— 453 —
المسألة الرابعة
وهي الرسالة الرابعة
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
جواب عن سؤال يخص حادثة جزئية، يكون مبعث انتباه ويقظة لإخواني.
إخواني الأعزاء!
تسألون: لقد أُعتديَ على مسجدكم المبارك ليلةَ الجمعة، بغير سبب، عند قدوم ضيف كريم، فما سرّ هذه الحادثة؟ ولِمَ يضايقونك؟.
الجواب: أبين أربع نقاط مضطرًا وبلسان "سعيد القديم"، علّها تكون محورَ يقظة لإخواني، وأنتم بدوركم تأخذون منها جوابكم.
النقطة الأولى
إنَّ ماهية تلك الحادثة دسيسةٌ شيطانية، وتعرّضٌ نفاقي، في سبيل إرضاء الزندقة، خلافًا للقانون وبمحض الهوى، وذلك لإلقاء القلق في قلوبنا ليلة الجمعة، وبث الفتور في روح الجماعة، ولِيحُولوا دون لقائي الضيوف.
ومن غرائب الأمور: أنه قبل يوم من تلك الليلة -أي يوم الخميس- كنتُ ذاهبًا إلى جهة ما للتفسّح، فرأيت أثناء عودتي حيةً سوداء طويلة -كأنها حَيّتان اقترنتا ببعضهما- أتت من اليسار، ومرّت بيني وبين صاحبي. فأردت أن أعرف مدى فزعه منها فسألته:
— 454 —
- أرأيت؟
قال: ماذا؟
قلت: هذه الحية المخيفة!
قال: لا لم أرَها، ولا أراها!
قلت متعجبًا: يا سبحان اللّٰه، كيف لم تَر مثل هذه الحية الضخمة التي مرت من بيننا؟
لم يرد شيءٌ في خاطري في تلك الحالة، ولكن بعد فترة ورد إلى القلب: إنَّ هذه إشارةٌ إليك فاحذر، ففكرتُ في الأمر، وعرفتُ أنها كانت من الحيّات التي أراها في المنام، أعني أنني كنت أرى الموظف المسؤول الذي يأتيني بنيّة الخيانة على صورة حية. حتى إنني قد ذكرت ذلك -في إحدى المرات- لمدير الناحية، فقلت له:
- عندما تأتيني بنيّة سيئة، أراك في صورة حية! فاحذر!
وفي الحقيقة كنت كثيرًا ما أرى سَلفَه على تلك الصورة! بمعنى؛ أن هذه الحية التي رأيتُها ظاهرةً، إشارة إلى أن خيانتهم في هذه المرة ستأخذ صورة اعتداء فعلي، لا تظل في صورة نيَّة مبيَّتة.
وعلى الرغم من أن اعتداءهم هذه المرة كان اعتداءًا صغيرًا، وهم يحاولون استصغاره، ولكن بتحريض من معلم فاقد للضمير وبمشاركته، أصدر المسؤولُ أمرًا للدَرَك: "اجلبوا أولئك الضيوف"، ونحن في أذكار الصلاة في المسجد. والغاية من هذا التصرف هو إغضابي ولأقابلَهم بالرفض والطرد -بأحاسيس "سعيد القديم"- إزاء هذا التصرف الاعتباطي غير القانوني.
ولم يَدرِ ذلك الشقي؛ أن سعيدًا لا يدافع بعصا مكسورة في يده، وفي لسانه سيفٌ ألماسي من مصنع القرآن الحكيم. بل يستعمل ذلك السيف.
بيد أن أفراد الدرَك كانوا رزينين راشدين، فانتظروا إلى اختتام الصلاة والأذكار -حيث لا تتدخل أيةُ حكومة أو دولة في الصلاة وفي المسجد ما لم ينته أداء الصلوات والأذكار- فغضب المسؤول عن عملهم هذا وأرسل عقِبَهم الحارسَ قائلًا: إن الدرك لا يطيعونني!
— 455 —
ولكن اللّٰه سبحانه وتعالى لا يَشغَلُني بمثل هذه الحيّات. وأُوصي إخواني: أن لا تنشغلوا بهؤلاء مالم تكن هناك ضرورة قاطعة، بل ترفّعوا عن التكلم معهم، حيث "جواب الأحمق السكوت".. ولكن انتبهوا إلى هذه النقطة:
كما أن إظهار نفسِك ضعيفًا تجاه حيوان مفترس يشجعه على الهجوم عليك، كذلك إظهار الضعف بالتزلف إلى مَن يحمل طباعَ الحيوان المفترس يسوقه إلى الاعتداء.
لذا ينبغي للأصدقاء أن يتصرفوا بحذر لئلا يَستغل الموالون للزندقة عدم مبالاتهم وغفلتهم.
النقطة الثانية
﴿ ولاتَركَنُوا الى الذينَ ظَلمُوا فَتَمسّكُمُ النّارُ ﴾
(هود: ١١٣)
هذه الآية الكريمة تتضمن تهديدًا شديدًا. أي أن أولئك الذين يكونون أداة بيد الظالمين ويوالونهم وينحازون إليهم، بل حتى لو كانوا يحملون أدنى ميل وعطف نحوهم، يصيبهم التهديد المرعب.
لأن الرضا بالكفر كفرٌ، كما أنَّ الرضا بالظلم ظلم.
ولقد عبّر أحدهم -من أهل الكمال- تعبيرًا كاملًا عن جوهرة من جواهر هذه الآية الكريمة بالبيتين الآتيين :
إن الذي يُعين الظالمَ على ظلمه هو من أرباب الدناءة في الدنيا.
والذي يجد المتعةَ واللذة في خدمة الصياد الظالم هو كالكلب.
نعم، إنَّ بعضهم يتصرف تصرف الحية، وبعضهم يعمل عمل الكلب.
إن الذي يتجسس علينا في مثل هذه الليلة المباركة، وعلى ضيف كريم، وأثناء الدعاء والتضرع إلى اللّٰه. ويخبر عنا وكأننا نرتكب جريمة، ومن بعد ذلك يتعدى هذا التعدي، لاشك أنه معرّض للتأنيب الوارد في معنى البيت السابق.