— 459 —
المسألة الخامسة
وهي الرسالة الخامسة
رسالة الشكر
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
يفيض القرآنُ الكريم ببيانه المعجِز ويحثّ على الشكر في آيات كثيرة، منها هذه الآيات التاليات: اَفَلاَ يَشْكُرُون (يس: ٣٥) اَفَلاَ يَشْكُرُوُن (يس: ٧٣) وَسَنَجْزى الشَّاكرينَ (آل عمران: ١٤٥) لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزيدَنَّكُمْ (إبراهيم: ٧) بَلِ اللّٰه فَاعْبُد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين (الزمر: ٦٦)
ويبيّن منها: أن أجلّ عملٍ يطلُبُه الخالقُ الرحيم من عباده هو: الشُكر. فيدعو الناس إلى الشكر دعوة صريحة واضحة ويُوليه أهمية خاصة بإظهاره أن الاستغناء عن الشكر تكذيبٌ للنعم الإلهية وكفران بها، ويهدّد إحدى وثلاثين مرة في سورة "الرحمن" بالآية الكريمة:
﴿ فَبَايّ آلاءِ رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
تهديدًا مُرعبًا، ويُنذر الجنَّ والإنس إنذارًا مهولًا ببيانه: إنَّ عدم الشكر والإعراض عنه تكذيبٌ وإنكار وجحود.
ومثلما يبيّن القرآن الحكيم أنَّ الشكر نتيجةُ الخلق والغاية منه، فالكون الذي هو بمثابة
— 460 —
قرآن كبير مجسّم يُظهِر أيضًا أن أهمّ نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر؛ ذلك لأنه إذا ما أُنعِم النظر في الكائنات لتبيّن:
أنَّ هيأة الكون ومحتوياته قد صُمّمت بشكل ووُضعت على نمط، بحيث تُنتج الشكرَ وتُفضي إليه، فكل شيء متطلّع ومتوجّه -من جهة- إلى الشكر، حتى كأنَّ أهمَّ ثمرة في شجرة الخلق هذه هي الشكر، بل كأن أرقى سلعة من بين السلع التي ينتجها مصنعُ الكون هذا هي الشكر؛ ذلك لأننا نرى:
أن موجودات العالم قد صُممت بطراز يشبه دائرةً عظيمة، وخُلقت الحياة لتمثّل نقطة المركز فيها، فنرى: أنَّ جميعَ الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه إليها، وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها. فخالق الكون إذن يختار الحياةَ ويصطفيها من بين موجوداته!
ثم نرى أنَّ موجودات عوالم ذوى الحياة هي الأخرى قد أوجدت على شكل دائرةٍ واسعة بحيث يتبوّأ الإنسانُ فيها مركزَها؛ فالغاياتُ المرجّوة من الأحياء عادة تتمركز في هذا الإنسان. والخالق الكريم سبحانه يحشّد جميعَ الأحياء حول الإنسان ويسخّر الجميع لأجله وفي خدمته، جاعلًا من هذا الإنسان سيدًا عليها وحاكمًا لها. فالخالقُ العظيم إذن يصطفي الإنسانَ من بين الأحياء بل يجعله موضعَ إرادته ونصبَ اختياره.
ثم نرى أن عالم الإنسان بل عالم الحيوان أيضًا يتشكل بما يشبه دائرة كذلك، وقد وُضع في مركزها "الرزق"، وغُرز الشوقُ إلى الرزق في الإنسان والحيوانات كافة، فنرى أنهم قد أصبحوا جميعًا بهذا الشوق خَدَمة الرزق والمسخَّرين له. فالرزقُ يحكمهم ويستولي عليهم. ونرى الرزقَ نفسَه قد جُعل خزينةً عظيمة لها من السعة والغنى ما لو تجمعت نعمُه فلا تعد ولا تحصى (حتى نرى القوة الذائقة في اللسان قد زوّدت بأجهزة دقيقةٍ وموازينَ معنوية حساسة بعدد المأكولات والمطعومات لمعرفة أذواق نوع واحد من أنواع الرزق الكثيرة). فحقيقةُ الرزق إذن هي أعجبُ حقيقة في الكائنات وأغناها، وأغربها، وأحلاها وأجمعُها.
