المكتوبات العربية
— 563 —

التلويح الأول

هناك تحت عناوين "التصوف، والطريقة، والولاية، والسير والسلوك" حقيقة روحانية نورانية مقدسة، طافحة باللذة والنشوة، أعلن عنها كثيرٌ من علماء أرباب الكشف والأذواق وتناولوها بالدرس والتمحيص والتعريف، فكتبوا آلاف المجلدات حولها فأخبروا الأمة وأخبرونا بها، جزاهم اللّٰه خيرًا كثيرًا.
ونحن هنا سنبين بضعَ رشحات في ضوء ما تلجئنا إليه الأحوال الحاضرة، فهي بمثابة بضع قطرات من بحر تلك الحقيقة الزاخر.
سؤال: ما الطريقة؟
الجواب: إن غاية "الطريقة" وهدفَها هو معرفةُ الحقائق الإيمانية والقرآنية، ونيلُها عبر السير والسلوك الروحاني في ظل المعراج الأحمدي وتحت رايته، بخطوات القلب وصولًا إلى حالة وجدانية وذوقية بما يشبه الشهود. فالطريقة والتصوف سر إنساني رفيع وكمال بشري سام.
أجل، لمّا كان الإنسان خلاصةً جامعة لهذا الكون، فإن قلبه بمثابة خريطةٍ معنوية لآلاف العوالم، إذ كما أنَّ دماغ الإنسان -الشبيه بمجمّع مركزي للبث والاستقبال السلكي
— 564 —
واللاسلكي- وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون ويكشف عنها ويبثها أيضًا، فإن قلب الإنسان كذلك هو محورٌ لما في الكون من حقائق لا تحدّ، ومُظهر لها، بل هو نواتُها. كما بيّن ذلك من لا يحصرهم العد من أهل الولاية فيما سطروه من ملايين الكتب الباهرة.
فما دام قلبُ الإنسان ودماغه لهما هذه المنیزلة والموقع، وقد أُدرجت في القلب آلافُ ماكنة أُخروية ضخمة وأجهزتُها الأبدية، كاندراج أجهزة الشجرة الضخمة في بذرتها، فإن فاطر ذلك القلب الذي خلَقه على هذه الصورة قد أراد تشغيل هذا القلب وتحريكَه والكشف عن قدراته والانتقال به من طور "القوة" إلى طور "الفعل".
فما دام سبحانه وتعالى قد أراد هكذا، فعلى القلب إذن أن يقوم بعمله الذي خُلق من أجله، كما يقوم العقلُ بعمله، ولا شك أن أعظم وسيلة لعمل القلب وتشغيله هو التوجه إلى الحقائق الإيمانية بالإقبال على ذكر اللّٰه ضمن مراتب الولاية عبر سبيل "الطريقة".
التلويح الثاني
إنَّ مفاتيحَ هذا السير والسلوك القلبي ووسائل التحرك الروحاني إنْ هي إلّا "ذكر اللّٰه" و "التفكر". فمحاسن الذكر وفضائل التفكر لا تُحصى. فلو صرفنا النظر عن فوائدهما الأخروية التي لا حدّ لها ونتائجِهما في رقي الإنسانية إلى الكمالات، وأخذنا بنظر الاعتبار فائدةً واحدة من فوائدهما الجزئية التي يعود نفعُها على الإنسان في هذه الحياة الدنيوية المضطربة نرى:
أنَّ أي إنسان كان لا بد أن يبحث عن سلوان، ويفتش عن ذوق ويتحرى عن أنيس يستطيع أن يزيل عنه وحشتَه ويخففَ عنه ثقلَ هذه الحياة، ويتخفف من غلوائها، ولو جزئيًّا.
وحيث إن ما يهيؤه المجتمع الحضاري من الوسائل المسلية والأُنس بالآخرين قد تمنح واحدًا أو اثنين من عشرة من الناس أُنسا مؤقتًا بل ذا غفلة وذهول، والثمانين بالمائة من الناس إما أنهم يحيَون منفردين بين الجبال والوديان، أو ساقتهم همومُ العيش إلى أماكن نائية موحشة، أو ابتُلوا بالمصائب أو الشيخوخة النذيرة بالآخرة... فهؤلاء جميعًا يظلّون محرومين من الأُنس فلا يأنسون ولا يجدون العَزاء بوسائل المجتمع الحضارية!.. لذا فالسلوان الكامل لأمثال هؤلاء، والأُنس الخالص لهم ليس إلّا في تشغيل القلب بوسائل الذكر والتفكر.. ففي
— 565 —
الأصقاع النائية، وبين شعاب الجبال، وعبر مهاوي الوديان يتوجه إلى قلبه مرددًا: "اللّٰه .. اللّٰه" مستأنسًا بهذا الذكر، ومتفكرًا فيما حوله من الأشياء التي يتوجس منها خيفة وتوحي إليه بالوحشة، فإذا بالذكر يضفي عليها الأُنسَ والمودّة، وإذا بالذاكر يقول: "إنَّ لخالقي الذي أذكره عبادًا لا حدّ لهم منتشرين في جميع الأرجاء فهم كثيرون جدًّا.. إذن فأنا لستُ وحيدًا، فلا داعي للاستيحاش، ولا معنى له".. وبذلك يذوق معنى الأُنس في هذه الحياة الإيمانية، ويلمس سعادة الحياة فيزداد شكرُه لربه.
