— 527 —
الدسيسة الثانية
إنَّ الشعور بالخوف شعور عميق في كيان الإنسان، وإن الطغاة والظالمين الماكرين يستغلون كثيرًا هذا الشعور لدى الإنسان فيلجمون به الجبناء، ويستفيد كثيرًا جواسيسُ أهل الدنيا ودعاةُ الضلال من هذا الشعور لدى العوام ولا سيما لدى العلماء، فيُلقون في روعهم المخاوفَ ويثيرون فيهم الأوهام، بمثل شخص حيّال يُظهر لأحدهم ما يخافه -وهو على سطح دار- فيثير أوهامه ويدفعه تدريجيًا إلى الوراء حتى يُقرّبَهُ من الحافة فيرديه على عقبه، فيهلك. كذلك يثير أهلُ الضلالة عرقَ الخوف لدى الناس فيدفعونهم إلى التخلي عن أمور جسام من جراء مخاوفَ تافهةٍ لا قيمة لها. حتى يدخل بعضهم في فم الثعبان لئلا تلسعه بعوضة!
أذكر مثالا: جئتُ ذات مساء إلى جسر إسطنبول وبصحبتي عالم جليل -رحمه اللّٰه- يتهيب ركوب الزورق، ولكننا لم نجد وساطةَ نقل سوى الزورق، ونحن مضطرون إلى الذهاب إلى جامع أبي أيوب الأنصاري فألححتُ عليه إذ لا حيلة لنا إلّا ركوبه. فقال:
- أخاف... ربما نغرق!
قلت له: كم يُقدّر عدد الزوارق في هذا الخليج؟
قال: ربما ألف زورق.
قلت: كم زورقًا يغرق في السنة؟
قال: زورق أو اثنان، وقد لا يغرق في بعض السنين!
قلت: كم يومًا في السنة؟
قال: ثلاثمائة وستون يومًا.
قلت: إنَّ احتمال الغرق الذي استحوذ على ذهنك، وأثار فيك الخوف، هو احتمال واحد من بين ثلاثمائة وستين ألف احتمال. فالذي يخاف من هذا الاحتمال لا يُعدّ إنسانًا ولا حيوانًا!
ثم قلت له: تُرى كم تقدّر أن تعيشَ بعد الآن؟
— 528 —
قال: أنا شيخ كبير، ربما أعيش عشر سنوات أخرى!
قلت: إن احتمال الموت واقع في كل يوم، حيث الأجل مخفيٌّ عنا. لذا فهناك احتمال الموت في كل يوم، أي لك ثلاثة آلاف وستمائة احتمال للموت. فليس أمامك إذن احتمال واحد من بين ثلاثمائة ألف احتمال -كما في الزورق -وإنما احتمال من بين ثلاثة آلاف احتمال فلربما يقع الاحتمالُ هذا اليوم. فما عليك إذن إلّا الهلع والبكاء، وكتابة وصيتك!
أثّر هذا الكلام فيه وآب إلى رشده، فركّبته الزورق وهو يرجف، قلت له ونحن في الزورق:
إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد منحنا الشعورَ بالخوف لنحفظ به الحياة، لا لهدم الحياة وتخريبها، ولم يمنحنا هذا الشعورَ لنجعلَ الحياةَ أليمة ومعضلة ومرهقة. فإن كان الخوف ناشئًا من احتمالين أو ثلاثة بل حتى من خمسة أو ستة احتمالات فلا بأس به، فلربما يعدّ ذلك خوفًا مشروعًا من باب الحيطة والحذر. أما إن كان الخوف ناشئًا من احتمال واحد من بين عشرين أو أربعين احتمالًا فإنما هذا وهم يستولي على الإنسان ويجعل حياته عذابًا وشقاءً.
فيا إخوتي! إذا ما هجم عليكم مهرّجو أهل الضلالة والمتزلفون لأهل الإلحاد ليرهبوكم ويجعلوكم تتخلَّون عن جهادكم المعنوي المقدس، قولوا لهم:
نحن حزب القرآن، نحتمي بقلعة القرآن العظيم الحصينة، والقرآن العظيم محفوظ يحفظه الرب الكريم بقوله تعالى:
﴿ إنّا نَحنُ نَزّلنا الذِكرَ وإنّا لَهُ لحَافِظون ﴾
(الحجر: ٩) فلقد أحاطَنا سورٌ عظيم هو سُور
﴿ حَسبُنا اللّٰه ونِعمَ الوَكيلُ ﴾
(آل عمران: ١٧٣) فلن تستطيعوا أن تدفعونا -باختيارنا- إلى طريق يؤدي حتمًا إلى آلاف الأضرار التي تلحق بحياتنا الأبدية خوفًا من إلحاق ضرر بسيط باحتمالٍ واحد من بين ألوف الاحتمالات بحياتنا الدنيوية القصيرة هذه.
وقولوا لهم: مَن منا ومَن مثلنا في طريق الحق قد تضرر بسبب "سعيد النورسي" الذي هو زميلُنا في خدمة القرآن الكريم، وأستاذنا في تدابير أمور تلك الخدمة المقدسة ورائدُنا في العمل؟ ومَن من طلابه الخواص قد اُبتلوا ببلاء حتى نُبتلى نحن أيضًا، أو نضطربَ ونقلق
— 529 —
من خوف ذلك البلاء الذي قد ينیزل بنا. فلأخينا هذا ألوفٌ من أصدقاء وإخوان الآخرة، ولم نسمع أن ضررًا أصابَ أحدَ إخوته منذ حوالي ثلاثين سنة رغم تدخله تدخلًا مؤثرًا في الحياة الاجتماعية طوال تلك المدة التي كان يملك مطرقةَ السياسة وقوتها، بينما الآن لا يملك سوى نور الحقيقة بدلًا من مطرقة السياسة. وعلى الرغم من أن اسمه قد ضُم سابقًا مع مَن هم في حوادث (٣١) مارت [٭]: حادثة ٣١/ مارت ١٣٢٥ حسب التقويم الرومي، وهي حادثة تمرد وعصيان عسكري، بدأ في معسكر "طاش قشلة" في إسطنبول ثم انتشر التمرد إلى المعسكرات الأخرى في المدينة، ثم نزل الجنود المتمردون إلى الشوارع وقتلوا بعض الوزراء والنواب والضباط. ولولا الخطب التي ألقاها الأستاذ النورسي على الجنود في معسكراتهم لكان يمكن أن يحدث ما لا تحمد عواقبه، إذ كانت عاملًا ملطفًا للجنود المتمردين.
والحادثة وقعت في ١٣/ نيسان/١٩٠٩ أي بعد إعلان المشروطية الثانية ووصول جمعية الاتحاد والترقي إلى موقع مؤثر في الحكم. اُتهم السلطان عبد الحميد الثاني ظلمًا بافتعاله هذا التمرد، واستدعت الجمعية مددًا عسكريًا من مقرها الرئيس في "سلانيك" ومع أن السلطان كان بمقدوره تشتيت هذا المدد العسكري إلا أنه لم يفعل حقنًا للدماء.
وبعد وصول الجيش إلى إسطنبول، أُعلنت الأحكام العرفية وقضى على التمرد، وأُسست محكمة عسكرية، أعدمت الكثيرين فانتهزت الجمعية هذه الحركة وقامت بعزل السلطان في ٢٧/ نيسان/١٩٠٩. وأهلكوا قسمًا من أصدقائه، إلّا أنه تبيّن فيما بعد، أن الحادثة كانت مدبّرة من قبل أُناس آخرين. وأن أصدقاءه لم يتضرروا بسبب صداقته بل بسبب أعدائه. فضلًا عن أنه أنقذ كثيرًا من أصدقائه في ذلك الوقت.
فبناءً على هذا عليكم يا إخواني أن تقولوا للمتزلفين من أهل الضلالة:
"إننا لا نرضى أن تضيع خزينةٌ أبدية باحتمال خوفٍ من بين ألف بل من بين آلاف الاحتمالات. لا ينبغي أن يخطر هذا ببال أمثالكم يا شياطين الإنس" وعليكم يا إخواني أن تطردوهم وتضربوا بهذا الكلام على أفواههم.
وقولوا لأولئك المتزلفين أيضًا :
إذا كان البلاء والهلاك ناشئَين من احتمال بنسبة مائة بالمائة لا باحتمال واحد من مئات الألوف من الاحتمالات، فإننا لا نترك ولا نتخلى عنه (عن سعيد النورسي) إن كنا نملك ذرة من عقل، لأنه شُوهد بتجاربَ عديدة ولا يزال يُشاهَد؛ أنَّ الذين يهينون أستاذهم أو إخوانهم الكبار أيام المصائب والبلايا، تنیزل بهم المصيبةُ أولًا. فضلًا عن أنهم يعامَلون معاملةً جائرة دون رحمة ويجازَون مجازاة السفلة. فتموت أجسادُهم وتهلك أرواحُهم معنًى من الذل والمهانة. والذين يعاقبونهم لا يشفقون عليهم، لأنهم يقولون:
— 530 —
إنَّ هؤلاء قد خانوا أستاذَهم العطوف عليهم، فلابد أنهم منحطون سفلة، لا يستحقون الرحمة، بل التحقير والإهانة.
فما دامت الحقيقة هكذا، وأن الظالم إذا ما سحق إنسانًا تحت أقدامه، وبدأ المظلوم بتقبيل أقدامه، فإن قلبه ينسحق بسبب تلك المذلة قبل رأسه وتموت روحُه قبل جسده. فيفقد رأسه وتمحى عزته وشرفه كذلك، إذ إنه بإبداء الضعف تجاه ذلك الظالم القاسي يشجعه على سحقه أكثر.
بينما لو بصق المظلوم في وجه ذلك الظالم فإنه ينقذ قلبَه وروحَه، ويصبح جسدُه شهيدًا مظلومًا.
نعم، ابصقوا في وجوه الظالمين الصفيقة!
وحينما احتل الإنكليز إسطنبول، ودمرّوا المدافع في المضيق (في إسطنبول) سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الانكليكية من المشيخة الإسلامية ستة أسئلة، وكنت حينئذٍ عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية" فقالوا لي:
- أجب عن أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون. قلت: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة، بل بصقة واحدة.
لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقَنا وأخذتْ بخناقنا كما ترون، ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور. ولهذا قلت: ابصقوا في وجوه الظلمة التافهة.
والآن أقول: إنَّ دولة عظيمة كدولة الإنكليز، في الوقت الذي كانت تحتل بلادنا، فقد أجبتهم -بلسان المطابع- وتحديتُهم. وكان الهلاك محققًا وحتميًا مائة بالمائة، إلّا أن الحفظ القرآني قد كفاني فذلك الحفظ يكون كافيًا لكم بمائة ضعف إزاء أضرار ترد باحتمال واحد بالمائة من أيدي الظلمة.
ثم أيها الأخوة! إنَّ كثيرًا منكم قد خدم في صفوف الجيش، والذين لم يخدموا في العسكرية سمعوا حتمًا، ومَن لم يسمع فليسمعه مني: إن أكثر من يُجرَح ويصاب في الحرب
— 531 —
هم الذين يهربون من خنادقهم ومن مواضعهم، وإن أقل الجنود إصابة هم أولئك الثابتون في مواضعهم فالآية الكريمة:
﴿ قُل إنّ المَوتَ الذي تَفِرّونَ مِنهُ فإنه ملاقيكُم ﴾
(الجمعة: ٨) تشير بمعناها الإشاري إلى أن الفارين من الموت يقابلونه أكثر من غيرهم.
الدسيسة الشيطانية الثالثة
إنَّ الشياطين يقتنصون الكثيرين بشِباك الطمع وفخِّه. ولقد أثبتنا في رسائل كثيرة ببراهينَ قاطعة استفضناها من الآيات البينات للقرآن الحكيم: "أن الرزق الحلال يأتي بنسبة العجز والافتقار لا بدرجة الاختيار والاقتدار". فهناك ما لا يحد من الإشارات والأمارات والدلائل التي تبين هذه الحقيقة منها:
إنَّ الأشجار التي هي نوع من الأحياء، والمحتاجة للرزق تقف منتصبةً في مكانها، يأتيها رزقُها ساعيًا لها. بينما الحيوانات لا تتغذى ولا تنمو كالأشجار تغذيةً ونموًا كاملًا بسبب حرصها ولهاثها وراء الرزق. وإن أقل الحيوانات ذكاءً وأشدَّها بلادة وأكثرها ضعفًا وعجزًا وهي الأسماك، تتغذى بأفضل وجه مع أنها تعيش في الرمل فتَظهر بدينةً بصورة عامة، بينما القردة والثعالب وأمثالهما من الحيوانات المالكة للذكاء والقدرة تكون هزيلة ضعيفة لسوء معيشتها.
كل ذلك يدل على أن وساطة الرزق ليست الاقتدار بل الافتقار. وإن حسنَ المعيشة التي يرفل بها الصغارُ -سواءً أكانوا أناسًا أم حيوانات- والإحسانَ إليهم باللبن الخالص هدية لطيفة تُقدَّم من خزينة الرحمة الإلهية من حيث لا يحتسبون؛ رحمةً لضعفهم وشفقة على عجزهم، وضِيقُ العيش في الوحوش الضارية، يدل على أنَّ وسيلة الرزق الحلال هي العجز والافتقار وليست الذكاء والاقتدار.
وإن اليهود المشهورين بأنهم أحرصُ الناس على الحياة الدنيا، يسبقون الأمم في سعيهم وراء الرزق، بينما هم أكثرُ الأمم ذلة ومهانة، وأكثرهم تعرضًا لسوء المعيشة، بل حتى أغنياؤهم يعيشون عيشًا ذليلًا. ولا تجرح مسألتنا هذه تلك الأموالُ التي يحصلون عليها بالربا وأمثالها من الطرق غير المشروعة، لأنها ليست من الرزق الحلال.
وإن كثيرًا من الأدباء والعلماء يعيشون عيشَ الكفاف، في حين يُثرى كثيرٌ من البلداء
— 532 —
والبلهاء.. كل ذلك يدل على أنَّ وسيلة جلب الرزق ليست بالذكاء والاقتدار، بل بالعجز والافتقار وبالتسليم المتسم بالتوكل، وبالدعاء بلسان المقال والحال والفعل.
والآية الكريمة:
﴿ إنّ اللّٰه هُوَ الرّزَاقُ ذُو القُوةِ المَتين ﴾
(الذاريات: ٥٨) تعلن هذه الحقيقة، وهي برهان قوي عظيم لدعوانا هذه، بحيث تتلوها جميعُ النباتات والحيوانات وأطفال الإنسان بلسان الحال، بل تتلوها كلُّ طائفة تطلب الرزق.
