المكتوبات العربية
— 445 —

النقطة الثالثة

هوَت صفعاتٌ عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس "سعيد القديم" الغافل، ففكّر في قضية أنَّ "الموت حق". ووجد نفسه غارقًا في الأوحال.. استنجد، وبحث عن طريق، وتحرّى عن منقذ يأخذ بيده.. رأى السُبل أمامه مختلفة.. حار في الأمر وأخذ كتاب "فتوح الغيب" للشيخ عبد القادر الكيلاني رضي اللّٰه عنه وفتحه متفائلًا، ووجد أمامه العبارة الآتية:
«أنت في دار الحكمة فاطلب طبيبًا يداوي قلبك..» [٭]: انظر: عبد القادر الكيلاني، الفتح الرباني، المجلس الثاني والستين. أصل العبارة: "يا عباد اللّٰه أنتم في دار الحكمة، لابد من الواسطة، اطلبوا من معبودكم طبيبًا. يطبّ أمراض قلوبكم مداويًا يداويكم...". يا للعجب!. لقد كنتُ يومئذ عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية" [٭]: وهي أعلى مجلس علمي تابع للمشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية. وكأنما جئت إليها لأداوي جروحَ الأمة الإسلامية، والحال أنني كنت أشدّ مرضًا وأحوج إلى العلاج من أي شخص آخر.. فالأولى للمريض أن يداويَ نفسَه قبل أن يداوي الآخرين.
نعم، هكذا خاطبني الشيخ: أنت مريض.. ابحث عن طبيب يداويك!..
قلت: كن أنت طبيبي أيها الشيخ!
وبدأتُ أقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات.. كان شديدَ اللهجة يحطّم غروري، فأجرى عملياتٍ جراحية عميقة في نفسي.. فلم أتحملْ، ولم أطقْ تحمله.. لأني كنت اعتبر كلامه موجهًا إليّ.
نعم، هكذا قرأتُه إلى ما يقارب نصفه.. لم أستطع إتمامه.. وضعت الكتاب في مكانه، ثم أحسستُ بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلّفت مكانَها لذائذَ روحيةً عجيبة.. عُدتُ إليه، وأتممت قراءةَ كتاب "أستاذي الأول". واستفدت منه فوائدَ جليلة، وأمضيتُ معه ساعات طويلة أٌصغى إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة.
ثم وجدتُ كتابَ "مكتوبات" للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلًا خالصًا، وفتحتُه، فوجدت فيه عجبًا.. حيث ورد في رسالتين منه لفظة "ميرزا بديع الزمان" [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج١ (المكتوب ٧٤)، (المكتوب ٧٥). فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي "ميرزا" وكلتا
— 446 —
الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان. فقلت: يا سبحان اللّٰه.. إنَّ هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأن لقب "سعيد القديم" كان بديع الزمان، ومع أنني ما كنت أعلم أحدًا قد اشتهر بهذا اللقب غير "الهمذاني" الذي عاش في القرن الرابع الهجري. فلابد أن يكون هناك أحدٌ غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولابد أن حالتَه شبيهةٌ بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين.. والإمام الرباني يوصي مؤكدًا في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: "وحّد القبلة" [٭]: نص العبارة: "وحيث قد طلبت الهمة من كمال الالتفات فبشرى لك ترجع سالمًا وغانمًا، لكن لابد من أن تراعي شرطًا واحدًا وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعلَ قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه إلى التفرقة. ومن الأمثال المشهورة: أن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلًا". المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الإمام الرباني ١/٨٧ . ترجمة محمد مراد. أي اتبع إمامًا ومرشدًا واحدًا ولا تنشغل بغيره!
لم توافق هذه الوصية آنذاك استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذتُ أفكّر مليًا: أيهما اتبِّع!. أ أسيرُ وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيرًا وكانت حيرتي شديدة جدًّا، إذ في كل منهما خواصُّ وجاذبية، لذا لم أستطع أن أكتفي بواحد منهما.
وحينما كنت أتقلبُ في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحماني من اللّٰه سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:
- إن بدايةَ هذه الطرق جميعها.. ومنبعَ هذه الجداول كلِّها.. وشمسَ هذه الكواكب السيارة.. إنما هو "القرآن الكريم" فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلّا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلتُ على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من أن يرتشفَ حق الارتشاف فيضَ ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة. ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا أن نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب وأصحاب الأحوال، كلٌّ حسب درجته. فی "الكلمات" والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها، بل أيضًا مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية.