المكتوبات العربية
— 438 —

المسألة الثانية

وهي الرسالة الثانية
كتبت هذه المسألة لأجل حل الإشكال ورفع المناقشة الدائرة حول حديث شريف [٭]: نص الحديث الذي دارت حوله المناقشة:
عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكّه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فردّ اللّٰه عز وجل عليه عينه، وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: إي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللّٰه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال: قال رسول اللّٰه (ص): فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. البخاري، الجنائز ٦٨، الأنبياء ٣١؛ مسلم، الفضائل ١٥٧. يذكر فيه أن سيدنا موسى عليه السلام قد لطم عين سيدنا عزرائيل عليه السلام.
طرق سمعي أنَّ مناقشةً علمية جرت في "أگريدير". [٭]: مركز قضاء في جنوبي تركيا قريبة من "بارلا" حيث منفى الأستاذ النورسي. إنَّ إجراء تلك المناقشة خطأ، ولاسيما في هذا الوقت بالذات.
وقد سئلتُ أنا أيضًا -ولا علم لي بالمناقشة- وأرَوني حديثًا نبويًا شريفًا في كتاب موثوق يعتمد عليه، قد أشير فيه إلى الحديث برمز (ق) للدلالة على أنه "متفق عليه".. واستفسروا: أهذا حديث نبوي أم لا؟.
قلت لهم: نعم! إنه حديث نبوي شريف، ينبغي لكم الاعتماد والوثوق بالذي حكم باتفاق الشيخين على الحديث المذكور، في مثل هذا الكتاب الموثوق.. ولكن كما أن في القرآن الكريم آيات متشابهات، ففي الحديث الشريف أيضًا متشابهات، لا يدرك معانيها الدقيقة إلّا خواص العلماء.
وقلت أيضًا: ربما يدخل ظاهر هذا الحديث الشريف ضمن قسم المتشابهات من مشكلات الحديث.
فلو كنت على علم بالمناقشة التي جرت حول الحديث المذكور، لما كنت اقتصرُ جوابي على ما قلت، بل كنت أجيب بما يأتي:
— 439 —
أولًا: إنَّ الشرط الأول في مناقشة هذه المسائل وأمثالها هو:
أنْ تكون المذاكرةُ في جو من الإنصاف.. وأن تُجرَى بنيّة الوصول إلى الحق.. وبصورة لا تتسم بالعناد.. وبين مَن هم أهل للمناقشة.. دون أن تكون وسيلةً لسوء الفهم وسوء التلقي.
فضمن هذه الشروط قد تكون مناقشة هذه المسألة وما شابهها جائزة.
أما الدليل على أن المناقشة هي في سبيل الوصول إلى الحق فهو أن لا يحملَ المناقِشُ شيئًا في قلبه.. ولا يتألمَ ولا ينفعلَ إذا ما ظهر الحق على لسان الطرف المخالف له، بل عليه الرضى والاطمئنان، إذ قد تعلّم ما كان يجهله، فلو ظهر الحقُّ على لسانه لما ازداد علمًا وربما أصابه غرور.
ثانيًا : إن كان موضوع المناقشة حديثًا شريفًا فينبغي معرفة: مراتب الحديث.. والإحاطة بدرجات الوحي الضمني.. وأقسام الكلام النبوي.
ولا يجوز لأحد مناقشة مشكلات الحديث بين العوام من الناس.. ولا الدفاع عن رأيه إظهارًا للتفوق على الآخرين.. ولا البحث عن أدلةٍ ترجّح رأيَه وتنمّي غرورَه على الحق والإنصاف.
ولكن لما كانت المسألة قد طُرحت، وأصبحت مدار نقاش، فستؤدى تأثيرَها السيئ في أفهام العوام الذين يعجزون عن استيعاب أمثالِ هذه الأحاديث المتشابهة.