وحيث إنَّ الرزق مقدّر بالقدر الإلهي، وإنه يُنعَم به إنعامًا، والمنعِم المقدّر هو اللّٰه سبحانه، وهو رحيم وكريم، فليفكر مَن يقبل مالًا حرامًا ممحوقًا رشوةً لوجدانه بل أحيانًا لمقدساته، مريقًا ماءَ وجهه إراقةً غير مشروعة بدرجة اتهام رحمته تعالى والاستخفاف بكرمه سبحانه.. أقول؛ فليفكر مثل هذا في مدى بلاهة وجنون تصرفه.
نعم، إنَّ أهل الدنيا ولاسيما أهل الضلالة، لا يعطون نقودَهم رخيصة، بل يعطونها بأثمان باهظة، فإن مالًا قد يعين على إدامة حياة دنيوية لسنة واحدة، إلّا أنه يكون أحيانًا وسيلة لإبادة خزينة حياة أبدية خالدة. فيجلب بذلك الحرص الفاسد الغضبَ الإلهي عليه ويحاول جلبَ رضى أهل الضلالة.
فيا إخوتي!
إذا ما اصطادكم متزلّفو أهل الدنيا ومنافقو أهل الضلال بفخّ الطمع وعرقه الضعيف المغروز في الإنسان، ففكروا في الحقيقة السابقة واجعلوا أخاكم هذا الفقير مثالًا يُقتدى به.
فإني أُطمئنكم بأن القناعةَ والاقتصادَ يديمان حياتكم ويضمنان رزقَكم أكثر من المرتَّب، ولاسيما أن تلك النقود غير المشروعة المعطاة لكم ستطلب منكم بدلها أضعافًا مضاعفة، بل ألف ضعف وضعف، أو في الأقل تمنع أو تقلل من الخدمة القرآنية التي تستطيع أن تفتح أبوابَ خزينةٍ أبدية لكم؛ كل ساعة من ساعاتها. وهذا ضرر جسيم وفراغ وخيم لا تملؤه ألوف المرتبات.
تنبيه: إنَّ أهلَ الضلالة الذين دأبُهم النفاق والكيد، ينصبون فخَّ الحيلة والخداع، وذلك عندما يعجزون عن الوقوف إزاء ما نشرناه من حقائق الإيمان المستلهَمة من القرآن الحكيم.
— 533 —
ويحاولون -بشتى الطرق- أنْ يسحبوا أصدقائي عني، ويغرروا بهم بحب الجاه والطمع والخوف، والتهوين من شأني، بإلصاق بعض الأمور بي.
نحن لا نتحرك في خدمتنا المقدسة إلّا حركة إيجابية، ولكن دفعَ الموانع التي تعيق كل أمر من أمور الخير، يسوقنا أحيانًا إلى حركة سلبية مع الأسف.
وإزاء دعايات المنافقين الخادعة هذه، انبّه إخواني بالنقاط الثلاث السابقة، وأسعى لدفع الهجوم عنهم. ويُشن في الوقت الحاضر أكبر هجوم عليّ بالذات إذ يقولون: إن سعيدًا كردي، فلِمَ تحترمونه كثيرًا وتتبعونه؟ لذا اضطر إلى كتابة الدسيسة الشيطانية الرابعة بلسان "سعيد القديم" دون رغبة مني، لإسكات أمثال هؤلاء.
الدسيسة الشيطانية الرابعة
إنَّ بعض الملحدين الذين يشغلون مناصبَ مهمة، يشنون هجومًا عليّ، بترويجهم دعايات تلقَّوها من الشيطان ومن إيحاءات أهل الضلال، ليغرروا بها بإخواني ويثيروا فيهم النعرة القومية، إذ يقولون:
أنتم أتراك، وفي الأتراك من أصناف العلماء وأرباب الفضل والكمال الكثيرين بفضل اللّٰه، وإن سعيدًا هذا كردي، فالتعاون مع من ليس من قوميتكم ينافي النخوة القومية.
الجواب: أيها الملحد الشقي! إني وللّٰه الحمد مسلم، انتسب إلى أمتي السامية، وهم ثلاثمائة وخمسون مليونًا في كل عصر، وإني استعيذ باللّٰه مائة ألف مرة من أن أُضحيَ بهذه الكثرة الكاثرة من الإخوان الطيبين المترابطين بأخوة خالدة ويمدونني بدعواتهم الخالصة وفيهم أكثرية الأكراد المطلقة، واستبدلَ بهؤلاء الميامين دعوةً عنصرية وقومية سلبية كسبًا لودّ بضعة أشخاص معينين يحملون اسم الكرد ويعدّون من عنصر الكرد، ممن سلكوا سبيلَ الإلحاد والانسلاخ من المذاهب والقيم.
