المكتوبات العربية
— 541 —

الدسيسة الشيطانية الخامسة

إنَّ الموالين للضلالة يرومون سحب إخواني عني مستفيدين من الأنانية والغرور الكامن في الإنسان. وفي الحقيقة إن أخطر وأضعفَ عِرق ينبض في الإنسان إنما هو عِرق الغرور، إذ يمكنهم بالتربيت على ذلك العِرق وتلطيفه أن يدفعوه إلى كثير من المفاسد.
يا إخواني! كونوا حذرين، لئلا يترصدوكم في هذا الجانب فيصيدوكم من هذا العِرق؛ عِرق الغرور.
إنَّ أهل الضلالة في هذا العصر قد امتطَوا "أنا" فهو يجوب بهم في وديان الضلالة. فأهلُ الحق لا يستطيعون خدمةَ الحق إلّا بترك "أنا"، وحتى لو كانوا على حق وصواب في استعمالهم "أنا" فعليهم تركُه، لئلا يشبهوا أولئك، إذ يكونون موضعَ ظنهم أنهم مثلهم يعبدون النفس. لذا فإن عدم ترك "أنا" بخسٌ للحق تجاه خدمة الحق.
زد على ذلك أنَّ الخدمة القرآنية التي اجتمعنا عليها ترفض "أنا" وتطلب "نحن"، فلا تقولوا: أنا! بل قولوا: نحن.
ولاشك أنكم قد اقتنعتم أنَّ أخاكم هذا الفقير لم يبرز إلى الميدان بی "أنا"، ولا يجعلكم خُدامًا لأنانيته، بل أراكم نفسَه خادمًا للقرآن لا يملك أنانيةً، فليس هو إلّا قد اتخذ -كما بيّنه لكم- مسلكَ عدم الإعجاب بالنفس وعدم موالاة "أنا"، فضلًا عن أنه قد أثبت لكم بدلائلَ قاطعة أنَّ الآثار والمؤلفات المعدّة لإفادة الناس كافة هي مُلك الجميع، أي إنها ترشحات من القرآن الكريم لا يسع أحد أن يتملّكها بأنانيته.
ولنفرض فرضًا محالًا أنني أتملك تلك الآثار بأنانيتي، ولكن مادام بابُ الحقيقة القرآنية هذا قد انفتح -كما قال أحد إخواني- فينبغي لأهل العلم والكمال أن يغضّوا النظر عن نقائصي وهوان شأني ولا يظلوا مستغنين عني مترددين في إسنادي.
وعلى الرغم من أن آثار السلف الصالحين والعلماء المحققين خزينةٌ عظيمة تكفي وتفي بعلاج كل داء. فقد يكون لمفتاحِ خزينةٍ أهميةٌ أكثر من الخزينة نفسها، لأنها مقفولة. وباستطاعة المفتاح فتحُ خزائن كثيرة.
— 542 —
وأظن أنَّ العلماء الفضلاء الذين لهم غرور علمي قوي، قد أدركوا أيضًا أن "الكلمات" المنشورة مفتاحٌ للحقائق القرآنية، وأنها سيفٌ ألماسي ينیزل على رؤوس أولئك الساعين لإنكار تلك الحقائق.
ألا فليعلم أولئك الحاملون لغرور علمي قوي، أنهم لا يكونون طلابًا لي، بل يكونون طلابًا وتلاميذ للقرآن الحكيم، وأنا لا أكون إلّا زميل دراسة معهم. بل حتى لو فُرض فرضًا محالًا أنني ادّعي الأستاذية، ولكن بما أننا قد وجدنا وسيلةً لإنقاذ طبقات أهل الإيمان كافة من العوام إلى الخواص من الشبهات والأوهام التي يتعرضون لها الآن، فعلى أولئك العلماء أن يجدوا وسيلةً أيسر منها أو يلتزموا هذه الوسيلة ويقوموا بتدريسها وتعهّدها.
إنَّ هناك زجرًا عظيمًا في حق علماء السوء، فليحذَر أهلُ العلم في هذا الزمان حذرًا شديدًا. فلو افترضتم -كما يظن أعداؤنا- أنني أعمل في هذه الخدمة الإيمانية في سبيل إبراز أنانيتي وغروري. ولكن هناك أناس كثيرون اجتمعوا حول شخصٍ متفرعن اجتماعًا جادًا خالصًا تاركين غرورَهم، وعملوا بترابط قوي في سبيل مقصد دنيوي وقومي، أوَ ليس لأخيكم هذا حق في مطالبتكم الاجتماعَ بتساند وترابط حول الحقائق القرآنية وبترك الأنانية، كتساند عرفاء تلك القيادة الدنيوية؟ أوَ ليس أكبر علمائكم غيرَ محق كذلك في عدم تلبية ندائه؟ مع أنه يستر أنانيته ويدعو إلى الالتفاف حول الحقائق القرآنية والإيمانية.