إذ لو أنكرها أحدُهم فقد فتح لنفسه بابًا للهلاك والخسران، حيث يسوقه هذا الإنكار إلى إنكار أحاديثَ صحيحةٍ ثابتة. ولو قَبِل بما يفيد ظاهر الحديث من معنى، وتحدّث به ونشره بين الناس، فسيكون سببًا لفتح باب اعتراضات أهل الضلالة على الحديث الشريف، وإطلاق ألسنتهم بالسوء عليه، وقولهم: إنه خرافة!
ولما كانت الأنظار قد لفتت إلى هذا الحديث الشريف المتشابه دون مبرر، بل بما فيه ضرر. وأن هناك أحاديثَ أخرى متشابهة له بكثرة؛ يلزم بيان "حقيقة" دفعًا للشبهات وإزالة للأوهام.. أقول: إن ذكر هذه "الحقيقة" ضروري بغض النظر عن ثبوت الحديث.
سنشير إلى تلك الحقيقة إشارةً مجملة، مكتفين بما ذكرناه من تفاصيل في رسائل النور
— 440 —
(منها الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين والغصن الرابع منها، والأساس الخاص بأقسام الوحي في مقدمة المكتوب التاسع عشر).
والحقيقة هي أنَّ الملائكة لا ينحصرون في صورة معينة واحدة كالإنسان، وإنما هم في حُكم الكلي، رغم أن لهم تشخصاتهم. فعزرائيل عليه السلام هو ناظر الملائكة الموكّلين بقبض الأرواح ورئيسُهم.
سؤال: هل عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض الأرواح بالذات، أم أن أعوانه هم الذين يقبضونها.
الجواب: هناك ثلاثة مسالك بهذا الخصوص:
المسلك الأول: أنَّ عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روحَ كل فرد. فلا يمنع فعلٌ هنا فعلًا هناك؛ لأنه نوراني، والشيء النوراني يمكنه أن يحضر ويتمثلَ بالذات في أماكنَ غير محدودة، بوساطة مرايا غير محدودة. فتمثلات النوراني تملك خواصّه. وتعتبر عينَه وليست غيرَه. فتمثلات الشمس في المرايا المختلفة مثلما تُظهر ضوءَ الشمس وحرارتها، فإن تمثلات الروحانيين -كالملائكة- تُظهر أيضًا خواصَّها في المرايا المختلفة في عالَم المثال، فهي عينُ أولئك الروحانيين وليست غيرَهم. فالملائكة يتمثلون في المرايا حسب قابليات المرايا، فمثلًا:
عندما كان جبرائيل عليه السلام يتمثل أمام الرسول (ص) في مجلس الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم في صورة الصحابي "دحية الكلبي" [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥؛ فضائل القرآن ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٠٠. كان يتمثل في اللحظة نفسها في ألوف الأماكن في صور مختلفة، كما يسجد تحت العرش الأعظم مُطبقًا الآفاقَ بأجنحته الواسعة المهيبة شرقًا وغربًا، [٭]: البخاري، بدء الوحي ٣، بدء الخلق ٧، تفسير سورة المدثر ٣-٥؛ مسلم، الإيمان ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٥٨. فله إذن تمثّلٌ في كل مكان حسب قابلية ذلك المكان، وله حضورٌ في آن واحد في ألوف الأماكن.
وهكذا، فحسب هذا المسلك: ليس محالًا قط، ولا هو بأمر فوق المعتاد، ولا هو أمر غيرُ معقول، أن يتعرضَ مثالُ ملَك الموت المتمثل للإنسان عند قبض روحه -وهو مثال جزئي إنساني- إلى لطمةِ سيدنا موسى عليه السلام وهو الشخصية العظيمة المهيبة من أولي العزم من الرسل، ثم فقؤه لعين تلك الصورة المثالية لملَك الموت، الذي لبس زيّ تلك الصورة.