أيها الملحد! إن ذلك دأبُ أمثالك من الحمقى، يترك أخوةً حقيقية نورانيةً نافعة لجماعة عظيمة تعدادهم ثلاثمائة وخمسون مليونًا لأجل كسب أخوة كفار (المجر) أو عدد من أتراك متفرنجين متحللين من الدين، تلك الأخوة المؤقتة غير المجدية حتى في الدنيا.
— 534 —
ولما كنا قد بيّنا ماهيةَ القومية السلبية وأضرارَها بدلائلها في المسألة الثالثة من "المكتوب السادس والعشرين" فإننا نحيلها إلى تلك الرسالة ونتناول بشيء من الإيضاح حقيقةً وردت مجملةً في نهاية المسألة الثالثة هي الآتية:
أقول لأولئك الملحدين، أدعياء النخوة والغيرة، المتسترين تحتَ ستار القومية التركية، وهم في الحقيقة أعداء الأمة التركية، أقول لهم:
إنني على علاقة وثيقة جدًّا بمؤمني هذا الوطن الذين يسمّون بالأتراك المرتبطين ارتباطًا قويًا، وبأخوة صادقة أبدية وحقيقية بالأمة الإسلامية.. وأكنّ حبًّا عميقًا وولاءً بفخر واعتزاز -باسم الإسلام- لأبناء هذا الوطن الذين رفعوا رايةَ القرآن خفاقة عزيزة في ربوع العالم أجمع زهاء ألف عام.
أما أنت أيها المخادع المدّعي، فليس لك إلّا أخوة مجازية غير حقيقية ومؤقتة ومبنية على العنصرية والأغراض الشخصية، بحيث تُهمل وتطرح جانبًا المفاخر القومية الحقيقية للترك. فأنا أسألك:
هل الأمة التركية عبارة عن شباب غافلين، سارحين وراء الأهواء، ممن تتراوح أعمارُهم بين العشرين والأربعين من العمر فقط؟
وهل ما تستوجبه النخوةُ القومية من منافع تمسهم، محصورةٌ في تربية متفرنجة تزيد غفلتَهم، وتعوّدهم على الفساد وسوء الأخلاق، وتحثهم على ارتكاب الموبقات؟
وهل هي في دفعهم إلى متعة مؤقتة وضحك آني يبكون عليه أيامًا في شيخوختهم؟.
فإن كانت النخوة القومية هي هذه الأمور، وإن كان الرقي وسعادة الحياة هي هذه.. وإن كنت أنت داعيةً إلى هذا النمط من القومية التركية، وتدافع عن الأمة على هذه الصورة. فأنا أفرّ من هذه الدعوة القومية التركية فرارًا بعيدًا ولك أن تفرّ مني أيضًا.
وإن كنتَ مالكًا لذرة من شعور وإنصاف وغيرة قومية حقة، فانظر إلى هذه التقسيمات ثم أجب عنها، هي:
إن أبناء هذا الوطن الذين يسمَّون بالأتراك، ينقسمون إلى ستة أقسام:
— 535 —
القسم الأول: هم أهل التقوى والصلاح.
القسم الثاني: هم المرضى وأهل الضر والمصائب.
القسم الثالث: هم الشيوخ.
القسم الرابع: هم الأطفال والصبيان.
القسم الخامس: هم الفقراء والمعوزون.
القسم السادس: هم الشباب.
أليست الطوائف الخمس الأولى أتراكًا، أوَ ليس لهم حصة من الحَمية القومية؟ أفمن الأِباء القومي إيذاء أولئك الطوائف الخمس وسلب سرورِهم وتعكير صفوِهم وإفساد سلوانهم في سبيل إدخال بهجة مُسكرة غافلة في نفوس الطائفة السادسة؟ أهذه نخوةٌ أم عداءٌ للأمة؟ إن الذي يُلحق الضرر بالأكثرية لاشك أنه عدوّ لا صديق، إذ الحكم يُبنى على الأكثرية.
فأنا أسألك: هل أعظم ما ينتفع به القسم الأول -وهم أهل الإيمان والتقوى- هو في مدنية متفرنجة؟ أم هو في سلوك طريق الحق التي يشتاقون إليها، ووجدان سلوان حقيقي في أنوار حقائق الإيمان باستحضار السعادة الأبدية؟.
إنَّ الطريق التي تسلكونها، أنت وأمثالُك من أدعياء القومية المتمادين في الضلالة، تطفئ الأنوار المعنوية للمؤمنين المتقين، وتخلّ بسلوانهم الحقيقي، وتريهم الموت إعدامًا أبديًا، وتدلّهم على أن القبر بابٌ إلى فراق أبدي.
وهل منافع القسم الثاني وهم المرضى وأهل المصائب الآيسون من حياتهم، هي في تربية مدنية لا دينية متفرنجة؟. بينما أولئك البائسون يريدون نورًا ويطلبون سلوانًا ويبتغون ثوابًا على ما نیزل بهم من مصائب، ويرومون أخذَ الثأر والانتقام ممن ظلمهم، ويترقبون دفع الخوف عن باب القبر الذي دنَوَا منه. ولكن بالنخوة الكاذبة التي تدعيها أنت وأمثالُك تنیزلون صفعاتٍ موجِعةً على رؤوس أولئك المبتلين المحتاجين أشد الحاجة إلى العزاء والإشفاق عليهم وضماد جروحهم واللطف بهم، بل تغرزون الآلام في قلوبهم الجريحة، فتخيبون آمالهم دون رحمة، وتلقونهم في يأس قاتم دائم!
