— 573 —
التلويح السادس
وهو ثلاث نقاط
النقطة الأولى: إنَّ اتّباع السنة النبوية المطهرة هو أجملُ وألمعُ طريق موصلة إلى مرتبة الولاية من بين جميع الطرق، بل أقومُها وأغناها. والاتّباع يعني: تحري المسلم السنة السنية وتقليدَها في جميع تصرفاته وأعماله، والاستهداء بالأحكام الشرعية في جميع معاملاته وأفعاله. فإن أعماله اليومية ومعاملاته العرفية وتصرفاته الفطرية الاعتيادية تأخذ بهذا الاتّباع شكلَ العبادة، فضلا عن أن اتباع السنة وتحري شرعِ اللّٰه في شؤون المؤمن جميعها يجعله في صحوة دائمة، وتذكّر للشرع مستمر، وتذكّر الشرع هذا يؤدي إلى ذكر صاحب الشرع الذي يؤدي إلى تذكّر اللّٰه سبحانه، وذكرُ اللّٰه سببٌ لسكينة القلب واطمئنانه. أي أنَّ ساعات العمر ودقائقه يمكن أنْ تنقضي كلها في عبادة دائمة مطمئنة.
لذلك فإن اتّباع السنة المطهرة هو طريق الولاية الكبرى، وهو طريق ورثة النبوة من الصحابة الكرام والسلف الصالح.
النقطة الثانية: الإخلاص هو أهم أساس لجميع طرق الولاية وسبل الطريقة، ذلك لأن الإخلاص هو الطريق الوحيد للخلاص من الشرك الخفي. فمن لم يحمل إخلاصًا في ثنايا قلبه فلا يستطيع أن يتجول في تلك الطرق، كما أنَّ "المحبة" تشكل أمضى قوة في تلك الطرق.
نعم، المحبة! فالمحب لا يبحث عن نقص، بل لا يرغب في أن يرى نقصًا في محبوبه، بل يرى أَضعفَ الدلائل والأمارات على كمال محبوبه من أقوى الأدلة والحجج، لكونه جانبَ محبوبه على الدوام.
وبناءً على هذا السر، فإن الذين يتوجهون بقلوبهم إلى معرفة اللّٰه عن طريق المحبة، لا يصغون إلى الاعتراضات ويجاوزون سريعًا العقبات والشبهات، وينقذون أنفسَهم بسهولة ويحصّنونها من الظنون والأوهام، حتى لو اجتمع عليهم آلافُ شياطين الأرض، فلن يستطيعوا أن يزيلوا أمارةً أو علامة واحدة تدل على كمال محبوبه الحقيقي وسموّه. ومن دون هذه المحبة يتلوى الإنسانُ تحت وساوسِ نفسه وشيطانه، وينهار أمام ما تنفثه الشياطينُ من اعتراضات وشُبَهٍ، ولَمَا عَصَمَهُ شيءٌ سوى متانةِ إيمانه وقوته، وشدة انتباهه وحذره.
— 574 —
إذن فالمحبةُ النابعة من معرفة اللّٰه هي جوهر جميع مراتب الولاية وإكسيرها. إلّا أن هناك ورطةً كبيرةً للمحبة وهي:
أنه يُخشى أنْ ينقلب المحبُّ من التضرع والتذلل للّٰه -اللذين هما سر العبودية- إلى الإدلال والطلب والدعاوى. فيطيش صوابُه ويتحرك مختالًا بمحبته دون ضوابط أو موازين.. ويُخشى كذلك أن تتحول المحبةُ لديه من "المعنى الحرفي" إلى "المعنى الإسمي" أثناء توجهه بالمحبة إلى ما سوى اللّٰه، فتنقلب عندئذٍ من دواء شافٍ إلى سم زعاف، إذ يحدث أحيانًا أن المحب يتوجه إلى صفات المحبوب -من دون اللّٰه- وإلى كماله الشخصي وجماله الذاتي، أي يكون الحب بمعناه الاسمي -لذاته- أي يستطيع أن يحبه أيضًا من دون تذكّر اللّٰه ورسوله! مع أن الواجب عليه عند التوجه بالحب لما سوى اللّٰه أن يكون هذا الحبُّ في اللّٰه وللّٰه ، فيربط قلبَه به من حيث كونه مرآة لتجلي أسمائه الحسنى.
إن مثل هذا الحب بالمعنى الاسمي لا يكون وسيلةً لحب اللّٰه، بل ستارًا من دونه. بينما الحب بالمعنى الحرفي أي بسبب من حب اللّٰه، فإنه يكون وسيلة إلى زيادة حب اللّٰه، بل يصح القول أنه تجل من تجلياته سبحانه.
النقطة الثالثة: إنَّ الدنيا هي دار العمل ودار الحكمة، وليست دارًا للمكافأة والجزاء. فجزاءُ الأعمال والبر التي تُفعل هنا يكون في الحياة البرزخية والدار الآخرة، فتؤتي هناك أُكُلها وثمراتها. فما دامت الحقيقة هكذا يجب عدم المطالبة بثمرات الأعمال الأخروية وجزائها في هذه الدنيا، ولو أعطيتْ يجب أخذُها وقبولها بحزن، وليس بفرح وسرور، ذلك لأنه ليس من الحكمة تناول ثمرات الأعمال -التي لن تنفد عند تناولها في الجنة- في مثل هذه الحياة الفانية، إذ يشبه ذلك العزوف عن مصباح خالد النور والإضاءة والتعلق بمصباح لا يتوهج نوره إلّا دقيقة ثم ينطفئ!
وبناءً على هذا السر الدقيق -أي انتظار الأجر في الحياة الآخرة- فإن الأولياء يستعذبون مشاقَّ الأعمال ومصاعبَها والمصائب والبلايا، فلا يشكون ولا يتذمرون. بل لسانُهم دائمًا وأبدًا يردد: "الحمد للّٰه على كل حال". وإذا وهب اللّٰه لهم كرامةً أو كشفًا أو نورًا أو ذوقًا فإنهم يتناولونه بأدبٍ جَمٍّ ويعدّونه التفاتًا وتكرّمًا منه سبحانه إليهم، فيحاولون ستر الكرامة
— 575 —
وإخفاءها ولا يظهرونها ولا يفاخرون بها، بل يسارعون إلى زيادة شكرهم وتعميق عبوديتهم. وكثيرون منهم يجأرون إلى اللّٰه أن يحجبَ هذه الأحوال عنهم ويحجبَهم عنها ويتمنَّوا ذهابها واختفاءها خوفًا من أن يتعرض الإخلاصُ في عملهم للخلل.
حقًا إن أَفضل نعمة إلهية يمكن أن ينالَها شخصٌ مقبول عند اللّٰه هي التي توهَب له من دون أن يشعر بها، لكي لا يتحول من حال التضرع والدعاء إلى حال الإدلال بعباداته وطلب الأجر عليها، ولئلا يتحول من موقع الشكر والحمد إلى موقع الدلّ والفخر.
فاستنادًا إلى هذه الحقيقة فإن الذين يرغبون في سلوك طريق الولاية والطريقة إنْ كانوا يرغبون في تناول بعض الثمرات الجانبية للولاية، أمثال اللذات المعنوية أو الكرامات، ويتوجهون إليها ويطلبونها ويلتذون بها.. فإن هذا يعني رغبتهم في تناول تلك الثمرات في هذه الحياة الفانية، وهي -إذا حصلت لهم- ثمراتٌ فانية على أي حال كان. وبذلك يفقدون الإخلاص في أعمالهم الذي به ينالون ثمرة الولاية. كما أنهم يمهّدون السبيل لفقدان الولاية نفسها.
التلويح السابع
يتضمن أربع نكات
النكتة الأولى: إن الشريعة هي نتيجة الخطاب الإلهي الصادر مباشرة -دون حاجز أو ستار- من الربوبية المطلقة المتفردة بالأحدية.
لذا فإن أعلى مراتب الطريقة وأسمى درجات الحقيقة لا يعدوان كونهما أجزاء من كلية الشريعة. أما نتائجُهما وما يؤولان إليه فهي الأوامر الشرعية المُحكمة. فهما دائمًا وأبدًا يظلان بحكم الخادم للشريعة ووسيلة إليها ومقدمة لها.
