— 465 —
المسألة السابعة
وهي الرسالة السابعة
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
قُل بفیضلِ اللّٰه وبرحمتهِ فبذلكَ فليفرحوا هُوَ خيرٌ ممّا يَجمعُون
(يونس: ٥٨)
هذه المسألة عبارة عن سبع إشارات
نبين أولًا سبعةَ أسباب -تحدثًا بنعمة اللّٰه- تكشف عن عدد من أسرار العناية الإلهية.
السبب الأول: قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وإبان نشوبها رأيت في رؤيا صادقة، الآتي:
رأيت نفسي تحت "جبل آرارات" وإذا بالجبل ينفلق انفلاقًا هائلًا، فيقذف صخورًا عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة. وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي -رحمة اللّٰه عليها- بقربي. قلت لها: "لا تخافي يا أماه! إنه أمرُ اللّٰه. إنه رحيم، إنه حكيم". وإذ أنا بتلك الحالة إذا بشخص عظيم يأمرني قائلًا:
- بيّن إعجازَ القرآن.
أفقتُ من نومي، وأدركتُ أنه سيحدث انفلاقٌ عظيم، وستتهدم الأسوارُ التي تحيط بالقرآن الكريم من جراء ذلك الانفلاق والانقلاب العظيم، وسيتولى القرآنُ بنفسه الدفاعَ عن نفسه حيث سيكون هدفًا للهجوم، وسيكون إعجازه حصنَه الفولاذي، وسيكون شخص مثلي مرشحًا للقيام ببيان نوعٍ من هذا الإعجاز في هذا الزمان -بما يفوق حدّي وطوقي كثيرًا- وأدركتُ أني مرشّح للقيام بهذا العمل.
ولمّا كان إعجاز القرآن الكريم قد وُضّح -إلى حدٍّ ما- بی"الكلمات" فإن إظهار
— 466 —
العنايات الإلهية في خدمتنا للقرآن، إنما هو إمدادٌ للإعجاز بالقوة، إذ إن تلك الخدمة هي لإبراز ذلك الإعجاز ومن قبيل بركاته ورشحاته. أي ينبغي إظهارُ العنايات الإلهية.
السبب الثاني: لما كان القرآن الكريم مرشدَنا وأستاذنا وإمامنا ودليلنا في كل أعمالنا، وأنه يثني على نفسه، فنحن إذن سنُثني على تفسيره، اتباعًا لإرشاده لنا.
ولما كانت "الكلمات" نوعًا من تفسير القرآن، و "رسائل النور" عامة مُلك القرآن وتتضمن حقائقه، وأن القرآن الكريم يعلن عن نفسه في هيبة وعظمة، ويبين مزاياه ويثني على نفسه بما يليق به من ثناء، في كثير من آياته ولاسيما في السور المبتدئة بی الر و حم ، فنحن إذن مكلفون بإظهار العنايات الربانية التي هي علامة لقبول خدمتنا في بيان لمعات إعجاز القرآن المنعكسة في "الكلمات"، وذلك اقتداءً بأستاذنا القرآن الذي يرشدنا إلى هذا النمط من العمل.
السبب الثالث: إنني لا أقول هذا الكلام الذي يخص "الكلمات" تواضعًا، بل بيانًا للحقيقة، وهي:
إنَّ الحقائق والمزايا الموجودة في "الكلمات" ليست من بنات أفكاري ولا تعود إليّ أبدًا وإنما للقرآن وحدَه، فلقد ترشحتْ من زلال القرآن، حتى إن "الكلمة العاشرة" ما هي إلّا قطرات ترشحتْ من مئات الآيات القرآنية الجليلة. وكذا الأمر في سائر "الرسائل" بصورة عامة.
