على محمد بحرِ أنوارك، ومعدنِ أسرارك، وشمس هدايتك، وعين عنايتك، ولسان حجّتكَ، ومليك صنع قدرتك، ومثال محبتك، وتمثال رحمتك، وأحبّ الخلق إليك، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آلِ كلٍّ وصحبِ كلٍّ أجمعين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى عبادك الصالحين من أهل السماوات والأرضين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحانك يا مَن يُسبح بحمدك هذا العالمُ بلسان محمد عليه أفضل صلواتك وأتم تسليماتك.
سبحانك يا من تسبح لك الدنيا بآثار محمد عليه أنمى بركاتك.
سبحانك يا من تسبح بحمدك الأرضُ ساجدةً تحت عرش عظمتك بلسان محمدِها عليه أزكى تحياتك.
سبحانك يا من يُسبح لك المؤمنون والمؤمنات بلسان محمدهم عليه صلواتك أبدا سرمدا.
سبحانك أُسبّحك بلسان حبيبك محمد عليه أكمل صلاتك وأجمل سلامك، فتقبّل مني برحمتك كما تقبّلته منه.
— 380 —
اعلم أن عظمة وُسْعَةِ عمومِ آيةِ
تُسَبّحُ لَهُ السَّمییواتُ السَّبْعُ والأرضُ ومَن فيهِنَّ وانْ من شَىءٍ الاّ يُسبّحُ بحَمْده
(الإسراء:٤٤) اقتضتْ تفسيرا، فتوجهتُ إليها فترشحتْ متقطرةً منها في قلبي كلماتٌ مفسِّرات لها، وسُلَّم مرقاةٍ للصعود إليها. فهي منها وإليها. فإن أحببتَ أن ترشُف تلك القطرات المفسِّرات المترشحات من عُمان تلك الآية، والنازلات من سماوات عظمتها، فاستمع بقلب شهيد ما سيأتي واقرأ معي هذا:
سبحانك ما عرفناك -نحن معاشر البشر- حقَّ معرفتك يا معروفُ، بمعجزات جميع مصنوعاتك وبتوصيفات جميع مخلوقاتك، وبتعريفات جميع موجوداتك..
سبحانك ما أعظمَ سلطانَك وأوضحَ برهانَك!
سبحانك ما ذكرناك حق ذكرِك يا مذكورُ، بألسنة جميع مخلوقاتك، وبذوات جميع مصنوعاتك، وبأنفس جميع كلمات كتاب كائناتك..
سبحانك ما أجلّ ذكرَك!
سبحانك ما شكرناك حقّ شكرك يا مشكورُ، بأثنية جميع إحساناتك على أنظار ذوي البصائر، وبإعلانات جميع نِعَمك في سُوق الكائنات على رؤوس الأشهاد، وبشهادات نشائد جميع ثمرات رحمتك المُفْرغة تلك الثمراتُ في قوالب النظام والميزان..
سبحانك ما أوسعَ رحمتَك!
سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك يا معبودَ جميع ملائكتك وجميع مخلوقاتك بجميع أنواع العبادات وأصناف التمجيدات.
سبحانك ما سبّحناك حق تسبيحك يا مَن
تُسَبّحُ لَهُ السَّمییواتُ السَّبْعُ والأرضُ ومَن فيهِنَّ وانْ من شَىءٍ الاّ يُسبّحُ بحَمْده
.. آمنا.. نعم..
سبحانك يا من تُسبّحُ لك الملائكة بأجناسها المتفاوتة، بألسنتها المختلفة، بأذكارها المتنوعة.
سبحانك يا من تُسبّح لك هذه الكائناتُ بأفواه عوالِمها، وأركانِ عوالمها، وأعضاء
— 381 —
أركانها، وأجزاء أعضائها، وجزئيات أنواعها، وحُجيرات جزئياتها، وبفُوَيْهَاتِ ذراتها وأثير ذراتها؛ بألسنة نظاماتها الحكيمة، وموازينها العالية، وأحوالها المنظومة، وكيفياتها الموزونة بصُنعك الحكيم.
سبحانك يا من تُسبِّح بحمدك الجنةُ بأفواهِ بساتينها بنشائد حورها وقصائد قصورها، ومنظوماتُ أشجارها، ومتشابهاتُ ثمراتها الموزونة.. كما تسبّح لك أشباهُها هنا في ضرّتها.
سبحانك يا من يقلّب الليل والنهار وسخّر الشمس والقمر، تسبّح لك هذه السماوات، بمنظومات بروجها، بأفواه شموسها بكلمات نجومها، بلسان نظامها في ميزانها، وانتظامها في زينتها، وتلألئها في حشمتها، وانقيادها في مسخّريتها، وسكونتها في سكوتها، وحكمتها في حركاتها.
سبحانك يا من تُسبِّح لك طبقاتُ الجو بأفواه رعودها وبروقها ورياحها وسحابها وشهابها وأمطارها، بكلمات لمعاتها وقطراتها، بلسان نظامها في ميزانها في غاياتها وثمراتها.
سبحانك يا مَنْ تُسبِّح لك الأرضُ ساجدةً لعظمة قدرتك بمحمدها وقرآنها، بأفواه بحورها وجبالها وأنهارها وأشجارها، وبأصواتٍ واهتزازاتٍ صوتية -هما حيواناتها ونباتاتها- وبكلمات نورانية وحروف نورية -هما أنبياؤها وأولياؤها- بلسان نظامها وميزانها وحياتها ومماتها، وفقرها ويبسها، وتبرجها وتزينها، بإذنك الكريم وصُنعك الحكيم.
سبحانك يا من تسبح لك البحورُ بكلماتٍ -هي عجائبُ مخلوقاتها- وبمنظومات نغماتها بلسان نظامها وميزانها وحكمتها وغاياتها.
سبحانك يا مَن جعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، تسبّح لك الجبال بأفواه عيونها وأنهارها وأشجارها، بلسان نظاماتها وموازينها وغاياتها ومخازنها.
سبحانك يا من جعل من الماء كلَّ شيء حي.
ويا من تسبّح لك الحيوانات بأفواه حواسّها وحسياتها وجهازاتها وأعضائها وصنعتها وصبغتها وعقولها وقلوبها، بألسنة نظاماتها وموازينها، وبأسئلة استعداداتها واحتياجاتها ودعواتها وتنعّماتها، في أمطارها، وتقلباتها في أطوارها وحياتها ومماتها.
— 382 —
سبحانك يا مَن تسبح بحمدك الهوامُ في الهواء عند دورانها بزمزمة هَزَجاتها بشكرك، والطيورُ في أوكارها مع أفراخها بسجعاتها ونغماتها شكرا لك، بلسان نظامهما وميزانهما، وصنعتهما ونقوشهما وزينتهما كما تناديان على إحسانك، وتصيحان على نعمتك بإظهار شكرك في وقت تلذذاتهما بثمرات نعمتك، وتنعماتهما بآثار رحمتك.. كما تسبّح بحمدك الحشرات في قرارها بدمدمتها، والوحوش في قفارها بغمغمتها بألسنة نظاماتهما وموازينهما وصورهما وأشكالهما وتنعماتهما الكريمة وتقلباتهما الحكيمة..
سبحانك ما ألطفَ صنعَك وما أنفذ حكمك!
سبحانك يا مَنْ تُسبّح لك الأشجارُ صريحا بغاية الوضوح عند انفتاح أكمامها، وتزايد أوراقها، وتكامل ثمارها، ورقص بناتها على أيادي أغصانها؛ بأفواه أوراقها الخضرة، وأزهارها المتبسمة، وأثمارها الضاحكة بلسان نظاماتها وميزانها وطعومها اللذيذة، وألوانها الجميلة، وروائحها اللطيفة، ونقوشها المستحسنة، وزينتها المستملحة.. كما تمجّدك وتنادي على كمال رأفتك، وتصف تجليات صفاتك، وتُعرّف جلوات أسمائك، وتفسر تحببك وسياستَك لمصنوعاتك؛ بما يترشح من شفاه ثمارها من قطراتِ لمعاتِ جلوات تحبُّبك وتعهّدك لمخلوقاتك..
سبحانك ما ألطفَ برهانك في إحسانك، وأزيَن لطفك في توددك!
سبحانك يا من تُسبّح لك النباتاتُ بكمال الوضوح والبيان عند تنوّر أزهارها وتبسُّمِ بناتها وانكشاف أكمامها واشتداد حبوبها، بأفواه أزاهيرها وسنابلها بكلمات حباتها المنظومة وبذورها الموزونة بلسان نظامها الأرقّ وميزانها الأدق.. كما تمجّدك وتعرّفك وتشفّ عن وجه تحببك، وتصف صفاتك وتذكر أسماءك وتفسر تودّدك وتعرفك إلى عبادك بما يتقطر من عيون أزاهيرها وأسنان سنابلها، من رشحاتِ جلواتِ توددك وتعرفك إلى مخلوقاتك.
سبحانك ما ألطفَ برهانَك وما أنوَرَه وما أحلاه وما أزيَنه!
سبحانك يا من أنیزل الحَديد فيه بَأس شَديد ومَنافع للناس، تسبِّح لك المعادنُ بأنواعها وأجناسها وأشكالها وخواصّها وخاصياتها وفوائدها ونقوشها وتزييناتها، بلسان نظاماتها المرصوصة وموازينها المخصوصة.
— 383 —
سبحانك يا من تُسبّح لك العناصرُ باجتماعاتها المنتظمة بأمرك وقدرتك، وتركباتها الموزونة بإذنك وصنعك الحكيم.
سبحانك يا من تُسبّح لك الذراتُ بفُوَيهات تعيناتها ووظائفها بألسنة نظاماتها وموازينها، وعجزها المطلق في ذاتها مع حملها -بحولك- وظائفَ عظيمة، كما تشهد كلُّ ذرة منها على وجوب وجودك بلسان عجزها بنفسها عن تحمل ما لا تطيق هي على حملها من وظائفها العالية العجيبة في دقائق نظام الكون. حتى إن كلّا منها كمثل نحلة نحيلة حملت عليها نخلةً طويلةً، كما تشير كل ذرة منها إلى وحدتِك بنظر وظائفها وتوجه حركاتها إلى النظام العام المحيط الدال بالقطع على وحدة الناظم. ففي كل ذرة لك شاهدان على أنك واجب واحد. وفي كل شأن لك آيتان على أنك أحد صمد، بل وفي كل شيء لك شواهد وآيات على أنك واجبٌ واحد أحد صمد، جلّ جلالُك، ولا إله غيرُك، وحدك لا شريك لك.
اعلم أن وجودك وحواسّك وجوارحك إنما تنظر أولا وبالذات إلى صانعها الذي يربّيها ويدبّرها ووجوهُها متوجهةٌ إليه سبحانه، ولا تنظر إليك إلّا وظيفةً وبمقدار مالكيتك الموهومة.