— 441 —
المسلك الثاني هو: أنَّ الملائكة العظام من أمثال سيدنا جبرائيل و ميكائيل و عزرائيل عليهم السلام، كلٌّ منهم بمثابة ناظر عام ورئيس، لهم أعوان من نوعهم وممن يشبهونهم، ولكن بطرازٍ أصغر. فهؤلاء المعاونون الصغار مختلفون حسب اختلاف المخلوقات الموكلين بهم. فالذين يقبضون أرواحَ الصالحين
(٭): عندما كان أحد الأولياء العظام في منطقتنا وهو الملقب بی "سيدا" يعاني سكرات الموت وحضره ملك الموت الموكل لقبض أرواح الأولياء الصالحين، استنجد باللّٰه واستغاثه وصرخ قائلًا: "ليقبض روحي من هو الموكل لقبض أرواح طلاب العلوم، فأنا أحبهم حبًّا شديدًا". وقد شهد على الحادثة من كان حاضرًا ساعة وفاته.(المؤلف).
يختلفون عن الذين يقبضون أرواح الطالحين، فهم طوائف مختلفة من الملائكة بمثل ما تشير إليه الآيات الكريمة:
﴿ والنازعات غرقا٭ والناشطات نشطًا ﴾
(النازعات: ١-٢).
فحسب هذا المسلك: فإن سيدنا موسى عليه السلام، لم يلطم سيدَنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسدَ المثالي لأحد أعوانه، وذلك بعنفوان النبوة الجليلة وبسطة جسمه وجلادة خلقه وحظوته عند ربه القدير. وهكذا يصبح الأمر معقولًا جدًّا.
(٭): كان في مدينتنا رجل شجاع، ولما حضره الموت قال لملك الموت: "أتقبض روحي وأنا طريح الفراش؟" فنهض بخفة من فراشه وامتطى جواده وسل سيفه، وكأنه في ميدان جهاد ومبارزة معه. ثم سلَّم روحه وهو على صهوة جواده. وتوفي وفاة الغيارى. (المؤلف).
المسلك الثالث: لقد بينّا في "الأساس الرابع من الكلمة التاسعة والعشرين"، وحسب دلالات أحاديثَ نبويةٍ شريفة: بأن هناك من الملائكة مَن يملكون أربعين ألفَ رأس، [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦؛ ابو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢. وفي كل رأس أربعون ألف لسان -أي لهم ثمانون ألف عين أيضًا- وكل لسان يسبّح بأربعين ألف تسبيحة. فما دام الملائكة الموكلون موكّلين حسب أنواع عالم الشهادة، وهم يمثلون تسبيحات تلك الأنواع في عالم الأرواح، فلابد أن يكون لهم تلك الصورة والهيأة. لأن الأرض -مثلًا- وهي مخلوقة واحدة، تسبّح للّٰه. وهي تملك أربعين ألف نوع من الأنواع، بل مئات الألوف منها، والتي كل منها بحكم رؤوس مسبّحة لها، ولكل نوع من الأنواع ألوف من الأفراد التي هي بمثابة الألسنة.. وهكذا.
فالمَلَك الموكّل على الكرة الأرضية ينبغي أن يكون له أربعون ألف رأس، بل مئات الألوف من الرؤوس، ولابد أن يكون لكل رأس مئات الألوف من الألسنة.. وهكذا.
— 442 —
فبناء على هذا المسلك: فإن عزرائيل عليه السلام له وجهٌ متوجه إلى كل فرد، وعينٌ ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمًا على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا ردّ له، بل تصرُّفه هذا نابع من كونه راغبًا في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -وله أن يلطمَ- تلك العين التي تراقب أجَلَه، والتي تريد أن تُنهي وظيفتَه على الأرض. واللّٰه أعلم بالصواب ولا يعلم الغيب إلّا هو. قل انما العلم عند اللّٰه (الملك: ٢٦).
﴿ هو الذي أنَزل عليك الكتاب مِنهُ آياتٌ محكمات هنّ أم الكتاب واُخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلّا اللّٰه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربّنا وما يذّكرُ إلا اولوا الالباب ﴾
(آل عمران: ٧).