فمادمتُ أعلم الأمر هكذا وأنا ماضٍ راحل عن هذه الحياة، وفانٍ زائل، فلا ينبغي أن يُربَطَ بي ما يدوم ويبقى من أثر. ومادام عادة أهل الضلالة والطغيان هي الحط من قيمة المؤلف للتهوين من شأن كتاب لا يفي بغرضهم. فلابد إذن ألّا ترتبطَ "الرسائل" المرتبطة بنجوم سماء القرآن الكريم بسند متهرئ قابل للسقوط، مثلي الذي يمكن أن يكون موضعَ اعتراضاتٍ كثيرة، ونقدٍ كثير.
ومادام عُرف الناس دائرًا حول البحث عن مزايا الأثر في أطوار مؤلِّفه وأحوالِه الذي يحسبونه منبعَ ذلك الخير ومحوَره الأساس. فإنه إجحاف إذن بحق الحقيقة وظلم لها -بناء على
— 467 —
هذا العُرف- أن تكون تلك الحقائق العالية والجواهر الغالية بضاعةَ مَن هو مفلس مثلي وملكًا لشخصيتي التي لا تستطيع أن تظهر واحدًا من ألف من تلك المزايا.
لهذا كله أقول: إن "الرسائل" ليست مُلكي ولا مني بل هي مُلك القرآن. لذا أراني مضطرًا إلى بيان أنها قد نالت رشحات من مزايا القرآن العظيم.
نعم، لا يُبحث ما في عناقيد العنب اللذيذة من خصائص في سيقانها اليابسة؛ فأنا كتلك الساق اليابسة لتلك الأعناب اللذيذة.
السبب الرابع: قد يستلزم التواضعُ كفرانَ النعمة، بل يكون كفرانًا بالنعمة عينَه، وقد يكون أيضًا التحدث بالنعمة تفاخرًا وتباهيًا. وكلاهما مضران، والوسيلة الوحيدة للنجاة. أي لكي لا يؤدي الأمر إلى كفرانٍ بالنعمة ولا إلى تفاخر، هي: الإقرارُ بالمزايا والفضائل دون ادّعاء تملّكها، أي إظهارُها أنها آثارُ إنعام المنعم الحقيقي جلّ وعلا.
مثال ذلك: إذا ألبسك أحدُهم بدلةً فاخرة جميلة، وأصبحتَ بها جميلًا وأنيقًا، فقال لك الناس: ما أجملَك! لقد أصبحت رائعًا بها، وأجبتَهم متواضعًا: كلّا! مَن أنا، أنا لست شيئًا.. أين الجمال من هذه البدلة! فإن جوابك هذا كفران بالنعمة بلا شك، وسوءُ أدب تجاه الصانع الماهر الذي ألبسك البدلة. وكذلك إن قلت لهم مفتخرًا: نعم! إنني جميل فعلًا، فأين مثلي في الجمال والأناقة! فعندها يكون جوابك فخرًا وغرورًا.
والاستقامة بين كفران النعمة والافتخار هو القول: نعم! إنني أصبحت جميلًا حقًا، ولكن الجمال لا يعود لي وإنما إلى البدلة، بل الفضل يخص الذي ألبسَنيها.
ولو بلغ صوتي أرجاءَ العالم كافة لكنت أقول بكل ما أوتيتُ من قوة: إن "الكلمات" جميلة رائعة وإنها حقائق وإنها ليست مني وإنما هي شعاعات التمعت من حقائق القرآن الكريم. فلم أُجمّل أنا حقائق القرآن، بل لم أتمكن من إظهار جمالها وإنما الحقائقُ الجميلة للقرآن هي التي جمّلت عباراتي ورفعت من شأنها واستنادًا إلى قاعدة:
وما مدحت محمدًا بمقالتي.. ولكن مدحت مقالتي بمحمدٍ.
[٭]: انظر: ابن الأثير، المثل السائر ٢/٣٥٧؛ القلقشندي، الصبح الأعشى ٢/٣٢١؛ قال أبو تمام: فلم أمدحك تفخيمًا بشعري... ولكني مدحت بك المديحا، أخذه من حسان بن ثابت في مدحه للنبي (ص) حيث قال: ما إن مدحتُ مُحمدًا بمقالتي... لكنْ مدحت مقالتي بمحمدٍ؛ وانظر: المكتوبات للإمام الرباني (ج١المكتوب ٤٤).
— 468 —
أقول:
وما مدحت القرآن بكلماتي.. ولكن مدحت كلماتي بالقرآن.
فما دام الأمر هكذا. أقول باسم جمالية الحقائق القرآنية: إن إظهار جمال "الكلمات" التي هي معاكس تلك الحقائق، وبيان العنايات الإلهية المترتبة على عمل القيام بوظيفة المعكسية، إنما هو تحدّث بنعمة اللّٰه، مرغوب فيه.
السبب الخامس: سمعتُ من أحد الأولياء -قبل مدة مديدة- أنه قد استخرج من الإشارات الغيبية لأولياء سابقين ما أورثه القناعة بأن نورًا سيظهر من جهة الشرق ويبدد ظلمات البدع.
ولقد انتظرتُ طويلًا ظهور مثل هذا النور ومازلت منتظرًا له، بيد أن الأزاهير تتفتح في الربيع، فينبغي تهيئة السُبل لمثل هذه الأزاهير المقدسة. وأدركنا أننا بخدمتنا هذه، إنما نمهّد السبيل لأولئك الكرام النورانيين.
ولاشك أن بيان العنايات الإلهية التي تخص "الكلمات" لا يكون مدار فخر وغرور أبدًا إذ لا يعود إلى أشخاصنا بالذات. بل يكون ذلك مدار حمد وشكر وتحدّث بالنعمة.
السبب السادس: إنَّ العناية الربانية -التي هي وسيلةُ ترغيب ومكافأةٌ عاجلة وجزاءٌ مقدّم لخدمتنا للقرآن بسبب تأليف "الكلمات" ما هي إلّا التوفيق في العمل والنجاح في الخدمة، والتوفيق في الخدمة يُظهَر ويُعلَن عنه، وإذا ما مضت العناية من التوفيق والنجاح وسَمَت، فإنها تكون إكرامًا إلهيًا. وإظهارُ الإكرام الإلهي شكرٌ معنوي. وإذا ما ارتقت العناية إلى أعلى من الإكرام، فلا محالة أنها تكون كرامةً قرآنية، قد حظينا بها، وإظهارُ كرامة من هذا النوع دون اختيار منا، ومن حيث لا نحتسب ومن دون علمنا، ليس فيه ضرر. وإذا ما ارتقت العناية فوق الكرامة الاعتيادية، فلا شك أنها تكون شُعَل الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم. ولما كان الإعجاز لابد أن يعلَن عنه، فإن إظهار ما يمدّه بالقوة يكون في سبيله أيضًا، ولا يكون مبعث تفاخر وغرور أبدًا، بل مبعث حمد وشكر.
السبب السابع: إن ثمانين بالمائة من الناس ليسوا محققين علماء، كي ينفذوا إلى الحقيقة
— 469 —
ويسبروا غَورها ويصدقوا بها، ويقبلوها، بل يقبلون المسائل تقليدًا لما سمعوه من أناس هم موضع ثقتهم واعتمادهم بناءً على ظاهر حالهم وعلى حُسن الظنِ بهم، حتى إن حقيقةً قوية يرونها ضعيفةً لأنها في يد شخص ضعيف، بينما يعدّون مسألة تافهة في يد شخص مرموق مسألة قيمة. لذا اضطرُّ إلى الإعلان عن الحقائق الإيمانية والقرآنية التي هي في يد شخصي الضعيف الذي لا قيمة له ولا أهمية، لئلا أحطّ من قيمتها أمام أنظار أغلب الناس، فأقول: إن هناك مَن يستخدمنا ويسوقنا إلى الخدمة دون اختيارٍ منا ودون علمنا، ويسخّرُنا في أمور جسام دون معرفتنا. ودليلُنا هو أننا نحظى بقسم من عنايات إلهية وتيسيرات ربانية خارج شعورنا وبلا اختيار منا. ولهذا نضطر إلى الإعلان عن تلك العنايات إعلانًا صارخًا على ملأ من الناس.