فإن أشارت -لأجل حُسن تعهدك لها- إلى لمعةِ شعورك بكيفيةٍ حاصلةٍ من كسبك، فبالمشاهدة تصرّح بِعلمِ بارئها بما لا يحد من كيفياتها المنتظمة وأحوالها المتقنة.. وهكذا تُفصح بسائر أسمائه وصفاته المتجلية عليها.
وإن خَدَمَتْكَ بجهةٍ في دقيقة، خَدَمَتْ صانعَها بكل الوجوه في كل آن.. ومن خِدمتها تشهيرُها لغرائب آثار صنعة فاطرها الحكيم، وكذا امتثالُ الوظائف الفطرية المؤذنة بكمال الموازنة في سر التعاون المادي على لطائف رحمته تعالى ولفائفِ حكمته سبحانه. وكذا إعلاناتُها بلسان فهرستيَّتِها لغرائب الصنعة لمحاسن جلوات فاطرها الحكيم.
وإن نَظرتْ إليك بدرجة ما يصل إليها نظرُك السطحي وبمقدار ما يحيط بها علمُك الإجمالي، نظرتْ إلى صانعها بجميع ذراتها ومركباتها وكيفياتها وأحوالها، فما ميزان مالكيتك
— 384 —
الموهومة إلا درجةُ نظرك وتصرفك فيها، وما هو إلا كقطرة من بحر، فاعرف حدَّك ولا تجاوز طورَك.
فوجودُك وتوابعه له وجهان:
فبالوجه الناظر إلى الحق سبحانه له قيمة عالية غالية. وبالوجه الناظر إلى الخَلق لا قيمة له لفنائه وزواله.
إذ الوجه الأول يقول لك وللناظر: إنك صنعةٌ لطيفةٌ، وأثرٌ نظيف نیزيه لمن فطر السماوات والأرض. فحسبُك من الوجود وكمالِه ولذتِه وقيمته علمُك بأنك صنعةٌ للصانع الذي زيّن السماء بهذه النجوم والشموس، حتى صِرتَ أخا عزيزا صغيرا لهذا العالم، يخدمك أخوك الكبير.
والوجه الثاني يقول لك ناعيا باليُتم: إنك مجموعُ عناصر ترافقت باتفاقية عمياء، وعن قريب تتفرق بفراق أليم ومفارقة صماء. فلا تظلِم وجودَك بالتملّك ولا تَبْخَسْ حقَّه بقطعه عن الحق، المؤدي لإسقاطه من القيمة. فلا يقام له الوزنُ حينئذ؛ إذ قيمة ملايينِ سنة وألوفِ قنطار من هذا الوجود الأبتر المكفهر لا تساوي قيمةَ ذرة وآنٍ سيّالٍ لذلك الوجود المظهر المطهّر.. ألا ترى أنك ما اقتطعَك بارئُك اقتطاعا من مواد حاضرة، ولا أخذك أخذا من صُبْرة الكون، ولا اغترفَك اغترافا من بحر الوجود، كيفما اتفق؟ هل ترى في سُوق عالم الكون والفساد دكانا يُشترى منه العيون أو مخزنا ادُّخر فيه الأدمغة والألسنة، أو ماكينة تَصنع القلوب وتنسج الجلود؟ كلا ثم كلا! بل أنشأك بارئُك، واخترعك فاطرُك بصورة بديعة جامعة، وخلقك من شيءٍ كَلاشيءٍ، أو من كل شيء، حتى لا يطمع شيءٌ من الأشياء -ولو أعظمَ الأشياء الممكنة- في خلق شيء من الأشياء ولو أصغر الأشياء، وحتى لا يتطاول إلى دعوى خلق ذبابة مثلا من لا يقتدر على خلق السماوات.
فمن لا يقتدر على خلق كلِّ شيءٍ لا يقتدر على خلقِ شيءٍ مّا من الأشياء.
اعلم أن المادة التي يتصرف فيها الصانع الماهر فيُظهِر فيها صنعةً عجيبة قد لا تساوي قيمةُ تلك المادة عُشر مِعشار قيمة "الصنعة". كالزجاج الذي صُنع منه المرآة الإسكندرية مثلا. وقد تتوازن قيمةُ المادة والصنعة كالبقلواء [٭]: البقلواء: نوع من الحلويات والمعجنات المعروفة. النفيسة من يد طابخ حاذق، وقد تزيد عليها. وإن لكل من المادة وما فيها من الصنعة غاياتٍ وثمرات تغاير غاياتِ الآخر.
— 385 —
وأما مصنوعات الصانع الأزلي فأكثرها -بل كلُّها- من القسم الأول حتى كأن المصنوعَ صنعةٌ متجسمة، لاسيما ذوي الحياة، ولاسيما صغارِها التي تضاءلت فيها المادة وتلاشت في كثافة دقائق الصنعة، وقد يصير شيء واحدٌ غايةً لهما، لكن بجهتين كالرزق مثلا: فمن جهة المادة والحياة ما هو إلّا تغذٍّ بتلذذ جزئي زائل لحفظ الحياة وبقائها.
وأما من جهة الصنعة المعلَنة المثمِرة لآثار جلواتِ الصانع، فالرزق كنیز عجيب لطيف، وخزينةٌ غريبة نظيفة، إذ في الرزق حينئذ التحسس بإحساس جميع النِّعَم والشعور بها، والتذوق عند إذاقة أقسام تجليات أسماء الرزاق الكريم، والتشرف بها والتنوّر بفَهمها. فإن شئت فانظر إلى لسانك الذي هو واحد من ألوف آلات الارتزاق بالرزق المادي والمعنوي، كيف اشتمل هذا الجرم الصغير على جهازاتٍ ذائقاتٍ بعدد طعوم المذوقات. فإن انتبه وشَعَر ذو اللسان شكرَ هذا اللسانُ بهذه الألسنة الدقيقات في جهازه، لطائفَ نِعَم مَن أذاقه برحمته هذه النعمَ اللذيذات.
نعم، ومن شُكرِ النعمةِ -بل ألذُّ من النعمة- الشعورُ بالإنعام، ودركُ التِّفات المُنعِم.
اعلم أنه ما من مصنوع إلّا وهو منظوم، وما من مخلوق إلّا وهو موزون، قد أنشأه بارئُه صحيحا صريحا، وأنشده فاطرُه واضحا فصيحا. وإنّ ما يُرى في هذه الأشياء الدنيوية وما في أثاثات هذا البيت الفاني من "التنظيم" بحساب معدود وبنظام مسرود، ومن "التوزين" بموازين حساسة، والموازنة بمقاييس جساسة يرمزان بل يُفصحان بعظمة الحساب في الحشر وتحقق وجوده فيه، وإلى هيبة الميزان في عرصات القيامة، ووقوعه ووضعه فيها، إذ ما يشاهَد هنا ما هو إلّا بذور وأساسات ومباد ومبشّرات وشواهد وعلامات لمَا يتَسَنبلُ في الآخرة.
وإن كل ما نشاهد في هذا الكون ما هو إلَّا مصنوع، وأثرُ الصنعةِ عليه ظاهرٌ جلي، يكاد أن ينطق، ولا يُشاهَد صانعُه. وما يُتوهم من جنس الممكنات أنه صانعُ شيء، فهو أضعفُ وأعجز بمراتب غير محدودة من أن يكون صانعَه حقيقة. إذ لابد لتصنيع كل شيء وإنشائه لاسيما من جنس النباتات والحيوانات من آلات مختلفة، وتجهيزات متنوعة، وموازين حساسة كالموازين المستعملة في تركيب الأدوية والمعجونات. وليست فليس.. [٭]: أي إنه ليست للمصنوع تلك الآلات المذكورة. فليس له أن يصنع شيئا قط. مع أن عند كل مصنوع ومعه
— 386 —
وفوقه وفيه وتحته وقبله وآخره شيء، ومع ذلك الشيء كلُّ ما يلزم للمصنوع وجودا وبقاءً، وما ذلك الشيء إلّا من لمعات وتجليات أنوار قُدرةِ مَن خزائنه بين "الكاف والنون".
لكن، إنّ من الأسماء ما يقبل توسط الوسائط الظاهرية، فيتجلى ذلك الاسم في خلال الحُجُب، وخلفَ السرادقات؛ كالمتكلم، والرزاق، والوهاب، وأمثالها. وبعضها لا يقبل التوسيط ولو ظاهريا؛ كالخالق، والموجِد، والمحيي، وأمثالها. كمثل السلطان مع النفر؛ ففي نفس أرزاقه وسلاحه ولباسه لا واسطة، وفي تحريكه وتعليمه وتوظيفه وتلطيفه تتوسط الوسائط، لكن بإذن السلطان. إلّا أن التوسط هنا لعجز سلطان البشر وضعفه. وهناك لعزة سلطان الأزل وعظمته.
اعلم أني رأيت على رأس شُجيرة نابتة في صخرة، نوعين من الثمرات، فتحيرت منه! [٭]: أي تحيرت مما رأيت. فتحرّيتها فإذا أحد النوعين: ثمرتُها الخاصة بها يقال لها بالكردي "كِزْوان". [٭]: كزوان: الحبة الخضراء. والنوع الثاني كالباقلة بمقدار الأصابع، أو أصغر أو أكبر، مقوسة مجوفة كالمنیزل المعد للمسافرين. فأخذتُ من الثمرة الثانية واحدةً، وإذ فتحتها تسارعت إلى الطيران في الهواء طويرات، كالذر في الصغر، وهي التي تراها صافاتٍ كأخواتها من طويرات النمل والذباب، قبيل الغروب وهي ترقص في الضياء بجذبةِ الذكر، فلا تظنن أنهن لاهيات لاعبات؛ بل ما هن إلا مجذوبات ذاكرات للرحمن الذي يمسكهن في الهواء، وهي شبان وتُجعل لهن -وهي أجنة- هذه الباقلةُ -التي كما أنها لا تناسبهن لمخالفة الجنس ولا تناسب الشجيرة لمخالفة النوع- أوكارا كالأرحام لطيفةً حصينةً من أحسن الأوكار، فيها أرزاق نظيفة لذيذة.
فهذه الحالة تصرّح بأن هذه المعاملة إنما تصدر مِن نظرٍ وتدبير فوق نظرٍ هذا الجامد وهذه البهيمة؛ إذ لمّا لم يصلحا لهذا التدبير الحكيم؛ لزمتْ حوالة [٭]: بمعنى إحالة. هذا التدبير على خارجٍ عليمٍ، وهذا الخارج المتصرف لابد من أول الأمر البتة أن يحيط بكل أفراد هذين النوعين في جميع أقطار الأرض. وكذا بما يتعلق بهما، وكذا بمهدهما بالضرورة القطعية. ولا يكون هكذا إلّا مَن هو عليمٌ بكل شيء، وقدير على كل شيء.