فالسالك في الطريقة يرتفع تدريجيًا إلى أعلى المراتب التي ينال فيها ما في الشريعة نفسها من معنى الحقيقة وسر الطريقة. وعندئذ تكون الطريقة والحقيقة أجزاءَ الشريعة الكبرى. لذا فليس صحيحًا ما يتصوره قسمٌ من المتصوفة من أن الشريعة قشرٌ ظاهري، والحقيقة هي لبُّها ونتيجتها وغايتها.
— 576 —
نعم، يتنوع انكشاف الأحكام الشرعية ويختلف بالنسبة لمستويات الناس وفهمهم وطبقات مداركهم، فما يظهر منها وينكشف للعوام هو غيرُ ما يظهر وينكشف للخواص..
إنه من الخطأ توهم ما يظهر من الشريعة للعوام هو حقيقة الشريعة، وإطلاق اسم "الحقيقة" و "الطريقة" على مرتبة الشريعة المنكشفة للخواص.
فالشريعة لها مراتب متوجهة إلى جميع طبقات البشر.
وبناء على هذا السر، فإن أهل الطريقة، وأصحاب الحقيقة كلما تقدموا في مسلكهم وارتقوا في معارجهم، وجدوا أنفسهم منجذبين أكثر إلى الحقائق الشرعية، متبعين لها، مندرجين ضمن غاياتها ومقاصدها. حتى إنهم يتخذون أبسط أنواع السنة النبوية الشريفة كأعظم مقصد وغاية، ويسعون إلى اتّباعها وتقليدها.
لأنه بمقدار سمو الوحي وعلوِّه على الإلهام، فالآداب الشرعية التي هي ثمرة الوحي هي أسمى وأعلى من آداب الطريقة التي هي ثمرة الإلهام، لذا فإن أهم أساس للطريقة هو اتّباع السنة النبوية المطهرة.
النكتة الثانية: لا ينبغي أن تتحول الطريقة والحقيقة من كونهما وسيلتين إلى غايتين بحدّ ذاتهما (تستحوذان على قلب السالك وفكره ووجدانه). فإذا أصبحتا -الطريقة والحقيقة- مقصودتين بالذات، فإن الأعمال الشرعية المُحكَمة، وآداب السُّنة السَنية، تنحسر حتى تأخذ الدرجة الثانية من الاهتمام لدى السالك، وتصبح صورية شكلية بانشغال القلب بالتوجه إلى آداب الطريقة ورسومها. أي أن المرء -عندئذِ- يفكر بحلقة الذكر أكثر من تفكيره بالصلاة، وينجذب إلى أوراده أكثر من انجذابه إلى الفرائض، ويلزم نفسه بتجنب مخالفة آداب الطريقة أكثر من التزامه بتجنب الكبائر، والحال إن أداء فريضة واحدة التزامًا بالأوامر الشرعية لا يمكن أن توازيها أوراد الطريقة أو تحل محلها.
فآداب الطريقة، وأوراد التصوف، وما يحصل للسالك منهما من أذواق ينبغي أن تكون مدخلًا لأذواق أحلى وأعلى وأسمى، يحصل عليها هذا السالك من أداء الفرائض والسنن.
أي أنَّ ما يأخذه المرء من التكية من أذواق، لا بد أن تكون استهلالًا لأذواق الصلاة التي يؤديها في الجامع، بقيامه بأركانها وأدائها على الوجه المطلوب، وإلّا فالذي تشغله أذواقه
— 577 —
في التكية عن صلاته في الجامع، فيؤديها بخفة وسرعة صورية وشكلية لا حرارة فيها ولا روح، إنما يبتعد عن الحقيقة.
النكتة الثالثة:
سؤال: هل يمكن أنْ توجد طريقةٌ خارج نطاق السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة؟
الجواب: نعم و لا!
نعم، لأن عددًا من الأولياء الكاملين قد أُعدموا بسيف الشريعة.
