المثنوي العربي
— 293 —

الرسالة الثامنة

[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "أوقاف" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢)م.
ذرة
من شعاع هداية القرآن
— 294 —
في (ط١)
اعلم أن هذه الرسالة محادثاتٌ مع نفسيَ الأمارةِ المرائية، ورشاشاتٌ من شرارات "القطرة" أظن أنى مأذون في نشرها. إذ يتكرر الاحتياج للمعالجة في كل "رمز" مادام لم يُكتب. فإذا كُتب يزول الاحتياج، لكن يبقى نوعُ تمايل للمناقشة مادام لم يُنشر. فإذا نُشر زال ذلك واطمأن القلب. فيدل على أنه ليس لي فقط، بل فيه للغير حصةٌ. فلهذا أتجاسر على نشرها لعل فيها نفعا لبعض الناس إن شاء اللّٰه تعالى.
ولتنوع الرموز يمكن الاستفادة لكثير فی "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كله". ولترك التصنع تركتُ الخاطرات في الصور التي برزتْ فيها أولَ ما خطرت في القلب. ومن اللّٰه الهداية.
— 295 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
يا مَن له الملك وله الحمد صلّ وسلم على سيد البشر الذي قلتَ له: يا ايها النبيّ (الأنفال:٦٤)، فقال: لبيك! بحيث أسمعَ من عرفاتٍ ملائكةَ السماوات العليا.. فقلتَ: بشِّر وأنذر. فنادى بی يَا ايّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم (البقرة:٢١) بحيث أسمعَ أدوارَ الزمان وأطراف المكان.. إذ صار بشيراً ونذيراً (البقرة:١١٩) بطَور المشاهِد.. إذ يشاهِد فيشهَد مناديا لأجيال البشر خلف الأعصار والأقطار.. إذ أسمعَ، فهذا صدى صوته يُسمَع بأعلى صوته.. إذ قد ملأ الدنيا بنداء القرآن وبجميع قوّته.. إذ قد استولى على نصف الأرض وبكمال جدّيته بشهادة سِيَره، وبغاية وثوقه بشهادة زهده في الدنيا، ونهاية اطمئنانه بشهادة قوة دساتيره ومعالمه، وبكمال إيمانه بشهادة أنه كان أعبدَ وأتقى من الكل.
اعلمي يا أيتها النفس الجاهلة! أن الأبوابَ المفتوحةَ النظارة إلى اللّٰه عدد طبقات العالم وصحائفه، وعدد المركبات المتصاعدة والمتنازلة. فما أجهلَكِ؛ إذا انسدّ في وجهكِ بابٌ عادي تتوهمين انسدادَ كلِّ الأبواب. مَثَلُك كمثل مَن إذا لم يَرَ أو لم يعرف في بلد فرسانَ العسكر مع وجود سائر جيوش السلطان وخدّامِه ودوائر حكومته، يشرع ينكر وجود السلطان ويؤوّل كلَّ شعائره ومعالمه.
اعلم أن الدليلَ على أن الباطن أعلى وأتمَّ شعورا وأقوى حياةً، وأزيَنُ وأعلم وأكمل وأحسن وألطفُ من الظاهر.. وأن ما على الظاهر من الحياة والشعور والكمال وأمثالِها، إنما هو ترشّحٌ ضعيف من الباطن -لا الباطن جامدٌ ميّت أثمَر حيًّا عليما- كونُ بطنِك أكملَ انتظاما من بيتك، وجلدِك أحسنَ نسجا من ثوبك، وحافظتِك أتمَّ نقشًا من كتابك. فقس على هذه الجزئيات عالَمَ المُلك وعالمَ الملكوت وعالَمَ الشهادة، وعالمَ الغيب والدنيا والآخرة. فيا حسرةً على النفوس! إن النفس الأمارة النظارة بعين الهوى ترى الظاهر حيًّا مونسا مفروشا، على باطنٍ ميت عميق مظلم موحش..
اعلم أن وجهَك يتضمن من العلامات الفارقة عددَ أفراد الإنسان الماضية والآتية، بل
— 296 —
لو وجد الغير المتناهي من الأفراد لتصادف كلُّ واحدٍ في وجهك ما يميزك عنه -مع التوافق في أركان أجزاء الوجه- كأن الوحدة تجلّت من وجهك في كثرة غير متناهية.
فالتوافقُ في أساساتِ أعضاءِ أفراد الإنسان والحيوان يدل بالبداهة على أن الصانعَ واحدٌ أحدٌ. والتخالفُ في التعيّنات المنتظمة يدل بالضرورة على أن الصانع مختارٌ حكيم.
ويتعاظم هذا السر بالنظر إلى كل فردٍ فردٍ.. ومن أبعدِ المحالات وأبطلِها أن لا يكون هذا التمييز الحكيم والتخالف المثمر والتفريق المفيد بقصدِ قاصدٍ واختيارِ مختارٍ وإرادة مريدٍ وعلم عليم.
فسبحان مَن أدرجَ وكتبَ الغيرَ المتناهي في صحيفة الوجه، بحيث يُقرأ بالبصر ولا يُحاط بالعقل. نعم، يُقرأ بالنظر واضحا مفصلا ولا يُرى بالنظر إجمالُهُ، بل ولا بالعقل أيضا. فهو المعلوم المُبْصَر، المجهولُ المطلق، والمشهودُ الغائب. فمحالٌ بمراتبَ أن يكون هذا التخالفُ المنتظم المفيد في نوع الإنسان، والتوافقُ المطّرد المتناظر في أنواع أمثال الحنطة والعنب، وكذا النحل والنمل والسّمك، بالتصادف الأعمى والاتفاقية العوراء، كلَّا ثم كلَّا. إنه لصنعةُ سميعٍ، بصير، عليم، حكيم.
فإذا كان أوسعُ أطوار الكثرة وأبعدُها وأرقاها، وأنسبُ مراتب الكثرة لجولان التصادف -لو كان- وأكثرُها انتشارا وأدناها أهميةً هكذا غيرَ مُهمَلٍ ولا سدًى، بل محفوظا من يد التصادف، حتى صار ميدانا لجولان القصد الحكيم والاختيار العليم والإرادة السميعة البصيرة.. فيا أيها التصادفُ لا محلّ لك في مُلك اللّٰه، فاذهب مع أخيك الطبيعة وأبيك الشرك إلى جهنمِ العدم والفناء بل الامتناع. وآيةُ
﴿ وَمِنْ آيَاته خَلْقُ السَّمییواَتِ والارْضِ وَاخْتلاف اَلْسِنَتِكُمْ وَالْوانكُمْ ﴾
(الروم:٢٢) أشارت إلى أولِ مراتب تجلّي الحكمة وإلى آخرها..
