— 447 —
النقطة الرابعة
إن الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين -رضوان اللّٰه عليهم- ممن لهم أرفع المراتب، وحَظوا بالولاية الكبرى، قد تلقت جميعُ لطائفهم حظَّها من القرآن مباشرة، فأصبح القرآنُ لهم مرشدًا حقيقيًا وكافيًا، وهذا يعني ويدل على أن القرآن مثلما يعبر عن الحقائق في كل زمان فإنه يفيض بفيوضات الولاية الكبرى على مَن هو أهلٌ لها في كل وقت.
نعم، إنَّ العبورَ من الظاهر إلى الحقيقة إنما يكون بصورتين:
الأولى: بالدخول إلى برزخ الطريقة وقطع المراتب فيها بالسير والسلوك حتى بلوغ الحقيقة.
الصورة الثانية: العبور إلى الحقيقة مباشرة برحمة إلهية محضة، دون الدخول في برزخ الطريقة، هذا الطريق خاصٌ ورفيع وسامٍ وقصير جدًّا، وهو طريق الصحابة الكرام والتابعين رضوان اللّٰه عليهم.
فإذن الأنوارُ المترشحة من حقائق القرآن و "الكلمات" التي تترجم تلك الأنوار يمكن أن تكون مالكةً لتلك الخاصية، بل هي مالكةٌ لها فعلًا.
النقطة الخامسة
سنبين بخمسة أمثلة جزئية، أن "الكلمات" مثلما تُعَلّم حقائقَ القرآن فهي تؤدي وظيفة الإرشاد أيضًا.
المثال الأول: لقد اقتنعتُ أنا بالذات قناعة تامة بعد ألوف التجارب المتكررة لا بعشراتها ومئاتها: أنَّ "الكلمات" والأنوار المفاضة من القرآن الكريم ترشدُ عقلي وتعلّمه مثلما تلقّن قلبي أيضًا بأحوال إيمانية كما تُطعم روحي أذواقًا إيمانية.. وهكذا حتى أصبحتُ في إنجاز أعمالي الدنيوية كمثل ذلك المريد الذي ينتظر مددًا من شيخه ذي الكرامات، إذ أصبحتُ استمد من الأسرار القرآنية ذاتِ الكرامة وأنتظر منها حاجاتي تلك، فكانت تحصل بما لا أتوقعه وليس بالحسبان.
— 448 —
وسأذكر هنا مثالين فحسب من تلك الجزئيات الحاصلة ببركة أسرار القرآن:
الأول: ما وضح مفصلًا في "المكتوب السادس عشر" وهو:
أنه قد أُشهد لضيفي "سليمان" رغيفٌ كبير خارق وهو موضوع فوق شجرة القطران. أكلنا من تلك الهدية الغيبية يومين كاملين (في الوقت الذي ما كنت أملك شيئًا أقدّمه لضيفي).
الثاني: وهو مسألة في غاية الجزئية واللطافة قد حدثت في هذه الأيام وهي:
ورد لخاطري قبل الفجر أنَّ كلامًا من جهتي قد قيل لشخص، بصيغة تُلقي في قلبه الريوبَ والشُیبَهَ، فقلت: حبذا لو رأيتُه لأزيلَ ما بقلبه من أكدار. وفي الدقيقة نفسها تذكّرت ما كان يلزمني من جزء من كتابي المرسَل إلى مدينة "نيس" [٭]: جزيرة في بحيرة اگريدير، قريبة من بارلا. فقلت: حبذا لو حصلت عليه. جلست بعد صلاة الفجر.. وإذا بالشخص نفسه وفي يده جزءٌ من كتابي الذي كنت أريده فدخل عليَّ. فقلت له:
- ما هذا الذي بيدك؟
- لا أعرف، فقد سلّمني هذا الكتاب في الباب أحدُهم كان قادمًا من "نيس"، وأنا أيضًا أتيتُ به إليكم.
فقلت متعجبًا: يا سبحان اللّٰه. إنَّ خروج هذا الرجل من بيته (في هذا الوقت) ومجيء هذا الجزء من الكلمات من "نيس" لا يبدو عليه أثر المصادفة قطعًا، فليس هذا إلّا من همة القرآن الكريم التي سلّمتْ جزءَ الكتاب في الوقت نفسه إلى هذا الرجل وأرسلَتْه إلي.. فحمدتُ اللّٰه كثيرًا.
إذن فإن الذي يعرف أدق رغبات قلبي بل أتفهَها يُسبغ عليَّ رحمتَه ويحميني بحماه، فلا أَحملُ إذن أية منّةٍ وتفضّل مهما كانت من أحدٍ من الدنيا كلها، ولا آخذها بشيء.
المثال الثاني: لقد تركني ابن أخي "عبد الرحمن" منذ ثماني سنوات، وعلى الرغم من تلوّثه بغفلات الدنيا وشبهاتها وأوهامها فإنه كان يحمل تجاهي ظنّا حسنًا بما يفوق حدي بكثير. لذا طلب مني أن أسعفَه وأمِدَّه بما ليس عندي وليس في طوقي من همة. ولكن همة القرآن ومددَه قد أغاثه، وذلك بأن أوصلَ إليه "الكلمة العاشرة" التي تخص (الحشر) قبل وفاته بثلاثة أَشهر.