ولا، لأن الأولياء المحققين قد اتفقوا على القاعدة التي ذكرها "سعدي الشيرازي" شعرًا:
مُحَالَسْتْ سَعْدِى بَرَاهِ صَفَا ظَفَرْ بُرْدَنْ جُزْ دَرْ پَىِ مُصْطَفَى
أي "محال أن يصل أحد إلى الأنوار الحقيقية للحقيقة خارج الصراط الذي اختطه الرسول (ص)، ومن دون اتباعٍ لخطواته".
وسرُّ هذه المسألة هو الآتي: ما دام الرسول (ص) هو خاتم الأنبياء والمرسلين وقد خاطبَه اللّٰه سبحانه باسم البشرية وممثلا عنها، فلا بد ألّا تسير البشرية خارج الصراط الذي بيّنه، فالانضواء تحت لوائه ضروري.
ولكن ما دام أهل الجذب والاستغراق ليسوا مسؤولين عن مخالفاتهم، لما في الإنسان من لطائفَ لا ترضخ للتكاليف الشرعية، فعندما تتحكم فيه تلك اللطيفة لا يبقى مسؤولًا أمام التكاليف الشرعية. ومادام في الإنسان لطائف أخرى لا ترضخ لإرادة الإنسان كعدم رضوخها للتكاليف، بل لا تنقاد لتدبير العقل ولا تذعن لأوامر القلب والعقل.. فلابد أن تلك اللطيفة عندما تستحوذ على شخصٍ ما فإنه لا يسقط من مرتبة الولاية بمخالفته الشرع، وإنما يعدّ معذورًا -في تلك الأثناء فقط- بشرط ألّا يصدر عنه شيءٌ ينافي حقائق الشرع وقواعد الإيمان إنكارًا أو تزييفًا أو استخفافًا. وينبغي أن يصدّق بأحقية الشرع وإن لم يكن يؤدي حقه حق الأداء.. وإلا إذا غلبت عليه الحال، وصدر عنه ما يشم منه التكذيب والإنكار لتلك الحقائق المحكمة -نعوذ باللّٰه- فذلك علامة الهلاك.
— 578 —
حاصل الكلام: إنَّ أهل الطريقة الذين هم خارج دائرة الشرع قسمان:
قسم منهم كما ذكرناه آنفًا، فهؤلاء إما أن يكون قد غلب عليه الحالُ والاستغراق والجذب والسُّكر. أو يكون مغلوبًا لسيطرة لطائف لا تنقاد للتكاليف ولا تعير بالًا للإرادة، فيخرج من دائرة الشرع.
ولكن هذا الخروج لا ينشأ من عدم الرضى بالشرع، أو من رفض الأحكام الشرعية، بل يترك تلك الأحكام اضطرارًا دون إرادة منه، فهناك أولياء من هذا القسم، فضلًا عن أن أولياء كبارًا قد قضوا فترة بينهم متلبسين بهذه الحال. بل من هذا النوع مَن حكم عليهم أولياء محققون، أنهم ليسوا خارجين عن دائرة الشرع وحدَها، بل منهم مَن هو خارج عن دائرة الإسلام. إلّا بشرط ألّا يكذّبوا بجميع ما جاء به الرسول (ص) من أحكام، مع أنهم لا يؤدون حقها، إما لعدم تفكرهم بها، أو لعدم استطاعتهم التوجه إليها، أو لعدم تمكنهم من معرفتها، أو عدم فهمها. ولكن إذا عرفَها أحدٌ منهم ورفضَها فقد هلك.
أما القسم الثاني: فهم المنجذبون لنشوة الأذواق البراقة للطريقة والحقيقة فلا يبالون بالحقائق الشرعية التي هي أرقى من مستوى مذاقهم. ويعتبرها أحدُهم غير ذات مذاق لعجزه عن بلوغها. فيؤديها صورية شكلية، وهكذا يبلغ به الأمر تدريجيًا إلى أن يظن أن الشريعة مجرد قشرٍ ظاهري، وأن ما وجده من الحقيقة هو الأساس والغاية والقصد، فيقول: "حسبي ما وجدتُه". فيقوم بأفعال مخالفة لما يأمر به الشرع! فالذين لم يفقدوا شعورَهم وعقولَهم من هذا القسم مسؤولون عن أعمالهم، ويُدانون، بل يهلكون، حتى يكون قسم منهم موضع هزء وسخرية للشيطان.
