— 485 —
النكتة الرابعة
تذكرون في سؤالكم الأول ، المتضمن لخمسة أو ستة أسئلة :
كيف يكون الجمع في ميدان الحشر وهل يحشر الناس عراة؟ وكيف يكون لقاء الأصدقاء الأحبة وكيف نجد الرسول (ص) للشفاعة؟ إذ كيف يقابل إنسان واحد عددًا غير محدود من الناس؟ وما نوع ثياب أهل الجنة والنار؟ ومن الذي يدلّنا على الطريق؟.
الجواب: إنَّ جواب هذا السؤال موجود كاملًا وواضحًا في كتب الأحاديث الشريفة.
وسنورد هنا ما يوافق مسلكنا ومشربنا من نكتة أو نكتتين فحسب:
أولا: لقد بينا في مكتوب من "المكتوبات": أن ميدان الحشر هو في مدار الأرض السنوي، وأن الأرض ترسل محاصيلَها المعنوية من الآن إلى ألواح ذلك الميدان، وأنها بحركتها السنوية تمثل دائرة وجود، وتكون مبدأً لتشكل ميدان الحشر، بمحاصيل تلك الدائرة الوجودية. وأن الكرة الأرضية؛ التي هي كسفينة ربانية ستفرغ ما في مركزها من جهنم صغرى إلى جهنم كبرى، كما ستفرغ سكنتَها إلى ميدان الحشر.
ثانيًا: لقد أثبتنا إثباتًا قاطعًا في "الكلمات" ولاسيما في "الكلمة العاشرة" وفي "الكلمة التاسعة والعشرين" وجود الحشر مع ميدانه.
ثالثًا: أما الاجتماع بالأصدقاء ولقاؤهم، فقد أُثبت إثباتًا كاملًا في كل من "الكلمة السادسة عشرة" و "الكلمة الحادية والثلاثين" و "الكلمة الثانية والثلاثين" وذلك أنَّ شخصًا واحدًا يستطيع في دقيقة واحدة أن يقابلَ ملايين الناس وفي ألف مكان ومكان، وذلك بسر النورانية.
رابعًا: إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد ألبس مخلوقاته الأحياءَ كافةً لباسًا فطريًا سوى الإنسان، ففي ميدان الحشر يُلبسه سبحانه لباسًا فطريًا، ويتعرى عن ملابسه المنسوجة (غير الفطرية) وذلك بمقتضى اسم اللّٰه الحكيم.
أما حكمة الألبسة المنسوجة في الدنيا، فلا تنحصر في الوقاية من الحر والقر، والزينة، وستر للعورة وحدها، بل أهم حكمة لها هي:
— 486 —
إنها إشارة إلى سيادة الإنسان على سائر الأنواع وتصرّفه فيها، إذ إنَّ ملابسَه منسوجةٌ من نماذج تلك الأنواع. وإلّا فما أهون عليه سبحانه أن يُلبِس الإنسان لباسًا فطريًا بسيطًا. إذ لولا هذه الحكمة لكان الإنسان موضع استهزاء الحيوانات ذات المشاعر، حيث يغطي نفسَه، ويلف جسمَه بقطع متنوعة وخرق مختلفة.
أما في ميدان الحشر فلا داعيَ إلى هذه الحكمة ولا مبرر لتلك العلاقة بين الإنسان وسائر الأنواع، لذا لا حاجة إلى تلك الملابس التي تمثل نماذج تلك الأنواع.
خامسًا: أما الدليل على الطريق، فهو القرآن لأمثالك ممن انضووا تحت نور القرآن ولوائه. فانظر إلى المقطّعات الموجودة في أوائل السور كی الم و الر و حم واعلم منها وشاهِد: ما أعظمَ القرآن من كتاب، وما أرجاه من شفيع، وما أصدقَه من دليل، وما أقدسه من نور!
