المكتوبات العربية
— 523 —

الدسيسة الأولى

يحاول شياطين الإنس -بما استوحوه من شياطين الجن- أن يَخدعوا خدامَ القرآن ويصرفوهم عن ذلك العمل المقدس وذلك الجهاد المعنوي الرفيع، وذلك بتزيين حب الجاه والشهرة لهم، كالآتي :
إنَّ في الإنسان -بصورة عامة- وفي كل فرد من أفراد أهل الدنيا رغبةً جزئية أو كلية في حب الجاه الذي هو الرياء بعينه، ونيل مواقعَ مرموقةٍ في نظر الناس. حتى ينساق الإنسان بدافع من الحرص على الشهرة إلى التضحية بحياته إشباعًا لتلك الرغبة. فهذا الشعور هو في غاية الخطورة على أهل الآخرة. وهو في منتهى الإثارة والنشوة لأهل الدنيا، فضلًا عن أنه منبعُ كثير من الأخلاق الرذيلة. علمًا أنه طبعٌ ضعيف في الإنسان وجانب واهٍ فيه. أي يمكن أن يستغله مَن يلاطف شعوره هذا، بل يغلبه بهذا الشعور ويجذبه إلى نفسه. لذا فإن احتمال استغلال الملحدين لإخواني من هذا الجانب الضعيف في النفس الإنسانية هو أخوف ما أخافه،
— 524 —
وأقلق عليه. إذ قد جرّوا -بهذه الصورة- بعضَ أصدقائي غير الحميمين فألقَوهم في هاوية المهالك.
(٭): إن أولئك البائسين يحسبون أنهم لا يهلكون بقولهم: "إن قلوبنا مع الأستاذ" ولكن الذي يمدّ تيار الملحدين بالقوة ويغترّ بدعاياتهم، قد يُستغل للتجسس لهم من دون أن يشعر. فإن قول هذا المشرف على الهلاك: "إن قلبي طاهر ووفيّ لمسلك أستاذي" شبيه بالمثال الآتي: شخص يدافع الأخبثين في صلاته، وإذا بريح تخرج منه، فيقع الحدث، فيقال له: لقد بطلت صلاتُك، فيجيبهم: لِمَ تفسد صلاتي، إن قلبي طاهر نقي؟!. (المؤلف).
فيا إخوتي وزملائي في خدمة القرآن!
إنَّ الذين يأتونكم من حيث حبُّ الشهرة من جواسيس أهل الدنيا، والذين يروّجون لأهل الضلالة، أو تلاميذ الشيطان، قولوا لهم:
إنَّ رضى اللّٰه سبحانه، والإكرام الرحماني، والقبول الرباني، لَمقامٌ عظيم جدًّا، بحيث يبقى دونه إقبالُ الناس وإعجابهم بحكم ذرة بالنسبة إلى ذلك المقام الرفيع.
فإنْ كان هناك توجّه من الرحمة الإلهية نحونا، فهذا حسبنا وكفانا توجهًا. أما إقبال الناس وتوجههم فإنما يكون مقبولًا إنْ كان ظِلًا من انعكاس توجّه رحمته تعالى، وإلّا فلا يُطلب ولا يُرغب فيه قطعًا، لأنه ينطفئ عند باب القبر، ولا يساوي هناك شَروى نقير.
ثم إنَّ الشعور بحب الجاه هذا، إنْ لم يُكبَح، ولم يُمحَ من الإنسان يلزم صرفُ وجهِه إلى جهة أخرى كالآتي :
إنَّ ذلك الشعور -حب الجاه- ربما تكون له جهة مشروعة وذلك لنيل الثواب الأخروي، وبنية كسب دعوات الآخرين، من حيث التأثير الحسن لخدمة القرآن، بناءً على التمثيل الآتي :
هب أن "جامع آيا صوفيا" مكتظ بأهل الفضل والكمال من الطيبين الموقرين، وكان في الباب أو في الأروقة صبيانٌ وقحون وسفهاء سفَلة، وكان على الشبابيك سيّاحٌ أجانب مغرمون باللهو واللعب.
فإذا ما دخل أحدٌ الجامع، وانضم إلى تلك الجماعة الفاضلة، وتلا آيات من الذكر الحكيم تلاوة عذبة، فعندئذٍ تتوجه أنظار ألوف من أهل العلم والفضل إليه، ويكسبونه ثوابًا عظيمًا بدعائهم له ورضاهم عنه. إلّا أن هذا الأمر لا يروق أولئك الصبيان الوقحين والملحدين السفهاء والأجانب المعدودين.
— 525 —
ولكن لو دخل ذلك الرجل الجامع والجماعة الفاضلة وبدأ بالغناء الماجن، وشرع بالرقص والصخَب، فسيكون موضعَ إعجاب وسرور أولئك الصبيان السفهاء، ويلاطف عملُه أولئك الغواة، ويجلب إليه ابتسامات ساخرة من الأجانب الذين يسرّون برؤية نقائص المسلمين، بينما تنظر إليه تلك الجماعة الغفيرة الفاضلة في الجامع نظرة تحقير وإهانة، ويرونه في أدنى الدركات وفي أسفل سافلين.
