المكتوبات العربية
— 545 —

ذيل القسم السادس

الأسئلة الستة
كُتب هذا الذيل (للتداول الخاص)، لتجنُّب ما يرد في المستقبل من كلمات الإهانة وشعور الكراهية، أي؛ لئلا يصيبَ بصاقُ إهانتهم وجوهنا أو لمَسحه عنها عندما يقال: تبًا لرجال ذلك العصر العديمي الغيرة!
وكتب تقريرًا ولائحة لترنّ آذانٌ صمّ، آذان رؤساء أوروبا المتوحشين المتسترين بقناع الإنسانية.. ولينغرز في العيون المطموسة، عيون أولئك العديمي الضمير الجائرين الذين سلطوا علينا هؤلاء الظلمة الغدّارين.. وليُنیزل صفعةً كالمطرقة على رؤوس عَبيد المدنية الدنية التي أذاقت البشريةَ في هذا العصر آلامًا جهنمية حتى صرخت في كل مكان: لتعش جهنم!
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ ومَا لَنا ألّا نَتوكَلَ على اللّٰه وقد هَدينا سُبلَنا وَلنصبِرَنّ على ما آذيتُمُونا وعلى اللّٰه فليَتوكلِ المُتوكِلوُن ﴾
(إبراهيم: ١٢)
لقد حدثت في الفترة الأخيرة اعتداءاتٌ شنيعة كثيرة على حقوق المؤمنين الضعفاء، من الملحدين المتخفين وراء الأستار، وأخصُّ بالذكر اعتداءهم عليّ تعديًا صارخًا، باقتحامهم مسجدي الخاص الذي عمّرته بنفسي، وكنا فيه مع ثلة من رفقائي الأعزاء، نؤدي العبادة، ونرفع الأذان والإقامة سرًا. فقيل لنا: لِمَ تقيمون الصلاة باللغة العربية وترفعون الأذان سرًا؟
نفد صبري في السكوت عليهم: وها أنذا لا أخاطب هؤلاء السفلةَ الدنيئين الذين حُرموا من الضمير، وليسوا أهلًا للخطاب، بل أخاطب أولئك الرؤساء المتفرعنين في القيادة الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهواء طغيانهم. فأقول:
يا أهل الإلحاد والبدعة! إني أطالبكم بالإجابة عن ستة أسئلة.
— 546 —
السؤال الأول: إنَّ لكل حكومة، مهما كانت، ولكل قوم، بل حتى أولئك الذين يأكلون لحم البشر، بل حتى رئيس أية عصابة شرسة، منهجًا وأصولًا ودساتير، يحكمون وفقها.
فعلى أي أساس من دساتيركم وأصولكم تتعدّون هذا التعدي الفاضح. أظهروه لنا. أم أنكم تحسبون أهواء عدد من الموظفين الحقراء قانونًا؟ إذ ليس هناك قانون في العالم يسمح بالتدخل في عبادة شخصية خاصة! ولا يسنّ قانون في ذلك قطعًا.
السؤال الثاني: إن دستور حرية الضمير (حرية المعتقد الديني) مهيمنٌ بصورة عامة في العالم قاطبة، ولاسيما في هذا العصر، عصر الحريات، وبخاصة في نطاق المدنية الحاضرة.
فإلى أيةِ قوة تستندون أنتم في جرأتكم هذه، بخروجكم على هذا الدستور، واستخفافكم به، مما يُعدّ إهانة للبشرية كلِّها، وإهمالًا لرفضها لعملكم؟ وأية قوة لديكم حتى تمسكتم بالإلحاد وكأنه دين لكم في الوقت الذي أطلقتم على أنفسكم اسم "اللادينية" وأعلنتم عدم التعرض للدين وللإلحاد على السواء.
بيد أنكم تتعدَّون على حقوق أهل الدين إلى حدٍ كبير، فلاشك أن أعمالكم هذه لن تبقى في طيّ الخفاء، بل ستُسألون عنها. وعندها بماذا تجيبون؟
فها أنتم أولاء لا تطيقون رفضَ أصغر حكومة من الحكومات العشرين واعتراضَها عليكم، فكيف بكم تجاه عشرين حكومة يرفضون معًا محاولتكم نقضَ حرية الضمير بالقوة وبالإكراه وكأنكم لا تحسبون حسابَ رفضهم.
