— 550 —
القسم السابع
وهو الإشارات السبع
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ فآمِنُوا باللّٰه ورَسُولهِ النبيّ الأُميّ الذي يُؤمِنُ بِاللّٰهِ وَكَلِمَاتهِ وَاتَّبِعوهُ لَعَلّكُم تَهتَدُون ﴾
(الأعراف: ١٥٨)
يُريدُونَ أنْ يُطفِئُوا نُورَ اللّٰه بِافواهِهم وَيَأبَى اللّٰه إلّا أنْ يُتِم نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكافِروُن
(التوبة: ٣٢)
هذا القسم عبارة عن سبع إشارات، كتب جوابًا عن ثلاثة أسیئلة، والسؤال الأول منها يتضمن أربع إشارات.
الإشارة الأولى
إن مستندَ الذين يحاولون تغيير الشعائر الإسلامية وتبديلها، وحجتَهم نابعةٌ من تقليد الأجانب تقليدًا أعمى، كما هو في كل الأمور الفاسدة. فهم يقولون:
"إنَّ المهتدين في لندن، والذين دخلوا في حظيرة الإيمان من الأجانب يترجمون كثيرًا من الأمور أمثال الأذان والإقامة للصلاة، إلى ألسنتهم، ويعملون بها في بلادهم، والعالم الإسلامي إزاء عملهم هذا ساكت، لا يعترض عليهم، فإذن هناك جواز شرعي في عملهم هذا بحيث يجعلهم يلزمون الصمت إزاءه!".
الجیواب: إنَّ الفرق في هذا القياس ظاهر جدًّا، وليس من شأن ذي شعور تقليدهم، وقياس الأمور عليهم مهما كان. لأنَّ بلاد الأجانب يُطلق عليها في لسان الشريعة "دار الحرب". فكثير من الأمور لها جواز شرعي في "دار الحرب"، ولا مساغ لها في "دار الإسلام".
— 551 —
ثم إن بلاد الإفرنج تتميز بقوة النصرانية وشوكتها. فليس هناك محيط يلقّن بلسان الحال ما يشيع مفاهيم الكلمات المقدسة ومعاني الاصطلاحات الشرعية، لذا فبالضرورة رُجّحت المعاني القدسية على الألفاظ المقدسة، أي تُركت الألفاظُ حفاظًا على المعاني، أي اختير أخف الضررين، وأهون الشرين.
أما في "دار الإسلام"؛ فإن المحيط يرشد ويلقن المسلمين بلسان الحال المعاني الإجمالية لتلك الكلمات المقدسة، إذ إن جميع المحاورات، والمسائل الدائرة بين المسلمين حول الأعراف والعادات والتاريخ الإسلامي، والشعائر الإسلامية عامة، وأركان الإسلام كافة تلقّن باستمرار المعاني المجملة لتلك الكلمات المقدسة لأهل الإيمان. حتى إن معابدَ هذه البلاد ومدارسَها الدينية، بل حتى شواهد القبور في المقابر، تؤدي مهمة ملقّن ومعلّم تُذكّر المؤمنين بتلك المعاني المقدسة. فيا ترى إنَّ مَن يعدّ نفسه مسلمًا، ويتعلم يوميًّا خمسين كلمة من الكلمات الأجنبية في سبيل مصلحة دنيوية؛ إن لم يتعلم في خمسين سنة ما يكررها كل يوم خمسين مرة من الكلمات المقدسة، أمثال (سبحان اللّٰه والحمد للّٰه ولا إله إلّا اللّٰه واللّٰه أكبر) ألا يتردى إلى أدنى من الحيوان بخمسين مرة؟ ألا إن هذه الكلمات المقدسة لا تُحرّف، ولا تُترجم، ولا تُهجَر لأجل هؤلاء الأنعام!. بل إن هجر هذه الكلمات وتحريفها ما هو إلّا نقض لشواهد القبور كلّها وتسويتها بالتراب وإعراض عن الأجداد، وإهانة لهم، واتخاذهم أعداءًا .. وعليه فهم يرتعدون في قبورهم من هول هذا التحقير والإهانة.