التلويح الثالث
إنَّ الولاية حُجة الرسالة، وإن الطريقة برهان الشريعة، ذلك لأن ما بلّغته الرسالةُ من الحقائق الإيمانية تراها "الولايةُ" بدرجة "عين اليقين" بشهودٍ قلبي وتذوّق روحاني فتصدّقُها، وتصديقُها هذا حجة قاطعة لأحقية الرسالة.
وإن ما جاءت به "الشريعة" من حقائق الأحكام، فإن "الطريقة" برهان على أحقية تلك الأحكام، وعلى صدورها من الحق تبارك وتعالى بما استفاضت منها واستفادت بكشفياتها وأذواقها.
نعم، فكما أن "الولاية والطريقة" هما حُجتان على أحقية "الرسالة والشريعة" ودليلان عليهما، فإنهما كذلك سرُّ كمال الإسلام، ومحورُ أنواره، وهما معدن سمو الإنسانية ورقيِّها ومنبع فيوضاتها بأنوار الإسلام وتجليات أضوائه.
ولكن على الرغم مما فيهما من أهمية قصوى فقد انحاز قسمٌ من الفِرَق الضالة إلى إنكار أهميتهما، فحَرموا الآخرين من أنوارٍ هم محرومون منها. ومما يؤسف له بالغَ الأسف أن عددًا من علماء أهل السنة والجماعة الذين يحكمون على الظاهر وقسمًا من أهل السياسة الغافلين المنسوبين إلى أهل السنة والجماعة يسعَون لإيصاد أبواب تلك الخزينة العظمى، خزينة الولاية والطريقة، متذرعين بما يرونه من أخطاءِ قسم من أهل الطريقة وسوءِ تصرفاتهم، بل يبذلون جهدَهم لهدمها وتدميرها وتجفيف ذلك النبع الفياض بالكوثر الباعث على الحياة، علمًا أنه يندرُ أن يوجد في الأشياء أو في المناهج أو المسالك ما هو مُبَرّأ من النقص والقصور، وأن تكون جوانبُه كلُّها حسنة صالحة، فلا بد إذن من حدوث نقصٍ وأخطاءٍ وسوء تصرف، إذ ما دخل
— 566 —
أمرًا مَنْ ليسوا من أهله، إلّا أساؤا إليه. ولكن اللّٰه تعالى يُظهر عدالته الربانية في الآخرة على وفق موازنة الأعمال وتقويمِها، برجحان الحسنات أو السيئات، فمَن رجَحت حسناتُه وثقلت، فله الثواب الحسن وتُقبل أعمالُه، ومن رجحت سيئاتُه وخفت حسناته فله العقاب وتُردّ أعمالُه، علمًا أنه لا تؤخذ "كميةُ" الأعمال بنظر الاعتبار في هذه الموازنة مثلما يُنظر إلى "النوعية". فرُبَّ حسنةٍ واحدة ترجح ألفَ سيئة بل قد تَذهب بها وتمحوها وتكون سببًا في إنقاذ صاحبها.
فما دامت العدالةُ الإلهية تحكم على وفق هذا الميزان، وأن الحقيقة تراها عينَ الحق، فلا ريب أن حسنات الطريقة التي هي ضمن دائرة السنة المطهرة لهي أرجحُ من سيئاتها.