— 536 —
أهذه غيرة قومية؟ أبهذا تخدمون الأمة وتُسْدون إليها النفع؟
والطائفة الثالثة وهم الشيوخ؛ الذين يمثلون ثلث الأمة، فهؤلاء يقتربون من القبر، ويدنون من الموت، ويبتعدون عن الدنيا، ويجاورون الآخرة! فهل سلوان هؤلاء ونفعهم في الاستماع إلى سيرة الظالمين من أمثال "جنكيزخان" و "هولاكو" المليئة بالغدر؟ وهل هي في هذا النمط من أفعالكم الحاضرة التي تُنسي الآخرة، وتُلصق بالدنيا، وهي أفعالٌ لا طائل تحتها، وهي سقوط وتردٍ معنوي رغم ما يطلق عليها من رقي في الظاهر. وهل أن نورَ الآخرة في السينما؟ وهل السلوان الحقيقي في المسرح؟
وإذ ينتظر هؤلاء الشيوخ الضعفاء الاحترامَ والتوقيرَ من أهل النخوة والغيرة إذا بهم يخاطَبون: أنكم تساقون إلى إعدام أبدي، بما ينفث في روعهم أن باب القبر الذي يتصورونه رحمة ما هو إلّا فم ثعبان يبتلعهم، ويهمس في آذانهم المعنوية: إنكم ماضون إلى هناك وكأن هذا الكلام طعناتٌ معنوية تنیزل عليهم، فتذبحهم ذبحًا معنويًّا.
فإن كانت هذه غيرة قومية وحمية ملية، فإني استعيذ باللّٰه مائةَ ألف مرة من هذه الحمية والنخوة القومية.
أما الطائفة الرابعة ؛ وهم الأطفال، فإنهم يطلبون من الحمية القومية الرحمة وينتظرون منها الشفقة عليهم.
وإن الإيمان باللّٰه الخالق القدير الرحيم هو الذي يجعل أرواحَهم تنبسط، وقابلياتِهم تنمو، ومواهبَهم تتربى بسعادة -بما يكمن فيهم من ضعف وعجز- ويستطيعون أن ينظروا إلى الحياة نظرة اشتياق بتلقين التوكل الإيماني والتسليم الإسلامي تلقينًا يمكّنهم من أن يصمدوا إزاء ما ستجابههم من أحوال وأهوال.
فهل يمكن أن يعوّض ذلك بتعليم دروس تقدم حضاري لا يرتبطون بها إلّا ارتباطًا واهيًا، وبتدريس الفلسفة المادية التي لا نور فيها، تلك التي تنقض قواهم المعنوية وتطفئ نور أرواحهم؟
إذ لو كان الإنسان عبارة عن جسد حيوان فحسب، غير مالك للعقل، فلربما يُلهي
— 537 —
هؤلاء الأطفال الأبرياء لهوًا مؤقتًا صبيانيًا بهذه الأصول الأجنبية وينتفعون منها نفعًا دنيويًا بالتربية الحديثة التي زيّنتموها بالتربية القومية.
ولكن أولئك الأبرياء سينیزلون حتمًا إلى حلبة الحياة كأي إنسان كان ولاشك أنهم سيحملون آمالًا بعيدة جدًّا في قلوبهم اللطيفة الصغيرة، وستنشأ في عقولهم الصغيرة مقاصد جليلة.
وحيث إن الحقيقة هي هذه، يلزم أن يقرّ في قلوبهم نقطةُ استناد قوية ونقطةُ استمداد لا تنضب بترسيخ الإيمان باللّٰه وباليوم الآخر. وذلك من مقتضى الشفقة عليهم وهم يحملون عجزًا وفقرًا لا منتهى لهما. وبهذا وحدَه تكون الشفقة عليهم والرحمة بهم. وإلّا فإن الإشفاق عليهم بسُكر الغيرة القومية وحدَها يكون ذبحًا معنويًّا لأولئك الصغار الأبرياء، كقيام والدة مجنونة بذبح طفلها، بل هو غدرٌ قاسٍ ووحشيةٌ ظالمة لهم، كمن يُخرج قلبَ الطفل ودماغه ويقدمهما طعامًا لينمو جسده!.
الطائفة الخامسة وهم الضعفاء والفقراء!