إنَّ علماء السوء الذين انخدعوا بالملحدين، يقولون تغريرًا بالأمة: لقد قال الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان): "يجوز قراءة ترجمة الفاتحة بالفارسية، إن وجدت الحاجة، وحسب درجة الحاجة، لمن لا يعرف العربية أصلًا، في الديار البعيدة". فبناءً على هذه الفتوى، ونحن محتاجون، فلنا إذن أن نقرأها بالتركية. [٭]: لعل أصل الفتوى هو: "وأما إذا كان ما قرأ موافقًا لما في القرآن تجوز به الصلاة عند أبي حنيفة رحمه اللّٰه تعالى لأنه تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسنة فيجعل كأنه قرأ القرآن بالسريانية والعبرانية فتجوز الصلاة عنده لهذا". المبسوط لشمس الدين السرخسي ١/٢٣٤.
الجواب: إنَّ جميع الأئمة العظام -سوى الإمام الأعظم- والأئمة الاثنى عشر المجتهدين، كلَّهم يفتون خلافَ فتوى الإمام الأعظم هذه. وإن الجادة الكبرى للعالم الإسلامي
— 552 —
هي التي سلكها أولئك الأئمة العظام كلُّهم. فالأمة العظيمة لا تسير إلّا في الجادة الكبرى. فالذين يريدون أن يسوقوها إلى طريق مخصوصة وضيقة إنما يضلون الناس.
إنَّ فتوى الإمام الأعظم، فتوى خاصة بخمس جهات:
الأولى: إنها تخص أولئك القاطنين في دار أخرى، وبلاد بعيدة عن مركز "دار الإسلام".
الثانية: إنها مبنية على الحاجة الحقيقية.
الثالثة: إنها خاصة بترجمتها إلى الفارسية، التي تعد -في رواية- من لسان أهل الجنة.
الرابعة: إنها حكمٌ بالجواز خصيصًا لسورة الفاتحة، لئلا يترك الصلاةَ من لا يعرف سورة الفاتحة.
الخامسة: لقد أُظهر الجواز ليكون باعثًا لفهم العوام المعاني المقدسة، بحمية إسلامية نابعة عن قوة الإيمان، والحال إن تركَ أصلها العربي، وترجمتَها بدافع الهدم الناشئ من ضعف الإيمان، والنابع من فكر العنصرية والنفور من لسان العربية -الناجمة من ضعف الإيمان- ما هو إلّا دفع للناس إلى ترك الدين والخروج عليه.
الإشارة الثانية
إنَّ أهل البدعة الذين يغیيّرون الشعائر الإسلاميةَ، طلبوا أولًا فتوى من علماء السوء لتسويغ عملهم. فدلّوهم على الفتوى السابقة التي بيّنا أنها فتوى خاصة بخمسة وجوه.
ثانيًا: إن أهل البدعة قد استوحَوا فكرًا مشؤومًا من الانقلابيين الأجانب، وهو:
إن أوروبا لم يعجبْها مذهب الكاثوليك. فالتزم الثوار والانقلابيون والفلاسفة قَبْلَ الناس مذهب البروتستانية الذي كان يعدّ من البدع والاعتزال، حسب مذهب الكاثوليكية، وقد استفادوا من الثورة الفرنسية، فهدموا قسمًا من الكاثوليكية، وأعلنوا البروتستانية.
فأدعياء الحَمية هنا، في هذه البلاد، وقد اعتادوا التقليد الأعمى، يقولون: "لما كان هذا الانقلاب قد حدث في الديانة النصرانية، وقد عُدّ الانقلابيون في بداية الأمر مرتدين، ثم قُبلوا أيضًا نصارى، فيمكن إذن أن يحدث في الإسلام أيضًا انقلاب ديني كهذا".
— 553 —
الجواب: إنَّ الفرقَ في هذا القياس أظهر مما في الإشارة الأولى، لأن: الأسسَ الدينية في النصرانية قد أخذت وحدها عن سيدنا عيسى عليه السلام. بينما أكثر الأحكام التي تعود إلى الحياة الاجتماعية والفروع الشرعية قد وضعت من قبل الحواريين، وبقية الرؤساء الروحانيين، وأخذ القسم الأعظم منها من الكتب المقدسة السابقة. لأن سيدنا عيسى عليه السلام، لم يَتولَّ الحكم والسلطة، ولم يكن مرجعًا للقوانين الاجتماعية العامة، فلذلك أخذت القوانين العرفية والدساتير المدنية باسم الشريعة النصرانية، وكأن أسس دينه قد أُلبست ثيابًا من الخارج وأُعطيت لها صورة أخرى. فلو بُدّلت هذه الصورة وغُيّر ذلك الثياب فإن أسس دينه لا تتبدل. ولا يؤدي هذا الأمر إلى تكذيبه وإنكاره.