هذا وبناءً على الأسباب السبعة المذكورة، نشير إلى بضع عنايات ربانية كلية:
الإشارة الأولى: وهي "التوافقات" [٭]: لا شك أن هذه التوافقات ظهرت في النسخ المكتوبة بخط اليد، وتلك النسخ محفوظة لحدّ الآن. التي وضّحت في النكتة الأولى من المسألة الثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين". ولقد تناظر ما يزيد على مائتي كلمة من كلمات "الرسول الكريم" (ص) في موازنة تامة، في ستين صحيفة من صفحات رسالة "المعجزات الأحمدية" باستثناء صحيفتين، ابتداءً من الإشارة الثالثة إلى الإشارة الثامنة عشرة منها، وذلك لدى أحد المستنسخين، دون أن يكون له علم بالتوافق. فمن ينظر بإنصاف إلى صحيفتين من الرسالة فحسب يصدّق أن ذلك لا يمكن أن يكون نتيجة مصادفة أبدًا، إذ ربما تتناظر كلمات متشابهة إن وجدت في صحيفة واحدة، وتعدّ توافقًا ناقصًا لاحتمال وجود المصادفة، بينما الأمر هنا، أن كلمة "الرسول الكريم" (ص)، قد توافقت في تناظر متوازن في صفحات كثيرة، بل في جميعها، ولا توجد في الصفحة الواحدة إلّا اثنتان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر منها. أي أن عددها ليس بكثرة، فلا شك أن التناظر ناشئ عن توافق لا عن مصادفة، فضلًا عن أن التوافق جرى لدى ثمانية مستنسخين ولم يتغير توازن التوافق لديهم رغم اختلافهم.. مما يدل أن في ذلك التوافق إشارةً غيبية قوية. إذ كما أن بلاغة القرآن قد علَت إلى درجة الإعجاز ففاقت بلاغتُه كتبَ البلغاء كلهم، حتى لا يمكن أن يبلغ أحدٌ منهم شأو ذلك الإعجاز، كذلك التوافقات الموجودة في "المكتوب التاسع
— 470 —
عشر" -الذي هو مرآة لمعجزات الرسول (ص)- وفي "الكلمة الخامسة والعشرين" التي هي معكس إعجاز القرآن، وفي أجزاء "رسائل النور" الأخرى التي هي نوع من تفسير للقرآن الكريم.. أقول؛ هذه التوافقات تبيّن غرابةً تفوق جميع الكتب، مما يُفهم منها أنها نوع من كرامات معجزات القرآن ومعجزات الرسول الكريم (ص) تتجليان في تلك المرايا وتتمثلان فيها.
الإشارة الثانية: العناية الربانية الثانية التي تخص الخدمة القرآنية هي أنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد أنعم عليّ بإخوة أقوياء جادّين، مخلصين، غيورين، مضحّين، لهم أقلام كالسيوف الألماسية، ودفَعَهم ليعاونوا شخصًا مثلي لا يجيد الكتابة، نصف أمي، في ديار الغربة، مهجورا، ممنوعا عن الاختلاط بالناس. وحمّل سبحانه كواهلَهم القوية ما أثقل ظهري الضعيف العاجز من ثقل الخدمة القرآنية، فخفف بفضله وكرمه سبحانه حملي الثقيل.