السؤال الثالث: بأي قانون وبأية قاعدة تكلّفون مَن هو شافعي المذهب مثلي، اتّباعَ فتوى تنافي صفاء المذهب الحنفي وسموّه، أفتى بها علماء السوء الذين باعوا ضمائرهم لمغنم دنيوي. [٭]: المقصود فتواهم بجواز إقامة الشعائر بغير اللغة العربية.
فلو حاولتم إزالة المذهب الشافعي -علمًا أن متبعيه في هذا المسلك يعدّون بالملايين-
— 547 —
وسعيتم لجعلهم أحنافًا، ثم أكرهتموني على اتباع هذه الفتوى إكراهًا بالقوة، ربما يكون ذلك قانونًا ظالمًا من قوانين الملحدين أمثالكم، وإلّا فهو دناءة يقترفها بعضهم حسب أهوائه!.
إننا لسنا تابعين لأهواء أمثال هؤلاء، ولا نعرفهم أصلًا.
السؤال الرابع: أيُّ أصلٍ من أصولكم هذا الذي تستندون إليه في تكليف أمثالي ممن هم من قوم آخرين: أن أقم الصلاة باللغة التركية، بناءً على فتوى محرّفة مبتدعة، باسم العنصرية التركية التي تعني التفرنج المنافي كليًا لقومية وأعراف وعادات هذه الأمة التي امتزجت واتحدت بالإسلام منذ القدم واحترمته.
وعلى الرغم من أنني على علاقة وثيقة وصداقة صميمة وأخوة خالصة بالأتراك الحقيقيين، فإني لست على علاقة أبدًا مع الدعوة القومية لأمثالكم من المتفرنجين.
فكيف تكلفوني بذلك؟ وبأي قانون؟
إنَّ الأكراد الذين يبلغ تعدادُهم الملايين، لم ينسَوا قوميتهم ولا لسانَهم منذ ألوف السنين، وكانوا إخوةً حقيقيين للأتراك في الوطن، ورفاقَهم في سوح الجهاد منذ سالف العصور، أقول : إن أزلتم قوميتَهم وأنسيتموهم لسانَهم، فلربما يكون تكليفكم هذا لأمثالنا -ممن يعدّون من عنصر آخر- دستورًا همجيًا من دساتيركم. وإلّا فهو مجرد هوًى وتصرّف اعتباطي لا غير.
ألا إنَّ أهواء الأشخاص لا تُتبع، ولا نتبعها نحن.
السؤال الخامس: إنَّ أيةَ حكومة كانت لها أن تطبق قوانينَها على رعيتها ومن تعدّهم من رعاياها، ولكنها لا تستطيع أن تجري قوانينها على من لا تعدّهم من رعاياها، لأن أولئك يقولون:
لمّا لم نكن من رعاياكم، فلستم حكومتنا كذلك.
زد على ذلك أن عقابين اثنين لا ينیزلان في آن واحد على شخص، في دولة من الدول. فإما أن يُعدم القاتل، أو يُلقى به في السجن، ولا يجوز تنفيذ السجن والإعدام معًا عليه.
— 548 —
وفي ضوء هذا، فإنني لم ألحق أيَّ ضرر كان للوطن أو الأمة ومع ذلك فقد وضعتموني في الأسر طوال ثماني سنوات، وعاملتموني معاملة لا يعامل بها حتى من كان مجرمًا حقًا ومن قوم آخرين، بل من أبعد الأجانب عن البلاد.
ولقد سلبتموني حريتي، وأسقطتموني من الحقوق المدنية، مع أنكم أصدرتم العفو عن المجرمين، ولم يقل أحدٌ منكم: إن هذا الشخص أيضًا من أبناء هذا الوطن.
