— 571 —
التلويح الخامس
تُعتبر "وحدة الوجود" التي تضم "وحدة الشهود" من المشارب الصوفية المهمة وهي تعني: حصرَ النظر في وجود "واجب الوجود"، أي أن الموجود الحق هو: "واجب الوجود" سبحانه فحسب، وأن سائر الموجودات ظلال باهتة وزيف ووَهم لا تستحق إطلاق صفة الوجود عليها حيال "واجب الوجود"؛ لذا فإن أهل هذا المشرب يذهبون إلى اعتبار الموجودات خيالا ووهمًا، ويتصورونها عدَما في مرتبة ترك ما سواه، أي "ترك ما سوى اللّٰه تعالى" حتى إنهم يتطرفون ويذهبون إلى حدّ اعتبار الموجودات مرايا خيالية لتجليات الأسماء الحسنى.
إن أهم حقيقة يحتويها هذا المشرب هي: أن الموجودات الممكنة "الممكنات والمخلوقات" تصغر وتتضاءل عند أصحابها من كبار الأولياء الذين وصلوا إلى مرتبة حق اليقين بقوة إيمانهم بحيث تنیزل عندهم إلى درجة العدم والوهم، أي أنهم ينكرون وجودَ الكون بجانب وجود اللّٰه تعالى الذي هو واجب الوجود.
غير أن هناك محاذير ومخاطر عدة لهذا المشرب، أولُها وأهمها:
إنَّ أركان الإيمان ستة، فهناك عدا ركن الإيمان باللّٰه، أركانٌ أخرى كالإيمان بالآخرة، فهذه الأركان تستدعي وجودَ الممكنات أي أن هذه الأركان المحكمة لا يمكن أن تقومَ على أساس خيالي.
فعلى صاحب هذا المشرب أَلّا يصحَب معه هذا المشرب، وأَلّا يعمل بمقتضاه عندما يفيق من عالم الاستغراق والنشوة. ثم إن عليه أَلّا يقلب هذا المشرب القلبي والوجداني والذوقي إلى أُسس عقلية وقولية وعلمية، ذلك لأن الدساتير العقلية، والقوانين العلمية، وأصول علم الكلام النابعة من الكتاب والسنة المطهرين لا يمكنها أن تتحمل هذا المشرب، ولا تتسع لإمكانية تطبيقه. لذا فلا يُرى هذا المشربُ في أهل الصحوة الإيمانية من الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين، والعلماء العاملين من أجيال السلف الصالح من هذه الأمة. إذن فليس هذا المشرب في أَعلى المراتب وأَسماها، بل قد يكون ذا علو إلّا أنه ناقص في علوّه، وقد يكون ذا حلاوة مُغرية ولكنه لاذع المذاق. ولظاهر حلاوته، ولجمال إيحائه لا يرغب الداخلون فيه في الخروج منه؛ ويتوهمون -باستشرافات نفوسهم- أنَّه أَعلى المراتب وأَسماها.
— 572 —
ولكوننا قد تناولنا شيئًا من أسس هذا المشرب وماهيته في رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه جل جلالُه" وفي "الكلمات" و "المكتوبات" فإننا نكتفي بذلك، ونقصر الكلام هنا على بيان ورطة خطرة قد يقع فيها قسمٌ من الحائمين حول "وحدة الوجود" وهي:
إنَّ هذا المشرب يصلح لأخص الخواص عند حالات الاستغراق المطلق، وللمتجردين من الأسباب المادية، ومن الذين قد قطعوا علائقهم بما سوى اللّٰه من الممكنات والأشياء.
ولكن إذا نیزل هذا المشرب من علياء الأذواق والمواجيد، والأشواق القلبية إلى دائرة المذاهب الفكرية والعلمية وعُرض بشكله العلمي والعقلاني على أنظار الذين استَهوتهم الحياةُ الدنيا، وغرقوا في الفلسفات المادية والطبيعية، فإنه سيكون إغراقًا في الطبيعة والمادة، وإبعادًا عن حقيقة الإسلام.
فالشخص المادي المتعلق بالأسباب، والمُغرم بالدنيا، يتشوق إلى إضفاء صفة الخلود على هذه الدنيا الفانية، لأنه يعزّ عليه أن يرى محبوبته وهي تتبخر بين يديه وتذوب، فيُسبغ صفةَ البقاء والوجود الدائم على دنياه، انطلاقًا من فكرة "وحدة الوجود" فلا يتورع -عندئذٍ- من رفع محبوبته -الدنيا- إلى درجة المعبود بعد أنْ أَسبغَ عليها صفاتِ الدوام والخلود والبقاء الأبدي، فينفتح المجال أمامَه إلى إنكار اللّٰه سبحانه والعياذ باللّٰه.
ولما كان الفكر المادي قد ترسّخت دعائمُه في هذا العصر، واستولى على غالبية النشاطات العقلية والعلمية، حتى غدت المادة -عند أصحابه- هي أَصلُ كل شيء ومرجعه، لذا فإن ترويج مذهب "وحدة الوجود" في هذا العصر -الذي يرى فيه أهلُ الإيمان الخواص الماديات تافهةً إلى حدّ العدم- ربما يعطي للماديين حُجةً ليكونوا دعاةً للمذهب نفسه فيخاطبوا أصحابه من أهل الإيمان: "نحن وأنتم سواء، نحن أيضًا نقول هكذا ونفكر هكذا" علمًا أنه لا يوجد مشربٌ في العالم بعيدٌ عن منهج المادييين وعبدة الطبيعة من مشرب "وحدة الوجود". ذلك لأن أصحابَه يؤمنون باللّٰه إيمانًا عميقًا إلى درجة يعدّون الكون وجميعَ الموجودات معدومًا بجانب حقيقة الوجود الإلهي، بينما الماديون يولون الموجودات من الأهمية إلى حدّ أنهم ينكرون معها وجودَ اللّٰه سبحانه وتعالى... فأين هؤلاء من أولئك؟!