ونرى كذلك: أنه مثلما يحيط كلُّ شيء بالرزق ويستشرفه ويتطلع إليه، فالرزقُ نفسه أيضًا -بأنواعه جميعًا- قائمٌ بالشكر معنًى ومادةً وحالًا ومقالًا، ويحصل بالشكر، ويُنتج الشكرَ، ويبيّن الشكرَ ويُريه؛ لأنَّ اشتهاء الرزق والاشتياق إليه نوعٌ من شكر فطري. أما
— 461 —
الالتذاذ والتذوق فهما شكرٌ أيضًا، ولكن بصورة غير شعورية -حيث تتمتع الحيوانات كافة بهذا الشكر- بيد أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يغيّر ماهيةَ ذلك الشكر الفطري بانسياقه إلى الضلالة والكفر، فيتردى من الشكر إلى الشرك.
ثم إنَّ ما تحمله النعم -التي هي الرزق بعينه- من صورٍ جميلة زاهية بديعة، ومن روائحَ زكيةٍ طيبة شذية، ومن طعوم لذيذة ومذاقات طيبة، ما هو إلّا دعاةٌ وأدلّاء على الشكر. فهؤلاء الأدلّاء والدعاة المنادون يثيرون بدعواهم الشوقَ لدى الأحياء، ويحضّونهم عليه، ويدفعونهم -بهذا الشوق- إلى نوع من الاستحسان والتقدير والاحترام فيقرّون فيهم شكرًا معنويًّا. ويلفتون أنظار ذوي الشعور إلى التأمل والإمعان فيها فيرغّبونَهم في الاستحسان والإعجاب، ويحثّونهم على احترام النِّعم السابغة وتقديرها. فتُرشِدُهم تلك النِعمُ إلى طريق الشكر القولي والفعلي وتدلّهم عليه وتجعلهم من الشاكرين، وتذيقهم من خلال الشكر أطيبَ طَعمٍ وألذهُ وأَزكى ذوق وأنفسه، وذلك بما تُظهر لهم بأنَّ هذا الرزق اللذيذ أو النعمة الطيبة، مع لذته الظاهرة القصيرة المؤقتة يهب لك بالشكر التفكر في الالتفات الرحماني الذي يحمل لذة وذوقًا حقيقيين ودائميين وغير متناهيين. أي أنَّ الرزق بتذكيره بالتفات الكريم المالك لخزائن الرحمة الواسعة -تلك الالتفاتة والتكرمة التي لا حدَّ للذاتها ولا نهاية لمتعتها- تذيق الإنسان بهذا التأمل نشوة معنوية من نشوات الجنة الباقية وهو بعدُ لم يغادر هذه الدنيا.
في الوقت الذي يكون الرزق بوساطة الشكر خزينةً واسعة جامعة تطفح بالغَناء والمتعة، يتردى ترديًا فظيعًا جدًّا بالتجافي عن الشكر والاستغناء عنه.
ولقد بيّنا في "الكلمة السادسة": أنَّ عملَ القوة الذائقة في اللسان إن كان متوجهًا إلى اللّٰه سبحانه وفي سبيله، أي عندما تتوجه إلى الرزق أداءً لمهمة الشكر المعنوي، تكون تلك القوة والحاسة في اللسان بمثابة مشرِف موقّر شاكر، وتكون بحكم ناظر محترم حامد، على مطابخ الرحمة الإلهية المطلقة. ولكن متى ما قامت بعملها رغبةً في هوى النفس الأمارة بالسوء وإشباعًا لنَهمها، أي إذا توجّهت إلى النعمة مع عدم تذكّر شكر المُنعم الذي أنعم عليه بالرزق، تهبط تلك القوةُ الذائقة في اللسان من ذلك المقام السامي، مقام الراصد الأمين، إلى درجة بوابِ مصنع البطن، وحارس إسطبل المعدة. ومثلما ينتكس خادمُ الرزق هذا إلى
— 462 —
الحضيض بالاستغناء عن الشكر، فماهيةُ الرزق نفسها وخُدام الرزق الآخرون كذلك يهوون جميعًا بالنسبة نفسها من أسمى مقام إلى أدناه، بل حتى يتدنى إلى وضع مباين تمامًا لحكمة الخالق العظيم.