النكتة الرابعة: إنَّ أشخاصًا من الفرق الضالة والمبتدعة يكونون من المقبولين بنظر الأمة، غير أن أمثالهم تردّهم الأمة وترفضهم دون أن يكون هناك فرق ظاهري بينهما!
كنت في حيرة من هذا الأمر، فی"الزمخشري" المعتزلي الشديد التعصب لمذهبه لا يكفره أهل التحقيق من أهل السنة ولا يدرجونه في صفوف الضالين على الرغم من اعتراضاته القاسية عليهم، بل يجدون له مبررًا ومجالًا للنجاة، إلّا أنَّ "أبا علي الجبّائي" وهو أيضًا من
— 579 —
أئمة المعتزلة يطرده أهل السنة المحققون ويعدّون آراءه مردودة مع أنه أخف تعصبًا من السابق بكثير، كان هذا يأخذ قسطًا كبيرًا من تفكيرى، ثم فهمت بلطف إلهي:
أنَّ اعتراضات "الزمخشري" على أهل السنة نابعةٌ من محبة الحق الذي يدعو إليه مسلكُه، الذي يظنه حقًا كقوله: "إنَّ التنیزيه الحقيقي للّٰه سبحانه هو بأن يكون الأحياء -في نظره- هم خالقين لأفعالهم"، لذا فلمحبته الناشئة من تنیزيه الحق سبحانه يردّ قاعدةَ أهل السنة في خلق الأفعال. أما سائر أئمة الاعتزال المرفوضين فإنهم ما أنكروا سبيل أهل السنة لفرط محبتهم الحق، وإنما لقصور عقولهم عن دساتير أهل السنة السامية، وعجز عقولهم الضيقة عن استيعاب قوانين أهل السنة الواسعة. لذا فإن أقوالَهم مردودة وهم مطرودون.
فكما أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة هذه بشكلين، وهي الواردة في كتب علم الكلام فإن أهل الطريقة الخارجين عن السنة المطهرة ومخالفتهم لها أيضًا من جهتين:
الأولى: أن ينجذب الوليّ لحاله ونهجه كانجذاب "الزمخشري" لمذهبه غير مهتم إلى حدٍّ ما بآداب الشرع التي لم يبلغ أذواقها بعد.
الثانية: أن ينظر الولي إلى آداب الشريعة أنها غيرُ ذات أهمية أصلًا بالنسبة لدساتير الطريقة وقواعدها (حَاشَ للّٰه) لكونه قد عجز عن أن يستوعب تلك الأذواق الواسعة، فمقامه القصير لا يستطيع أن يبلغ تلك الآداب الرفيعة.
التلويح الثامن
وفيه ثمانية مزالق و ورطات:
الأولى: إنَّ الورطة التي يسقط فيها سالكون من الطرق الصوفية -ممن لا يتبعون السنة النبوية على الوجه الصحيح- هي اعتقادهم بأرجحية الولاية على النبوة! ولقد أثبتنا مدى سمو النبوة على الولاية وخفوت ضوء الأخيرة أمام نور النبوة الساطع في "الكلمة الرابعة والعشرين" و "الكلمة الحادية والثلاثين" من كتاب "الكلمات".
الثانية: وهي تفضيل قسمٍ من المفرِطين، الأولياءَ على الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم، بل رؤيتُهم في مرتبة الأنبياء عليهم السلام. وقد شرحنا في "الكلمة الثانية عشرة" و "الكلمة السابعة والعشرين/الاجتهاد" وفي ذيلها الخاص بالصحابة كيف أنَّ للصحابة الكرام
— 580 —
خواصَّ متميزةً بسبب الصحبة النبوية، بحيث لا يمكن للأولياء أن يبلغوا مرتبتَهم أصلًا فضلًا عن أن يتفوقوا عليهم. ولا يمكنهم أن يبلغوا قطعًا مرتبة الأنبياء.