اعلم أن مما يوسوس به الشيطان، أنه يقول: إن البقرَ مثلا لو كان مُلكا ونَقشا للقدير الأزلي العليم لمَا كان هكذا مسكينا، إذ حينئذ تحت جلده وداخل بيته يحكم قلمُ قديرٍ عليم مريد على الإطلاق؛ فكيف صار فوق الجلد وخارجَ البيت هكذا عاجزا جاهلا يتيما مسكينا؟
— 297 —
قيل له: أيها الشيطان الإنسي الذي صار أستاذا لشياطين الجن!
أولا:
لو لم يكن صنعةَ القدير الأزلي الذي يعطي كلَّ شيء ما يليق به بمقدار المصلحة، لزِم أن يكون إذَنْ حمارُك أعقلَ وأحذقَ منك ومن أساتيذك، ولزِم أن يكون في داخل إصبعك -مثلا- شعورٌ واقتدارٌ يزيدان على شعورك واختيارك بمراتب. فمَن قيَّدَهما في حدِّهما مع أن شأن هذه اللطائف الانبساط والانتشار؟
وثانيا:
إنّ القدر يرسم مقدارا وقالبا، يُنشئ منه قابليةً، تقبل من الفيض المطلق مقدارَ قالبه، وكل ما يترشح من الداخل إلى الخارج فبمقياس الجزء الاختياري وميزانه، وبقدر الاحتياج ودرجته، وبمساعدة القابلية وتحملها، وبميزان نظام حاكمية الأسماء وتقابلِها. فليس المصنوعُ البقرُ فقط، خارجُه داخلَ آخرَ. ففي كل شيء الداخلُ مظهرُ المطلق، والخارجُ مظهرُ المقيد. ومَنْ طلب إضاءة الدنيا وجذبَ السيارات ومركزيةَ العالم وأمثالَها من لوازم عظمة الشمس وحشمتها، من شُميسة الحباب، انعزلَ عن العقل.
نعم، يصف الحبابُ تلك اللوازم ولا يتّصف..
اعلم أنك صنعةٌ شعورية بحكمة، حتى كأنك بوضوح الدلالة على صفات الصانع؛ مُجَسَّمُ الحكمة النقاشة، ومتجسّدُ العلم المختار، ومُنجَمدُ القدرة البصيرة بما يليق بك، وثمرةُ الرحمة السميعة لنداء حاجاتك، ومتصلَّب الفعل المريد لما يريده استعدادُك، ومتكاثَف الإنعام العليم بمطالبك، وصورةُ القدَر المرسِّم المهندس الخبير بما يناسب بناءك. فكيف يمكن لك أن تذهب بجزئك الجزئي الاختياري والشعرة الشعورية، وتخلص عن أحكام الكل وتصير حرا برأسك. ثم ترجع تقيس الكل على الجزء؟ وكيف يتيسر أن تتغافل عن مالكك المالك لكل شيء؟ وكيف تتوهم مع هذا العلم أن ليس عليك رقيبٌ، سميعٌ، بصير، عليم، مجيب، مغيث.. يسمع أنيناتك يبصر فاقاتك ويعلم جناياتك؟
يا نفسي المسكينة، لم تتوهمين نفسَك خارجةً؟ [٭]: أي خارج الدائرة التي تجلى القدرُ والصفات الإلهية فيها. حتى يلزم عليك مراعاةُ كل حي واحترامه، أو ظلم الكل بعدم الأهمية. فهذا حملٌ ثقيل لا يُطاق حَمله، فحينئذٍ لابد أن تتركي الأجنبيةَ الشركية [٭]: الشرك الذي هو أجنبي عن الفطرة (ت: ١٦٦). وتدخلي في دائرة مُلك اللّٰه، لتستريحي بالأخوة، بل تصيرين أختا كبيرة
— 298 —
محترمة. ألا ترين أن مثَلك كمثل مَن كان في سفينة مشحونة بمال السلطان وقد فُوّض إليه تدبيرٌ جزئي من دواليبه، فوضع الشخصُ الأبله ذلك الدولاب المربوط بالسفينة مع أرزاقه على ظهره بكمال الاهتمام. فإن كان له جزء من العقل لقال: إني أيضا في السفينة فأطرحُ فيها مالي مع مال مالكها.. وكذا واحملي الدساتير الإسلاميةَ على سفينة دماغ عالم الإسلام لتستفيدي وأنت مستريحة مطمئنة...
اعلم أن من خلَقك لا يُبعَد منه ولا يُستغَرب أن يخلق العالَم بجميع ما فيه، لأنه فيك ما فيه. [٭]: أي لأن فيك ما في العالم (ت: ١٦٦). بل يجب أن يكون خالقُك هو الخالق لكل شيء، لامتناع أن يكون خالقُ البطيخ غيرَ خالقِ نواته التي هي أنموذجُه المصغر المتلخّص منه المُحاط به...
اعلم أنك مقيّدٌ بالتعيّن، في مقيّدٍ بالبدن، بمقيد بالعمر، محدودُ الحياة في محدود البقاء بمحدود الاقتدار. فحينئذ لابد أن لا تصرفَ هذا العمرَ القصير القليل الفاني للفاني حتى يفنى، بل للباقي ليبقى؛ إذ الاستفادة منه هنا تصير مائة سنة، كمائة نواة نخلة تتآكل مع يبوستها وقلة نفعها وإضاعة فوائد الغرس على آكلها، وإن وجّهت إلى الآخرة وسُقيت بماء الشريعة صارت مائةَ نخل باسقات.. الحق أن مَن يشترى بمائة نخل باسقات، مائةَ نواة يابسات.. فهو لائق لأن يكون حطب الحُطَمَة..