— 449 —
فأَدّت تلك الرسالة دورَها في تطهيره من لَوثاتٍ معنوية وكدورات الأوهام والشبهات والغفلة، حتى كأنه قد ارتفع إلى ما يشبه مرتبةَ الولاية. حيث أظهر ثلاث كرامات ظاهرة في رسالته التي كتبها إليّ قبل وفاته، وقد أدرجتُ رسالته تلك ضمن فقرات "المكتوب السابع والعشرين". فليراجَع. [٭]: الملاحق، ملحق بارلا.
المثال الثالث: كان لي أخ في الآخرة وطالبٌ في الوقت نفسه وهو من أهل القلب والتقوى هو "السيد حسن أفندي" من مدينة "بوردور". [٭]: مركز محافظة في جنوب غربي تركيا. كان ينتظر من هذا المسكين مدَدًا وهمّة كمن ينتظر من وليٍّ عظيم، وذلك لفرط ظنه الحسَن بي بما هو فوق طوقي وحدي. وفجأة ودون مناسبة، أعطيتُ لأحد ساكني قرى "بوردور" رسالة "الكلمة الثانية والثلاثين" ليطالعها. ثم تذكرت "السيد حسن" فقلت: إنْ سافرتَ إلى "بوردور" فسلّم الرسالة إلى "السيد حسن" ليطالعها في بضعة أيام. سافر الرجل، وقد سلّم الرسالة مباشرة إلى السيد حسن، قبل أن يوافيه الأجل بأربعين يومًا.
تسلّم الرسالة بشوق ولازَمها بلهفة ونهَل منها كالمتعطش إلى الماء السلسبيل، وكلّما كرر مطالعتَها استفاض منها فيوضات فاستمر في القراءة، حتى وجد فيها دواءً لدائه ولا سيما في مبحث "محبة اللّٰه" في الموقف الثالث منها، بل وجد فيها فيوضات كان ينتظرها من القطب الأعظم. فذهب بنفسه سالمًا صحيحًا إلى الجامع وأدى صلاته ثم سلّم روحَه هناك. رحمه اللّٰه رحمة واسعة.
المثال الرابع: إن "السيد خلوصي" قد وجد همة ومدَدًا وفيضًا ونورًا في "الكلمات" التي هي ترجمان الأسرار القرآنية، أكثر مما وجده في الطريقة النقشبندية التي هي أهم طريقة وأكثرها تأثيرًا. وقد ذكرتُ شهادته هذه في "المكتوب السابع والعشرين". [٭]: الملاحق، ملحق بارلا.
المثال الخامس: إنَّ أخي "عبد المجيد"، قد شعر بانهيار واضطراب شديدين بسبب انتقال ابن أخي "عبد الرحمن" إلى رحمة اللّٰه. ولأحوال أليمة وأوضاع محزنة ألَمّت به. كان يأمل مني ما لا أقدر عليه من همة ومدد معنوي. ومع أني ما كنت أتراسل معه، إلّا أنني بعثتُ
— 450 —
إليه فجأة بضع رسائل من "الكلمات". كتبَ إليّ بعد أن قرأها: لقد نجوتُ، والحمد للّٰه، فقد كنت على وشك الجنون، ولكن بفضل اللّٰه أخذتْ كلُّ كلمةٍ من تلك الكلمات موقعَ مرشد لي. ولئن فارقتُ مرشدًا واحدًا فقد وجدت -دفعة واحدة- مرشدين كثيرين فنجوتُ والحمد للّٰه. وأنا بدوري تأملت في حاله، فعلمت أنه حقًا قد دخل مسلكًا جميلًا وقد نجا بفضل اللّٰه من أوضاعه السابقة.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة شبيهة بهذه الأمثلة الخمسة المذكورة وكلّها تبين:
أنَّ العلوم الإيمانية ولاسيما إذا أخذت العلاجات المعنوية نظرًا للحاجة ودواءً للأمراض من أسرار القرآن الكريم مباشرة وجُرّبت عمليًا. فإن تلك العلوم الإيمانية وتلك الأدوية الروحانية كافيةٌ ووافية لمن يشعر باحتياجه إليها ومن يستعملها بإخلاص جاد. ولا يؤثر في الأمر وضعُ الصيدلاني الذي يبيع تلك الأدوية والدلال الذي يدل عليها، أي سواء أكان شخصًا اعتياديًا مفلسًا أم غنيًا ذا مقام أو خادمًا مسكينًا، أيًا كان وضعُه فلا فرق في ذلك.
نعم، إنه لا حاجة إلى الاستضاءة بنور الشموع ما دامت هناك شمس ساطعة.
فما دمتُ أُبيّن الشمسَ نفسَها، فلا حاجة ولا معنى لطلب ضوء شمعة من شخصي، ولاسيما إن لم يكن عندي ولا أملكه، بل الألزم أن يمدّني أولئك مددًا معنويًّا بدعواتهم بل بهمّتهم، فمن حقي أن أطلبَ مددَهم وعَونهم، وينبغي لهم أن يرضوا ويكتفوا بما يستفيضون من أنوار الرسائل.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أَدَاءً وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