إنَّ مقياسَ الشكر هو القناعة، والاقتصاد، والرضا، والامتنان. أما مقياس عدم الشكر والاستغناء عنه فهو الحرصُ، والإسرافُ، وعدم التقدير والاحترام، وتناول كل ما هَبَّ ودبّ دون تمييز بين الحلال والحرام.
نعم إنَّ الحرص مثلما أنه عزوفٌ وإعراض عن الشكر، فهو أيضًا قائد الحرمان ووسيلة الذل والامتهان. حتى كأن النملة -تلك الحشرة المباركة المالكة لحياة اجتماعية- تُداس تحت الأقدام وتنسحق، لشدة حرصها وضعف قناعتها، إذ بينما تكفيها بضعُ حبات من الحنطة في السنة الواحدة تراها تجمع ألوفَ الحبات إذا ما قدّر لها. أما النحلة الطيبة، فتجعلها قناعتها التامّة أن تطير عاليًا فوق الرؤوس، حتى إنها تقنع برزقها وتقدّم العسل الخالص للإنسان إحسانًا منها بأمر الإله العظيم جل جلاله.
نعم، إن اسم "الرحمن" الذي هو من أعظم أسمائه سبحانه وتعالى يعقبُ لفظَ الجلالة "اللّٰه" الذي هو الاسم الأعظم والاسم العَلَمُ للذات الأقدس. فهذا الاسم "الرحمن" يشمل برعايته الرزقَ؛ لذا يمكن الوصول إلى أنوار هذا الاسم العظيم بالشكر الكامن في طوايا الرزق. علمًا أن أبرزَ معاني "الرحمن" هو الرزاق.
ثم إن للشكر أنواعًا مختلفة، إلّا أن أجمعَ تلك الأنواع وأشملَها والتي هي فهرسها العام هو: الصلاة!.
وفي الشكر إيمان صافٍ رائق، وهو يحوى توحيدًا خالصًا؛ لأنَّ الذي يأكل تفاحة -مثلًا- باسم اللّٰه ويختم أكلَها بی"الحمد للّٰه" إنما يعلن بذلك الشكرَ، على أن تلك التفاحة تذكارٌ خالص صادر مباشرةً من يد القدرة الإلهية، وهي هديةٌ مهداة مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية. فهو بهذا القول وبالاعتقاد به يسلّم كلَّ شيء -جزئيًّا كان أم كليًّا- إلى يد القدرة الإلهية، ويُدرك تجلّىَ الرحمة الإلهية في كل شيء. ومن ثم يُظهر إيمانًا حقيقيًا بالشكر، ويبيّن توحيدًا خالصًا به.
— 463 —
وسنبين هنا وجهًا واحدًا فقط من بين وجوه الخسران الكثيرة التي يتردى إليها الإنسان الغافل من جراء كفرانه النعمةَ وكنوده بها.
إذا تناول الإنسان نعمةً لذيذة، ثم أدى شكرَه عليها، فإن تلك النعمة تصبح -بوساطة ذلك الشكر- نورًا وضّاءً له، وتغدو ثمرة من ثمار الجنة الأخروية، وفضلًا عما تمنحه من لذة، فإن التفكر في أنها أثرٌ من آثار التفات رحمة اللّٰه الواسعة وتكرمةٌ منه سبحانه وتعالى يمنح تلك النعمة لذةً عظيمة دائمة وذوقًا ساميًا لا حدّ له. فيكون الشاكر قد بعث أمثالَ هذه اللّباب الخالصة والخلاصات الصافية والمواد المعنوية إلى تلك المقامات السامية الرفيعة، تاركًا موادَّها المهمَلة وقشرتَها -التي استنفدت أغراضَها وأدّت وظيفتَها ولم تعد إليها حاجة- يتم تحوّلها إلى نفايات وفضلات تعود إلى أصلها من العناصر الأولية.
ولكن إنْ لم يشكر المنعَم عليه ربَّه على النعمة، واستنكف عنها، فإن تلك اللذة المؤقتة تترك بزوالها ألمًا وأسفًا، وتتحول هي نفسها إلى قاذورات. فتنقلب تلك النعمةُ التي هي ثمينة كالألماس إلى فحم خسيس.
فالأرزاق الزائلة تثمر بالشكر لذائذَ دائمةً وثمراتٍ باقيةً، أما النعم الخالية من الشكر فإنها تنقلب من صورتها السامية الجميلة الزاهية إلى صورة دنيئة قبيحة دميمة؛ ذلك لأنَّ الغافلَ يظن أن مآل الرزق بعد اقتطاف اللذة المؤقتة منه هو الفضلات!.
حقًا، إنَّ الرزقَ صورةٌ وضّاءةٌ تستحق الحب والعشق، تلك التي تَظهر بالشكر، وإلّا فإن عشق الغافلين والضالين للرزق وتلهفَهم عليه ما هو إلّا بهيمية حيوانية.
قِس على هذا.. لتعلَم مدى خسارة أهل الضلالة والغفلة ومدى فداحة أمرهم!
إنَّ أشد الأحياء حاجةً إلى الرزق وإلى أنواعه هو الإنسان! فالحق سبحانه وتعالى قد خلق هذا الإنسان مرآة جامعة لجميع أسمائه الحسنى، وأبدعه معجزةً دالّة على قدرته المطلقة. فهو يملك أجهزة يتمكن بها من تثمين وتقدير جميع مدّخرات خزائن رحمته الواسعة ومعرفتها.. وخلقه على صورة خليفة الأرض الذي يملك من الأجهزة الحساسة ما يتمكن بها من قياس أدق دقائق تجليات الأسماء الحسنى.. فلأجل كل هذا فقد أودع سبحانه في هذا الإنسان فاقةً لا حدّ لها، وجعله محتاجًا إلى أنواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي. وما الوسيلة التي تمكّن
— 464 —
الإنسان من العروج بها إلى أسمى مقام وهو مقام "أحسن تقويم" ضمن ما يملكه من الجامعية إلّا الشكر. فإذا انعدم الشكر يتردى الإنسان إلى أسفل سافلين ويكون مرتكبًا ظلمًا عظيمًا..
الخلاصة: إنَّ الشكر هو أعظم أساس من الأسس الأربعة التي يستند إليها سالك أسمى طريق وأعلاه أَلا وهو طريق العبودية والحب للّٰه تعالى والمحبوبية.
وقد عُبّر عن تلك الأسس الأربعة بی:
"در طريق عجزى مندى لازم آمد چار چيز:
عجزِ مطلق فقرِ مطلق شوقِ مطلق شكرِ مطلق أي عزيز!".
[٭]: أي: أيها العزيز، يا صاحبَ العجز، اعلم أن عليك أن تعمل بأربعة أشياء: العجز المطلق، الفقر المطلق، الشوق المطلق، الشكر المطلق..
اَللّٰهمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الشَّاكِرينَ وَالْحَامِدينَ وَ عَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ أٰمينَ
وآخرُ دَعواهم أن الحمدُ للّٰه رب العالمين
المسألة السادسة
وهي الرسالة السادسة
لم تُدرج هنا ستنشر ضمن مجموعة أخرى بإذن اللّٰه