فتلك الجماعة المباركة في حكم أجهزة البث اللاسلكي (بتعبير خلوصي) وبمثابة مكائن توليد الكهرباء لمصنع النور (حسب تعبير صبري). ومع أن كلًا منهم يملك مزايا متنوعة وخواصّ راقية متباينة إلّا أن فيهم نوعًا من توافقات غيبية (حسب تعبير صبري) إذ يتشابهون في الشوق إلى العمل والسعي فيه، والغيرة على الخدمة والجدية فيها، إذ إن نشرهم الأسرارَ القرآنية والأنوارَ الإيمانيةَ إلى الأقطار وإبلاغَها جميعَ الجهات، وقيامَهم بالعمل دون فتور، وبشوق دائم وهمة عالية، في هذا الزمان العصيب (حيث الحروف قد تبدلت ولا توجد مطبعة، والناس بحاجة إلى الأنوار الإيمانية) فضلًا عن العوائق الكثيرة التي تعرقل العمل وتولد الفتور، وتهوّن الشوق.. أقول؛ إن خدمتهم هذه كرامة قرآنية واضحة وعناية إلهية ظاهرة ليس إلّا.
نعم، فكما أن للولاية كرامة، فإن للنية الخالصة كرامةٌ أيضًا، وللإخلاص كرامةً أيضًا، ولا سيما الترابط الوثيق والتساند المتين بين الإخوان ضمن دائرة أخوة خالصة للّٰه، تكون له كرامات كثيرة، حتى إن الشخصَ المعنوي لمثل هذه الجماعة يمكن أن يكون في حكم ولي كامل يحظى بالعنايات الإلهية.
— 471 —
فيا إخوتي ويا أصحابي في خدمة القرآن!
كما أنَّ إعطاءَ جميع الشرف والغنائم كلها إلى آمر الفوج الذي فتح حصنًا، ظلمٌ وخطأ، كذلك لا يمكنكم إسنادُ العنايات الإلهية في الفتوحات التي تمت بقوة شخصكم المعنوي وبأقلامكم إلى شخص عاجز مثلي. إذ مما لاشك أن في مثل هذه الجماعة المباركة توجد إشارة غيبية قوية أكثر من التوافقات الغيبية. وإنني أراها، ولكن لا أستطيع إظهارَها لكل أحد ولا للناس عامة.
الإشارة الثالثة: إن إثباتَ أجزاء "رسائل النور" لجميع الحقائق الإيمانية والقرآنية المهمة، حتى لأعتى المعاندين، إثباتًا ساطعًا، إنما هو إشارة غيبية قوية جدًّا، وعناية إلهية عظيمة. لأن هناك من الحقائق الإيمانية والقرآنية، اعترف بعجزه عن فهمها من يعدّ صاحب اعظم دهاء، وهو "ابن سينا" الذي قال في (مسألة الحشر): "الحشر ليس على مقاييس عقلية" بينما تُعلّم "الكلمة العاشرة" عوامَ الناس والصبيان حقائقَ لم يستطع أن يبلغها ذلك الفيلسوف بدهائه.
وكذا مسائل (القدر والجزء الاختياري) التي لم يحلَّها العلامة الجليل "السعد التفتازاني" إلّا في خمسين صحيفة، وذلك في كتابه المشهور بی "التلويح" من قسم "المقدمات الاثنتي عشرة"، ولم يبيّنها إلّا للخواص من العلماء، هذه المسائل تبينها (الكلمة السادسة والعشرون) "رسالة القدر" في صحيفتين من المبحث الثاني منها بيانًا شافيًا وافيًا، وبما يوافق أفهام الناس كلهم. فإنْ لم يكن هذا من أثر العناية الإلهية فما هو إذن؟.
وكذا سر خلق العالم، المسمى بی(طلسم الكائنات) الذي جعل العقول في حيرة منه، ولم تحلّ لغزَه أيةُ فلسفةٍ كانت، كشف أسراره وحل ألغازه الإعجاز المعنوي للقرآن العظيم، وذلك في "المكتوب الرابع والعشرين" وفي النكتة الرمزية الموجودة في ختام "الكلمة التاسعة والعشرين"، وفي الحِكَم الست لتحوّل الذرات في "الكلمة الثلاثين". هذه الرسائل قد حلّت ذلك الطلسمَ المغلقَ في الكون، وكشفت عن أسرار ذلك المعمّى المحيّر في خلق الكون وعاقبتِه، وبينتْ حكمة الذرات وتحولاتها. وهي متداولة لدى الجميع، فليراجعها من شاء.
وكذا حقائق الأحدية، ووحدانية الربوبية بلا شريك، وحقائق القرب الإلهي قربًا
— 472 —
أقرب إلينا من أنفسنا، وبُعدنا نحن عنه سبحانه بُعدًا مطلقًا.. هذه الحقائق الجليلة قد وضّحتها توضيحًا كاملًا كلٌّ من "الكلمة السادسة عشرة" و "الكلمة الثانية والثلاثين".
وكذا القدرةُ الإلهية المحيطة بكل شيء، وتَساوي الذرات والسيارات إزاءَها، وسهولةُ إحيائها ذوي الأرواح كافة في الحشر الأعظم كسهولة إحياء فرد واحد، وعدمُ تدخل الشرك قطعًا في خلق الكون، وأنه بعيد عن منطق العقل بدرجة الامتناع.. كل هذه الحقائق قد كُشفت في "المكتوب العشرين" لدى شرح وهو على كل شيء قدير (الروم: ٥٠). وفي ذيله الذي يضم ثلاثة تمثيلات، الذي حلّ ذلك السر العظيم، سر التوحيد.
هذا فضلًا عن أن الحقائق الإيمانية والقرآنية لها من السعة والشمول ما لا يمكن أن يحيط بها ذكاء أذكى إنسان! أليس إذن ظهور الأكثرية المطلقة لتلك الحقائق بدقائقها لشخص مثلي مشوش الذهن، مشتت الحال، لا مرجع ولا مصدر لديه من الكتب، ويتم التأليف في سرعة وفي أوقات الضيق والشدة؟ أقول: أليس ذلك أثرًا من آثار الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم وجلوة من جلوات العناية الربانية وإشارة غيبية قوية؟.
الإشارة الرابعة: لقد أنعم اللّٰه عليّ بتأليف ستين رسالة بهذا النمط من الإنعام والإحسان، إذ مَن كان مثلي ممن يفكر قليلًا ويتتبع السنوحَ القلبي، ولا يجد متسعًا من الوقت للتدقيق والبحث، يتم في يده تأليف ما لا يقدر على تأليفه جماعةٌ من العلماء و العباقرة مع سعيهم الدائب. فتأليفها إذن على ذلك الوجه يدّل على أنها أثرُ عناية إلهية مباشرة، لأن جميع الحقائق العميقة الدقيقة في هذه الرسائل كلها تُفهَّم وتدرّس إلى عوام الناس وأكثرِهم أميةً بوساطة التمثيلات. مع أن علماء أجلّاء قالوا عن أكثر تلك الحقائق أنها لا تُعلّم ولا تُدرَّس، فلم يعلّموها للعوام وحدهم، ولا للخواص أيضًا.
وهكذا فهذا التسهيلُ الخارق في التأليف والتيسير في بيان الحقائق، بجعل أبعدِ الحقائق عن الفهم كأنها في متناول اليد وتدريسُها إلى أكثر الناس بساطةً وأُمية، لا يكون في وسع شخص مثلي له باع قصير في اللغة التركية، وكلامه مغلق ولا يُفهم كثير منه، حتى يجعل الحقائق الظاهرة معضلة، واشتهر بهذا منذ السابق وصدّقت آثارُه القديمة شهرتَه السيئة تلك.. فمثل
— 473 —
هذا الشخص يجري في يده هذا التيسير والبيان الواضح لاشك أنه أثر من آثار العناية الإلهية، ولا يمكن أن يكون من حذاقة ذلك الشخص، بل هو جلوة من جلوات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، وصورة منعكسة للتمثيلات القرآنية.
الإشارة الخامسة: على الرغم من انتشار "الرسائل" -بصورة عامة- انتشارًا واسعًا جدًّا، فإن عدمَ قيام أحد بانتقادها ابتداءً من أعظم عالم إلى أدنى رجل من العوام، ومن أكبر ولي صالح تقي إلى أحط فيلسوف ملحد عنيد، هؤلاء الذين يمثلون طبقاتِ الناس وطوائفَهم. ورغم أنها معروضة أمامَهم ويرونها ويقرأونها، وقد استفادت كلُّ طائفة منها حسب درجتها، بينما تعرّض قسم منهم إلى لطماتها وصفعاتها.. أقول: إنّ كلَّ ذلك ليس إلّا أثرَ عناية ربانية وكرامة قرآنية.. ثم إن تلك الأنماط من الرسائل التي لا تؤلَّف إلّا بعد بحث دقيق وتحرٍّ عميق، فإن كتابتها وإملاءها بسرعة فوق المعتاد أثناء انقباض وضيق -وهما يشوشان أفكاري وإدراكي- أثر عناية ربانية وإكرام إلهي ليس إلّا.
نعم، يعلم أكثر إخواني ومَن عندي من الأصدقاء والمستنسخين جميعهم؛ أن الأجزاء الخمسة من "المكتوب التاسع عشر"، قد أُلّفت في ثلاثة أو أربعة أيام بمُعَدَّلِ ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًّا، أي بمجموع اثنتي عشرة ساعة دون مراجعة كتاب، حتى إن الجزء الرابع المهم جدًّا الذي أظهر ختمًا واضحًا للنبوة في كلمة "الرسول الكريم" (ص) قد كُتب بظهر الغيب في حوالي أربع ساعات وفي زوايا الجبال وتحت المطر.
وكذلك "الكلمة الثلاثون" التي هي رسالة جليلة دقيقة أُلّفت في أحد البساتين، خلال ست ساعات، كما أن "الكلمة الثامنة والعشرين" أُلّفت في ظرف لا يتجاوز ساعتين في بستان "سليمان".
وهكذا كان تأليف أكثر "الرسائل" الأخرى.
ويعلم الأقربون مني، أنني -في السابق- كلما كنت أتضايق من شيء أعجزُ عن بيان أظهرِ الحقائق، بل كنت أجهلها. ولاسيما إذا ما زاد المرضُ على ذلك الضيق، كنت امتنع أكثر عن التدريس والتأليف، بينما ألّفت "الكلمات" المهمة، وكذلك "الرسائل" الأخرى في أشدّ
— 474 —
أوقات المرض والضيق، وتم التأليف في أسرع وقت. فإن لم يكن هذا إكرامًا ربّانيًّا وكرامة قرآنية مباشرة، فما هو إذن؟.
ثم إنه ما من كتاب يبحث في مثل هذه الحقائق الإلهية والإيمانية إلّا ويترك بعضُ مسائله ضررًا في عدد من الناس، لذا ما كان يُنشَر كلُّ مسألة منه إلى الناس كافة. أما هذه الرسائل فلم تُلحق أيَّ ضرر كان ولم تؤثر تأثيرًا سيئًا في أحد من الناس ولم تخدش ذهنَ أحد قط رغم استفساري عن ذلك من الكثيرين، حتى تحقق لدينا أن ذلك إشارةٌ غيبية وعناية ربانية مباشرة.
الإشارة السادسة: لقد تحقق لديّ يقينًا: أن أكثر أحداث حياتي، قد جرت خارجة عن طوق اقتداري وشعوري وتدبيري، إذ أُعطي لها سيرٌ معينٌ ووُجّهت وجهة غريبة لتنتج هذه الأنواع من "الرسائل" التي تخدم القرآن الحكيم. بل كأن حياتي العلمية جميعَها بمثابة مقدمات تمهيدية لبيان إعجاز القرآن بی "الكلمات" حتى إنه في غضون هذه السنوات السبع من حياة النفي والاغتراب وعزلي عن الناس -دون سبب أو مبرر وبما يخالف رغبتي- أمضي أيام حياتي في قرية نائية خلافًا لمشربي وعزوفي عن كثير من الروابط الاجتماعية التي ألِفتها سابقًا.. كل ذلك ولّد لدي قناعة تامة لا يداخلها شك من أنه تهيئة لي وتحضير للقيام بخدمة القرآن وحده، خدمة صافية لا شائبة فيها.
بل إنني على قناعة تامة من أن المضايقات التي يضايقونني بها في أغلب الأوقات والعنت الذي أرزح تحته ظلمًا، إنما هو لدفعي -بيد عناية خفية رحيمة- إلى حصر النظر في أسرار القرآن دون سواها. وعدم تشتيت النظر وصرفه هنا وهناك. وعلى الرغم من أنني كنت مُغرمًا بالمطالعة، فقد وُهبتْ لروحي مجانبةٌ وإعراضٌ عن أي كتاب آخر سوى القرآن الكريم.
فأدركت أن الذي دفعني إلى ترك المطالعة -التي كانت تسليتي الوحيدة في مثل هذه الغربة- ليس إلّا كون الآيات القرآنية وحدَها أستاذًا مطلقًا لي.
ثم إن "الآثار" المؤلّفة و "الرسائل" -بأكثريتها المطلقة- قد أُنعمتْ عليّ بها لحاجة تولدت في روحي فجأة، ونشأت آنيًا. دون أن يكون هناك سبب خارجي. وحينما كنت أُظهرها لبعض أصدقائي، كانوا يقولون: "إنها دواء لجراحات هذا الزمان". وبعد انتشارها عرفت من معظم إخواني أنها تفي بحاجة هذا العصر وتضمد جراحاته.
— 475 —
فهذه الحالات المذكورة آنفًا -وهي خارجة عن نطاق إرادتي وشعوري وسير حياتي- ومجموع تتبعاتي في العلوم خلاف عادة العلماء وبما هو خارج عن اختياري، كل ذلك لم يترك لي شبهة قطعًا بأنها عنايةٌ إلهية قوية وإكرام رباني واضح، للانجرار إلى مثل هذه النتيجة السامية.
الإشارة السابعة: لقد شاهدنا بأم أعيننا -دون مبالغة- مائةً من آثار الإكرام الإلهي، والعناية الربانية، والكرامة القرآنية خلال زهاء ست سنوات من سير خدمتنا للقرآن الكريم. وقد أشرنا إلى قسم منها في "المكتوب السادس عشر" وبيّنا قسمًا آخر في المسائل المتفرقة للمبحث الرابع من "المكتوب السادس والعشرين" وفي المسألة الثالثة من "المكتوب الثامن والعشرين". وأن أصحابي القريبين يعلمون هذا. ولاسيما صاحبي الدائم "السيد سليمان"، يعلم أكثرها، فحظينا بتيسير إلهي ذي كرامة لا يخطر على بال، سواء في نشر "الكلمات" و "الرسائل" الأخرى، أو في تصحيحها ووضعها في مواضعها وفي تسويدها وتبييضها. فلم يبق لدينا ريب -بعد ذلك- أن كل تلك العنايات الإلهية كرامة قرآنية .. ومثال هذا بالمئات.
ثم إننا نُربّى بشفقة ورأفة وتجري معيشتُنا بعناية بحيث يُحسِن إلينا صاحبُ العناية الذي يستخدمنا في هذه الخدمة بما يحقق أصغر رغبة من رغبات قلوبنا، ويُنعم بها علينا من حيث لا نحتسب.. وهكذا.
فهذه الحالةُ إشارةٌ غيبية في منتهى القوة إلى أننا نُستخدَم في هذه الخدمة القرآنية ونُدفَع إلى العمل مكللين بالرضا الإلهي مستظلين بظل العناية الربانية.
الْحَمْدُ للّٰه هٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبّى
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّه أَدَاءً وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ تَسْليمًا كَثيرًا. أٰمينَ