اعلم أن مخزنَ الأوهام والشبهات بل الضلالات فرضُ النفس نفسَها خارج الدائرة التي تجلى القدَرُ والصفات الإلهية فيها، ثم تفرضُ النفسُ نفسَها الأجنبية [٭]: حيث فرضت نفسها أولا خارج الدائرة. في موقع الشيء الذي تعلّق به القدرُ وتجلى عليه اسمٌ من الأسماء الإلهية فتفنى فيه، ثم بصبغة الأجنبية تشرع تُخرج ذلك الشيء أيضا عن مُلكِ اللّٰه، وتصرُّفِ قُدرتِه بتأويلاتٍ تصير بها أستاذَ الشياطين، وتعكس حالاتها المترشحة من شركها الخفي في ذلك الشيء المعصوم. فالنفسُ الأمارة كالنَّعامة ترى فيما عليها، لها وجها، [٭]: تظن أن في الأمور التي تدينها وجها يؤيدها ويسندها (ت: ٦٦). وكالسوفسطائي تقول للمتخاصمَين: يا هذا دليلُ خصمك يردّك، وكذا: يا ذا دليلُ هذا يبطلك، فلا حق لكما. [٭]: أي دليل الواحد يرد الآخر، فلا يبقى دليل لأحد (ت: ١٦٦).
اعلم أن النفس تديم الغفلةَ بربط الدنيا بالآخرة، كأنها منتهاها، كلا بل معكوستها.
— 299 —
فبتصور الآخرة -ولو مع الشك- تتخلص من دهشة فناء الدنيا وألم الزوال، وبسبب الغفلة أو الشك تريد الخلاصَ من كلفة العمل للآخرة وتنظر إلى الأسلاف الميّتين، كأنهم أحياءٌ غائبون، فلا تعتبرُ بالموت. وكثيرا ما يَثبت عروقُ مطالبها الدنيوية في أرض الآخرة للتأبيد بدسيسةِ، أنّ تلك المطالب لها وجهان: وجه إلى الدنيا لا ثباتَ له، بل هباءً منثورا. ووجه إلى الآخرة تتصل أساساته بأرضها فتدوم، كالعلم مثلا له وجه مظلم ووجه مضيء. فالنفس الشيطانة تريك المضيء وتُبلعك المظلم. [٭]: أي تريك الوجه المضيء من العلم بأن له فوائد ستظهر في الآخرة وإن لم تظهر في الدنيا. وذلك ليُبلعك الوجه المظلم منه. (ت: ١٦٦). إذ النفس نعامة (دوَه قوشي) والشيطان سوفسطائي، والهوى بيطاشي.. [٭]: التشبيه هنا مبني على أسس معينة؛ فالنفس تغمر رأسها في الغفلة كالنعامة لئلا يصيبها الأجل، والسوفسطائي ينكر كل شيء كالشيطان، والبكتاشي كالهوى يغيّر معاني الأشياء فيقول: مثلا: الصلاة ليست مفروضة، إذ قال اللّٰه (لا تقربوا الصلاة) ولا يتم الآية (وأنتم سكارى).
اعلم أنى قد تيقنت بلا ريب أنه لو لم تصدُق "الموجبة الكلية" لزِم صدقُ "السالبة الكلّية" في مسألة خلق الأشياء؛ إذ كل الخلق بالتساند المنتظم كلٌّ لا يقبل التجزي، فإما وإما. [٭]: فإما أن اللّٰه خالق كل شيء وإما أنه ليس بخالق شيء. (ت: ١٦٧). مع أن الوهم الذي يطيق أن يتوهم عدمَ العلة في كل شيء أوهنُ بمراتبَ من نسج العنكبوت، فالقبول في شيء ما، يستلزم بالحدس الصادق القبولَ في كل شيء.
وكذا، إن الخالقَ إما واحدٌ وإما غيرُ متناهٍ، لا وسط قطعا، إذ الصانع لو لم يكن واحدا حقيقيا، لكان بالضرورة كثيرا حقيقيا. وهو ما لا يتناهى. وعلى الثاني -مع محالات عجيبة- يلزم عدمُ التركيب وفقدُ الوحدة مطلقا وامتناعُ الوجود.
اعلم أنه كما أن من المحال الظاهر أن يكون منيرٌ غيرَ متنور، والموجِد غيرَ موجود، والموجِب غيرَ واجب.. كذلك محالٌ أن يكون مُنعِمُ العلم غيرَ عالم، ومُحسنُ الشعور غير ذي شعور، ومُعطي الاختيار غيرَ مختار، ومُفيض الإرادة غير مريد، وصانعُ المكمّل غير كامل. وهل يمكن أن يكون مُرسم العين ومصوّر البصر ومنوّر النظر غير بصير؟ بل من الواجب أن يكون ما في المصنوع من أنواع الكمال من فيض الكمال المناسب للصانع.. والمكروب الذي لا يعرف من الطيور إلا البعوضة إذا رأى البازي يقول ليس بطير إذ ليس له ما للبعوضة..
اعلم أن أشد ما تطلبه النفسُ الناطقةُ البقاءُ والدوامُ، حتى لو لم تنخدع بتوهم الدوام
— 300 —
ما التذّت بشيء. فيا طالبةَ الدوام اشتملي على ذكر الدائم لتدومي، وكوني زجاجةً لنوره لئلا تنطفي، وصدَفا لدرّه لتصطفي، وبدنا لنسيم ذكره لتحيَي، وتمسكي بالخيط النوراني الذي هو شعاع من اسم من الأسماء الإلهية لئلا تسقطي في فضاء العدم. فالثمرة الغافلة إذا لم تتوجه إلى ما تقوم به، وانجذبت إلى التشعشع الأجنبي وضحكهم في وجهِها، انقطعت وسقطت على رأسها!
يا نفسُ استندي على ما يقوّمكِ، إذ إلى عهدته منك من الألف تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون، وإليك واحدٌ فقط. فاطرحي واحدَكِ أيضا في سفينة مالِه واستريحي.
اعلم أنكَ إذا لم تُطق أن تفعلَ لنفسك، ولم تصلْ يدُك إليك، فالناس والأسباب البُعَداء-بالطريق الأولى- لا يطيقون ولا تصل أيديهم إلى خُوَيْصَة ذاتك، فجرّب نفسَك هل تقدر أن تصنع لسانك الذي هو شجرة الكلمات وحوض الأذواق و"سانترال" المخابرات، فإنْ لمْ، ولم.. [٭]: فإن لم تصنع ولن تصنع (ت: ٦٨). فلا تشرك باللّٰه
﴿ ان الشرك لظلم عظيم ﴾
(لقمان:١٣).
اعلم أن العالم دكان ومخزنٌ إلهي يوجَد فيه كلُّ نسجٍ وطرز وشكل وقشر، كثيف ورقيق وزائل ودائمي، ولبٌّ صلب ومايع وهوائي، بعضها نَسجُ الإيجاد وبعضها ترسيم التجلي. قد ضلت الفلاسفةُ في الإيجاب بالذات، بإدراج الإيجاد في التجلّي...
اعلم أن الشرك الخفي الناشئ من الأنانية، إذا تصلَّب انقلبَ إلى شرك الأسباب، [٭]: المقصود بالأنانية: الغرور وتفسير كل شيء وفق ما يطلبه "أنا" أما شرك الأسباب فيعني إعطاء الأمور والتصرف بيد الأسباب. والفقرتان التاليتان توضحان المسألة. وهو إذا استمر تحوّل إلى الكفر، وهو إذا دام تبدَّل إلى التعطيل، والعياذ باللّٰه...
اعلم أن طلَب الضياء في طور الظلمة مع محافظة النفس عليها وتطبّعها بها أليم شديد، مخلٌّ بحرمة الضياء، ومُلَوِّثٌ له. فلابد من التعري والانسلال من الظلمة. ثم النظر منها -لا فيها- إلى الضياء.
اعلم أن من الأعاجيب؛ أن الإنسان خُلق ليكون فاتحا وكاشفا مريئا، وبرهانا نيّرا، ودليلا مبصّرا، ومعكِسا نورانيا، وقمرا مستنيرا للقدير الأزلي، ومرآةً شفافة لتجلي الجمال الأزلي. وقد انجلت وتصيقلت بحمل الأمانة التي تدهّشتْ من حملها السماوات والأرض
— 301 —
والجبال. إذ من مضامين تلك الأمانة صيرورةُ الإنسان واحدا قياسيا لفهم الصفات المحيطة، وصيرورةُ ما فيه من "أنا" -الذي هو النقطة السوداء بالغفلة والشرك الخفي- مفتاحا لتنوير الصفات. فكيف ولأي شيء صار أكثرُ الإنسان حجابا وبابا وسدا. وكان لازما عليه أن يفتح فأغلَق.. وأن ينوِّر فأظلم.. وأن يوحِّد فأشرك.. وأن ينظر بمرصاده إلى اللّٰه فيسلِّم المُلكَ إليه، لكن نظر إلى الخلق بمرصادِ "أنا"، فقسّم مُلكَ اللّٰه عليهم.. نعم، إن الإنسان لظلوم جَهُول.
اعلم يا نفسي، إن أرضيت خالقَك بالتقوى والعمل الصالح، كفاكِ إرضاءَ الخلق. فإن رضوا منك بحسابه تعالى فنافعٌ، وبحساب أنفسهم فلا فائدة، إذ هم عاجزون مثلك. فإن أردت الشق الأول فأرضِ ربَّك، وإن أردتِ الثاني أشركتِ بلا فائدة.. ألا ترين أن مَن ذهب إلى مقرِّ سلطانٍ مطلقٍ لمصلحةٍ، إن أرضاه تمت بلا كلفة، مع محبةِ الرعية له. وإن طلبها ممَّن تحت حكمه المطلق يتعسّر -بل يتعذر- إرضاءُ الكل واتفاقُهم على إيفاء مصلحته. ثم بعد الاتفاق يحتاج إلى إذن السلطان، وإذنُه يتوقف على إرضائه إن كان إكراما، وإن كان استدراجا فلا بحث.
اعلم أن الواجبَ الوجود كما لا يشبه الممكنَ في الذات والماهية، كذلك لا يشبهه في أفعاله.. مثلا: لا فرقَ بالنسبة إليه بين القريب والبعيد، والقليل والكثير، والصغير والكبير، والفرد والنوع، والجزء والكل بالحدس الشهودي. وكذا لا كلفةَ ولا معالجة ولا مزاولة ولا مباشرة في فعله، خلافا للممكن. ولهذا يتحير العقلُ في فهم كنهِ أفعاله تعالى فيظن الفعلَ لا فعلا. [٭]: فينكر الفاعل (ت: ١٦٩).
اعلم أن أنيابَ الأسد كما تدل أن من شأنه الافتراسَ، وأن لطافة البطيخ على أنه للأكل، كذلك استعداد الإنسان يدل على أن وظيفتَه الفطريةَ العبوديةُ. وأن عُلويةَ روحانيته واشتياقَه إلى البقاء والأبدية تدل على أن الإنسان خُلق أولا في عالمٍ ألطفَ من هذا العالم، وأُرسل إلى هنا، ليتجهّزَ ويعود إليه. وأن كونه ثمرةَ شجرةِ الخلقة يدل على أن من الإنسان مَن هو نواة أنبت منها الصانعُ شجرةَ الخلقة، وما تلك النواة إلا مَن اتفق كلُّ الكُمّل، بل نصفُ البشر -بسر انصباغ العالم بصبغته المعنوية- على أنه أفضلُ الخلق بالتمام، وهو نورُ سيد الأنام الفاتحِ الخاتم عليه الصلاة والسلام..
— 302 —

القطعة الثانية من

ذرة من شعاع هداية القرآن
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
اعلم أن ناظمَ السماوات والأرض، ومكوّرَ الليل والنهار على جمجمة أرضنا ومهدنا كالعمامة المخططة، كيف يليق بألوهيته أن يفوّضَ بعضَ صفحات العالم إلى ممكنٍ مسكين؟ وهل يمكن أن يتصرفَ بالذات في ما تحت العرش غيرُ ربِّ العرش؟ كلّا. إذ لا تتقاصر تلك القدرةُ عن الإحاطة. فلا فُرجةَ للغير للمداخلة، مع أن عزةَ الجبروت والاستقلالية، ومحبةَ التودد والتعرّف لا تساعد [٭]: بمعنى لا تسمح. للغير -كائنا ما كان- أن يكون حجابا وواسطةً اسميةً تجلب إلى نفسه أنظار عباد اللّٰه.
على أن التصرفاتِ في الكل والجزء والنوع والفرد متداخلةٌ متساندةٌ لا يمكن التفريق ولو بين فاعلين متفقين، إذ ناظِم العالم في عين الوصف يدبر مهدَنا، وفي عين الحال يربي الإنسان، وفي عين الوقت يتصرف في شؤونات الأنواع، وفي عين الآن يصنع حُجيرات البدن، وفي عين الزمان يخلق الذرات بتلك القدرة المتوجهة إلى جميع الصفحات. بل بعين النظم يدبر، وبنفس التدبير يربّي، وفي عين التربية يتصرف ويخلق.
فكما لا يمكن أن تُنور الشمسُ وجهَ البحر دون خدود الحبابات، وعيونِ القطرات، وأناسي الرشاشات. [٭]: أناسي: جمع إنسان: وهو هنا إنسان العين أي سوادها ومقلتها. أي مُقل الحبيبات المائية المتطايرة من رشاش الماء والشلال. كذلك لا يمكن مداخلةُ شيء من الأشياء في ذرة من حجيرة من عضو من جزئي من ساكني الأرض بغير القدرة التي تكوّر ليلَها ونهارها. ومن صوَّر وأنشأ ونظّم دماغَ الذباب وعينَ المكروب، لا يترك أفعالَك غاربها على عنقها [٭]: ينظر إلى الهامش في رسالة "لا سيما". سُدًى ومهملة بل يكتبها في "إمام مبين"، فيحاسبك عليها.
— 303 —
اعلم أن ما يُتحدس ويُرى في كل مصنوع، بل في كل ذرة من التصرف المطلق، والقدرة المحيطة، والحكمةِ البصيرة -بجميع ما يتعلق بها وما يُنظَّم معها في سلك- برهانٌ باهر وآية بينة؛ على أن صانعَ كلِّ شيء واحدٌ لا شريك له، وليس لاقتداره توزيعٌ ولا انقسام ولا تجزؤ اللازمةُ للانتهاء، إذ لو كان الممكن صانعا، لكان في تصرفه توزيعٌ وفي قوته انقسامٌ وفي توجّه اقتداره واختياره تجزؤ، مع أن ما يتعلق من الثلاثة بالنحلة مثلا بحيثية لا يمكن -لو كان من الممكن المتجزي المتجاوز- أن لا يتجاوز. مع أن النحلةَ تتكشف عن اقتدار صانعها بوجهٍ لا يتعسر على ذلك الاقتدار خلقُ عوالمَ. فكيف ينحبس فيها ولا يتجاوز إلى المجاور، فلا بد بالضرورة أن يكون الصانعُ واجبَ الوجود واحدا لا نهاية ولا حدّ ولا انقسام لقدرته التي تجري في ميزان قدَره، وتُكتب على مسطره.
اعلم أن كونَ البعوضة والعنكبوت والبرغوث وأمثالها أذكى بمراتب، وأجزَل فطرةً، وأتم صنعةً من الفيل والجاموس والإبل، مع قصر أعمار هؤلاء، وعدم نفعها ظاهرا، بخلاف أولئك.. برهان باهر وآية نيّرة على أن الصانع لا كُلفةَ ولا معالجة ولا تعمُّل في خلقه الأشياءَ، بَل يقول: كن فيكون، ولا يَحكم عليه شيء، يفعل ما يشاء لا إله إلّا هو.
اعلم أن شُميسةَ الحباب كما أنها جزء كذلك جزئي؛ إذ هي شمسٌ بالهوية الظلّية دون الماهيةِ الأصلية فهي لا هي ولا غيرُها. فاشتراكُ الكائنات في الشمس لا ينقص من حصة الحباب شيئا، سواءٌ وجودُها وعدمها بالنسبة إليه. فللحباب أن يقول: الشمسُ بالتمام لي وفيّ، متوجهة إليّ.
اعلم أن ما يتصاغر ويتباعد عن دائرة الاسم الظاهر العظيم الواسع يتقارب ويتقيد بدائرة الاسم الباطن النسبي أو الحقيقي
﴿ واللّٰه مِنْ وَرَآئِهِمْ مُحيط ﴾
(البروج:٢٠) بأسمائه. [٭]: محيط بعلمه وإرادته وقدرته وبسائر صفاته الجليلة (ت: ١٧١) فلا شيء خارج دائرة إحاطته. فالإنسان بذهنه الجزئي المحدود المقيد الفاني فيما تعلق به، ينظر إلى عظمته تعالى وتدويره للسيّارات حول الشمس، فيستبعد منه أن يشتغلَ بخلق الذباب مثلا، بقياس الواجب على الممكن المسكين قياسا شيطانيا. فمن هذا القياس ينشأ ظلمٌ عظيم للمخلوقات الصغيرة، وتحقير لهم؛ إذ ما من شيء إلّا ويُسبّح خالقَه، ولا يتنیزل لأن يكون له ربٌّ غيرُ مَن صيّر الدنيا بيتَه، والشمسَ سراجَه، والنجومَ قناديلَه، كأنه ليس في الدنيا إلّا ذلك الشيء الحي. فلا يجوز
— 304 —
للكبير أن يتكبَّر على الصغير، إذ الوجود كالحق، لا فرق بين القليل والكثير. وكم من قليلٍ كثيرٌ، وكثيرٍ قليلٌ.
اعلم أن كل شيء -من شمس الشموس إلى ثمرة الشجرة- إذا أُمعن النظرُ يُرى أنه انتُخب واختير ومُيّز مما لا يحد. فأي شيء كان ينظر إلى ما لا يتناهى، فلا يَتصرف فيه بالذات إلّا من لا نهاية لتجليات صفاته. فتأمل!
اعلم أن العموم لا ينافي القصدَ الخصوصي والعنايةَ الشخصيةَ في الإنعام، إذ نِعمُ اللّٰه ليست مثلَ مال الوقف أو ماء النهر، [٭]: أي ليست مشاعا وعاما للجميع (ت: ١٧١). حتى يُرى إنعاما على الإطلاق، وحتى لا يُحِس الشخصُ في نفسه احتياجا إلى الشكر الخاص. وأن التعيّنات والخصوصيات ليست كالأواني والقوالب الحاصلة أوّلا، حتى يكون التعيّن، هو الذي يحصّل وجهَ الإنعام للمتعيّن. إذ المنعمُ الحقيقي جل شأنه يصنع لكل فرد قصعةً تناسبُه، ثم يملؤها من طعام نعمته فيحسنهما بالقصد الخصوصيّ للشخص باسمه ورسمه. فكما وجب الشكرُ على مطلق النعمة، وجب على الخاصة بالخصوصي.