— 387 —
أسألك يا من يجوِّز تصرف غير اللّٰه في ملك اللّٰه، ويا من يقبَل إمكان وجود التصادف في بعض لطائف صنع اللّٰه! كيف تسمع، أم كيف تفهم، أم كيف تعلم هذه الشجيرةُ لسانَ الذبابة التي باضت على رأس غصنها، مودعة بيضاتها في يد حمايتها، حتى تشرع الشجيرة في ذلك الآن تتخذ بألطف شفقة أوكارا أمينة كأرحام الأمهات، أو أرحاما كالأوكار رفيعةً، ومهادا مهتزةً في الهواء. فتأخذ الشجيرة من خزينة الرحمة رزقا كافيا، وافيا، لذيذا، عزيزا. فتدخره في تلك الأوكار في سبيل اللّٰه لمن ليس من أبناء جنسها، ولا من جنس بناتها، بل لمسافرين هم وديعة اللّٰه. فما هذا "التجاوب" بين هؤلاء المصنوعات إلّا آية شاهدة بأنّ كليهما -بل الكل، بل كلّ ما في الكون- خُدام سيد واحد، وتحت تدبيرِ مربٍّ واحد، وفي تربية مدبرٍ واحد، أحد صمد. آمنّا.
اعلم أن النظر إلى الهوام الذاكرات لفاطرها في جو الهواء بألسنة أحوالها وأطوارها ونقوشها المنظومة وأجسامها الموزونة المكتوبة كالكلمات المنقوشة كما تذكُر اللّٰه وتفهِّم ذكرَها لك -وإن لم تفهم هي بنفسها- بألسنتها المخصوصة وأصواتها الملفوظة، كأن كلَّ طُوَيرة منها كلمةٌ ناطقة بلسانها عينَ ما تنطق به ذاتها.. وكذا النظر إلى الحشرات المسبِّحات لخالقها في جوف الغبراء بألسنة نقوشها وتزيّناتها المكتوبة بقلم القدرة، كما تسبّح بكلامها الملفوظ المخصوص بها. لابد أن يفيدك أمورا أربعة:
فأولا: اطمئنان النفس بأنك في مأمن حصين وحصن أمين محاط من كل وجه بمولودات وأطفال وطفيلات تربيها شفقةُ عليم، وتدبّرها تربيةُ حكيم، وتزيّنها عناية كريم، وتحسن إليها رحمة رحيم. فأنت تحت نظر هذا العليم الحكيم الكريم الرحيم دائما..
وثانيا: لابد أن يفيدك ذلك النظر قناعة النفس، بأنك لستَ سدًى مهملا، غاربُك على عنقك [٭]: لعله: حبلك على غاربك. تسرح كما تشاء، وأن لست موكولا مفوَّضا إلى نفسك العاجزة عن أدنى حاجاتك الغير المحدودة حتى تقعد ملوما محسورا، متوحشا عن عجزك المطلق وحاجاتك الغير المحصورة. لأجل أنك ترى في تلك الصغار نظاما تاما خاصا في عموميته، عاما في خصوصيته. وميزانا حساسا في وسعته، وجساسا بالاقتصاد والإمساك في عين سماحته.
— 388 —
أيها الغافل! ألَا تتلو عليك هذه الحواشي الدقيقة، والكتب الرقيقة الموجودة في بعض الحروف الكبيرة أنك موزون بين موازين.. فَتَنَبَّهْ وأقِمْ الوزن بالقسط.. والحال أنك تلهو كمجنون بين مجانين، فتتبلّه وتخسر الميزان بالقسط. [٭]: أي بالخطأ.
وثالثا: لابد أن تلقّنك هذه الرؤية التوكلَ والاعتماد بأن من ترجوه لكل شيء وتخافه دائما، في نهاية القرب إليك في عينِ نهايةِ بُعدك عنه. يتصرف فيك وفيما حواليك بقدرته التي يتساوى بالنسبة إليها الأصغرُ والأكبر، والأقلُّ والأكثر، والأقرب والأبعد؛ لا تكلُّفَ ولا معالجةَ، ولا مباشرةَ اختلاطٍ في أفاعيلها بالحدس الشهودي. أفلا تقرأ عليك هذه الحقيقة أنْ: لا تخف ولا تحزن ولا تتوحش؛ إذ أينما كنتَ فهناك مُلكُه، وأينما توجهتَ فَثَمَّ وجهُه، وأنت في وطنك، ولو في بطن الأرض. وأنت تحت نظره، ولو في جوف العدم. تأخذك بإذنه وأمره الأيادي الرحيمةُ الكريمة الحكيمة من حال إلى حال، وطور إلى طور. لا تخرج من يدٍ إلّا وتسابقَ لأخذك يدٌ أخرى بالانتظام، ولا تُصادف في سفرك غُولَ التصادف أصلا. ولا تُظلَم بالعدم ولا يظلمك الفناء بالإعدام. وكم من عدم تَرى خلفه -إن اقتحمته- أو تحته أو فيه خزينةً من خزائن الرحمة مشحونة مما "هو يبقى" من جنس ما "هو يفنى" في هذا الوجود.
ورابعا: لابد أن تفيدك رؤيةُ صغار الهوام وضوحُ برهان المخلوقية التامة، والمصنوعيةُ العامة في كل شيء للصانع الواحد. وتُكْبِرَ في نظرك هذا البرهانَ بدرجة صغرها، [٭]: أي صغر المصنوعية والمخلوقية. وتُظهر بدرجة خفاها؛ [٭]: أي رغم خفائها. إذ من المحال أن يخرج المحاطُ من دائرة تصرف خالق المحيط، فخالقُهُ هو خالقُه بالضرورة القطعية. إلّا أن الصنعة فيها ابتلعت المادة وغمرتها، خلافا للمصنوعات الكبيرة.
اعلم أيها الغافل إن أكثر وسوستك إنما تنشأ من أمور أربعة:
فأولا: من نسيانك نفسك إلى درجة تنقلب شعرةُ الأنانية حبلا غليظا؛ لأنك لمّا نسيت اللّٰه بالهوى، فأنساك نفسَك، تغلظتْ أنانيتُك فتفسّقت مِن قشرها المتشقق بكبرها.
وثانيا: من قياس كلِّ ذي حياة على نفسك.. مثلا: إذا رأيت حيوانا فمع أن المشهود
— 389 —
حيوان معصوم، مأمون، ممنون؛ [٭]: أي سعيد. تفرضه إنسانا متفكرا محزونا متشتت الخواطر.. فتظن رقصه في فرح اضطرابا في ترح.
وثالثا: من قِصَر نظرك على تجلّي اسم الظاهر فقط، حتى تتوهم أن ما خرج عن دائرة هذا الاسم لا يرجع إلى دائرة مسمّاه. كلا، إن المسمّى الذي له الأسماء الحسنى، كما أنه هو فوق الفوق، فهو في أبطن البطون، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن.
ورابعا: مِن طلب تجلي الأحدية التي هي أعلى التجليات، وأبعدُها وأخفاها، وأبسطها في أوسعِ وأكثرِ وأرقِّ ما انبسطت إليها الكثرةُ وانتشرت؛ إذ تنظر إلى حيوان مثلا: فتفنى فيه بالقياس النفسي المار آنفا، فتدخل معك فيه أنواعُ حسياتك. مثلا: تتصوره مثلك حزينا لفراق أليفهِ أو وطنهِ، ومغموما بالتفكير في عاقبته ورزقه. فتتألم لمرض الشفقة من آلامه الموهومة، مع أنك لو دخلت في عالمه بالتحقيق لما رأيت شيئا مما توهمتَه حينما دخلت فيه بالفرض من طريق القياس النفسي.
وكما أخطأتَ بهذا القياس قد تخطئ أعظمَ خطأٍ بقياس آخر، وهو أنك ترى النحلة -مثلا- مصنوعة، فتقيس بلا شعورٍ صانعَها الواجبَ الواحد الحكيم الذي لا كلفة ولا معالجة ولا مباشرة بالاختلاط ولا تَعَمُّلَ في أفاعيله؛ قياسا على الممكن المسكين الكثير الكثيف المقيد المحدود الذي أفاعيلُه لا تكون إلّا بالمباشرة والمخالطة والكلفة والمعالجة؛ فتتوهم من هذا القياس قربَك وقربَ تلك المصنوعة -التي يجول قلمُ الصانع عليها الآن بل دائما- من صانعها المتقدس المتنیزّه المتعالي. نعم، هو جلَّ شأنه من جانبه سبحانه قريبٌ.. لا أقربَ منه، أقربُ من كل قريب، وأقربُ من حبل الوريد.. لكن أنت، وهذا المصنوعُ، من جهتكما بعيدان ببعدٍ لا نهاية له، كمثل الزجاجة التي تمثلت فيها الشمسُ بالتجلي فتلألأت بشعاعها، وتنوّرت بضيائها، وتزيّنت بانكسار الألوان السبعة التي في ضيائها، وانفتح من ملكوت قلب الزجاجة إلى ذات الشمس منفَذٌ وسبيلٌ فيُرى من ظاهر مُلكها تمثالُ الشمس مع لوازمه في بطن وجه تلك الزجاجة بالقرب من يدك. لكن إن مددت يَدَك ما وصلتَ إلى شيء، ولو مُدَّ يدك بسبعين بل بسبعمائة مثل قطر الأرض. حتى إن مَن في عقله بلاهةٌ وفي قلبه محبة للشمس، قد يريد
— 390 —
أن يصل إلى محبوبته الشمسِ في كل ما تلألأت فيه، مستندا بهذا الوهم السطحي، والرؤية الظاهرة.
وكذا قد يَطلب من كل ما تمثل فيه الشمس تمامَ ما سمعَه أو عرفَه من أوصاف ذات الشمس، ولوازماتها التي لا يسعها إلا مجموع عالم منظومتها، فإن لم يجد الأوصاف في المثال في شيء، يشرع ينكر وجود الشمس في ذلك الشيء. بل قد ينكرها مطلقا.
والقلب مرآة الأحد الصمد، لكن له شعورُ احتساس بما تجلّى فيه، وعلاقةُ مفتونيةٍ بما تمَثل فيه، خلافا لسائر المرايا. كما بيّنه الإمام الربّاني رضي اللّٰه عنه. وبهذه الخاصية يستعد القلب لسعادات لا تُعد.