وعلى غرار هذا: فإن العالم الإسلامي، وقارة آسيا، جامع عظيم ومن فيه من المؤمنين وأهل الحقيقة، هم الجماعة الفاضلة في ذلك الجامع، وأولئك الصبيان الوقحون هم أولئك المتزلفون ذوو العقول الصبيانية، وأما أولئك المفسدون السفهاء فهم الملحدون المتفرنجون، الذين لا يعرفون دينًا ولا ملّة. أما الأجانب المتفرجون، فهم الصحفيون الذين ينشرون أفكار الأجانب.
فكل المسلمين ولاسيما من ذوي الفضل والكمال، لهم موقع في هذا الجامع المهيب، كلٌّ حسب درجته، وتلفت إليه الأنظار حسب موقعه، فإن صدرت منه أعمال وتصرفات تنمّ عن الإخلاص -الذي هو أساس الإسلام -وابتغاء رضى اللّٰه، على وفق ما أمر به القرآن العظيم من أحكام وحقائق، ونطق لسانُ حاله الآيات القرآنية معنًى، عندئذ يدخل ضمن الدعاء الذي يدعوه كلُّ فرد من أفراد العالم الإسلامي وهو: (اَللّٰهمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ويكسب حظًا منه، ويكون ذا علاقة أخوية مع جميع المؤمنين. ولكن لا يبدو موقعه في نظر بعض أهل الضلالة ممن هم كالحيوانات المضرة، ولا تظهر مكانته لدى الحمقى الذين هم كالصبيان الملتحين.
ولو أدار ذلك الرجل ظهره عن مجْد أجداده الذين يعدّهم رمزَ شیرفه، وتنیاسى تاريخه الذي يعتبره مدارَ فخره، وترك الجادةَ النورانية جادةَ السلف الصالح الذي يعدّه مستند روحه، وباشر بأعمال وتصرفات ملوّثة بالهوى والرياء نيلًا للشهرة وارتكابًا للبدع فإنه يتردى معنًى في نظر أهل الحقيقة والإيمان إلى الدرك الأسفل، إذ المؤمن مهما كان جاهلًا ومن عوام الناس، فإن قلبَه يشعر وإنْ لم يدركْ عقلُه، فينفر ويستثقل أعمالَ أمثال هذا الرجل من المعجبين بأنفسهم وذلك بمضمون الحديث الشريف:
— 526 —
(اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّٰه).[٭]: الترمذي، تفسير سورة الحجر ٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/١٠٢، المعجم الأوسط ٣/٣١٢ ، ٨/٢٣.
وهكذا يسقط الأناني المفتون بحب الجاه واللاهث وراء الشهرة (الرجل الثاني) ويتردى إلى أسفل سافلين في نظر جماعة غفيرة غير محدودة، ويكسب موقعًا مشؤومًا مؤقتًا لدى عدد من السفهاء الساخرين الطائشين، إذ لا يجد حوله غير أصدقاء مزيّفين مضرين له في الدنيا وسبب عذابٍ في البرزخ وأعداء في الآخرة كما قال تعالى:
﴿ الأخلاءُ يَومَئذٍ بَعییضُهم لبَعضٍ عَدوّ إلّا المُتقينَ ﴾
(الزخرف: ٦٧).
أما الرجل في الصورة الأولى فإن لم يُزل حبَّ الجاه من قلبه، يكسب نوعًا من مقام معنوي مشروع مهيب، يشبع إشباعًا تامًا عرقَ حب الجاه المغروز فيه، ولكن بشرط اتخاذ الإخلاص ورضى اللّٰه أساسًا له، مع عدم اتخاذ حب الجاه هدفًا له.
فهذا الرجل يفقد شيئًا ضئيلًا، بل ضئيلًا جدًّا، مما لا أهميةَ له، ولكن يكسب عوضَه شيئًا كثيرًا، بل كثيرًا جدًّا، مما له قيمةٌ عظيمة ومما لا ضرر فيه. بل إنه يطرد عن نفسه عددًا من الثعابين ويجد بدلًا عنها كثيرًا من مخلوقات مباركة صديقًا له، فيستأنس بهم. أو يكون كمن يهيّج ما حولَه من الزنابير، إلّا أنه يجلب لنفسه النحل التي هي سقاة شراب الرحمة فيتسلّم من أيديهم العسل. أي أنه يجد من الأحباب من يفيض عليه بدعواتهم ويسقون روحَه شرابًا سلسبيلًا كالكوثر، يُجلَب له من أطراف العالم الإسلامي، ويسجَّل ثوابًا له في دفتر أعماله.
ولقد ألقيتُ -في وقت ما- فحوى التمثيل السابق بقوة وصرامة في وجه إنسان صغير كان يَشغل مقامًا عظيمًا دنيويًا، والذي أصبح موضعَ استهجانٍ وسخرية من قبل العالم الإسلامي لارتكابه حماقة كبيرة في سبيل الشهرة.
هزّه ذلك الدرس هزًّا عنيفًا، ولكن لعدم استطاعتي إنقاذَ نفسي من حب الجاه لم ينبّهْه إيقاظي ذاك.