اعلم أن الكتابَ الكبير المشهود "أي العالَم" والكتابَ العزيز المسموع "أي القرآن" بَخسَ أكثرُ البشر حقَّهما، إذ فيلسوفهم المتفكّر لا يعطي بالذات "للواجب" إلا جزءا بسيطا وقشرا رقيقا أو تركيبا اعتباريا، ثم يقسم الباقي على علل موهوماتٍ، بل ممتنعات، وأسماءٍ بلا مسميات
﴿ قَاتَلَهُمُ اللّٰه أنّى يُؤفكُونَ ﴾
(التوبة:٣٠). وأما الموحّد، فيقول: الكل مالُه ومنه وإليه وبه. أما القرآن، فأديبُهم المتخيل لا يعطي لذي العرش من ذلك القصر المحتشم [٭]: المقصود: القرآن الكريم. من أساساته المتينة ودساتيره المكينة وأحجاره المذهبة وأشجاره المزهرة إلا بعضَ نقوش النظم، وقسما من المعاني.. ثم يقسم الباقي من تلك النجوم السماوية على ساكني الأرض بدسيسةِ تلاحقِ الأفكار. (تُوه) [٭]: كلمة تضجر وتحقير. على عقله الذي خيل إليه تطاولَ يد البشر إلى النجوم بتبديلها والتصرف في أجرامها. مثله كمثل من يعطي لفياض البحر بعضَ الحبابات. والمؤمن المحقق يقول: كل ما اشتمل عليه [٭]: أي القرآن الكريم. من أول الأساسات إلى آخر نقوش النظم منه وله. وأن القرآنَ
— 305 —
لُفَّ في أساليبَ هي معاكِسُ ألوفِ مراتبِ مقتضيات المقامات وحسيات المخاطبين. وكذا مرّ القرآنُ على سبعين ألف حجاب، وتداخَل إلى أعماق القلوب والأرواح، وسافر ناشرا لفيضه ومونسا بخطابه على طبقات البشر، يفهمُه ويعرفُه كلُّ دور، ويعترف بكماله ويقبله كلُّ قرن. ويستأنس به ويتخذه أستاذا كل عصر، ويحتاج إليه ويحترمه كلُّ زمان بدرجة يتخيل كلٌّ: أنه أُنزل له خاصة. فليس ذلك الكتاب شيئا رقيقا سطحيا، بل بحرٌ زخّار وشمسٌ فيّاض وكتابٌ عميق دقيق.
اعلم، انظر إلى الماء والهواء كيف خُلقا سهلَين سلسَين، فسبحان من يرزق ويلقم المكروبَ والفيل. فانظر طباخَ القدرة كيف صنع طعاما لا يضيق عن لقمته فمُ النحل ويملأ فمَ الفيل، ولا يتكبر على فم المكروب ولا يتكبر عليه فمُ الكركدن، ويقول كلاما يسعه صماخُ الذرة ويمتلئ به أُذن الشمس، ويعطي للكلمة التي تتكلم به تناسلا واستنساخا، بوجهٍ يمتلئ بعين تلك الكلمة كهفُ الجبل فيجيبك بالصدى، ولا تتعاظم على الحجيرة التي في صماخ البعوضة.
اعلم أنه يليق أن يُتصوَّر وقتَ الصلاة عالمُ الإسلام مسجدا، محرابُه مكّة وآية المحراب الكعبة، يصلي في ذلك المسجد أجيال. فإذا سجدوا في الفَناء، يجيء أجيال أُخر فيصلون فيذهبون، فيُملأ ويُفرغ دائما. فالأعصار كدقائقِ وقت العصر في مسجد "بايزيد".
اعلم يا سعيد! من السعادة أن تتركَ اليوم على الكرم منك -وأنت عزيز مستبقيا للفضيلة- ما يتركك غدا على الرغم منك وأنت ذليل، مبقيا عليك الخسارة؛ إذ إن تركتَ الدنيا انسللتَ من شرها فأورَثت خَيرَها، وإذا تركَتْك انسللتَ من خيرها وأثمرتْ لك شرَّها.
اعلم أن المدنية الفاسقة أبرزت رياءً مدهشا يتعذر الخلاصُ منه على أصحاب المدنية، إذ سمّت الرّياء بی"شان وشرف" [٭]: أي الشهرة. وصيّرت المرءَ يرائي للمِلَل ويتصنع للعناصر كما يرائي للأشخاص، وصيّرت الجرائدَ دلّالين له، وجعلت التاريخ يصفق ويشوق بالتصفيق، وأنْسَت الموتَ الشخصيَّ بحياة العنصرية المتمردة بدسيسة الحَمية الجاهلية الغدارة [٭]: بمعنى: غدت حياة الشخص تفدى لحياة العنصرية تحت ستار الحمية الجاهلية (ت: ١٧٢).
— 306 —
اعلم أن جمعيةَ النساء مذكّر يتخاشن، كما أن جمعية الرجال مؤنثة تتلاين، بإشارةِ: وقال نسوة (يوسف:٣٠) و قالت الاعراب (الحجرات:١٤). وجمعيةَ الضعفاء قوي، وجمعية الأقوياء ضعيف.
اعلم أن في انكسار الجِنَّة وخَفْضِها، انفتاحَ الجَنَّة وفَتحَها. [٭]: العبارة فيها جناس عجيب: فانكسار الجنة -أي بكسر الجيم- تعني الشياطين، وخفضها يعني احتقارها وعدم طاعتها، ففي خفضها انفتاح الجنة وفتحها -بفتح الجيم-.. واللّٰه أعلم.
اعلم أن من أظهر براهين النبوّة الأحمدية التوحيدَ. إذ الرافعُ لأعلام التوحيد بمراتبه على رؤوس الكائنات، ودلّال التوحيد بمقاماته على أنظار العالم، ومفصِّلُ ما أجمله الأنبياءُ عليهم السلام، سيدُنا محمد عليه الصلاة والسلام. ففي حقيقة التوحيد وقوته حقيقةُ نبوته وحقانيتها.
— 307 —

القطعة الثالثة من

ذرة من شعاع هداية القرآن
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
اعلم أنه يلزم لمثل هذه التزيينات والكمالات والمناظرِ الحسنة وحشمة الربوبية وسلطنةِ الألوهية من مُشاهِدٍ لها، ومتنیزِّهٍ بها، ومتحيّرٍ فيها، ومتفكر ينظر إلى أطرافها ومحاسنها، فينتقل منها إلى جلالة صانعها ومالكها واقتداره وكماله.
نعم، إن الإنسان -مع جهالاته وظلماته- له استعدادٌ جامع كأنه أنموذجُ مجموع العالم، وأُودع فيه أمانةٌ يفهم بها الكنیزَ المخفي ويفتحه. ولم يُحدَّد قواه، بل أُرسلَت مطلقةً فيكون له نوع شعور كلي بشعشعةِ كمالِ حشمةِ جلالِ سرادقِ جمالِ عظمةِ ألوهيةِ سلطان الأزل. وكما أن الحُسن يستلزم نظرَ العشق، كذلك ربوبيةُ النقاش الأزلي تقتضي وجودَ نظر الإنسان بالتقدير والحيرة والتحسين والتفكر، وتستلزم أيضا بقاءَ ذلك المتفكر المتحير إلى الأبد ورفاقتَه لمَا تحيّر فيه في طريق أبد الآباد.
نعم، إنّ مَن زيّن وجوهَ الأزاهير كما أوجد لها عشاقا مستحسِنين من أنواع الذبابات والعصافير، وزيّن خدودَ المُلّاح فأوجد لها أنظار المشتاقين الوالهين.. كذلك من زيّن وجهَ العالَم بهذه الزينة الجاذبة، ونوّر عيونَه بهذه المصابيح المتبسّمة وحسّنه بأنواع المحاسن المتلألئة، وأدمج في كل نقش بكمال الوضوح توددا وتعرفا وتحببا، لا يخليه من أنظارِ مشتاقين متحيرين متفكرين منجذبين عارفين بقيمة كل؛ فلجامعية الإنسان صار الإنسان الكامل سببَ خلق الأفلاك علّةً غائية له وثمرة له.
اعلم أن من كمال السعادة واللذة الحقيقية، تركَ كل شيء حتى الوجود لأجل أنه جل شأنه هو هو، ولأجل أنه واجب الوجود، ولأجل أنه الكامل المطلق، ولأجل أنه ذو الجلال والجمال المطلق، فليكن له فداءً كلُّ شيء لي، وكُلّي والكلُّ وكلُّ شيء.
— 308 —
اعلم أن التوافقَ بين الأشياء كما يدل على أن الصانع واحدٌ أحدٌ، كذلك إن التخالف المنتظَم بينها، يدل على أن الصانع مختارٌ حكيمٌ. مثلا: توافقُ أفراد الإنسان بل الحيوان في أساسات الأعضاء. لاسيما التماثل في الأعضاء المثناة في الشخص برهان باهر على وحدة الخالق، وتخالفُها في التعيّنات والصور المتقنة آية نيّرة على اختيار الخالق وحكمته.
اعلم أن أظلم الخلق الإنسانُ. فانظر ما أشدَّه ظلما! فلشدة حبه لنفسه لا يعطي الأشياءَ قيمةً إلّا بمقدار خدمتها لنفسه، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها للإنسان، ويظن العلّةَ الغائية في الحياة عينَ الحياة. كلا، إن للخالق في كل حي حِكَما تدِقّ عن العقول. لِمَ لا يجوز أن يكون هذه الحيوانات القصيرةُ الأعمارِ والحوينات السريعة الزوالِ مباديَ ومساطرَ ومصادرَ وأساساتٍ ونواتاتٍ لغرائبَ مثاليةٍ وبرزخية وملكوتية وتجليات سيالة وترشحات وثمرات لتصرفات القدرة في الغيب؟..
........ [٭]: في (ط١): اعلم أن البصر كما ينحصر عنده المعلوم -بل الموجود- في المبصر، كذلك النفس الأمارة إذا لم تر شيئا تنكر وجوده، ولو كان من أبده البدهيات.
اعلم أن اللّٰه بكمال قدرته صيَّر جميعَ ذرّات الكائنات عبيدا لشريعته الفطرية وأوامره التكوينية. فكما يقول للذباب كن هكذا، فيكون هكذا.. كذلك يقول بعين السهولة لجميع الحيوانات كونوا بهاتيك الصفات وبهاتيك الأشكال وبهاتيك الأعمار، فيكونون كما أُمروا بلا كلفة!
اعلم أن القوةَ والقدرة التي أخذت هذه الأجرامَ في قبضتها، ونظّمَتها كتنظيمِك فصوصَ الجواهر على مرآتك بيدك، لا تعجز عن شيء ولا تساعد لمداخلة شيء ما في دائرة تصرفها.
اعلم أنه كما لا ريب في اتحاد القطرة مع البحر في كونهما ماء، ومع النهر في كونهما من السحاب، واتحادِ شُميسة القطرة مع شمس السماوات، واتحادِ السمك مثل الإبرة مع السمك الذي يسمّى بی"بالينه بالغى" [٭]: الحوت العظيم من حيتان البحر. في النوع، واتحادِ الحبَّة مع الصُّبرة.. كذلك إن الاسمَ المتجلي على حُجيرة في جزء من الجزئيات متّحدٌ في المسمّى مع الاسم المحيط بالكون من الأسماء
— 309 —
الحسنى، كالعليم بكل شيء مع الخالق لهذه الذرة، والمصوّر لهذه النحلة، والمنشئ لهذه الثمرة، والشافي لهذه العلة، بل محال أن لا يكون الواسعُ الأوسع عينَ الاسم الجزء الجزئي.
اعلم أنه لأن العطالة والسكون والتوقفَ والاستمرار على طرز في الممكن -الذي ظهور وجوده بتغيره- نوعُ عدمٍ في الأحوال والكيفيات، والعدم ألمٌ محض وشرٌّ صرف.. كانت الفعاليةُ لذةً شديدة والتحولُ في الشؤون خيرا كثيرا، ولو كان ألما ومصيبة. فالتأثرات والتألمات حسنةٌ من جهات، قبيحةٌ من جهة.
فالحياة التي هي نور الوجود تتصفى بالتأثرات، وتتصَيقل بالتألمات.. فلا تنافرها الحياة، فلا توزَنُ بميزان البقاء العائد للحي، بل بميزان الظهور والمعكسية لتجلّي شؤون "المحيي" جلَّ شأنه، إذ للمحيي في الحياة ألوف حصص، وللحي حصة عرَضية. كمالُها في تبعيتها لحصص المحيي.
فتزيّن الحباب بشُميسيته في آنٍ سيال لا يعطي له حقا بدرجةٍ يعارض الشمسَ في حقوق تجلياتها المشحونة بالحِكم الجسيمة. إلّا أن حباب الإنسان إذا آمن ينقلب بالإيمان زجاجةً كأنها كوكبٌ دريّ يوقد مصباحها من أشعة شمس الأزل.
اعلم أنه كيف يمكن أن يصنع أحدٌ جميع أساسات قصر وأثاثاته وتركيباته المتوجهةِ جميعا إلى بناء القصر الواحد، ولا يكونَ القصرُ علّةً غائية لذلك الصانع، [٭]: في (ط١): لذلك الصانع، ولو معلوما مبصرا، ولا يكون في تدبيره وتصرفه، بل لا يمكن أصلا، كذلك أنت قصر والأرض قصر. ولا يكونَ ثمرات القصر عائدة إليه. أيها الإنسان! الأرض قصر والعالَم قصر.
اعلم أن اللّٰه جل جلاله تعرّف إلينا بخلقه ومصنوعاته، وتودّد بنعَمِه وإنعاماته، وتحبّب برزقه ورحماته، ففعل هاتيك لتلك، بل كأنها هي. وهكذا تجلَّى كلُّ اسم من أسمائه الحسنى. فمن تفَهّمَها منها كما هو حقها -بتفهيمه تعالى- ثم فهّمها لغيره كافةً -بإذنه جلّ شأنه- يحق له أن يقال في حقه: "لَولاكَ لَولاكَ لَمَا خَلَقْتُ الأفلَاك" [٭]: "إنه صحيح معنًى ولو ضُعّف مبنى" على القاري، شرح الشفا ١/٦؛ الأسرار المرفوعة ٣٨٥؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢١٤؛ الشوكاني، الفوائد المجموعة ٣٢٦. وما هو إلا الرابط المتين الأمين بين السماوات والأرض، الذي ارتبط العرش بالفرش بالحبل المنسوج على قلبه
— 310 —
الذي هو أشرف الكائنات جنسا، وأكملُ ذوي الحياة نوعا وسيدُ النوع الذي شُرّف بالخلافة شخصا، وهو سيد المرسلين وإمام المتقين، حبيب رب العالمين محمد عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام أبد الآبدين.
خاتمة
للّٰه دَرُّ العلّةِ والمصيبة والذلّة، ما أحلاها وهي مُرّة! إذ هي التي تُذيقُك لذةَ المناجاة والتضرع والدعاء.
عن ابن سمعون (٭): "كل كلام خلا عن الذكر فهو لغو". [٭]: في (ط١): وكل سكوت خلا عن الفكرة فهو سهو، وكل نظر خلا من العبرة فهو لهو.
اعلم أني على جناح السفر إلى الآخرة، فلكثرة ذنوبي لا يكفي عمري بل أعمار للاستغفار، فأُوكلُ كتابي هذا وأُوصيه بأن ينادي مستغفرا بعدي بدلا عني دائما بهذا (الفرياد): [٭]: أي الاستغاثة والنداء.
(أي واه) وا أسفا وا حسرتا وا خسارتا وا ندامتا! على تضييعي لعمري وحياتي وصحتي وشبابي، في المعاصي والذنوب والهوسات الزائلة المضرة، فأورثَتْ في أوان شيبي ومرضي آثاما وآلاما. وأنا بهذا الحمل الثقيل والوجه الأسود والقلب المريض متقرب إلى باب القبر للفراق الأبدي من الدنيا الفانية.
فيا ذلّي إذا ما قال ربيإلى النيران سوقوا ذا المرائي!
إلهي لا ملجأ ولا منجا إلا باب رحمتك.
إلیهي عبدُك العاصي أتییاك مقرّا بالذنوب وقد دعاك
فإن ترحم فأنت لذاك أهلٌ وإن تطرد فمَن يرحم سواك
[٭]: ينسب إلى إبراهيم بن أدهم: إلیهي عبدُك العاصي أتاكا مقرّا بالذنوب وقد دعاكا
— 311 —
يا رب ژكناه ژشت خود منفعلم
أز قول بد وفعل بد خود خجلم
فيضي بد لم زعالم قدس بريز
تا محو شود خيال باطل زدلم
[٭]: يا رب إنني متألم نادم على سيئاتي وآثامي
وخجِلٌ من أقوالي وأفعالي السيئة
فاسكب من عالم القدس فيضا على قلبي
كي يمحو من قلبي الخيال الباطل
"أستفتح باب الرحمة بنداء مولانا"
أى خدا مَن اللّٰه اللّٰه مى زنم
بردر تو شيئا للّٰه مي زنم
أى خدا باسوى خود راه نما
زانكى من كم راهم راه مي زنم
[٭]: يا الهي إنني أُردد: "اللّٰه، اللّٰه"
وأنادي وأقول شيئا في سبيلك على بابك
يا إلهي اهدني الطريق إليك
فقد ضللت ولكني سائر في الطريق
إلییهي لستُ للفردوس أهلا ولا أقوى على نار الجحيم
فهبْ لي توبةً واغفر ذنوبي فإنك غافر الذنب العظيم
— 312 —
في (ط١):
هذا تقريظ أخي في اللّٰه الحسيب النسيب
السيد محمد شفيق الأرواسي(٭)
باسمه سبحانه
﴿ وان من شيء الاّ يسبّح بحمده ﴾
والصلاة والسلام على خير خلقه..
ومن المعروض لدى ناظر آثار أستاذنا بديع الزمان، الملهَمة من فيوضات آيات القرآن، والمستفادة من إشاراتٍ تهدي إليها نكاتُ بلاغة الفرقان التي لا يدركها إلّا مَن منّ عليه الملك المنان، بانكشاف اللطائف الأمرية، وتوسيع الدائرة العقلية، مع صيقلة سائر مرآة الحواسّ والوجدان بأن خلاصة ما لخصته من الإخلاص في حقها، أن كلا منها حصن حصين في مقابلة أشرار أعداء الدين، بل سد صيني لا يؤثر فيه وساوس النفس، ودسائس الشيطان، وتلقينات عبدة الطبيعة، وأباطيل أفكار الفلاسفة الضالين.. وأنه يجري من منابع مباحثها ماءُ حياة تنمو به العقدة الإيمانية وتنطفئ منه الشرارات النفسانية، فلابد لكل طالب من السعي البليغ في مطالعتها كي تحصّن بما حصله من براهينها وتشفي بما ناله من ذوقياتها ودقائقها.. وإن وجد تعسرا في فهم معانيها، فلا يكن سببا لفتور السعي فيها، فإن صداق الفوائد الجليلة إنما هو المساعي الكثيرة، ولا يلومنّ مؤلفها أيضا، لأن صعوبتها غير اختيارية، لما فيها من مسائلَ موضوعاتُها من الخوارق للعادات، وقضايا ذوقيةٍ لا يسعها ضيق العبارات، وبراهينَ من نتائجَ بدهية عنده وعند الغير من النظريات، ومفهومات متناسبة ومتناسلة قد نصبت على بعضها نُصُب وترك في البعض الآخر الآياتُ، لأن بُعد المسافة لا تكفيها راياتُ الجُمَل والكلمات وغيرُ ذلك من الأسباب مثل بدائع التشبيهات وغرائب التمثيلات.
الحقير
محمد شفيق