الثالثة: وهي ترجيح بعض المتطرفين والمتعصبين جدًّا للطريقة لأوراد طريقتهم وآدابها على أذكار السنة النبوية الشريفة، فيسقطون بذلك إلى منیزلق مخالفة السنة النبوية وتركِها، في الوقت الذي يظلون متشبثين بأوراد طريقتهم، أي أنهم يسلكون سلوك غير المبالي بآداب السنة النبوية الشريفة فيهوون في الورطة، وكما أثبتنا في "كلمات" كثيرة، وكما أكّد كبارُ محققي الطرق كالإمام الغزالي والإمام الرباني:
"إنَّ اتباع سُنةٍ واحدة من السنن النبوية يكون مقبولًا عند اللّٰه أعظم من مائة من الآداب والنوافل الخاصة. إذ كما أن فرضًا واحدًا يرجح ألفًا من السنن، فإن سُنة واحدة من السنن النبوية ترجح ألفًا من آداب التصوف".
الرابعة: إنَّ بعض المتطرفين من أهل التصوف يظنون خطأً أنَّ "الإلهام" بمرتبة "الوحي"، كما يعتبرون الإلهام نوعًا من أنواع الوحي فيسقطون في هذا المزلق الخطير، وقد برهنّا سابقًا في "الكلمة الثانية عشرة" و "الكلمة الخامسة والعشرين" المتعلقة بإعجاز القرآن وفي رسائل أخرى؛ كيف أنَّ الوحي سامٍ وعالٍ وساطع وضّاء وكلّي شامل بينما الإلهام بالنسبة إليه جزئي وخافت.
الخامسة: إنَّ بعض المتصوفين ممن لم يدركوا تماما سر الطريقة -في كونها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها- قد ينجذبون ويتوجهون إلى ما يُفاض عليهم من الكرامات والأذواق والأنوار، تلك التي توهَب ولا تُسأل إذ يمنحها اللّٰه سبحانه تقويةً للضعفاء، وتشجيعًا للمتكاسلين، وتخفيفًا من المشقة والسأم -الذي يعتريهم من شدة الإجهاد في العبادة- فينجرون إلى تفضيل تلك الكرامات والأذواق والأنوار على فروض الدين والخدمة تحت لوائه وقراءة الأذكار والأوراد، فيسقطون في هذا المزلق.
وقد سبق أن أجملنا في النقطة الثالثة من "التلويح السادس" وفي "كلمات" أخرى، بأن هذه الدنيا هي دار خدمة وعمل وليست دار ثواب ومكافأة، فالذين يرغبون في قطف ثمار أعمالهم في هذه الحياة الفانية، إنما يستبدلون المكافأة الدنيوية الفانية بثمار الآخرة الأبدية الباقية، فضلًا عن أنَّ هذا يدل على بقايا تعلقٍ بالدنيا ورغبة في الاستمتاع بها، ويكون هذا سببًا في
— 581 —
خفوت شوقهم وتطلعهم إلى الحياة البرزخية، بل يريدون هذه الحياة، إذ يجدون فيها نوعًا من ثمار الآخرة.
السادسة: وهي المنیزلق الذي يقع فيه قسم من سالكي الطرق الصوفية من غير أهل الحقيقة عندما يلتبس عليهم الأمر فيتوهمون بأن ظِلال مقامات الولاية ونماذجها المصغرة كأنها هي المقام الحقيقي والكلي والأصلي.
ولقد أثبتنا في الغصن الثاني من "الكلمة الرابعة والعشرين" وفي "كلمات" أخرى بما لاشك فيه؛ أن الشمس وإن تعددت صورُها بتعدد المرايا التي تنعكس عليها، فهذه الصور تملك ضياءَ الشمس وحرارتها ولكن ليس هو الضياء الأصلي نفسه، ولا هي الحرارة نفسها فهي باهتة الأنوار بالنسبة للشمس الحقيقية.