سادسًا: أما ثيابُ أهل الجنة وجهنم فقد وضّحته "الكلمة الثامنة والعشرون". والدستور الذي ذكر فيما يخص سبعين حُلّة للحور العين جارٍ هنا أيضًا، وذلك أن إنسانًا من أهل الجنة لا شك يرغب في أن يتنعّم بكل نوع من أنواع لذائذ الجنة، وفي كل وقت وآن. ومعلوم أن في الجنة نعيمًا ولذائذ في منتهى الاختلاف والأنواع، فهو يعاشر جميع تلك الأنواع من النعم، وفي كل وقت، لذلك يلبس ويُلبس حورَه نماذج حسن الجنة ونعيمها بمقياس مصغر، فيكون هو وحُوره العين بمثابة جنة مصغرة.
إذ كما يجمع الإنسان في حديقة بيته الأزاهير المنتشرة في تلك البلدة، أو كما يجمع صاحب حانوت ما لديه من أنواع البضائع في لائحة وقائمة. وكما يقتني الإنسان ملابسه وأثاث بيته من أنواع المخلوقات التي يتصرف فيها، وله علاقة معها، وكذلك الذي هو من أهل الجنة، ولاسيما الذي عَبَد اللّٰه بجميع مشاعره وحواسه سيلبسه اللّٰه سبحانه برحمته، ويُلبس حورَه العين حُللًا، تُظهر كل نوع من أنواع جمال الجنة ونعيمها وأذواقها بما يُشبع كل رغبة من رغباته، ويُرضى كل حاسة من حواسه، ويُمتّع كل جهاز من أجهزته، ويُسهّل له تذوق كل لطيفة من لطائفه.
— 487 —
والدليل على أن تلك الحُلل المتعددة ليست من جنس واحد ولا من نوع واحد هو الحديث الشريف الوارد بهذا المعنى:
( إن الحور العين يلبسن سبعين حُلة ويُرى مخ عظامهن من تحتها).[٭]: الترمذي، صفات الجنة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٤٥؛ ٣/١٦. وانظر: البخاري، بدء الخلق ٨؛ مسلم، الجنة ١٤، ١٧.
بمعنى أنه ابتداءً من أعلى حُلّة من تلك الحلل إلى أدناها هناك مراتب من التذوق والتمتع بحيث تشبع جميع الحواس والمشاعر بلذائذ مختلفة وبأنماط مختلفة.
أما من هو من أهل النار فإنه قد ارتكب السيئات والذنوب ببصره وبسمعه وبقلبه وبعقله وبيده، وبسائر جوارحه وحواسه ومشاعره، فلابد أنه سيُلبس ملابس قطّعت من أجناس مختلفة ليعذَّب بها وليذوق آلامًا متنوعة بحسب كل حاسة وجهاز حتى تصير الملابسُ جهنمَ مصغرة تحيط به. ولا يتنافى هذا ومقتضى الحكمة والعدالة.
النكتة الخامسة
تسألون: هل كان أجداد الرسول (ص) يدينون بدين في زمن الفترة؟
الجواب: هناك روايات تدل على أنهم كانوا يدينون ببقايا دين إبراهيم عليه السلام، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٦٨؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٥٣٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٥. بعد أن مرت بفترات الغفلة والظلمات المعنوية. وقد ظلت متعبَّد بعض الناس الخاصين. فلا ريب أن الذين انحدروا من نسل سيدنا إبراهيم عليه السلام والذين شكّلوا سلسلة نورانية أنتجت سيدَنا الرسول (ص) لم يكونوا مهملين للدين الحق، ولم يقعوا في ظلمات الكفر، ولكن الآية الكريمة: وما كنا معذّبينَ حتى نَبعثَ رَسُولا (الإسراء: ١٥) تبين أن أهل الفترة يكونون من أهل النجاة، فلا يؤاخذون بخطاياهم في الفروع، بالإتفاق، بل هم أهلُ نجاةٍ عند الإمام الشافعي، والإمام الأشعري، حتى لو وقعوا في الكفر وليس لهم أصول الإيمان، لأن التكليف الإلهي يكون ببعثة الرسل، ويتقرر التكليف بالإطلاع على البعثة.
وحيث إنَّ الغفلةَ ومرور الزمان قد سَترا أديان الأنبياء السابقين، فلا تكون هذه الأديان حُجةً على أهل زمن الفترة، فإن أطاعوا يُثابون، وإن لم يطيعوا لا يُعذّبون، لأنها لا تكون حُجة مادامت مستورةً غيرَ ظاهرة.