المكتوبات العربية
— 558 —

الإشارة الرابعة

إنَّ أهل البدع الهدّامين على قسمين:
قسمٌ منهم يظهرون ولاءً للدين، ويقولون: "إننا نريد تقوية الدين الذي ضعف بغرس شجرته النورانية في تراب القومية"، فيريدون أن يقووا الدين بالقومية. وكأنهم بهذا يخدمون الإسلام.
القسم الثاني؛ ممن يحدثون البدع، فيقولون: إننا نريد تطعيم الأمة بلقاحات الإسلام. فيعملون باسم الأمة، وفي سبيل القومية، لأجل تقوية العنصرية!
نقول للقسم الأول:
يا علماء السوء البائسين الذين يصدق عليهم اسم "الصادق الأحمق".
ويا أيها الصوفيون الجهلاء المجذوبون الفاقدون للعقل:
إن شجرة طوبى الإسلام قد ترسخت عروقُها في صلب الكون وحقيقته، وبثت جذورَها في ثنايا حقائق الكون كله، فهذه الشجرة العظيمة لا يمكن غرسُها في تراب العنصرية الموهومة المؤقتة الجزئية الخصوصية السلبية، بل التي لا أساس لها أصلًا وهي المشحونة بالأغراض الظالمة المظلمة. وأن السعي لغرسها هناك محاولةٌ بدعية هدامة رعناء.
ونقول للقوميين؛ وهم القسم الثاني من أهل البدع!
يا أدعياء القومية السكارى!
إن العصر السابق، ربما كان يعدّ عصر القومية، أما هذا العصر فليس بعصر القومية، إذ إن مسائل البلشفية والاشتراكية تستحوذ على الأفكار، وتحطم مفهومَ العنصرية، فلقد ولّى عصر العنصرية.
واعلموا أن مليّة الإسلام الدائمة الأبدية لا ترتبط مع العنصرية المؤقتة المضطربة، ولا تلقح بلقاحاتها. وحتى لو حدث هذا التطعيم بلقاحات العنصرية فإنها تفسد أمةَ الإسلام، ولا تصلح ملية العنصرية أيضًا، ولا يبعثها أصلًا.
نعم إن في التطعيم بلقاحات العنصرية ذوقًا مؤقتًا وقوة مؤقتة، بل مؤقتة جدًّا، وذات عاقبة وخيمة.
— 559 —
ثم -بهذا الأمر- سيتولد انشقاقٌ عظيم في أمة الترك، انشقاقٌ أبدي غير قابل للالتئام، وحينئذٍ تتلاشى قوةُ الأمة وتذهب هباءً، إذ كل شقٍّ يحاول هدم الشق الآخر. فكما إن وجید جبلان في كفتي ميزان، فإن قیوة ضئيلة جدًّا تؤدي دورًا مهمًا بين تلك القوتين، إذ تقدر أن تنیزل إحداها إلى الأسفل وترفع الأخیرى إلى الأعلى.
السؤال الثاني: عبارة عن إشارتين:
الإشارة الأولى:
وهي الإشارة الخامسة. وهي جواب مختصر جدًّا لسؤال مهم:
السؤال: هناك روايات صحيحة عديدة حول ظهور "المهدي"، وإصلاحه لهذا العالم بعد فساده في آخر الزمان، إلّا أننا نعلم أن هذا العصر هو عصر الجماعة، لا الفرد، لأن الفرد مهما أوتي من دهاء -بل حتى لو كان في قوة مائة داهية- ولم يكن ممثلًا لجماعة عظيمة، ولم يكن معبرًا عن الشخصية المعنوية لها، فإنه مغلوب أمام قوة الشخصية المعنوية للجماعة المناوئة له. فكيف إذن يمكن "للمهدي" -مهما بلغ من قوة الولاية- أن يقوم بالإصلاح في هذا الزمان الذي استشري فيه الفسادُ وعمّ المجتمعات البشرية، وإن كانت أعمالُه كلها خارقة للعادة لخالفت إذن الحكمة الإلهية الجارية في الكون وسننَه المطردة فيها. والخلاصة نريد أن نفهم سرّ مسألة "المهدي".