فيا إخواني! إنَّ أخطر جهة من الأنانية في عملنا هذا هو الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصًا للّٰه وحده، فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل. فكما أن إحدى يدي الإنسان لا تحسد الأخرى ولا تغار منها، وكذا لا تحسد عينُه أذنَه ولا يغار قلبُه من عقلِه، كذلك أنتم، فكلٌّ منكم في حكم عضو وحاسة في الشخص المعنوي لجماعتنا هذه. فواجبكم الوجداني ألّا يحسد بعضُكم بعضًا، بل يفتخر كلٌّ منكم بمزايا الآخر وينسَرُّ بها.
بقي هناك أمر آخر، وهو أخطرُ الأمور، وهو: وجود الحسد والغيرة فيكم أو في أحبابكم تجاه أخيكم هذا الفقير. وهذا من أخطر الأمور. وفيكم علماءُ أجلّاء متبحِّرون. وفي قسم من أهل العلم غرورٌ علمي ولو أنه متواضع بالذات، إلّا أنه -في تلك الجهة - مغرورٌ وأناني، فلا يدع غروره فورًا. ومهما التزم عقلُه وتمسّك قلبُه بالخدمة إلّا أن نفسَه تروم التميّز والظهور
— 543 —
والشهرة من جراء ذلك الغرور العلمي. بل إنها ترغب حتى في إظهار المعارضة للرسائل المكتوبة. وعلى الرغم من أن قلبه يحب "الرسائل" وأن عقله يعجب بها ويجدها رفيعة، فإن نفسه تضمر عداءً آتيًا من الغيرة العلمية وتتمنى تهوين شأن "الكلمات" كي تبلغها نتاجاتُ فكرِه، وتروّج مثلها، لذا أضطر اضطرارًا أن أبلّغ هذا :
إن الذين هم ضمن دائرة هذه الدروس القرآنية، وظيفتُهم محصورة -من حيث العلوم الإيمانية- في شرح "الكلمات" المكتوبة وإيضاحها أو تنظيمها، حتى لو كانوا مجتهدين، وعلماء متبحّرين، لأنه قد علمنا بأمارات كثيرة: أننا موظفون بوظيفة الفتوى في هذه العلوم الإيمانية. فلو حاول أحدُهم ممن هو ضمن دائرتنا أن يكتب شيئًا بما استوحته نفسُه من الغرور العلمي -خارج نطاق الشرح والإيضاح- فإنه يكون بمثابة معارضة واهية وتقليد مشين. لأنه قد تحقق بالأدلة والأمارات:
أن أجزاء "رسائل النور" ترشحات من فيض القرآن الكريم، وقد تكفّل كلٌّ منا -على وفق قاعدة توزيع المساعي وتقسيم الأعمال- بالقيام بوظيفة من وظائف العمل للقرآن، لنوصل تلك الترشحات الكوثرية إلى المحتاجين.
الدسيسة الشيطانية السادسة
وهي استغلال الشيطان حُبَّ الراحة والدعة والتطلع إلى تسنّم الوظائف لدى الإنسان.
نعم، إنَّ شياطين الجن والإنس لا يدعون ناحيةً إلّا ويهاجمون منها، فعندما يرون أحدًا من أصدقائنا ذا قلب راسخ ووفاء تام ونية خالصة وهمة عالية، يلتفون عليه من جهات عدة ويشنون هجومهم عليه، كالآتي:
إنهم يستغلون ما لديهم من حب للراحة والدعة ويستفيدون من مكانتهم في الوظائف ليفسدوا علينا مهمتنا، ويعيقوا خدمةَ القرآن، أو ليصرفوهم عن العمل للقرآن بدسائسَ ومكايدَ خبيثةٍ إلى حدّ يجدون لقسم منهم أعمالًا كثيرة ليغرقوهم فيها من دون أن يشعروا، كيلا يجدوا متسعًا من الوقت للعمل للقرآن، أو يقدّموا لقسم آخر أمورًا دنيوية فاتنة ليثيروا فيهم الرغبات والهوى، لتصيبه الغفلة عن الخدمة.. وهكذا.
— 544 —
وعلى كل حال فإن طرق الهجوم هذه طويلة، إلّا أننا اختصرناها هنا محيلين الأمر إلى فطنتكم ونظركم الثاقب.
فيا إخوتي! اعلموا! واحذروا! إن مهمتكم هذه مقدسة وخدمتكم سامية، وإن كلَّ ساعة من ساعاتكم ثمينةٌ إلى حدٍ يمكن أن تكون بمثابة عبادة يوم كامل.. اعلموا هذا جيدًا لئلا تضيعَ منكم وتفوت.
﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا اللّٰه لعلكم تفلحون ﴾
﴿ ولاتشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ﴾
﴿ سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون ٭ وسلامٌ على المرسلين ٭ والحمد للّٰه رب العالمين ﴾
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ الْأُمِّىِّ الْحَبيبِ الْعَالِى الْقَدْرِ الْعَظيمِ الْجَاهِ وَعَلَى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ. أٰمين