بينما سيدنا الرسول (ص) الذي هو صاحب الدين والشريعة الإسلامية هو فخر العالم وسيد العالمين، وأصبح كلٌّ من الشرق والغرب والأندلس والهند عرشًا من عروش سلطانه، فكما أنه (ص) قد بين -بذاته- أسسَ الإسلام، فإن فروع ذلك الدين ودساتير أحكامه، بل حتى أصغر أمر جزئي من آدابه هو الذي أتى به، وهو الذي يخبر عنه وهو الذي يأمر به، بمعنى أن الأمورَ الفرعية في الشريعة الإسلامية ليست على صورة لباسٍ وثياب قابلة للتغيير والتبديل. بحيث لو بدّلت لظلت أسس الدين ثابتة، بل إنها جسد تلك الأسس وفي الأقل جلدها. إذ قد امتزجت والتحمَت معها بحيث لا تقبل التفريق والفصل. وأن تبديلها مباشرة يؤدي إلى تكذيب صاحب الشريعة وإنكاره.
أما اختلاف المذاهب فقد نشأ من أسلوب فهم الدساتير النظرية التي بيّنها صاحب الشريعة. والدساتير التي هي "المُحكمات" والتي تسمى بالضروريات الدينية، فلا تقبل التأويل، ولا التبديل قطعًا بأي صورة كانت من الصور، ولن تكون موضع اجتهاد أبدًا. فمن بدّلها فقد خرج على الدين وكان ضمن القاعدة: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من القوس". [٭]: البخاري، فضائل القرآن ٣٦، الأدب ٩٥، التوحيد ٢٣، ٥٧؛ مسلم، الزكاة ١٤٢-١٤٨.
إنَّ أهل البدع لأجل تبرير إلحادهم، وخروجهم على الدين يجدون هذه الوسيلة، إذ يقولون: "لقد شُنّ هجوم على القسس والرؤساء الروحانيين ومذهب الكاثوليكية، الذي هو مذهبهم الخاص، وتم تخريب هذا المذهب في أحداث الثورة الفرنسية التي أدت إلى سلسلة من
— 554 —
حوادث في عالم الإنسانية. ثم استصوب هجومهم هذا من قبل الكثيرين، وترقى الإفرنج بعد ذلك كثيرًا!".
الجواب: إن الفرق في هذا القياس -كسابقه- فرق ظاهر جدًّا، لأن النصرانية، ولا سيما مذهب الكاثوليك قد استغله رجالات الدولة وخواص الناس كأداة للتحكم والاستبداد. فكان الخواص يديمون نفوذهم على العوام بتلك الوساطة. حتى أصبحت وسيلة لسحق أصحاب الهمم والحمية من العوام الذين كانوا يُطلق عليهم اسم؛ (الفوضويين والدهماء)، وباتت وسيلة لسحق المفكرين من دعاة الحرية الذين كانوا يتصدون لاستبداد الخواص ومظالمهم. بل قد عُدّ ذلك المذهب هو السبب في سلب راحة الناس وبث الفوضى في الحياة الاجتماعية، بسبب الثورات التي حدثت في بلاد الإفرنج طوال ما يقارب أربعمائة سنة، لذا هوجم ذلك المذهب باسم مذهب آخر للنصرانية لا باسم الإلحاد. ونما السخط والعداء عليه لدى طبقة العوام ولدى الفلاسفة، حتى وقعت تلك الحادثة التاريخية المعروفة.
بينما في الإسلام، لا يحق لأي مظلوم كان، ولا لأي مفكر كان أن يشكو من الدين المحمدي (على صاحبه الصلاة والسلام) والشريعة الإسلامية، لأن هذا الدين لا يسخطهم بل يحميهم، وهذا تاريخ الإسلام بين أيدينا، فلم تحدث صراعات دينية طوال التاريخ سوى حادثة أو حادثتين. بينما سبّب المذهب الكاثوليكي ثورات داخلية دامت أربعمائة سنة.
ثم إن الإسلام قد أصبح حصنًا حصينًا للعوام أكثر منه للخواص، إذ لا يجعل الخواص مستبدين على العوام بل يجعلهم خادمين لهم - من جهة -وذلك بوجوب الزكاة وتحريم الربا. إذ يقول: (خير الناس أنفعهم للناس).. [٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/٤٧٢، وانظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/١١٧.
سيد القوم خادمهم). [٭]: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/٣٣٤؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤.
فضلًا عن أنه يستشهد العقل وينبهه بإحالة كثير من الأمور -في القرآن الكريم -إلى العقل، ويحثه على التدبر والملاحظة. بقوله تعالى:
أفلا يعقلون.. أفلا يتدبرون.. لعلهم يتفكرون
فيمنح لأهل العلم وأرباب الفكر والعقل بهذا مقامًا رفيعًا باسم الدين ويوليهم أهميةً خاصة، فلا يعزِل العقلَ، ولا يحجر على عقول أهل الفكر ويكمّم أفواهَهم، ولا يطلب التقليد الأعمى، كما هو في المذهب الكاثوليكي.
— 555 —
إنَّ أساس النصرانية الحاضرة -لا النصرانية الحقة- وأساس الإسلام يفترقان في نقطة مهمة، لذا يسلك كل منهما طريقًا مغايرةً لطريق الآخر في كثير من الجهات الشبيهة بالفروق السابقة. وتلك النقطة المهمة هي:
إنَّ الإسلام دين التوحيد الخالص، يسقط الوسائط والأسباب عن التأثير ويهوّن من شأن أنانية الإنسان، مؤسسًا العبوديةَ الخالصة للّٰه وحده. فيقطع دابرَ كلِّ نوعٍ من أنواع الربوبيات الباطلة، ويرفضها رفضًا باتًا بدءًا من ربوبية النفس الأمارة. لذا لو أصبح أحد الخواص متقيًا، لاضطر إلى ترك الأنانية والغرور. ومن لم يترك الأنانية والغرور يتراخ في التدين، بل يدع قسمًا من أمور الدين.
أما في النصرانية الحاضرة، فلقد ارتضت عقيدةَ البُنوة، لذا تعطي للوسائط والأسباب تأثيرًا حقيقيًا، ولا تقاوم الأنانيةَ باسم الدين، بل تمنح الأنانية نوعًا من القداسة، وكأنها وكيل مقدس عن سيدنا عيسى عليه السلام. ولأجل هذا فإن خواص النصارى الذين يشغلون أرفع المقامات الدنيوية يستطيعون أن يكونوا متدينين تدينًا كاملًا، ومنهم الكثيرون من أمثال: (ولسن) وهو الرئيس الأسبق لأمريكا، و (لويد جورج) رئيس الوزراء الأسبق لإنكلترا. فهؤلاء أصبحوا متدينين كأي قَسٍّ متعصب لدينه.
بينما في المسلمين نادرًا ما يظل الذين يلجون مثل هذه المقامات على صلابتهم الدينية، وقلما يكونون من أهل التقوى والصلاح، لعدم تركهم الأنانية والغرور، والتقوى الحقيقية لا تجتمع والأنانية والغرور.
نعم، كما أن تعصبَ خواص النصارى بدينهم، وتهاون خواص المسلمين بدينهم، يبين فرقًا مهمًا؛ كذلك اتخاذ الفلاسفة الذين برزوا في النصرانية طورَ المعارض أو الإهمال لدينهم، وبناء أغلب الحكماء الذين ظهروا في الإسلام حكمتهم على أسس الدين، يدل على فرق مهم أيضًا.
ثم إنَّ النصارى العوام الذين عانوا البلايا والمصائب وقضوا شطرًا من حياتهم في السجون، لم ينتظروا العونَ من الدين ولم يرجوا منه شيئًا. فكان أكثرهم -في السابق- يضلون
— 556 —
ويلحدون. حتى إن الثوار الذين أوقدوا الثورة الفرنسية والذين يطلق عليهم (الدهماء والفوضويون) المشهورون في التاريخ هم من أولئك العوام المنكوبين.
أما في الإسلام، فإن الأكثرية المطلقة ممن أفنوا عمرًا في السجون وقاسوا البلايا والمصائب ينتظرون العون والمدد من الدين بل يصبحون متدينين.
وهذه الحالة تدل على فرقٍ آخر مهمٍ أيضًا.
الإشارة الثالثة
يقول أهل البدع: لقد أخّرَنا هذا التعصب الديني عن ركب الحضارة. وإن مواكبة العصر بترك التعصب، ولقد تقدمت أوروبا بعد تركها التعصب.
الجواب: إنكم مخطئون، وقد انخدعتم، وغُرّر بكم، أو تغررون بالناس وتخدعونهم.