فالفقراء الذين يقاسون تكاليف الحياة المرهقة والتي تصبح أكثر إيلامًا بالفقر، والضعفاء المساكين الذين يتألمون أكثر من تقلبات الحياة الهائلة. أليس لهؤلاء حظّ من الغيرة القومية؟
وهل حظُّهم هو في الأعمال التي ترتكبونها تحت ستار التفرنج والتمدن بمدنية فرعونية تزيل حجابَ الحياء وتُشبع نیزوات أغنياء سفهاء وتكون وسيلة لشهرة طغاة أقوياء ظلمة، والتي تزيد يأس هؤلاء البائسين وألمهم؟
ألا إن المرهم الشافي لضماد جرح الفقر لهؤلاء ليس في العنصرية أبدًا، بل يؤخذ من صيدلية الإسلام المقدسة، ولا تستمد القوة للضعفاء ومقاومتهم من الفلسفة الطبيعية المظلمة المستندة إلى المصادفة العمياء والطبيعة الصماء، بل تستمد من الحمية الإسلامية ومن الأمة الإسلامية السامية.
الطائفة السادسة وهم الشباب: لو كانت فتوة هؤلاء الشباب دائمية، لكان للشراب المُسكر الذي سقيتموهم إياه بالقومية السلبية منفعةٌ مؤقتة وفائدةٌ دقيقة. ولكن الإفاقة من نشوة الشباب اللذيذة بالشيب وبالآلام، والتنبّه من ذلك النوم الممتع في صبح المشيب
— 538 —
بالحسرات؛ سيدفع الشاب إلى البكاء المرير وتجرّع الآلام من جراء نشوة ذلك الشراب. فضلًا عن أن الألم الذي يشعر به من زوال ذلك الحُلم الممتع، سيكون حزنًا شديدًا عليه، حتى يجعلَه يتأوّه وتذهب نفسُه حسرات عليه قائلًا: وآ أسفى، لقد ذهب الشباب، ومضى العمر، وسأدخل القبر صفر اليدين، ليتني استرشدت وعدت إلى صوابي!
فهل حصة هذه الطائفة من القومية هي متعةٌ مؤقتة في مدة محدودة، ثم دفعهم إلى الحسرات والبكاء مدة مديدة؟ أم أن سعادة دنياهم ولذة حياتهم هي في أداء الشكر على نعمة الشباب، بصرف ذلك العهد اللذيذ في الاستقامة -لا في السفاهة - وذلك لإبقاء ذلك الشباب الفاني إبقاءً معنويًّا بالعبادة، وللفوز بشباب خالد في دار السعادة الأبدية، بالتزام الاستقامة في ذلك العهد.
فإن كان لك شعور، ولو بمقدار ذرة، أجب عن هذه الأسئلة.
الحاصل: لو كانت الأمة التركية قاصرةً على الطائفة السادسة، أي على الشباب وحدهم، وكانت فتوتُهم خالدة، وليس لهم دارٌ غير الدنيا، لكانت أعمالكم المشوبة بالتفرنج تحت ستار القومية التركية، تعدّ من الغيرة والحمية القومية، وعندئذٍ كان يمكنكم أن تقولوا لشخص مثلي ممن لا يكترث بأمور الدنيا إلّا قليلًا، ويعدّ العنصرية داءً وبيلًا -كداء السيلان- ويسعى لصرف الشبان عن الأهواء والرغبات غير المشروعة، وقد ولد في ديار أخرى، أقول: كان يمكنكم أن تقولوا: إنه كردي لا تتبعوه! ولربما كان يحق لكم هذا القول.
ولكن لما كان أبناء هذا الوطن -الذين يطلق عليهم اسم الترك- هم ستة أقسام -كما بينا آنفًا- فإن إلحاق الضرر بخمسة أقسام منهم وسلب راحتهم، وحصر راحةٍ دنيوية مؤقتة وخيمة العاقبة في قسم واحد منهم فقط بل إسكارهم بها لا شك أنه ليس وفاءً للأمة التركية بل هو عداء لها.
نعم، إنني من حيث العنصر لا أُعد من الترك، ولكن سعيت ومازلت أسعى بكل ما أُوتيت من قوة لصالح المتقين وللمبتلين بالمصائب وللشيوخ وللأطفال وللفقراء من الأتراك، وأحاول أيضًا صرفَ الشباب -وهم الطائفة السادسة- عن أفعال غير مشروعة تسمم حياتَهم الدنيوية وتبيد حياتهم الأخروية، وتسوق إلى سنةٍ من البكاء على ضحك لم يدُم ساعة.
— 539 —
وهذا هو دأبي منذ عشرين سنة -وليس في هذه السنين الست أو السبع- إذ ما نشرتُه من رسائل باللغة التركية واستلهمتُها من نور القرآن الكريم، موجودة أمام الجميع.
