المكتوبات العربية
— 456 —

النقطة الثالثة

سؤال: مادمتَ تعتمد على قوة القرآن الكريم وتستند إلى همته وتستلهم الفيوضات منه لإرشاد أعتى الملحدين وأشدّهم تمردًا في سبيل إصلاحهم، وأنك فعلًا تقوم بهذا وما تزال كذلك، فلماذا لا تدعو القريبين منك من المتجاوزين المتعدين، وترشدهم إلى سواء السبيل؟.
الجواب: إنه من القواعد المهمة في أصول الشريعة: (الراضي بالضرر لا يُنظر له) [٭]: "الراضي بالضرر لا يستحق النظر" مسألة مقررة. انظر: الإمام الرباني، المكتوبات، المكتوب ٤٩ مجلد ٢. أي "إن من كان راضيًا بالضرر برغبته وعلمه، لا يُنظر له نظرة إشفاق وترحّم". فأنا أدعي مستندا إلى فيض القرآن الكريم بأني على استعداد لإلزام الملحد المتمادي في الإلحاد في غضون بضع ساعات وإن لم أقنعه تمامًا، على شرط ألّا يكون سافلًا منحطًا، وممن يتلذذون في نشر سموم الضلالة، كتلذذ الحية في نشر سمّها، إلّا أن مخاطبة الحيات المتمثلة في صورة إنسان، والكلام مع صاحب وجدان تردى في أسفل سافلي الضلالة الموغلة في النفاق حتى إنه يبيع دينه -على علمٍ منه- بدنياه، ويستبدل قطعًا زجاجية تافهة قذرة -على علم- بالألماس الثمين. أقول: إن مخاطبة هؤلاء وإظهارهم على الحقائق إجحافٌ بحق الحقيقة وحطّ من شأنها، لأنها شبيهة بی «تعليق الدرر في أعناق البقر» كما جاء في المثل.
لان الذين يقومون بمثل هذه الأعمال قد سمعوا تلك الحقائق من "رسائل النور" مرات ومرات. إلّا أنهم يرومون الحطَّ من قيمة الحقائق مع معرفتهم بها، إرضاءً للضلالة والزندقة. فهؤلاء كالحيات التي تتلذذ بالسم.
النقطة الرابعة
إنَّ صور التعامل معي خلال هذه السنوات السبع ليسَ إلّا تصرفات اعتباطية مبنيّة على الهوى، وهي سلوك غير قانوني محض لأن قانون المنفيين والموقوفين والمسجونين، معروف لدى الجميع وظاهر لديهم. فهم -حسب القانون- يواجهون أقاربهم، ولا يُمنَعون عن الاختلاط مع الناس. وأن العبادة وطاعة اللّٰه مصونةٌ في كل دولة وأمة. وأن أمثالي من المنفيين ظلوا بين أقاربهم وأحبابهم في المدن، ولم يُحظَر عليهم الاختلاط والمراسلة ولا حتى السياحة والتفسح، واستُثنيتُ وحدي. فقد حُرمتُ من كل ذلك، بل قد اعتُدي على عبادتي ومسجدي، فحاولوا
— 457 —
صرفي عن ذكر كلمة التوحيد عقب الصلاة -المسنونة عند الشافعية- وعندما أتى رجل أميّ يُدعى "شباب" مع حماته إلى هنا "بارلا" للاستجمام وأتاني بحكم معرفتي له لكونه من بلدتي، استدعاه من المسجد ثلاثة أفراد من الدَرك المسلحين. وحاول ذلك المسؤول أن يسترَ عمله غير القانوني قائلًا: استميحُكم العذرَ لا تلوموننا إنها من متطلبات الوظيفة! ثم سمح له بالذهاب.
فإذا قيست هذه الحادثة مع سائر المعاملات والأمور، يُفهم أن معاملاتهم هي محض الهوى وأن التصرفات اعتباطية بحتة، حيث يسلطون عليّ الحيات والكلاب، وأنا أترفع عن الانشغال بهم، وأفوّض أمر أولئك الخبثاء إلى اللّٰه القدير لدفع شرورهم.
وفي الحقيقة، إن الذين أثاروا الحادثة التي كانت السبب في التهجير هم الآن في مدنهم، وإن الرؤساء المتنفذين هم الآن على رؤوس العشائر إذ أُطلق سراح الجميع، إلّا أنا واثنين من إخوان الآخرة، استُثنينا من الجميع ولم يُطلق سراحنا، علمًا أنني غير مرتبط بعلاقة بالدنيا، وتعسًا لها ولتكن وبالًا عليهم. وتلقيتُ هذا الأمر أيضًا بالقبول وقلت: لا بأس به.
ولكن أحد ذينك الأخوين قد عُيّن مفتيًا في إحدى المدن، فهو يسافر ويسيح بحرية في كل جهة من الوطن إلّا مدينته، حتى إنه يستطيع الذهاب إلى العاصمة "أنقرة". وتُرك الآخر في وضع يتمكن من الاجتماع بألوف من أحبّائه في إسطنبول، وسُمح له أن يقابل الأشخاص أيًا كانوا. علمًا أن هذين الشخصين ليسا وحيدين مثلي -لا أهل لي ولا عيال- بل لهم نفوذ كبير.. وكذا وكذا..
أما أنا فقد دفعوني إلى قرية ووضعوني بين أناس لا وجدان لهم إطلاقًا. حتى إنني لم أتمكن من الذهاب إلى قرية قريبة تبعد عشرين دقيقة عن "بارلا" إلّا مرتين خلال ست سنوات. ولم يسمحوا لي بالذهاب إلى تلك القرية لقضاء بضعة أيام للاستجمام.
وهكذا يحاولون سحقي تحت استبداد مضاعَف، علمًا أن أية حكومة مهما كانت لها قانون واحد، فليس هناك قانون، حسب الأشخاص وحسب القرى والأماكن! بمعنى أن القانون الذي يطبقونه عليّ ليس قانونًا قط، بل هو خروج على القانون، فالمسؤولون هنا يستغلون نفوذ الحكومة في سبيل تنفيذ أغراضهم الشخصية.
— 458 —
ولكن وللّٰه الحمد مائة ألف مرة، أقول ما يأتي تحدثًا بالنعمة: إن جميع مضايقاتهم واستبداداتهم تصبح كالحطب لإشعال نار الهمة والغيرة، لتَزيد أنوارَ القرآن سطوعًا.
فتلك الأنوار القرآنية التي عوملت بالمضايقات انبسطت بحرارة الغيرة والهمة، حتى جعلت جميعَ الولاية بل أكثر المدن في حكم مدرسة، ولم تنحصر في "بارلا" وحدها.
وحسبوا أنهم قد حبسوني في قرية، إلّا أن تلك القرية "بارلا" وأنف الزندقة راغم قد أصبحت كرسيَّ الدرس بفضل اللّٰه وبخلاف مأمولهم، بل أصبح كثيرٌ من الأماكن كی"إسبارطة" في عداد المدارس.
اَلْحَمْدُ للّٰه، هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.