إنَّ أوروبا متعصبة بدينها، فلو قلتَ لشخص بلغاري اعتيادي أو لجندي إنكليزي، أو لشخص سفيه فرنسي: البَس العمامة، أو تلقى في السجن. لقال لك بمقتضى تعصبه: إنني لا أُهين ديني، ولا أحقر أمتي بمثل هذه الإهانة والتحقير حتى لو قتلتموني.
ثم إن التاريخ شاهد على أن المسلمين ما تمسكوا بدينهم إلّا وترقوا بالنسبة لذلك الزمان، وما أهملوا الدينَ إلّا تَدنَّوا. بينما النصرانية خلاف هذا. وهذا أيضًا ناشئ من فرق أساسي بينهما.
ثم إن الإسلام لا يقاس بغيره من الأديان، لأن المسلم إذا انخلع عن الإسلام فلا يؤمن بعدُ بأيّ نبي آخر، بل لا يقرّ بوجوده تعالى، بل لا يعتقد بشيء مقدس أصلًا، ولا يجد في وجدانه موضعًا ليكون مبعث الفضائل. إذ يتفسخ وجدانُه كليًا. ولأجل هذا فالمرتد عن الإسلام ليس له حق الحياة لتفسخ وجدانه ولأنه يكون كالسم القاتل للمجتمع، بينما الكافر المحارب -في نظر الإسلام- له حق الحياة، فإن كان في الخارج وعاهد أو في الداخل وأعطى الجزية. فإن حياته مصانة في الإسلام.
— 557 —
أما الملحد من النصارى فيستطيع أن يظل نافعًا للمجتمع، إذ يقبل بعض المقدسات ويؤمن ببعض الأنبياء، ويكون مؤمنًا باللّٰه من جهة.
فأي مصلحة يا تُرى يجنيها أهلُ البدعة هؤلاء، بل الأصوب أهلُ الإلحاد في الخروج على الدين؟ فإن كانوا يرومون منه أمنَ البلاد واستتبابَ النظام فيها، فإن إدارة عشرة من الملحدين السفلة الذين لا يؤمنون باللّٰه، ودفعَ شرورهم أصعبُ بكثير من إدارة ألفٍ من المؤمنين. وإن كانوا يرغبون في الرقي الحضاري، فإن أمثالَ هؤلاء الملحدين مثلما يضرون بإدارة الدولة فهم يعيقون التقدمَ أيضًا؛ إذ يخلّون بالأمن والنظام، وهما أساسا الرقي والتجارة. وفي الحقيقة هم مخرّبون بمقتضى مسلكهم. وإن أحمقَ الحمقى في الدنيا هو من ينتظر من أمثال هؤلاء الملحدين السفهاء الرقيَّ وسعادةَ الحياة.
ولقد قال أحد هؤلاء الحمقى، وهو يشغل منصبًا مهمًا: "إننا تأخرنا لقولنا: اللّٰه.. اللّٰه.. بينما أوروبا تقدمت لقولها : المدفع.. البندقية.!".
إن جواب أمثال هؤلاء: السكوت حسب قاعدة: "جواب الأحمق السكوت" ولكننا نقول قولًا لأولئك العقلاء الشقاة الذين يتبعون أمثال هؤلاء الحمقى:
أيها البائسون! هذه الدنيا إنما هي دار ضيافة، وأن الموت حق، إذ يشهد على ذلك ثلاثون ألف شاهد بجنائزهم يوميًّا. أتقدرون على قتل الموت؟ أيمكنكم تكذيب هؤلاء الشهود؟ فما دمتم عاجزين عن ذلك فاعلموا أن الموت يدفعكم إلى قول: "اللّٰه.. اللّٰه.." فأي من مدافعكم وبنادقكم تتمكن من أن تبدد الظلمات الأبدية للمحتضر الذي يعاني السكرات وينور عالمه، بدلًا عن ذكر "اللّٰه.. اللّٰه" وأي منها يستطيع أن يبدل يأسَه القاتم إلى أمل مشرق، غير ذكر "اللّٰه.. اللّٰه".
فما دام الموت موجودًا، وأن المصير إلى القبر حتمًا، وأن هذه الحياة ماضية راحلة، وستأتي حياة باقية خالدة، فإن قيل : المدفع.. البندقية مرة واحدة فلابد من القول ألف مرة: "اللّٰه.. اللّٰه" بل البندقية نفسُها ستقول: "اللّٰه.. اللّٰه" إن كانت في سبيل اللّٰه! وسيصرخ المدفع نفسه بی: "اللّٰه أكبر" عند الإفطار وعند الإمساك!.