الجواب: إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى، لكمال رحمته، ودليل حمايته للشريعة الإسلامية واستمراريتها وخلودها، قد أرسل في كل فترة من فترات فساد الأمة مصلحًا، أو مجددًا، أو خليفة عظيمًا، أو قطبًا أعظم، أو مرشدًا كاملًا من الأشخاص العظام الأفذاذ ممن يشبهون "المهدي"، فأزال الفساد، وأصلحَ الأمة وحافظ على الدين.
وما دامت سنةُ اللّٰه قد جرت هكذا، مما لاشك فيه أنه سبحانه وتعالى سيبعث في أشد أوقات الفساد، في آخر الزمان، من هو أعظم مجتهد وأعظم مجدد، وأعظم قطب، ويكون في الوقت نفسه حاكمًا ومهديًا ومرشدًا، وسيكون من أهل البيت النبوي.
وأن القدير الذي يملأ ما بين السماء والأرض بالسحب، ثم يُفرغه في دقيقة واحدة لقادر على تهدئة عواصف البحر الجامحة في طرفة عين.. وأن القدير ذا الجلال الذي يوجِد في ساعةٍ من أيام الربيع نموذجَ فصل الصيف، ويوجِد في ساعة من أيام الصيف زوبعةً من زوابع
— 560 —
الشتاء، لقادر على تبديد الظلمات المتراكمة في سماء العالم الإسلامي والمخاطر المحدقة به على يدي "المهدي" وقد وَعدَنا بذلك، وهو منجزٌ وعدَه لا محالة.
وهكذا، إذا ما نظرنا إلى هذه المسألة من زاوية دائرة القدرة الإلهية فهي في منتهى السهولة، وإذا ما نظرنا إليها وتأملنا فيها من زاوية دائرة الأسباب والحكمة الربانية فهي أيضًا في غاية السهولة، بل هو أقرب وأولى شيء للحدوث، حتى قرر أربابُ الفكر والنظر على أن الحكمة الربانية تقتضي هكذا، وسيكون حتمًا، حتى وإن لم توجد رواية عن المخبر الصادق (ص) في شأنه أي إن مجيئه أمرٌ لازم وضروري. ذلك لأن دعاء:
(اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ اِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)
الذي تكرره الأمة، في صلواتهم جميعها، كل يوم خمس مرات في الأقل، وثبت قبولُه بالمشاهدة، فإن آل محمد (ص) كآل إبراهيم عليه السلام كانوا يتبؤون مركز الصدارة والزعامة دومًا وفي مقدمة جميع السلالات المباركة في مختلف الأعصار والأقطار،
(٭): حتى إن أحد أولئك السادة (من آل البيت) هو السيد أحمد السنوسي، يقود ملايين المريدين، ومنهم السيد إدريس يقود أزيد من مائة ألف من المسلمين، والسيد يحيى الأمير على مئات الألوف من الأشخاص.. وهكذا نرى الكثيرين من أفراد قبيلة السادة (من أهل البيت) من أمثال هؤلاء القادة الأبطال الميامين كما هو ظاهر، فضلًا عما وجد في الباطن كذلك قادة القواد كالسيد عبد القادر الكيلاني والسيد أبو الحسن الشاذلي، والسيد أحمد البدوي وأمثالهم. (المؤلف).
وهؤلاء الأبطال من الكثرة، بحيث إن مجموعهم يشكل جيشًا عظيمًا جدًّا.
فإذا ما اتحد هؤلاء السادة وتعاضدوا فعليًا وتساندوا فيما بينهم تساندًا جادًا، وكوّنوا من أنفسهم فرقة موحدة بالفعل، جاعلين الدينَ الإسلاميَ الرابطةَ المقدسة للأمة ومدار صحوتها، فلا يمكن لجيش أية أمة في العالم أن يصمد أمامهم.
فذلك الجيش الضخم العرمرم، ذو القوة والسطوة هو آل محمد (ص) وهو أخصّ جيش من جيوش "المهدي".
نعم، إنه ليس هناك نسل من أنسال البشرية وسلالاتها في تاريخ العالم اليوم، له من القوة والأهمية، والذي امتاز بأعلى مراتب الشرف والحسب الرفيع والنسب العريق، واتصل بمنشئها بالشجرة والمسانيد والأعراف، مثل السادة الذين حظوا بالانتساب إلى الدوحة النبوية السامية، آل البيت.