نعم إن الآثار التي اُقتبسَت من كنیز أنوار القرآن الكريم -وللّٰه الحمد- قد أظهرت للمتقين الصالحين النورَ الذي يحتاجونه بشدة، وبيّنت للمرضى والمبتلين أنجع العلاجات والبلسم الشافي في صيدلية القرآن المقدسة، وأثبت -بالأنوار القرآنية -للشيوخ القريبين من باب القبر أنه بابُ رحمة وليس بابَ إعدام. واستخرجت للأطفال الذين يحملون قلوبًا لطيفة رقيقة -من كنیز القرآن الكريم- نقطةَ استناد قوية جدًّا تجاه المصائب والمهالك والمضرات وأبرزت نقطةَ استمداد فيها تكون محورَ آمال ورغبات لا حدّ لها لهم يستفيدون منها فعلًا. ورفعت -تلك الآثار- ثقلَ تكاليف الحياة المرهقة عن كاهل الفقراء الضعفاء والتي ينسحقون تحتها، خفَّفتها عنهم بحقائق الإيمان القرآنية.
وهكذا فنحن نسعى لنفع هذه الطوائف الخمس من الأقسام الستة من الأمة التركية، أما القسم السادس وهم الشباب، فلنا أخوّة صادقة مع الطيبين منهم، علمًا أنه لا صداقة لنا بأي جهة من الجهات مع من هم من أمثالك من الملحدين، لأننا لا نعدّ الملحد المنسلخ عن ملة الإسلام -التي تضم مفاخر الأتراك الحقيقية- أنه من الأمة التركية، بل نعدّه أجنبيًا تستّر بستار الترك. فمثل هؤلاء مهما زعموا أنهم يدعون إلى القومية التركية فإنهم لا يستطيعون أن يخدعوا أهلَ الحقيقة، لأن أفعالهم وتصرفاتهم تكذّب دعواهم.
فيا أيها الملحدون المتفرنجون الذين يسعون لصرف إخواني الحقيقيين عني بدعاياتكم! أي نفع تُسدونَه لهذه الأمة؟ إنكم تطفئون نور أهل التقوى والصلاح وهم الطائفة الأولى وتضعون السمّ على جروح من هم أحوج ما يكونون إلى الضماد والرحمة، وهم الطائفة الثانية.
وتسلبون سلوان من هم أليق بالاحترام والتوقير، بل تلقونهم في يأس مطلق، وهم الطائفة الثالثة.
وتنقضون كليًا القوةَ المعنوية لمن هم أحوج ما يكونون إلى الشفقة وتطفئون إنسانيتهم الحقيقية، وهم الطائفة الرابعة.
وتخيبون آمال مَن هم أحوج إلى التعاون والعزاء حتى تجعلوا الحياة في نظرهم أفزع من الموت، وهم الطائفة الخامسة.
— 540 —
وتسقون في غفلة الشباب شرابًا عاقبتُه وخيمةٌ أليمة، مَن هم أحوج ما يكونون إلى الانتباه والإفاقة، وهم الطائفة السادسة.
فهل القومية التي تضحون في سبيلها بكثير من المقدسات هي هذه الأمور؟
أهكذا تقدّمون النفع إلى الأتراك بالقومية؟ أما أنا فأستعيذ باللّٰه ألف ألف مرة من ذلك.
أيها السادة! إني أعلم أنكم عندما تُغلَبون في ميدان الحق تتشبثون بالقوة، ولكن لأن القوة في الحق وليس الحق في القوة، فلو جعلتم الدنيا على رأسي نارًا تتأجج، فإن هذا الرأس الذي أضحّي به فداءً للحقيقة القرآنية لا يخضع لكم أبدًا.
وإني أُعلمكم أيضًا ؛ أنه لو عاداني ألوفٌ من أمثالكم، وليس أناسًا محدودين مكروهين في نظر الأمة، فلا أعير لهم أهمية تذكر أكثر مما اهتم بحيوانات مضرة.
ماذا عساكم أن تفعلوا بي؟
إن أقصى ما يمكنكم فعله هو إنهاء حياتي، أو إعاقة خدماتي للقرآن. إذ لا تعدو علاقتي بالدنيا هذين الأمرين.
نحن نؤمن إيمانًا يقينيًا بدرجة الشهود أن الأجَل لا يتغير، وهو مقدّر بقدَره تعالى. لذا لا أتراجع قطعًا إن استشهدتُ في سبيل الحق، بل أنتظره بشوق عارم. وبخاصة أني شيخ كبير لا أتوقع أن أعيشَ أكثر من سنة. فإن أعظم ما أبغيه هو الفوز بعمر باق بالشهادة بدلًا عن هذا العمر الظاهري.
أما من حيث العمل للقرآن الكريم؛ فلقد وهب لي اللّٰه سبحانه وتعالى برحمته؛ إخوانًا ميامين في العمل للقرآن والإيمان. وستؤدَّى تلك الخدمة الإيمانية عند مماتي في مراكز كثيرة بدلًا من مركز واحد. ولو أسكتَ الموتُ لساني فستنطلق ألسنةٌ قوية بالنطق بدلًا عني وتديمُ تلك الخدمة.
بل أستطيع القول: أن بذرة واحدة تحت التراب تنشئ بموتها حياةَ سنبلة وتتقلد مائة من الحبات الوظيفةَ بدلًا عن حبة واحدة.
فآمل أن يكون موتي كذلك وسيلة لخدمة القرآن أكثر من حياتي.