فبأي قانون من قوانينكم تكلفون شخصًا غريبًا عنكم مثلي من كل جهة بدساتيركم هذه المناقضة للحرية والتي طبقتموها على أمتكم المنكوبة خلاف رضاهم؟
ولما كنتم قد اعتبرتم البطولات الجسام في سبيل الحفاظ على الوطن والجهاد بالنفس والنفيس -التي أصبحتُ وسيلة لها بشهادة قواد الجيش في الحرب العالمية الأولى- [٭]: من المعلوم أن الأستاذ كان قائدًا من قواد الفدائيين في الحرب العالمية الأولى، وقد اشترك هو مع تلاميذه في قتال الروس وجُرح في آخر معركة اشترك فيها، وأُسر من قبل القوات الروسية وبقي في الأسر في معتقل في شمالي روسيا سنتين وأربعة أشهر حتى استطاع الهرب سنة ١٩١٧ اثر الانقلاب الشيوعي وما صاحبه من فوضى في روسيا. اعتبرتموها جريمة، كما اعتبرتم السعي الجاد للحفاظ على الأخلاق الفاضلة للأمة المنكوبة، وضمانَ سعادتها الدنيوية والأخروية خيانة .
ومادمتم قد عاقبتم من لا يرضى أن يطبق في نفسه أصولَكم ومنهجكم المتفرنج الإلحادي الذي لا نفع فيه بل ملؤه الضرر والهلاك، بثماني سنوات من الحياة تحت المراقبة والترصد (والآن أصبحت ثمانيًا وعشرين سنة)، مع أن العقاب لا يكون إلّا واحدًا، فرفضتُه. ولكنكم أذقتموني إياه.
فبأي قانون تنیزلون بي عقابًا آخر؟
السؤال السادس: إنكم ترون أن لنا خلافًا ومعارضة كلية معكم، ومعاملاتكم القاسية شاهدة على ذلك. فأنتم تضحون بدينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم. ونحن بدورنا مستعدون على الدوام للتضحية بدنيانا في سبيل ديننا، وفي سبيل آخرتنا، وهذا هو سر المعارضة التي بيننا حسب ظنكم.
— 549 —
ولاجرم أن التضحية ببضع سنين من حياتنا التي تمضي في ذل وهوان في ظل حكمكم القاسي قساوةَ الوحوش لنكسبَ بها شهادةً خالصة في سبيل اللّٰه، تعدّ ماء كوثر لنا.
ولكن استنادًا إلى فيض القرآن الحكيم وإشاراته، أخبركم بالآتي لترتعد فرائصكم:
إنكم لن تعيشوا بعد قتلي، فإن يدًا قاهرة ستأخذكم من دنياكم التي هي جنتُكم وأنتم مغرمون بها، وتطردكم عنها، وتقذف بكم فورًا إلى ظلمات أبدية، وسيُقتَل بعدي رؤساؤكم الذين تَنمرَدوا وطغَوا قِتلةَ الدواب، ويُرسَلون إليّ، وسأمسك بخناقهم أمام الحضرة الإلهية، وسآخذ حقي منهم بإلقاء العدالة الإلهية إياهم في أسفل سافلين.
أيها الشقاة الذين باعوا دينهم وآخرتهم بحطام الدنيا!
إن كنتم تريدون أن تعيشوا حقًا فلا تتعرضوا لي ولا تمسّوني بسوء، وإن تعرضتم فاعلموا أن ثأري سيؤخذ منكم أضعافًا مضاعفة.
اعلموا هذا جيدًا ولترتعد فرائصُكم!
وإني آمل من رحمة اللّٰه سبحانه أن موتي سيخدم الدين أكثر من حياتي، وأن وفاتي ستنفلق على رؤوسكم انفلاق القنبلة، وستُشتِّت رؤوسَكم وتبعثرها.
فإن كانت لكم جرأة، فتعرّضوا لي، فلئن كان لكم ما تفعلونه بي، لتَعلمن أن لكم ما تنتظرونه وتلاقونه من عقاب.
أما أنا فسأتلو بكل ما أملك من قوة هذه الآية الكريمة إزاء جميع تهديداتكم:
﴿ الذينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لكُمْ فَاخشَوهُم فَزادَهُمْ اِيمانًا وَقَالوُا حَسبُنَا اللّٰه وَنِعمَ الوَكيلُ ﴾
(آل عمران: ١٧٣).