— 561 —
لقد كان هؤلاء السادة دومًا، منذ سالف العصور، روّاد كل فرقة من فرق أهل الحقيقة، وزعماء أهل الكمال المشاهير أيضًا. واليوم هم النسل المبارك الطيب الذين يربون على الملايين، وهم المتيقظون ذوو القلوب العامرة والطافحة بالحب النبوي، حظوا بالانتساب إلى الدوحة الطاهرة الزكية.. وتتهيأ الحادثات العظام التي ستدفع إلى إيقاظ وإثارة هذه القوة المقدسة التي تنطوي عليها نفوس هذه الجماعة العظيمة. فلابد أن تثور تلك الحمية السامية الكامنة لتلك القوة العظيمة، وسيأخذ "المهدي" زمام القيادة ويقودها إلى طريق الحق والحقيقة.
ونحن ننتظر من سنته ومن رحمته تعالى -انتظارَنا للربيع عقب هذا الشتاء-وقوعَ هذا الحدث العظيم، ونحن محقون في هذا الانتظار.
الإشارة الثانية: أي؛ الإشارة السادسة
إنَّ جماعة السيد المهدي النورانية ستصلح وتعمّر ما أفسده نظام السفياني البدعي الهدام، وتحيي السنةَ النبوية. أي أن جماعة السفياني الساعية لهدم الشريعة الأحمدية -بنية إنكار الرسالة الأحمدية في عالم الإسلام- ستُقتل وتُبدّد بالسيف المعنوي المعجز لجماعة السيد المهدي.
ثم إن جماعةً نصرانية غيورة فدائية، ممن يستحقون اسمَ "النصرانيون المسلمون" تسعى هذه الجماعة للجمع والتوفيق بين الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام وحقائق الإسلام. وتحت رئاسة سيدنا عيسى عليه السلام تقوم هذه الجماعة بتقويض نظام الدجال وقتل قيادته، تلك القيادة التي تدمّر المدنيةَ والمقدسات البشرية وتجعلها هباءً منثورًا بنية إنكار الألوهية في عالم الإنسانية. وبهذا تنجي تلك الجماعة بقيادة سيدنا عيسى عليه السلام، البشريةَ من ويلات إنكار الألوهية.
إن هذا السر طويل جدًّا، اكتفيتُ بهذه الإشارة القصيرة، حيث قد ذكرنا فيه نبذًا في مواضع أخرى.
الإشارة السابعة: أي السؤال الثالث:
يقولون: إنَّ دفاعاتِك السابقةَ، وأسلوبَ جهادك في سبيل الإسلام، ليس هو بما عليه في الوقت الحاضر، ثم إنك لا تسلك سلوكَ المفكرين الذين يدافعون عن الإسلام تجاه أوروبا. فلماذا غيّرتَ طورَ "سعيد القديم"؟ ولِمَ لا تجاهد بأسلوب المجاهدين المعنويين العظام؟.
— 562 —
الجواب: إن "سعيدًا القديم" والمفكرين، قد ارتضَوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي يقبلون شيئًا منها، ويبارزونهم بأسلحتهم، ويعدّون قسمًا من دساتيرها كأنها العلوم الحديثة فيسلّمون بها. ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل. إذ يطعّمون شجرةَ الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقةَ الجذور. وكأنهم بهذا يقوون الإسلام.
ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليلا، ولأن فيه شيئًا من التهوين لشأن الإسلام. فقد تركتُ ذلك المسلك. وأظهرتُ فعلًا: أن أسس الإسلام عريقةٌ وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبدًا أعمقُ أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها.
ولقد أظهرتْ هذه الحقيقةَ ببراهينها "الكلمة الثلاثون" و "المكتوب الرابع والعشرون" و "الكلمة التاسعة والعشرون".
ففي المسلك السابق؛ يُظن الفلسفةُ عميقة، بينما الأحكام الإسلامية ظاهريةً سطحية، لذا يُتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الإسلام.
ولكن هيهات! أنّى لدساتير الفلسفة من بلوغ تلك الأحكام.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
﴿ وقالوا الحمد للّٰه الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدينا اللّٰه لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلٰى أٰلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلٰى سَيِّدِنَا إِبْرَاهيمَ وَعَلٰى أٰلِ إِبْرَاهيمَ فِي الْعَالَمينَ إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ
القسم الثامن
الرموز الثمانية
عبارة عن ثماني رسائل صغيرة، ستُنشر كرسالة مستقلة إن شاء اللّٰه لذا لم تدرج هنا.