ولا أدلّ على ذلك من احتفاظ أهل الطريقة بإيمانهم أثناء هجوم أهل الضلالة، حتى إن منتسبًا اعتياديًا مخلصًا من أهل الطريقة يُحافظ على نفسه أكثر من أي مدّعٍ كان للعلم. إذ ينقذ إيمانه بما حصل عليه من الذوق الروحي في الطريقة وبما يحمله من حبّ تجاه الأولياء، فحتى بارتكابه الكبائر لا يكون كافرًا وإنما يكون فاسقًا، إذ لا يلج صفوفَ الزندقة بيُسر، وليست هناك قوة تستطيع أن تجرح ما ارتضاه من ولاء تجاه سلسلة أقطاب المشايخ الذين ارتبط بهم بمحبة شديدة واعتقاد جازم، وحيث إن الضلالة لا تستطيع أن تفنّد أو تفسد ما لديه من الثقة والاطمئنان بهم، فلن تحل ما لديه من الثقة والرضا بهم، ولن يدخل الكفر والإلحاد ما لم يفقد تلك الثقة بهم. فالذي ليس له حظٌّ من الطريقة، ولم يشرع قلبُه بالحركة، من الصعوبة بمكان -في هذا الوقت- أن يحافظ على نفسه محافظةً تامة أمام دسائس الزنادقة الحاليين، ولو كان عالمًا مدققًا.
بقي أمر آخر هو أنه لا يمكن أن تُدان "الطريقة" ولا يُحكَم عليها بسيئات مذاهب ومشارب أطلقت على نفسها ظلمًا اسم "الطريقة" وربما اتخذت لها صورةً خارج دائرة التقوى بل خارج نطاق الإسلام.
فلو صرفنا النظر عن النتائج السامية التي تُوصل إليها الطريقةُ سواء منها الدينية أو الأخروية أو الروحية، ونظرنا فقط إلى نتيجة واحدة منها ضمن نطاق العالم الإسلامي نرى أن "الطريقة" هي في مقدمة الوسائل الإيمانية التي توسِّع من دائرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين وتبسط لواءَ رابطتها المقدسة في أرجاء العالم الإسلامي.
— 567 —
وقد كانت الطرق الصوفية وما زالت كذلك إحدى القلاع الثلاث التي تتحطم على جدرانها الصلدة هجمات النصارى بسياساتهم ومكايد الذين يسعَون لإطفاء نور الإسلام.. فيجب ألّا ننسى فضلَ أهل الطرق في المحافظة على مركز الخلافة الإسلامية "إسطنبول" طوال خمسمائة وخمسين سنة رغم هجمات عالَم الكفر وصليبية أوروبا. فالقوة الإيمانية، والمحبة الروحانية، والأشواق المتفجرة من المعرفة الإلهية لأولئك الذين يرددون "اللّٰه.. اللّٰه.." في الزوايا والتكايا المتممة لرسالة الجوامع والمساجد، والرافدة لهما بجداول الإيمان حيث كانت تنبعث أنوارُ التوحيد في خمسمائة مكان، لتشكّل بمجموعها أعظمَ نقطة ارتكاز للمؤمنين في ذلك المركز الإسلامي.
فيا أدعياء الحَمية ويا سماسرة القومية المزيفين! ألا تقولون أيةَ سيئة من سيئات الطريقة تُفسد هذه الحسَنة العظيمة في حياتكم الاجتماعية؟!
التلويح الرابع
إنَّ سلوك طريق الولاية مع سهولته هو ذو مصاعب، ومع قصره فهو طويل جدًّا، ومع نفاسته وعلوِّه فهو محفوفٌ بالمخاطر، ومع سعته فهو ضيق جدًّا.
فلأجل هذه الأسرار الدقيقة، قد يغرق السالكون في هذه السبيل، وقد يتعثرون ويتأذون، بل قد ينكصون على أعقابهم ويضلون الآخرين. فعلى سبيل المثال؛ هناك "السير الأنفسي" و "السير الآفاقي" وهما مشربان ونهجان في الطريقة.
فالسير الأنفسي يبدأ من النفس، ويصرف صاحبُ هذا السير نظرَه عن الخارج، ويحدِّق في القلب مخترقًا أنانيتَه. ثم ينفذ منها ويفتح في القلب ومن القلب سبيلًا إلى الحقيقة.. ومن هناك ينفذ إلى الآفاق الكونية فيجدها منوّرة بنور قلبه، فيصل سريعًا، لأن الحقيقة التي شاهدها في دائرة النفس يراها بمقياس أكبر في الآفاق. وأغلب طرق المجاهدة الخفية تسير وفق هذه السبيل.
وأهم أسس هذا السلوك هو كسرُ شوكة الأنانية وتحطيمُها، وتركُ الهوى وإماتةُ النفس.
أما النهج الثاني فيبدأ من الآفاق، ويشاهد صاحبُ هذا النهج تجليات أسماء اللّٰه الحسنى،
— 568 —
وصفاته الجليلة في مظاهر تلك الدائرة الآفاقية الكونية الواسعة ثم ينفذ إلى دائرة النفس، فيرى أنوارَ تلك التجليات بمقاييسَ مصغرة في آفاق كونه القلبي، فيفتح في هذا القلب أقربَ طريق إليه تعالى، ويشاهد أن القلب حقًا مرآةُ الصَّمد. فيصل إلى مقصوده، ومنتهى أمله.
وهكذا ففي المشرب الأول إنْ عجز السالك عن قتل النفس الأمارة، ولم يتمكن من تحطيم الأنانية بترك الهوى، فإنه يسقط من مقام الشكر إلى موقع الفخر، ومنه يتردى إلى الغرور، وإذا ما اقترن هذا بما يشبه السُكر الناشئ من انجذاب آتٍ من المحبة، فسوف يصدر عنه دعاوى أكبر من حدِّه، وأعظم من طوقه، تلك التي يطلق عليها "الشطحات". فيضر نفسَه ويكون سببًا في الإضرار بالآخرين.
إنَّ مثل صاحب الشطحات كمثل ضابط صغير برتبة ملازم. تستخفّه نشوةُ القيادة وأذواقُها في محيط دائرته الصغرى، فيتخيل نفسَه في لحظة انتشاء وكأنه المشير الذي يقود الفيالق والجحافل، فتختلط في ذهنه الأمورُ، ويلتبس عليه أمرُ القيادة ضمن دائرته الصغرى مع القيادة الكلية الواسعة ضمن دائرتها الكبرى، تماما كما يلتبس في النظر على بعض الناس صورةُ الشمس المنعكسة من مرآة صغيرة، مع صورتها المنعكسة من سطح البحر الشاسع، من حيث تشابههما في صورة الانعكاس، رغم اختلافهما في السعة والكبر.
وكذلك فإن كثيرًا من أهل الولاية من يرى نفسه أكبر وأعظم بكثير ممن هم أرقى وأسمى منه، بل ممن نسبته إليهم كنسبة الذباب إلى الطاووس.
ولكنه -أي صاحب الدعاوى- يرى نفسَه كما يصف، ويراها كما يقول، محقًا في رؤيته. حتى إنني رأيت من يتقلد شاراتِ القطب الأعظم ويدّعي حالاته، ويتقمّص أطوارَه، وليس له من صفات القطبية إلّا انتباه القلب وصحوته، وسوى الشعور بسر الولاية من بعيد، فقلت له:
يا أخي! كما أن قانونَ السلطنة له مظاهرُ عديدة جزئية أو كلية على نمط واحد في جميع دوائر الدولة، ابتداءً من رئاسة الوزارة إلى إدارة ناحية صغيرة، فإن الولاية، والقطبية كذلك لها دوائر مختلفة ومظاهر متنوعة، ولكل مقام ظلالٌ كثيرة. فأنت قد شاهدت الجلوة العظمى والمظهر الأعظم للقطبية الشبيهة برئاسة الوزارة ضمن دائرتك الصغيرة الشبيهة بإدارة
— 569 —
الناحية، فالتبسَ عليك الأمر وانخدعت، إذ إنَّ ما شاهدتَه صوابٌ وصدق، إلّا أن حُكمَك هو الخطأ، حيث إن غرفة من الماء بالنسبة للذبابة بحرٌ واسع.
فانتبه ذلك الأخ بكلامي، ونجا من تلك الورطة بمشيئة اللّٰه.
ورأيت كذلك عددًا من الناس يعدّون أنفسَهم مقاربين أو مشابهين "للمهدي"، ويقول كل منهم: سأصبح "المهدي"!
هؤلاء ليسوا كاذبين ولا مخادعين، ولكنهم ينخدعون، إذ يظنون ما يرونَه هو الحق، ولكن كما أن الأسماء الحسنى لها تجلياتُها ابتداءً من العرش الأعظم وحتى الذرة، فإن مظاهر هذه التجليات في الأكوان والنفوس تتفاوت بالنسبة نفسها، وإن مراتب الولاية التي هي نيل مظاهرها والتشرف بها هي الأخرى متفاوتة.
وأهم سبب لهذا الالتباس هو كونُ بعض مقامات الأولياء فيه شيءٌ من خواص "المهدي" ووظائفه، ويشاهَد فيه انتساب خاصٌ مع القطب الأعظم وعلاقةٌ خاصة بی "الخضر"، فهناك مقامات لها علاقات وروابط مع بعض المشاهير، حتى يُطلق على تلك المقامات "مقام الخضر" و "مقام أويس" و "مقام المهدية". وعليه فالواصلون إلى ذلك المقام، وإلى جزء منه، أو إلى ظل من ظلاله، يتصورون أنفسهم أنهم هم أولئك الأفذاذ المشهورون، فيعتبر الواحد منهم أنه هو الخضر أو المهدي، أو يتخيل أنه القطب الأعظم.
فإن كانت الأنانيةُ فيه قد مُحقت حتى لم يعُد لها استشرافٌ وتطلّعٌ لحب الجاه والتفاخر على الآخرين فلا يُدان، ونعتبر دعاواه الخارجة عن حده "شطحات" قد لا يكون مسؤولًا عنها، ويمكن التجاوز عنها.
أما هذه الدعاوى عند الشخص الذي ما زالت الأنانية فيه متوفزة، متطلعة لحب الجاه، فستغلبه هذه الأنانيةُ وتأخذ بيده إلى منازل الفخر مخلفًا وراءه مقام الشكر، ومن هناك يتردى تدريجيًا إلى هاوية الغرور الماحق للحسنات. فإما أن يتردى إلى الجنون، أو يضل ضلالًا بعيدًا، وذلك لأنه جعل نفسَه في عداد أولئك الأولياء العظام، وهذا بحدّ ذاته سوءُ ظن بهم، لأنه يخلع ما في نفسه من قصور، تدركه النفسُ مهما اغترت على أولئك الأولياء الأفذاذ الذين يراهم بمنظار نفسه القاصرة، فيتوهم أن أولئك العظام مقصّرون مثلَه، فيقلّ احترامُه لهم، وبالتالي قد يقل احترامُه حتى للأنبياء عليهم السلام.
— 570 —
فيجب على هؤلاء المتلبسين أن يُمسكوا ميزان الشريعة بأيديهم ليزنوا أعمالَهم، ويقفوا عند حدود ما حدَّه علماءُ أصول الدين من دساتير، ويسترشدوا بتعليمات "الإمام الغزالي" و "الإمام الرباني" وأمثالهم من الأولياء المحققين العلماء، وأن يضعوا أنفسهم دائمًا موضع التهمة، ويعرفوا أن القصور والعجز والفقر ملازمٌ للنفوس مهما ارتقت وتسامت.
فما في هذا المشرب من شطحات عند بعض السالكين، منبعُه حبُّ النفس، حتى ليتعاظم هذا الحب فيظن الواحدُ منهم صفاءَ نفسه، ولمعانَ ذاته قطعةَ الماس رغم أنها ليست إلّا قطعة زجاج تافهة في الحقيقة، إذ عينُ الرضا كليلةٌ عن العيوب.
هذا وإن أخطر المهالك في هذا النوع من السلوك هو: أن المعاني الجزئية التي ترد على قلب السالك بشكل إلهام، يتخيّلها - هذا السالك - كلامَ اللّٰه، ويعبّر عن كل إلهام وارد بی "آية" فيمتزج بهذا الوهم عدم احترام لتلك المرتبة السامية العليا للوحي.
نعم إنَّ كل إلهامٍ ابتداءً من إلهام النحل والحيوانات إلى إلهام عوام الناس وإلى إلهام خواص البشرية، وإلى إلهام عوام الملائكة، وإلى إلهام المقرّبين الخواص منهم، إنما هو نوع من الكلمات الربانية، ولكن الكلام الرباني هو تجلي الخطاب الرباني المتنوع المتلمع من خلال سبعين ألف حجاب حسب قابليات المظاهر والمقامات.
أما "الوحي" فهو الاسمُ الخاص لكلام اللّٰه جل وعلا، وأبهرُ مثاله المشخص، هو الذي أُطلق على نجوم القرآن، وكلُّ منجمة منه "آية" كما ورد توقيفًا. فتسميةُ هذه الأنواع من الإلهام بی(الآيات) خطأٌ محض. إذ بمقدار النسبة بين صورة الشمس الصغيرة الخافتة المتسترة المشاهَدة في المرآة الملونة في أيدينا مع الشمس الحقيقية الموجودة في السماء، تكون النسبة بين الإلهام الموجود في قلوب أولئك الأدعياء وبين آيات شمس القرآن الكريم التي هي كلام إلهي مباشر (كما بينا وأثبتنا ذلك في كل من الكلمات الثانية عشرة والخامسة والعشرين والحادية والثلاثين من كتاب "الكلمات").
نعم؛ إذا قيل: إنَّ صورة الشمس الظاهرة في مرآة هي صورتُها حقًا وذات علاقة مع الشمس الحقيقية، فهذا الكلام لا غبار عليه وهو حق، إلّا أنه لا يمكن ربط الكرة الأرضية الضخمة بهذه الشموس "المرآتية" المصغرة، ولا يمكن شدُّها إلى جاذبيتها.