كذلك فإن لمقام النبوة ولمقام كبار الأولياء، شيئًا من الظلال التي يمكن لأهل الطرق أن يستظلوا بها، ولكنهم يظنون أثناء دخولهم فيها أنهم أعظم درجة من كبار الأولياء، بل حتى من الأنبياء -والعياذ باللّٰه- فيسقطون في مزلق.
ولإنقاذ أنفسهم من جميع هذه المزالق المذكورة سابقًا عليهم أن يضعوا أصول الإيمان وأسس الشرع نصبَ أعينهم ويتخذوها مرشدًا دائمًا لهم، وأن يخالفوا أذواقهم ومشهوداتهم ويتهموها عند تعارضها مع تلك الأسس.
السابعة: وهي المزلق الذي يقع فيه قسمٌ من أهل الأذواق والأشواق من أصحاب الطرق عندما ينصرفون إلى الفخر والادعاء وإشاعة الشطحات وطلب توجّه الناس ونيل المرجعيات الدينية، ويفضلون هذه العجالات على الشكر والتضرع والحمد والاستغناء عن الناس، بينما عبودية محمد (ص) هي أسمى مرتبة في العبودية، تلك العبودية التي نستطيع وصفها بالمحبوبية.
فأساس العبودية وسرُّها هو التضرع والحمد والدعاء والخشوع والعجز والفقر والاستغناء عن الناس، وبهذا فقط يمكن الوصول إلى كمال تلك الحقيقة، حقيقة العبودية.
نعم إنَّ عددًا من الأولياء الكبار اضطروا -دون اختيار منهم لغلبة الحال وبشكل مؤقت فقط- إلى الخروج إلى ساحة الفخر والطلب والشطحات، لذا فلا يجوز اتّباعهم اختيارًا
— 582 —
في حالهم هذه، فهم مهتدون، ولكنهم هنا وفي هذه النقطة بالذات ليسوا قدوة في الهداية، لذا لا يمكن السير وراءهم أوالاقتداء بهم.
الثامنة: وهي الورطة التي يتورط فيها قسمٌ من المتعجلين والقاصدين المنافع الذاتية من أهل الطرق من الذين يرغبون في تناول ثمرات الولاية في الدنيا بدلًا من قطفها في الآخرة. وعندما يدل سلوكُهم على هذه الرغبة، وتتكشف نيتُهم من خلال هذا السلوك يكونون فعلًا قد سقطوا في هذه الورطة. علمًا أن آيات كثيرة في القرآن الكريم من أمثال
وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور
(آل عمران: ١٨٥) تدل بوضوح ما أثبتناه سابقًا في عدة "كلمات" من أن ثمرة واحدة من ثمرات عالم البقاء ترجح ألفَ بستان في هذه الحياة الفانية، لذا فالأفضل عدم تناول تلك الثمرات المباركة هنا، وإن أعطيت دون توجه ورغبة فيها، فيجب إبداء الحمد والشكر في قبولها -لا على أنها مكافأة- بل على أنها إحسان وفضل من اللّٰه وُهبَت للتشويق.
التلويح التاسع
نذكر هنا مجملًا تسع ثمرات من الثمار الوفيرة للطريقة وفوائدها:
الأولى: هي ظهورُ الحقائق الإيمانية وانكشافها ووضوحها إلى درجة عين اليقين بوساطة الطريقة الصحيحة المستقيمة. هذه الحقائق التي هي منابع خزائن أبدية وسعادة دائمة وكنوزها ومفاتيحها.
الثانية: هي تحقيقُ الوجود الحقيقي للإنسان بانسياق لطائفه جميعًا إلى ما خُلقت لأجله. وذلك بأن تكون الطريقة واسطة لتحريك قلب الإنسان الذي يعتبر مركزًا لجسمه ولولَبًا لحركته وتوجيهه إلى اللّٰه. فيندفع بهذا كثيرٌ من اللطائف الإنسانية إلى الحركة والظهور فتتحقق حقيقة الإنسان.