فإن قلت: ما السر في اقتران فعاليةٍ خارقة في مصنوعٍ ذي حياة، مع سكونةِ ما حوله كأنه لا شيء هناك، ومع عدم ترشح هذه الفعالية المدهشة من أرق لفائفه إلى الخارج، ولو بمقدار ذرة؟
قيل لك، كما قيل لي في قلبي: لو كانت الفعالية للأسباب الإمكانية، ومن أنفُس الأشياء؛ لَلَزِم أن يكون في كل حيوان فاعلٌ مستقلّ، له علم محيط، وفي كل ثمرة صانعٌ قدير له قدرةٌ مطلقةٌ تامةٌ بحيث لا يتعسر على تلك القدرة خلقُ الأرض بما فيها، فحينئذ يكون الترشح والتفشي والانتشار والطغيان من الضروريات، ولكنْ هذا الأمن والأمان المشهودان في الكون والمكان، وهذا السكون والسكوت المرئيان في غير عالم الإنسان، وهذا الانقياد والسِّلم والسلام في هذا العالم في كل زمان ما هو إلّا لأن هذه الصنعة الموزونة، والصبغة المنظومة صنعة وصبغةٌ لمن
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُیینْ فيَیكونُ
(يس:٨٢) ولمن يقول:
﴿ وانْ مِنْ شَئٍ الاَّ عِنْدنا خَزَائِنُهُ ومَا نُنزِّلُهُ الاَّبِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
(الحجر:٢١). فنسبة فعلِك بيدك إلى فعلِكَ بأسرع الخيال، كنسبة الفعل بالخيال -لو أمكن- إلى فعلِ قدرة الباري بل لا مناسبة.
اعلم أيها السعيد المسكين المغرور! إنه ليس إليك منك من ألوف حاجاتك إلّا واحدٌ أو أقل. والباقي بالتمام مفوّضٌ باليقين إلى فاطرك الذي خلقك أولا كالفطير [٭]: الفطير: العجين الذي لم يتم تخميره بعد. بقدرته، ثم فتح صورتَك في الماء بلطيف صُنعه، لتصير مرآةَ أسمائه.. وشقّ سمعك وبصرك برحمته،
— 391 —
لتسمع الحقَّ وتعتبر بالخلق فتعرفَ الخالق.. وعلّق في كهف وجهك بعنايته لسانا لتذْكُره.. وأدرج في رأسك عقلا لتَعرفَه.. وأودع في صدرك جَنانا لتحبَّه.. ولَطَفَ بك في ظلمات الأحشاء، وتصرّف فيك بربوبيته كيف يشاء، وركّب في وجودك بحكمته هذه الحواسَّ بأنواعها، وهاتيك الأعضاء بأقسامها؛ لأجل إحساس جميع أنواع ثمرات نِعَمِهِ، ولإذاقة أقسام تجليات أسمائه.
فيا أيها الغافل المغرور! إلى كم تتهمه، وهو هذا وقد لطفَ بك هكذا. وتعتمد على ذرة اقتدارك الجزئي، فيفوّضك حينئذ إلى نفسك بسبب سوء اختيارك فتصير ظالما لنفسك لتحميلها ما لا طاقة لها به. وما بالك وما منعك أن تتوكل على مَن ناصيتُك بيده، وحاجاتُك راجعةٌ إليه حتى تُلقى -بالتسليم له- ما إليك على ما إليه. وتُلقيَ بالتوكلِ عليه نفسَك في سفينته الجارية بين طوفان الشؤون فتقول:
بِسْمِ اللّٰه مَجْريیییها وَمُرْسيیییها
(هود:٤١) حتى تستويَ على الجُودي الإسلامي، وتستريحَ في ساحل السلامة. ألاَ ترى أن شمس الحياة قد اقترب أن تغترب! وأن قمر الوجود قد انخسف بالشَّيب، واكفهرّ ببياض الهرم. وأن لا فائدة فيما سواه تعالى، بل كما أنه لا فائدة فيما سواه، إن لم يأذن به ففيه ضررٌ عظيم. فإن كان بدونه فكل شيء ضررٌ وعدو. وإن كان به فهو مُغنٍ عن كل شيء، فلابد من التَّرْكِ على الحالين:
أما في حالٍ، فلكونه ضررا محضا. وأما في حالٍ، فلتفويت طلب الغير غاية الغايات مع فوات نفسه.
نعم، وبدونه الألمُ أزيد من اللذة في كل لذة، بل اللذة بدونه ألمٌ مموّه... ففروا إلى اللّٰه (الذاريات:٥٠) فإن عنده من كل شيء -يفنى عندكم- ما هو يبقى من نوع ذلك الشيء، فما يزول هنا ولا يدوم بدونه، يستمر هناك ويدوم به. مع أن الوقت ضيّق.. ألا ترى أنك في سكراتِ الموت، إذ تمامُ عمرك سُكر في سَكَرات، وسَفَر في سقطات. فارفع رأسك من الدنيا، كي ترى عند بارئك نعمةً أبدية، ورحمة سرمدية، ومحبة أزلية.
اعلم أيها المتفكر المتحير المتحري! إذا انتهى علمُك إلى شيء، أو رأيت في شيء جهةً من عدم التناهي، فسبّح بحمده تعالى على قُربك إلى الحق؛ إذ المجهولية واللاتناهية عنوانان وعلامتان نُصبتا على حدود تصرّف ربوبيته المطلقة جل جلاله.
— 392 —
اعلم أيها الوهّام! إذا تهاجمتْ عليك الأوهامُ، فانظر يمينا لترى دوائر تصرف الخلاقية تتناظر متضايقةً، من دائرة المجرّة ومدار السيارات؛ متسلسلة إلى دائرة الجوهر الفرد ومدار الذرات. ومن خلق السماوات مسردةً، إلى خلق الثمرات. ومن إنشاء الأرض، إلى إيجاد الأرَضَة الآكلة للشجرة بتناظر وتشابهٍ وتساند. تدل على اتحاد القَلَم، ووحدةِ السكّة، وأنت في وسط مخروط الكائنات قائمٌ، حامل للأمانة، مقلَّد بالخلافة.
ثم انظر شمالا لترى النظام العام يأمر بالعدل في كل شيء، وترى الميزان التام ينهى عن الميل في كل شيء. ففي ذاك؛ ما هو كالبرق يطيِّر الأوهامَ. وفي هذا؛ ما هو كالرعد يطردُ الأحلامَ.
ثم انظر إليك، لترى نفسَك وجسمَك مصنوعَين من الرأس إلى القدم، من أصغر حُجيرة، إلى تمام بدنك الذي هو أيضا حُجيرة كبرى.
ثم انظر في قلبك، إلى فوقك، لترى بإيمانك أنوار نور الأنوار.. الذي خلق النور.. ونوّر النور.. وصوّر النور.. ونفذ أنوارُ تجلياته في كل شيء جلّ جلاله.
اعلم أن استعمال اسم التفضيل في بعض أسماء اللّٰه وصفاته وأفعاله كی أرحم الراحمين و أحسن الخالقين ، و"اللّٰه أكبر" وغير ذلك لا ينافي محضَ التوحيد. إذ المراد تفضيل الموصوف بالحقيقة وبالذات، على الموصوف بالوهم وبالنظر الظاهري الأسبابي أو بالإمكانات العقلية. وكذا لا ينافي عزةَ الواحد القهار؛ إذ ليس المراد منه الموازنة بين صفاته أو فعله في نفس الأمر، وبين صفات المخلوقين وأفعالهم؛ لأن مجموع ما في المصنوعات من الكمال ظل مُفاضٌ بالنسبة إلى كماله سبحانه. فلا حقَّ للمجموع -من حيث المجموع- أن تكون له نسبةُ موازنةٍ معه، حتى يصير مفضَّلا عليه.. بل المراد الموازنةُ بين أثرِه الخاص على مفعولٍ خاص، وتأثّرِ المفعول من تأثيره الحقيقي فيه على درجة استعداده الخاص.. وبين أثر الوسائط الظاهرية في ذلك الشيء الخاص وتأثره منها. كما يُقال لنفر لا يعظّم إِلّا جاوِشَه [٭]: جاوش: رتبة عسكرية تقابل العريف. ويحصُر شكرَه وحرمته عليه: يا هذا! السلطانُ أعظمُ وأرحم من جاوشك.. وليس المراد المفاضلة بين الجاوش والسلطان في نفس الأمر؛ إذ هو هزلٌ، ما هو بالجد. بل المراد المفاضلة بالنسبة إلى ذلك النفر، باعتبار درجة مربوطيته بالسلطان حقيقةً، وبالجاوش تبعا مع إذن السلطان.
— 393 —
وأما "أرأف من كل رؤوف"، و"أكرم من كل كريم"، و"أعز من كل عزيز" وأمثالها؛ فالمراد أن لو اجتمع جميع رَأَفات جميع الكرماء على شخص، ما ساوت ما أصاب ذلك الشخص من بحر رحمته التي لانهاية لها. ففيها تفضيلٌ من أربعة أوجه: إذ المفضّل حقيقي وواحد وفي واحد وبواحد. والمفضَّل عليه اعتباري، وجماعة، وبجميع ما في أيديهم، لا يساوي حصة واحدة، في شخص واحد مما لا يتناهى من فيض الأحد الصمد.. وكما قال تعالى:
﴿ انَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دون اللّٰه لَنْ يَخْلُقُوا ذبَاباً ولو اجْتَمَعوا لَهُ ﴾
(الحج:٧٣).
اعلم أن لفظ "اللّٰه" يدل بالدلالة الالتزامية، على معاني كل الأسماء الحسنى وعلى جميع الأوصاف الكمالية. خلافا لسائر الأعلام الدالة على ذوات المسميات فقط.. بسرِّ أن صفات سائر الذوات ليست بلازمة للذوات، فلا يدل اسم الذات على صفتها، لا مطابقةً ولا تضمنا ولا التزاما. وأما الذات الأقدس؛ فلوجود اللزوم البيّن بينَه وبين صفاته وأسمائه.. وكذا لاستلزام الألوهية لها، يدل اسمه العَلَمي على جميع صفاته بالدلالة الالتزامية.. وكذا لفظ الإله، في سياق النفي. [٭]: أي في: لا إله إلّا اللّٰه.
إذا علمت هذا ؛ فاعلم أن "لا إله إلا اللّٰه" يتضمن من التوحيد، ومن أحكام التوحيد عددَ الأسماء الحسنى.. فهذا الكلام الواحد يشتمل على ألوف كلام، كلُّ كلام مثل هذا الكلام مركّب من نفي وإثبات. ولأجل أن النفي يتوجه إلى فردٍ فردٍ بالاستغراق الفردي؛ يكون في الإثبات إثباتُ مجموعِ ما نُفيَ عن الغير، بالقاعدة المقررة في المنطق. فكأنه قيل: "لا خالق، ولا رازق، ولا قيّوم، ولا مالك، ولا فاطر، ولا قهار، إلّا اللّٰه".. وهكذا، فيمكن أن ينبسط هذا الكلام للذاكر المترقي في الأطوار والمراتب، على كل مراتبه وأحواله. فيكون التكرار كالتأكيد بالتأسيس.
اعلم أنك إذا عرفتَ أن الكلَّ منه تعالى وأذعنتَ به، لابد أن ترضى بما سرّ أو ضرّ. وإن لم ترضَ، اضطررتَ إلى الغفلة. ومن هذا السر وُضِعَت الأسباب الظاهرية وغُطّيت الأعين بالغفلة؛ إذ ما من أحد إلّا وما يخالف هَوَسَه وهواه ومشتهاه ومناه -من حادثات الكائنات- أزيدُ وأكثر مما يوافقها.. إذ ما بُنيت الكائناتُ على هندسةِ هَوَسِ ذي الأماني، بل
— 394 —
تجري الرياح بما لا تشتهي السُّفن. [٭]: للمتنبي: ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِّياحُ بِما لا تَشتَهي السُّفُنُ فلو لم ير المرءُ ذو الهوى هذه الأسبابَ، ولم يغفل عن مسبِّب الأسباب لتوجّه اعتراضُه الباطلُ وكراهتُه ونفرته وحدّتُه وغيظه الواهية إلى الفاطر الحكيم والمالك الكريم. فإذا رمى الغافلُ سهمَ اعتراضه أصاب الفلك [٭]: الفلك: الدهر، المقدرات الإلهية، القدر. أو الشيطان أو انعكس إلى رأسه ونفسه.
اعلم أنك إذا أمعنتَ النظر، تفطنت أن بُعدَ "الممكن" عن درجة الإيجاد، بمراتبَ غيرِ متناهية، بالنسبة إلى مقدار ما يُشاهد في ذلك المصنوع المستند إلى ذلك الاقتدار الغير المتناهي.
اعلم أن الدعاء على ثلاثة أقسام:
الأول: دعاء الإنسان، بهذا اللسان بالقول. وكذا الحيوانات الصائحات بألسنتها المخصوصة، في الحاجات المشعورة لهم.
والثاني: الدعاء بلسان الاحتياج، كدعاء جميع النباتات، والأشجار "لا سيما في الربيع". وكذا في كل الحيوانات في الحاجات الضرورية الغير المشعورة.
والثالث: الدعاء بلسان الاستعداد، كدعاء كل ما فيه نشوء ونماء، وتحوّل وتكمّل. فكما أنَّ
﴿ وان من شيء الاّ يسبّح بحمده ﴾
(الإسراء:٤٤) كذلك إن من شيء إلّا ويدعوه، ويشكره بذاته وحاله دائما، كما قد يدعو بلسانه.
اعلم أن النواة قبل أن تتشجّر، والنطفة قبل أن تتبشّر، والبيضة قبل أن تتطيّر، والحَبَّة قبل أن تتسنبل، لابد أن تكون تحت تدبيرِ علمٍ تام نافذ وتربيةٍ، لتُساقَ مِن بين ما لا يُحَدّ من الطرق العقيمة المعوجّة إلى الصراط المستقيم المنتجَة. فما هو إلّا علمُ علام الغيوب الذي يصوِّر في الأرحام كيف يشاء، عالمُ الغيب: "غيبِ الماضي، والمستقبل" والشهادة "شهادة الحال الحاضر". فكأن كلا من النواة والنطفة والبيضة والحبة تذكرةٌ مختصرة استنسخت من "الكتاب المبين" من كتب القُدرة.. أو فهرستةٌ استُخرجت من "الإمام المبين" من كُتب العلم الأزلي ومكتوباته.. أو دساتيرُ استُنبطت من "أم الكتاب" من كُتب القَدَر الأزلي، لاسيما من باب الميزان والنظام.. أو فذلكةُ أوامرَ متمثلة متمركزة ممتزجة تنیزلتْ من ربوبية القدير على كل شيء، العليم بكل شيء جلّ جلاله.
— 395 —
اعلم أن نظر المؤمن إلى المصنوعات حرفيٌّ؛ إنما ينظر إليها لتدل على معنى في غيرها. وأما نظرُ الكافر إليها، فقصدي اسميٌّ؛ لتدل على معنى في نفسها.
ففي كل مصنوع وجهان:
وجه، ينظر إلى ذاته وصفاته الذاتية. ووجه، ينظر إلى صانعه، وإلى ما تجلى إليه من أسماء فاطره.. والوجه الثاني أوسع مجالا، وأكملُ مآلا؛ إذ كما أن كل حرف من كتاب يدل على نفسه بمقدار حرف وبوجهٍ واحد، ويدل على كاتبه بوجوه كثيرة، ويعرّف كاتبه ويصفه للناظر بمقدار كلمات كثيرة.. كذلك إن كل مصنوع الذي هو حرفٌ من كتاب القُدرة، يدلّ على وجوده ونفسه بمقدار جِرمه ونفسِه وبوجهٍ واحد، وهو وجوده الصُّوري. لكن يدل على نقّاشه الأزلي بوجوه متنوعة كثيرة، وينشد من أسمائه المتجلية على ذلك المصنوع، بمقدار قصيدة طويلة.
ثم إن من المقرر أن المعنى الحرفي، لا يُحكَم عليه بالأحكام القصدية، تصديقا وتكذيبا. ولا يستتبع اللوازم، [٭]: أي ولا يستتبع لوازم الحكم. إلّا بنظر ثانوي. فلهذا لا يتغلغل ذهنُ ناظره في دقائقه، إلّا إذا نظر قصدا، فحينئذ يصير الحرفُ اسما. بخلاف المعنى الاسمي. [٭]: أي يكون محل حكم تصديقا وتكذيبا (ت: ٢١٦)
فمن هذا السر ترى كتبَ الفلاسفة أحكَمَ فيما يعود إلى الكائنات في أنفسها، مع أنها أوهنُ من بيت العنكبوت فيما يعود إليها بالنسبة إلى صانعها. [٭]: إن الأحكام التي تخص الكائنات بذاتها تبدو في كتب الفلاسفة قوية في الظاهر إلّا أن حقيقتها أوهن من بيت العنكبوت (ت: ٢١٦) وكلام المتكلمين مثلا لا ينظر إلى المسائل الفلسفية والعلوم الكونية إلّا بالمعنى الحرفي التبعي والاستطرادي، وللاستدلال فقط.. حتى إنه يكفي لهم أن تكون الشمس سراجا، والأرض مهادا، والليل لباسا، والنهار معاشا، والقمر نورا، والجبال أوتادا أي بمشّاطيتها للهواء ومخزنيتها للماء والمعادن، وحمايتها للتراب عن التوحل، وتسكين غضب الأرض المتزلزلة بتنفسها فيها، ولا يكفي للفلسفي إلّا أن تكون الشمس مركزَ عالمِ منظومتها، ونارا عظيمة بدرجة تتطاير السيارات مع أرضنا حولها كالفَراش المبثوث. وهكذا، حتى لو لم يطابق رأيُ المتكلمين الواقعَ، مع مطابقة الحس العمومي، والتعارف العام لما ضرَّهم، ولا استحقوا التكذيب. [٭]: لأنهم لم يذكروا الرأي إلّا للاستدلال والاستطراد. فلهذا يُرى آراؤهم بادي الرأي أضعفَ وأدنى طبقةً في المسائل الفلسفية، وأقوى من الحديد في أساسات المسائل الإلهية.
— 396 —
ومن هذا السر أيضا تصير الغلبةُ في الأكثر في الأوائل في الأولى لأهل الضلال، فيما يعود إلى الدنيا وإلى ظاهر هذه الحياة. إذ هم بجميع لطائفهم الساقطة إلى درجة نفوسهم، متوجهون قصدا وبالذات إلى الدنيا قائلون بأعمالهم:
﴿ ان هي الا حياتنا الدنيا ﴾
(الأنعام:٢٩) ولكن العاقبة للمتقين الذين قيل لهم ولسيدهم:
﴿ وللآخرةُ خَيْرٌ لَكَ مِن الاولى ﴾
(الضحى:٤)
وما الحَيَاةُ الدنيا الا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلَدارُ الاخِرةُ خَيْرٌ لِلَّذين يَتَّقُونَ افلا تعقلون
(الأنعام:٣٢)
﴿ وانَّ الدَّار الآخِرةَ لَهِيَ الحَيوانُ لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
(العنكبوت:٦٤) فحسبنا اللّٰه ونعم الوكيل، فنعم المولى ونعم النصير.
اعلم أن عفوَه تعالى فضلٌ، وعذابَه عدلٌ؛ إذ كما أن من أكل سمًّا، فهو مستحق للمرض بحكم عادة اللّٰه المستمرّة. فإن لم يمرض، فهو فضل وكرامة من اللّٰه بخرق العادة.
نعم، مناسبة المعصية للعذاب قويةٌ بدرجة من القوة، حتى ضلّت فيها المعتزلة فأسندوا الشرَّ إلى غيره تعالى، وأوجبوا الجزاء عليه. واستلزامُ الشر للعذاب -بسر النظام العام- لا ينافي كمال الرحمة ؛ إذ هذا الضرر الجزئي متصلٌ بأنبوب في سلسلةِ نظام محيط تدلت منه كالعناقيد خيراتٌ كثيرة. مع أن تركَ هذه الخيرات الكثيرة لمنع هذا الضرر الجزئي والشرِّ القليل ضررٌ كلي وشرٌّ كثير، وهو ينافي حكمةَ عدالة العدل الحكيم الكريم.
أيها الإنسان الظلوم الجهول! اتّق الشرَّ ما استطعت. وإلّا استحققت جزاءَ تركك [٭]: جزاء تركك الخير. مع جزاء تفويتك لنتيجةِ سائر الأسباب السابقة عليك، في سلسلة مبادي وجود النتيجة. إذ الشرُّ عدمٌ. وبعدم الجزء الآخر من العلة ينعدم المعلول. فيعود على الجزء الآخر كل ضررِ عدمِ المعلول. إلّا أن ثمرات الوجود لا تعود إليه إلا بمقدار حصته، إذ وجود الجزء ليس علةٌ لوجود الكل. فمن هنا يُرى كمال عفوه تعالى وكمال فضله؛ إذ يجزي بالشر مثلَه، وبالخير عشرةَ أمثاله. مع اقتضاء الاستحقاق الواقعي عكسَه. [٭]: حيث إن الحسنات لأنها إيجابية ووجودية فلا تتعدد ماديا ولا تحصل بإيجاد العبد، فالمفروض أن تكتب حسنة واحدة، بعكس السيئات التي تتعدد وتتجاوز، فالمفروض أن تكتب ألف سيئة. راجع -إن شئت- رسالة "حكمة الاستعاذة-اللمعة الثالثة عشرة"، ففيها التفصيل الشافي. وكذا يُرى ظلمُ البشر بحكمهم بعكس الواقع.
اعلم أن الإنسان مبتلًى بالنسيان، وأسوأ النسيان نسيانُ نفسه. إلّا أن نسيان النفس
— 397 —
إن كان في المعاملة والخدمة والسعي والتفكر فهو الضلال، وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال. فأهل الضلال وأهل الهدى متعاكسان في النسيان والتذكر؛ أما الضال فينسى نفسه عند النظر للعمل وتطبيقِ دساتير الوظيفة، بل يمدّ نظرَه إلى الآفاق لتطمين الأنانية المتفرعنة، وغرورِه المنبسط الذي تضيق عنه النفسُ. لكن يتذكر نفسه في كل شيء من الغايات فتيلا أو نقيرا. حتى لا غاية عنده إلّا ما يعود إلى نفسه. وإن غاية الغايات في نظره حب ذاته.
وأما من زكّاها فيتذكر نفسَه قبل كل شيء عند السعي والسلوكِ في الحركة، أو التفكر فكأن نفسه واحد قياسي ومبدأ مركزي لكل عملٍ وتفكر. لكن ينسَى نفسه في النتائج والأعراض والفوائد والمقاصد. حتى كأن نفسه فانية، وداخلة في لا شيء، أو مملوكة خَدمت سيدَها بلذة الإخلاص، في وظيفة عائدة من كل وجه إلى السيد. فلا حقَّ لها في مقاضاة شيء، فما أعطى سيدُها لها تراه النفس من محض الفضل.
اعلم أن سر تساند المؤمنين في عباداتهم ودعواتِهم في جماعاتهم سرٌّ عظيم وأمر جسيم له شأن فخيم؛ إذ يصير به كلُّ فرد كالحجر المجصوص، في البناء المرصوص. يستفيد من إخوانه في الإيمان، بألوفِ ألفِ ألفِ ما يستفيد من عملِ نفسه. فإذا نظّمهم سلكُ الإيمان يصير كلٌّ لكلٍّ، وللكلِّ شفيعا وداعيا ومسترحما وراجيا ومادحا ومُزكيا. لاسيما لرئيسهم ورأسهم. [٭]: المقصود الرسول الأعظم. (ت: ٢١٧). فيتلذذ كلُّ فرد بسعاداتِ سائر إخوانه كتنعّم الأم الجائعة بلذة ولدها، والأخِ الشفيق بسعادة شقيقه. حتى يصيرَ هذا الإنسان المسكين الفاني مستعدا لعبوديةِ خلّاق الكائنات، وقبول السعادة الأبدية.
فانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإذا تراه، وهو يدعو بی"يا أرحم الراحمين"، ترى الأمة كلهم يقولون: "اَللّٰهمَّ صل وسلم على عبدك وحبيبك محمد بحرِ أنوارك، ومعدن أسرارك، وناشر ذكرك وشكرك، ودلّال محاسن سلطنة ربوبيتك". فيزكّونه عند ربهم، ويحببونه إلى مَن أرسله رحمة لهم، ويؤيدون شفاعته. وكذا ينادون بلسان عجزهم المطلق وفقرهم المطلق، غناءَه -سبحانه- المطلق، في استغنائه الأكمل. وينادون جودَه المطلق في عزته الأجلّ. وينادون بلسان عبوديتهم المطلقة ربوبيتَه المطلقة. وبهذا التعاون العُلوي المعنوي يترقى الإنسان من
— 398 —
أسفلِ سافلي الحقارة والصغر والعجز؛ إلى أعلى عليي الخلافة، وحملِ الأمانة وقابلية المُكَرَّمية بتسخير السماوات والأرض له.
اعلم أن من بَعُدَ عن شيء لا يرى كما يراه القريب منه، ولو كان البعيد أشد ذكاءً وأحدّ بصرا. فإذا تعارضا ترجّح القريب مطلقا. فالفلاسفة الأوروبائية المتغلغلون في المادية، تباعدوا بمراتب عديدة، ومسافات طويلة عن مقام الإسلام والإيمان والقرآن. فأعظمُ فلاسفتهم لا يساوي عاميًّا يفهم بالإجمال مآل القرآن فقط.
هكذا شاهدتُ وهو الواقع. فلا تقل: مَن كشف خواصّ البرق والبخار كيف لا يفهم أسرارَ الحق وأنوارَ القرآن؟ نعم، ليس له، إذ عقلُه في عينه، [٭]: أي لا يفهم ولا يصدّق إلّا ما يرى. والعينُ لا ترى ما يراه القلب والروح، لاسيما مع البُعد، ولاسيما عند موت القلب بانقلاب الغفلة إلى الطبيعة
﴿ طَبَعَ اللّٰه على قُلُوبِهِمِ وسَمْعِهِمْ وابصْارهِمْ ﴾
(النحل:١٠٨).
اعلم أن من أعظم كُفران النِّعم، ومن أشد تكذيب الآلاء، عدمَ الشكر على ما عَمَّه وغيرَه كالسمع والبصر، أو دام واستمر كالنور والنار، أو أحاط وطمّ كالهواء والماء؛ بل إنما يشكر اللّٰه على ما يخصّه من دون الناس، أو يتجدد عليه، أو يندر لندر الحاجة. مع أن الأعمَّ الدائم الأدوم هو النعمة الأعظم الأتم. العموم يدل على كمال أهميتها، والدوامُ على غلو قيمتها.
اعلم أن من آياتِ أنه تعالى
﴿ واحصْى كُلَّ شَئٍ عَدداً ﴾
(الجن:٢٨) التساوي والتوازن والانتظام بين أعداد المتجاورات والمتقابلات والمتشابهات كالأصابع في الأيادي، والحبات في السنابل، والنواة في الثمرات، والأوراق في الأزهار.. فسبحان من أحصى كلَّ شيء عددا وأحاط بكل شيء علما.
اعلم أن التلقيح والتولد مع التربية الشفيقة وظيفتان عامتان نافذتان ساريتان إلى أصغر الأشياء. لهما مكافأة عاجلة هي اللذة المودعة فيهما. فعموم جود المحسن الكريم، مع شدة شوق كل الأشياء (المزدوجة) في إيفاء هاتين الوظيفتين بالمشاهدة؛ يدلان على أن النباتات والأشجار والمعادن بل الجامدات أيضا لها حصة من هذه النعمة واللذة بوجهٍ يليق بها. فمراعاة المكافأة
— 399 —
والرحمة والعدل بهذه الدرجة، وسرُّ
﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾
(الأعراف:١٥٦) وكثرة الروايات المؤيدات للمكافأة والقصاص في الحيوانات في الحشر؛ تشير إلى بقاء أرواح الحيوانات ومكافأتها على وظائفها التي امتثلوها بكمال الإطاعة والانقياد. [٭]: عن أبى هريرة رضي اللّٰه عنه أن رسول اللّٰه (ص) قال: "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء": رواه مسلم برقم ٢٥٨٢ والترمذي ٢٥٣٥ (تحفة الأحوذي). (ومعنى الجلحاء: التي لا قرن لها). وأما المنقلب ترابا بعد الحشر فهو أجسادُهم. إلّا أنه يجوز أن يجتمع تمامُ نوعٍ منه -مجتمعا، أو فردا فردا- في جسد شخص مبارك، كالناقة المذكورة في القرآن، والكبش والكلب والهدهد والنملة وغيرها.
اعلم أيها السعيد المسكين الحريص على بقاء الوجود، في هذه الدنيا الفانية، فرغمًا على أنفك تفنى إلّا ما أبقاه الباقي. ويزول وجودُك إلّا ما تَوجَّه إلى جهته سبحانه. وتنطفئ حياتُك، إلّا ما أفنيته في سبيله.
فما دام هذا هكذا.. فقل: حسبي من البقاء أن اللّٰه المالك الباقي.. وحسبي من لذة البقاء علمي بأنه معبودي الباقي.. وحسبي من غاية البقاء معرفتي بأنه ربي الباقي.. وحسبي من البقاء وكمالِه إيماني بأنه موجدي الباقي.. حسبي من الوجود كوني أثر واجب الوجود.. حسبي من قيمة الوجود أني صنعة مَن فَطر السماوات والأرض.. حسبي من غاية الوجود، علمي بأني صبغةُ من زيّن السماء بمصابيح، والأرض بأزاهير.. حسبي من لذة الوجود، علمي بأني مصنوعُه ومخلوقُه وهو ربي ومُوجدي.. حسبي من الحياة، مَظهَريّتي لتجليات أسماء خالق الموت والحياة.. حسبي من الحياة وحقوقها وغاياتها، إظهاري على رؤوس الأشهاد، وتشهيري بين ذوي الإدراك من إخواني الكائناتِ، وإعلاني في سُوق العالم -بسرِّ جامعيةِ وجودي- لغرائب آثار تجليات أسماء خالق السماوات والأرض.. حسبي من غاية الحياة كوني أنموذجا وفهرستةً لآثار تجليات أسمائه الحسنى.. حسبي من الحياة وكمالِها إظهاري بلسان أحوالي لتجليات أسماء مَن قامت السماوات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه.. حسبي من لذة الحياة علمي بأني مملوكُه ومصنوعُه ومخلوقه وعبده وفقيره، وهو خالقي وإلهي وربي وفاطري ومالكي ورحيمٌ بي ومنعِمٌ عليّ.. حسبي من الكمال، الإيمان باللّٰه.. وحسبي من كل شيء "اللّٰه".
اعلم أن في التوحيد، وإسناد الأشياء إلى الواحد سهولةً بلا نهاية، إلى درجة الوجوب، وقيمةً غالية بلا نهاية.. وأن في الشرك، وإسنادِ المصنوعات إلى الكثرة صعوبةً بلا نهاية إلى
— 400 —
درجة الامتناع، وسقوطَ قيمة، وذلّةً نازلة بلا غاية، كما مرَّ مرارا.. ألَا ترى كيف يتعاظم ما في يد الجندي مما يُنسب إلى السلطان ويعزّ منه ما هو في أمر السلطان، ويغلو كلامُه الذي هو بحساب السلطان قيمةً وأهميةً. ويتيسر بكمال السهولة "تدارُك كل لوازمات الحياة" من خزائن الملِك وماكيناته. وكيف يتساقط ما ذُكر هباءً منثورا إن انقطع الربط بعصيان الجندي!
اعلم أن الضرَّ -كالنفع- منه.. وكذا الشر -كالخير- منه.. والموت -كالحياة- بقدرته وقدره؛ إذ في موت شيء حياةُ آخَرَ أو مبدَؤها. أو هو هي. وكذا الشر والضر.
اعلم أن في روح الإنسان قابليةً -بوجهين- لِلَذّاتٍ غير متناهية وآلام غير محصورة من جهة جامعية ماهيته وكثرة جهازاته بلا حدّ، ومن جهة تلذذه بتنعمات أولاده وإخوانه من أبناء نوعه أو جنسه أو إخوانه من أجزاء الكائنات، وتألّمه بتألماتها.
اعلم أني قد شاهدتُ أن النظر إلى الغير مع نسيان النفس يقلب الحقائق، كالنظر في الماء يريك الأشياءَ المعنوية معكوسةً منتكسة. فمع أنك تجهل تعتقد أنك تعلم.
اعلم أن ما اقتضى "تكرار بعض أجزاء القرآن" ما اقتضى تكرار الأذكار والأدعية؛ إذ القرآن كما أنه كتابُ حقيقة وشريعة وكتاب معرفة وحكمة، كذلك هو كتاب ذكر ودعاء ودعوة.. والذكرُ يردَّد، والدعاء يُكرَّر، والدعوة تؤكّد.
اعلم أن من مزيّات علو القرآن إيرادَ مذكِّرات الوحدة خلفَ مباحث الكثرة، والإجمال عقيب التفصيل، وترديف بحث الجزئيات بدساتير الربوبية المطلقة، ونواميسِ الصفات الكمالية العامة الشاملة بذكر فذلكات كالنتائج أو كالتعليلات في أُخريات الآيات، لأجل أن لا يتغلغل ذهنُ السامع في ذلك الجزء الكوني المذكور، فيَنسى "عظمةَ مرتبة الألوهية المطلقة". حتى يخلّ بلوازم آداب العبودية الفكرية لذي العظمة والهيبة والكبرياء. وكذا ليبسُط ذهنَك من ذلك الجزئي إلى أمثاله وأشباهه.. وكذا يريك القرآنُ بهذا الأسلوب، ويفهّمك أنّ في كل جزئي -ولو حقيرا وزائلا- سبيلا واضحا، وصراطا مستقيما، ومحجةً بيضاء إلى معرفة سلطان الأزل والأبد، وإلى شهود جلوات أسماء الأحد الصمد.
مَثلُ القرآن في هذا الأسلوب كمثل من يريك قطرةَ ماء فيها شُميسة، أو زهرةً فيها تجلي
— 401 —
ألوانِ ضياء الشمس. فيريك بلا مهلةٍ "الشمسَ" في رابعة النهار بحشمتها، ويرفع رأسك إليها، لئلا تتشوش عليك الحال، فتتصاغرَ عندك الشمس فتصيرَ تنكرُ لوازم عظمتها.
مثلا في سورة يوسف: وفَوْقَ كُلّ ذي عِلْمٍ عَليم (يوسف:٧٦) خلف أمر جزئي.. [٭]: المقصود: الكيد الذي دُبّر لإبقاء الأخ الشقيق الحقيقي لسيدنا يوسف عليه السلام. وكذا في سورة الحج: مَا قدروا اللّٰه حَقَّ قَدْرِهِ (الحج:٧٤) وفي سورة النور: واذا بَلَغَ الاطْفاَلُ إلى واللّٰه عَليم حَكيم (النور:٥٩). وفي سورة العنكبوت:
﴿ وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لبيت العنكبوت لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
(العنكبوت:٤١) وأمثالها.
اعلم أن همّةَ الأولياء ومدَدَهم، وأفاعيلَهم المعنوية بالإفاضات نوعٌ من الدعاء، حاليٌّ أو فعليٌّ. والهادي هو اللّٰه وهو المغيث المعين. ولقد تلمّع لي شيءٌ، لكن ما تشخص واضحا؛ وهو أن في الإنسان لطيفةً وحالة، إذا دعا الإنسانُ -ولو كان فاسقا- بلسانها استُجيب له قطعا. نعم هي لطيفةٌ إذا أقسمَت على اللّٰه أبرَّها.
اعلم يا مَن يتيقن الماضي، ويشك في الآتي! اذهب بنفسك إلى عصرين من قبل، وافرض نفسَك جدَّك الذي هو في وسط شجرة نَسَبك. ثم انظر إلى أجدادك الذين هم موجودات ماضوية. ثم إلى أولادك المتسلسلين منك إليك، الذين هم ممكنات استقبالية، هل ترى تفاوتا بين الجناحين؟ كلا لا ترى، لا في الانتظام، ولا في شيء يوهم وجودَ التصادف. بل كما أن الأول مصنوعٌ بعلم وإتقان يراه صانعُه، كذا الثاني سيُصنَع كذلك وهو مشهودٌ لصانعه قبل كونه. فإعادةُ أجدادك ليست بأغربَ من إيجاد أولادك. بل هو أهون منه. كما قال سبحانه: وهُوَ اهْوَنُ عَلَيْه (الروم:٢٧). فقس على هذا الجزءِ الجزئي، الكلَّ الكلّي. لترى كل الوقوعات الماضية معجزاتٍ تشهد على أن صانَعها قدير على كل الممكنات الاستقبالية وعليمٌ بتفاصيلها ومحيطٌ وبصيرٌ بها.
نعم، كما أن هذه الموجودات الجلية والأجرام العلوية في بستان الكائنات؛ معجزاتٌ تشهد وتنادي على أن خلّاقها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. كذلك هذه النباتات المتلونة المتزهرة المنثیورة، وهیذه الحيوانات المتنوعة المتزينة المنشورة في حديقة الأرض، خوارقُ صنعةٍ
— 402 —
تشهد بأعلى صوتها على أن صانعها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس، ونشرُ أثمار الشجر، وحشرُ أبناء البشر.. نعم، ليس إنشاء أزهار شجرة منشورةٌ على أغصانها الرقيقة الدقيقة بأهونَ من إنشاء أبناء نوع الإنسان على عظامهم الرميمة المتفرقة.
اعلم أنه كم من نعمة كقطرة معصورة بنظام رقيق، وميزان دقيق من كل الكون كالثمرة من الشجرة. فإن كانت معصورة محلوبة على الحقيقة مع غاية البُعد، فما المنعِم إلّا مَن في قبضته كل الكون يعصره كيف يشاء، كما هو الظاهر الحق المشهود. فما المُنعِم إلّا الذي خزائنهُ بين "الكاف والنون". فما من نعمة إلّا مِن الذي صيّر "كن" مصدرَ الكون. وما المنة والشكر إلّا له سبحانه.
اعلم أن مما أُفيض على قلبي من فيض القرآن من كثرة ذكره إحياءَ الأرض، وجلبِه أنظار البشر إلى التراب؛ أن الأرض قلبُ العالم، والترابَ قلبُ الأرض. وأن أقرب السُّبل إلى المقصود يذهب في التراب، من باب التواضع والمحوية والفناء. بل هو أقرب من أعلى السماوات إلى خالق السماوات؛ إذ لا يُرى في الكائنات شيء يساوي التراب في تجلي الربوبية عليها وفعاليةِ القدرة فيها وظهورِ الخلّاقية منها والمظهرية لجلوات اسمَي الحي القيوم.
وهكذا، فكما أن "عرش الرحمة" على الماء، كذلك إن "عرش الحياة والإحياء" على التراب، والترابُ أجمعُ المرايا وأتمّها. إذ مرآة الكثيف كلما كان ألطفَ وأشفّ؛ تريك صورةَ الكثيف أوضحَ وأظهر وأتم. لكن مرآة اللطيف النوراني كلما كان أكثفَ؛ كان التجلي بالأسماء عليها أتم. ألا ترى الهواء لا يأخذ من فيض الشمس إلّا ضياءً ضعيفا. والماء وإن أراك الشمس بضيائها، لكن لا يفصل ألوانه. مع أن التراب يريك بأزاهيره مفصلَ كلِّ ما اندمج في ضيائها من الألوان السبعة ومركباتها. مع أن هذه الشمس قطرةٌ متلمعة كثيفة بالنسبة إلى نور شمس الأزل. وتَزَيُّن التراب وتبرّجه في الربيع بما لا يُحد ولا يُعد من لطيفات الأزاهير، وجميلاتِ الحيوانات المنادية على كمال ربوبيته، شاهدٌ مشهود. فإن شئت فانظر إلى هذه الواحدة المسماة بالتركي "هرجائي منَیكشه" [٭]: نوع من الأقحوان من نباتات الظل. كيف تتصرف يدُ الصانع الحكيم في تلويناتها وتزييناتها وهي واحدة. لكن تظهر وتنظر إليك متبسمة، لا بل متعبسة في عشرين صورة.
— 403 —
فسبحان من يتعرف إلينا بلطيف صنعه، ويعرِّف الخلائقَ قدرته بعجائب تصرفه في التراب. ومما يرمز إلى هذا السر حديثُ "أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد". [٭]: تكملة الحديث: "فأكثروا الدعاء" (مسلم، الصلاة ٢١٥؛ أبو داود، الصلاة ١٤٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٤٢١).
فإن كان هذا هكذا؛ فلا تتوحشْ من التراب وذهابِك فيه، ولا تتدهش من القبر وسكونك فيه.
اعلم أن عقلي قد يرافق قلبي في سيره؛ فيعطي القلبُ مشهودَه الذوقي ليد العقل، فيُبرزه العقلُ على عادته في صورة المبرهَن التمثيلي. ومن تلك الحقائق أن الفاطر الحكيم كما أنه بعيد بلا نهاية، كذلك قريب بلا غاية. وكما أنه في أبطن البطون، كذلك فوق الفوق. وكما أنه ليس داخلا، كذلك ليس خارجا.
فإن شئت فانظر إلى آثار رحمته المنثورة على سطح كرة الأرض، وإلى معمولات قدرته المنشورة في دوائر صحائف الأرض لتشاهد هذا السر متلمعا من سطورها؛ إذ لابد لصانعِ ذرتين أو زهرتين أو ثمرتين أو نحلتين في مكانين في آن واحد، من بُعْدٍ أزيد من البعد بينهما. وإذا كانتا في الكرة والدائرة، [٭]: أي إحداهما في الكرة الأرضية والأخرى في مدارها. مع تخللِ أعظم القوس بينهما، فحينئذٍ لابد للمقابلة التامة -على التساوي الضرورية المشهودة- من بُعدٍ بلا حدّ.. هذا في وجه الظاهر وفي جانب المُلك. وأما في وجه الباطن وفي جهة الملكوت؛ فلابد لتساوي المقابلة -بلا كيفية- المشهودة، في كمال سهولة الإيجاد وسرعته، مع الجود المطلق، في الإتقان المطلق من قرب بلا نهاية، لا كقرب المركز لتفاوت نسبِ نقاط الدوائر المتداخلة بالنسبة إلى المركز. مع أنه لا تفاوت بالنسبة إلى "الموجِد" الذي أتقن كل شيء صنعا، وأحسن كل شيء خلقه.
نعم، هذا السر من خصائص دائرة الوجوب والتجرد، ومن خواصّ الإطلاق، ومن خصوصيات تجلي الأحدية في الوحدة، ومن لوازم مباينة ماهية الفاعل الأصلي للمنفعل الظلي.
مثلا: وللّٰه المثل الأعلى إن لِذات الشمس قُربا بلا حدّ من تماثيلها في المرايا والأزاهير. إذ ذات الشمس قيّوم التماثيل، وأقربُ إليها من لصيقها، بل من أنفسها. وكذا لها بُعد بلا حدّ من تلك الظلال؛ إذ لا يتيسر-بل لا يمكن- قطع المسافة المتخللة بين الظل المتمكن في مرآتك، وبين الأصل.
— 404 —
فسبحان من تقدس عن الأشباه ذاتُه، وتنیزهتْ عن مشابهة الأمثالِ صفاتُه. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
اَللّٰهمَّ يا عدل، يا حكم، يا عليم، يا حكيم، إنه ليس في الرياح مَرّةٌ، ولا في السحاب قطرةٌ، ولا في الرعود زجرةٌ، ولا في البروق لمعةٌ، ولا في الرياض زهرة، ولا في الجنان ثمرة، ولا في الهواء نحلة، ولا في النبات صبغة، ولا في الحيوان صنعة، ولا في الوجود زينة، ولا في الكون ذرة، ولا في الخلق نظام، ولا في الفطرة ميزان، ولا في العرش شيء، ولا في الكرسي شأن، ولا في السماء نجم، ولا في الأرض آية؛ إلّا وهي لك أدلة شهدتْ، وآيات تشهد على أنك واجب، واحد، أحد، صمد. وبراهين نيّرة شاهدات على أنك أنت اللّٰه، وأنت علام الغيوب مُخرجُ الحبوب، مسخّر القلوب. جميع الخلق مقهورون تحت قدرتك، قلوبُهم في قبضتك، نواصِيهم بيدك، مقاليدُهم لديك. لا تتحرك ذرةٌ إلّا بإذنك.
يا إله الأولين والآخرين، يا رب محمّد عليه الصلاة والسلام وإبراهيم وجبرائيل وميكائيل عليهم السلام!
أسألك باسمك العظيم، وبنور وجهك الكريم، وبدينك القويم، وبصراطك المستقيم، وبالسبع المثاني، وبالقرآن العظيم، وبألفِ ألفِ قُلْ هُوَ اللّٰه احَدُ وبألف ألف "فاتحة الكتاب"، وبأسمائك الحسنى، وباسمك الأعظم، وبالحجر الأسود، وببيتك المكرم، وبليلة القدر، وبرمضان المعظم، وبأنبيائك المكرمين، وبحبيبك الأكرم (ص)؛
أن ترحم أمة محمد، واشرح صدورهم للإيمان والإسلام، وسلّمنا من شر الملاحدة وسلّم ديننا، ونوّر برهان القرآن، وعظّم شريعة الإسلام.
آمين يا أرحم الراحمين..
(بارك اللّٰه فيكم ألف ألف مرة ووفقكم اللّٰه)
[٭]: كتب الأستاذ النورسي هذه الجملة الطيبة بالتركية في المخطوط بخط يده.
— 405 —

ذيل الشعلة

﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحمد للّٰه والصلاة على نبيه.
اعلم أنه لا يتستر عن النور المحض المحيط شيءٌ من الأشياء، وكذا لا يخرج أمرٌ من الأمور عن دائرة القدرة الغير المتناهية؛ وإلّا لزم تناهي غير المتناهي بالتحديد بالمتناهي، وهو محال بوجوه.
وكذا إن الحكمة تعطي كلَّ شيء الفيضَ بقدَره، كما يقال: (كلٌّ بقدره).. وإنّ بقَدر الظرف يُغترف من البحر، وإن المقدِّر القدير الحكيم لا يَشغله صغيرٌ عن كبير، ولا خطيرٌ عن حقير. وإن المحيط الظاهر الباطن المجرد عن المادة لا يواري الأكبرُ عنه الأصغرَ. ولا النوعُ الفردَ. وإن الصغير مادةً قد يكون كبيرا من جهة الصنعة. وإن نوع الصغير عظيمٌ كثير كبير. وإن العظمة المطلقة لا تقبل الشركة أصلا ولا تتحملها.
وإن ما يشاهَد من الجود المطلق في السهولة المطلقة، في السرعة المطلقة، في الإتقان المطلق، مع إرادة التعرّف التام، مع محبة ذي الجمال مشاهدةَ جمالِه المطلق وكماله المطلق وتشهيرهما، ومع الرحمة المطلقة، والغَناء المطلق بشهادة الآيات التكوينية، ومع وجودِ ما لا يحد ولا يعد من الناظرين المتفكرين المشاهدين المعتبِرين.. يقتضي -بهذه الأسباب- بلا شك وجودَ أنواع الحوينات والطويرات أيضا، بل أَولى، إذ الصغيرُ الأدق أقربُ إلى الوجود، وإلى القدرة النورانية.
اعلم يا "أنا"، إذا كان نفسُك أحبّ إليك، لأنها أقربُ إليك من كل شيء؛ فلابد أن يكون ربُّك أحب إليك منك؛ إذ هو أقرب إليك من نفسك. ألَا ترى أن ما لا يصل اختيارُك وخيالُك إليه من أسرار ما رُكّب فيك، هو حاضر مشاهَد لربك.
— 406 —
اعلم أنه لا تصادف؛ فانظر إلى الرياض واستمع كيف تقرأ على الناظر بنهاية الانتظام في غاية الاختلاط، وكمال الامتياز في كمال امتزاج أشتات الأشياء.. آياتِ حكمة الصانع العليم المحيط.
اعلم أنك إن لم تُوَحِّدْ بنسبة كلِّ شيء إلى الواحد، تضطر إلى فرض وجود آلهة بعدد تجليات اللّٰه على جميع أفراد الأنواع في العالم. كما إذا أغمضتَ عينيك عن الشمس، وتغافلت عنها، وقطعت عنها نسبةَ الشُّميسات المتلمعات في قطرات وجه البحر بتجليها، اضطررتَ إلى قبول وجود شموس بالأصالة فيها بعدد تلك القطرات. مع أن القطرة لا تسع أصغر مصباح، فكيف بسراج العالم!
اعلم أنه يشاهَد للمدقق أن طوائف المخلوقات وأصناف المصنوعات تتسابق بالرقابة والاشتياق إلى التبرّج والتزين، للعرض والظهور، لنظرِ شاهدٍ جليل يشاهدها كلَّها، ودائما، وبجميع دقائق محاسنها؛ إذ المصنوعات تُظهِر بالمشاهدة هيئةً تتضمن ما لا يتناهى من لطائفِ إتقان الصنعة الجالبة لنظر الدقة، والاستحسان والحيرة. فما هذا التهالك بالمسابقة للظهور، متزينة إلّا لأجل العرض لنظر لا يتناهى. وما هو إلّا نظر الشاهد الأزلي الذي خَلَقَ الخلق ليشاهِد في مرايا أطوارها جلواتِ أنوارِ جماله وجلاله وكماله.. ثم يستشهدَ عليها شهداء تعرّفَ إليهم، بإراءة ذلك الكنیز الخفي. فأعلى غاياتِ وجود الشيء وأغلى حقوقِ حياة الحي هو المشهودية والظهور لنظر فاطره، بمظهريته لآثار أسمائه. وألذُّ لذائذ هذه الحياة هو الشعور بهذا الشهود.
وأما الظهور لأنظار إخوانه من المخلوقات فهو أيضا غاية، لكن نسبتها إلى الغاية الأولى كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي.
وأما ما اشتهر بين الناس من "حق الحياة" -وهو حفظ الحياة مع نوع راحة- فأقلُّ وأصغر وأدنى وأحقر من أن يكون جزءا من ملايينِ أجزاءِ "حق الحياة"، تلك الحياة التي هي من أعلى وأغلى وأعجبِ وأغربِ وألطف وأشرف معجزاتِ قدرة الحي القيوم الأحد الصمد. بل ما هو إلّا وسيلة، وإنما يتشرف ما بقي وسيلةً، فإذا ترقى إلى المقصِدية، سقط بالزوال هباءً منثورا.
— 407 —
أتظن -أيها الغافل- أن غايةَ عجيبِ صنعةِ الرمانة مثلا، هي أكلُك ومضغك في دقيقة بغفلة.. كلا، بل إنما هي كلمةٌ أفادت معناها للمكوِّن سبحانه، وللكون؛ فوفّتْ فتوفّتْ فدُفنتْ مِن فيكَ فيك، ويكفي من الزمان والبقاء لهذه الغاية آنٌ سيال.. فلا عبثية.
وكذا فاعلم أن من له جمال فائق، فلذتُه الحقيقية في المشاهدة لجماله شهودا بالذات، وشهودا بإراءة مصنوعاته لمخلوقاته فيشهدونها.. فيشهد أيضا في شهودهم بشهودهم. وأما لذة التفوق بملاحظة الغير فغيرُ ذاتيةٍ، بل عرضيةٌ ضعيفة، ومشوبة مخصوصة بالأمور النسبية.
وأما ذو الكمال الذاتي والجمال الحقيقي المجرد السرمدي، المحبوبُ لذاته، لذاته الذي له المثل الأعلى، فقد أخبرنا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام "أنه خَلق الخلق ليُعرف".. [٭]: وهذا مقارب بالمعنى ما ورد: "كنت كنیزا لا أُعرَف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا، فعرفتهم لي فعرفوني": لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، إلّا أن عليا القاري قال: ولكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: (ومَاخَلَقْت الْجِنَ والانْسَ الاَّ لِيَعْبُدونِ) (الذاريات:٥٦) أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي اللّٰه عنهما. (كشف الخفاء ٢/ ١٣٢ باختصار). أي صوّر مرايا ليشاهِد فيها تجلياتِ جماله المحبوبِ لذاته بذاته.
اعلم أيها الفاني، كفاك بقاءً أنك مشهودُه في علمه ومعلومُه في شهوده بعد فنائك من بعض الوجوه. "يا هو" [٭]: يا هذاَ! أعطِ كل شيء لصاحبه الحقيقي وانسبه إليه. وخذه باسمه. ثم استرِح، وإلّا اضطررت إلى قبول آلهة بعدد تجليات اللّٰه كما مرَّ آنفا. بل بعدد ذرات الكائنات كما مر مرارا أيضا. وكذا بعدد أجزاء التراب.. إذ أيّ جزء من التراب تراه، يصلح لحصول ما لا يعد من المصنوعات المنتظَمة المتنوعة.
فسبحان من تنیزّه عن الأشباه ذاتُه. وتقدست عن مشابهة الأمثال صفاتُه. ودلّت على وحدانيته مصنوعاتُه. وشهِدت بربوبيته آياتُه. وأحاط بكل شيء علمُه وقدرتُه.
جلّ جلالُه. ولا إله إلّا هو.