الثالثة: التخلص من وحشة الانفراد والوحدة في السير والسلوك، والشعور بالأُنس المعنوي في الحياة الدنيا والبرزخ بالالتحاق بإحدى سلاسل الطريقة عند سيره وتوجهه نحو الحياة البرزخية ونحو الحياة الأخروية، وعقد أواصر الصداقة والمحبة بتلك القافلة النورانية في طريق أبد الآباد، فتندفع الأوهامُ والشُبَه عن النفس باستناد المريد إلى
— 583 —
إجماعهم واتفاقهم باعتبار كل أستاذ مرشد حُجة قوية وسندًا لا يضعف في دفع الأضاليل والأوهام التي ترد إلى الذهن.
الرابعة: وهي خلاصُ الإنسان من الوحشة الهائلة التي تكتنفه في حياته الدنيا، والانسلال من الغربة الأليمة التي يحسّها إزاء الكون، وذلك بما تقوم به الطريقة الصائبة الصافية من تفجير ينابيع محبة اللّٰه ومعرفته في الإيمان.
وقد سبق أن أثبتنا في "كلمات" عدة بأن سعادة الدارين، واللذةَ التي لا يشوبها ألمٌ، والأُنس الذي لا تخالطه وحشة، والسعادة الحقيقية لا توجد إلّا في حقائق الإيمان والإسلام التي تسعى الطريقة للوصول إليها كما أننا بيّنا في "الكلمة الثانية" بأن الإيمان يحمل بذرة شجرة طوبى في الجنة.
نعم فبالتربية الموجودة في الطريقة تنمو تلك البذرة وتكبُر.
الخامسة: الشعور بالحقائق اللطيفة في التكاليف الشرعية وتقديرها بوساطة القلب المنتبه بدوام ذكر اللّٰه، كما يُعينه على ذلك المنهج التربوي للطريقة. وبذلك تكون الطاعة والعبادة مثار اشتياق وحب، لا مثار تعب وتكليف.
السادسة: نيلُ مقام التوكّل، ودرجة الرضى، ومرتبة التسليم. هذه المقامات هي السبيل إلى تذوق السعادة الحقيقية والتسلية الخالصة واللذة التي لا يشوبها حزنٌ، والأُنس الذي لا تقربُه وحشة.
السابعة: وهي نجاةُ الإنسان من الشرك الخفي والرياء والتصنع وأمثالها من الرذائل وذلك بالإخلاص الذي هو أهم شرط لدى سالك الطريقة وأهم نتيجة لها. وكذا التخلص من أخطار النفس الأمارة بالسوء ومن أدران الأنانية بتزكية النفس التي هي السلوك العملي في الطريقة.
الثامنة: هي جعلُ الإنسان عاداتِه اليومية بحُكم العبادات وأعمالَه الدنيوية بمثابة أعمالٍ أُخروية، والإحسانُ في استغلال رأس مال عمره من الحياة بدقائقها وجعلها بذورًا تتفتح عن زهرات الحياة الأخروية وسنابلها. وذلك بدوام الذكر القلبي، والتأمل العقلي، مع
— 584 —
الحضور القلبي الدائم والاطمئنان، ودوام شحذ الإرادة، والنية الصافية، والعزيمة الصادقة التي تلقُّنها الطريقة.
التاسعة: وهي العملُ للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى اللّٰه طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق والمسلم الصادق، أي نيلُ حقيقة الإيمان والإسلام لا صورتيهما، ثم أن يكون الإنسان عبدًا خالصًا لرب العالمين، وموضعَ خطابه الجليل، وممثلًا عن الكائنات من جهة، ووليًا للّٰه وخليلًا له، حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقًا، فيقيم الحُجة على أفضلية بني آدم على الملائكة.
وهكذا يطير بجناحَي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية بل الدخول فيها.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى الْغَوْثِ الْأَكْبَرِ في كُلِّ الْعُصُورِ وَالْقُطْبِ الْأَعْظَمِ في كُلِّ الدُّهُورِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذي تَظَاهَرَتْ حِشْمَةُ وَلاَيَتِه وَمَقَامُ مَحْبُوبِيَّتِه في مِعْرَاجِه وَانْدَرَجَ كُلُّ الْوَلاَيَاتِ في ظِلِّ مِعْرَاجِه وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ. أٰمينَ. وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ.