— 431 —
المسألة الأولى
وهي الرسالة الأولى
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
إنْ كنتم للرُؤيا تَعبرون
(يوسف: ٤٣)
ثانيًا: إنكم تطلبون يا أخي تعبير رؤياكم القديمة التي رأيتموها قبل ثلاث سنوات، وقد ظهر تعبيرها وتأويلها بعد ثلاثة أيام من لقائك إياي. أوَ ليس لي الحق إذن أن أقول إزاء تلك الرؤيا اللطيفة المباركة المبشِّرة والتي مرّ عليها الزمن وأظهر معناها:
نَه شَبَیمْ نَه شَبْ پَرَسْتَیمْ مَنْ غُلاَمِ شَمْسَمْ اَزْ شَمْس مِى گُويَمْ خَبَرْ
[٭]: يعني: وإني غلام الشمس أروي حديثَها فما لي وللّيل فأَروي حديثَه
(مكتوبات الإمام الرباني المترجمة إلى العربية : ج١ المكتوب ١٣٠ وج٢ المكتوب ٥٨).
وفي مكتوبات الإمام الرباني الفارسية جاء البيتان (ط١ سنة ١٣٨٣ هجري شمسي، انتشارات صديقي، زاهدان):
چو غلام آفتاب هم أز آفتاب گويم نه شبم نه شب برستم كى حديث خو آب گويم
والبيتان لمولانا جلال الدين الرومي في ديوانه المسمى (كليات شمس تبريزي) - طبعة طهران سنة ١٣٨١ هجري شمسي ص ٤٥٩ قصيدة تحت رقم (١٦٢١).
آنْ خَيَالاَتِى كِه دَامِ اَوْلِيیَاسْتْ عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتَانِ خُیدَا اَسْتْ
[٭]: يعني: "إن الخيالات التي هي شِراك الأولياء، إنما هي مرآة عاكسة تعكس الوجوه النيرة في رياض اللّٰه". والشعر للرومي في ج١/ص٣ /طبعة بومباي ١٣١٠هی.
— 432 —
نعم، يا أخي! لقد اعتدنا أن نتذاكر معًا درسَ الحقيقة المحضة، لذا فإن بحث الرؤى التي بابُها مفتوح للخيالات بحثًا علميًا لا يلائم مسلك التحقيق العلمي ملاءمةً تامة. ولكن لمناسبة تلك الحادثة الجزئية في النوم، نبين ست نكات تخص النوم الذي هو صنو الموت. نبينها بيانًا علميًا مبنيًا على القواعد والدساتير، مستنبطة من الحقيقة بالوجه الذي تشير إليه الآيات القرآنية، ونورد في النكتة السابعة تعبيرًا مختصرًا لرؤياك.
النكتة الأولى: إنَّ آياتٍ كثيرةً في القرآن الكريم مثل: وجعلنا نومكم سباتا (النبأ: ٩).. وكذلك الرؤيا التي رآها يوسف عليه السلام -التي هي أساس مهم لسورة يوسف- تبين أن حقائق جليلة تستتر وراء حُجبٍ في النوم والرؤيا.
النكتة الثانية: إنَّ أهل الحقيقة لا يحبذون استخراج الفأل من القرآن الكريم. ولا يميلون إلى الاعتماد على الرؤيا: لأنَّ القرآن الكريم يزجر الكفار بكثرة زجرًا شديدًا، وقد يقابل المتفائل بالقرآن تلك الآيات الزاجرة فتورثه اليأسَ ويضطرب قلبُه ويقلق.
وكذا الرؤيا قد تظهر بما يخالف الواقع والحقيقة فيتصورها الإنسان شرًا رغم أنها خير، فتدفعه إلى سوء الظن والسقوط في اليأس، ونقضِ عرى قواه المعنوية. فهناك كثيرٌ من الرؤى ظاهرُها مخيف، مضر، قبيح، إلّا أن تعبيرها حسن جدًّا، ومعناها جميل. وحيث إنَّ كل إنسان لا يستطيع أنْ يجد العلاقة بين صورة الرؤيا وحقيقة معناها، فيقلق ويحزن ويضطرب دون داع.
ولأجل هذه الأمور قلتُ في صدر البحث كالإمام الرباني وكما يقول أهل التحقيق العلمي: نَه شَبَیمْ نَه شَبْ پَرَسْتَیمْ...
النكتة الثالثة: لقد ثبت في الحديث الصحيح: أن الرؤيا الصادقة جزءٌ من أربعين جزءًا من النبوة [٭]: الترمذي، الرؤيا ٦؛ الطيالسي، المسند ص ١٤٧؛ أبو يعلى، المسند ١٢/٦٣؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٩/٢٠٥.
بمعنى أن الرؤيا الصادقة حق، ولها علاقة بمهمات النبوة.
— 433 —
وهذه المسألة الثالثة مهمة للغاية وطويلة وعميقة، ولها علاقةٌ بوظائف النبوة، لذا نؤجلها إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه ونسد هذا الباب.
النكتة الرابعة:
الرؤيا على أنواع ثلاثة: [٭]: انظر:البخاري، التعبير ٢٦؛ مسلم، الرؤيا ٦. اثنان منها داخلان ضمن أضغاث احلام (يوسف: ٤٤) كما عبّر عنها القرآن الكريم، وهما لا يستحقان التعبير ولا أهمية لهما، وإن كان لهما معنى. إذ إما أن الرؤيا ناشئة من تصوير تصنعه قوةُ خيال الإنسان المصاب بانحراف في مزاجه، وتركّبه حسب نوع ذلك الانحراف. أو أنها ناشئة من تخطّر الخيال لحوادث مثيرة، قد رآها الإنسان نهارًا أو قبل يوم أو حتى قبل سنة أو سنتين. فيعدّلها الخيالُ ويصوّرها ويلبسها شكلًا. فهذان القسمان من قبيل أضغاث احلام لا يستحقان التعبير.
أما القسم الثالث، فهو الرؤيا الصادقة.
إنَّ اللطيفة الربانية الموجودة في ماهية الإنسان تجد علاقةً لها مع عالم الغيب، وتفتح منفذًا إليه بعد انقطاع الحواس والمشاعر المربوطة بعالم الشهادة والمتجولة فيه، وبعد توقفها عن العمل. فتنظر اللطيفةُ الربانية بذلك المنفذ إلى حوادث تتهيأ للوقوع، وقد تلاقي أحد جلوات اللوح المحفوظ أو أنموذجًا من نماذج كتابات القَدر، فترى بعض الوقائع الحقيقية، ولكن الخيال يتصرف أحيانًا في تلك الوقائع ويُلبسها ملابسَ الصور. ولهذا القسم أنواع كثيرة وطبقات كثيرة. فأحيانًا تقع الحادثة كما رآها الشخص وأحيانًا تظهر الحادثة وراء ستار خفيف وأحيانًا تتستر بستار كثيف سميك.
وقد ورد في الحديث الصحيح: أن الرؤيا التي كان يراها الرسول الكريم (ص) في بدء الوحي كانت واضحة صادقة ظاهرة كفلق الصبح. [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٣، تفسير سورة العلق ١، التعبير ١؛ مسلم، الإيمان ٢٥٢.
النكتة الخامسة: إنَّ الرؤيا الصادقة عبارة عن زيادة في قوة "الحس قبل الوقوع" وهذا الإحساس موجود في كل إنسان جزئيًّا أو كليًّا، بل موجود حتى في الحيوانات.
— 434 —
ولقد وجدتُ -في وقت ما- أن هناك حاستين في الإنسان والحيوان من غير الحواس الظاهرة والباطنة -وهما حاستان من قبيل الحس قبل الوقوع- وهما حاسة "السائقة" وحاسة "الشائقة" كحاستي "الباصرة" و "السامعة" من الحواس المشهورة. أي؛ حاسة تدفع وأخرى تشوّق.
ويطلق أهل الضلال والفلسفة على تلك الحواس غير المشهورة لحماقتهم خطأً اسم "الدافع الطبيعي".. كلّا .. إنها ليست دافعًا طبيعيًا، بل نوع من إلهام فطري، يسوق به القَدر الإلهي الإنسان والحيوان.
فمثلًا: القط وما شابهه من الحيوانات، عندما يفقد بصرَه يفتش بذلك الدفع القدري عن نوع معين من النبات ويضعه على عينه ويشفى من المرض.
وكذلك النسر وما شابهه من الطيور الجارحة الآكلة للحوم -الموظفات الصحيات لتنظيف سطح الأرض من جثث حيوانات البراري- هذه الطيور تعلم بوجود جثةِ حيوانٍ على مسافة يوم، وتجدها بذلك السَوق القَدري، وبإلهام الحس قبل الوقوع.
وكذلك صغير النحل الذي لم يمر عليه إلّا يوم واحد، يطير إلى مسافة يوم كامل في الهواء ثم يعود إلى خليته دون أن يضيّع أثره، وذلك بالسَوق القَدري، وبإلهام ذلك السَوق والدفع.
حتى إن كل إنسان قد مرّ بلا شك بكثير من الوقائع المتكررة. فهو عندما يذكر اسمَ شخص ما، إذا بالباب ينفتح ويدخل الشخص المذكور، من غير أن يتوقعوا قدومَه. حتى قيل في الأمثال الكردية:
نَاڤِ گُرْبِينَه پَالاَنْدَارْ لِى وَرِينَیه
أي؛ حالما تذكر الذئب، هيئ الهراوة، فالذئب قادم.
بمعنى أن اللطيفة الربانية -بحس قبل الوقوع- تشعر بمجيء ذلك الشخص إحساسًا مجملًا، ولكن لعدم إحاطة شعور العقل به، فإن الشخص ينساق إلى ذكر ذلك الشخص دون قصد واختيار.
— 435 —
ويفسّر أهلُ الفراسة ذلك بما يشبه الكرامة. حتى كانت عندي حالة من هذا النوع من الإحساس بصورة فائقة، فأردتُ أن أضع تلك الحالة ضمن قاعدة وأضبطَها في دستور، ولكن لم أُوفّق ولم أستطع ذلك. ولكن لدى أهل التقوى والصلاح ولاسيما الأولياء الكرام يزداد هذا الإحساس قوة ويبين آثارًا ذات كرامة.
وهكذا، ففي الرؤيا الصادقة نيلٌ لنوعٍ من الولاية لعوام الناس إذ يرون فيها بعضَ الأمور المستقبلية والغيبية كما يراها الأولياء.
وكما أن النوم من حيث الرؤيا الصادقة في حكم مرتبة من مراتب الولاية لدى العوام، كذلك فهي للناس عامة متنیزّه جميل، رائع لرؤيةِ مشاهدِ حوادثَ ربانية -كمشاهد السينما- ولكن مَن كان ذا خلق حسن فإنه يفكر تفكيرًا حسنًا فيرى ألواحًا جميلة ومناظر حسنة، بعكس السيئ الخلق الذي لا يتصور إلّا السيئات لذا لا يرى إلّا المناظر السيئة والقبيحة.
وكذلك؛ فالنوم نافذة تطل على عالم الغيب من عالم الشهادة، وهو ميدان طليق للناس المقيدين الفانين. وينال نوعًا من البقاء حتى يكون الماضي والمستقبل في حكم الحاضر. وهو موضع راحة لذوي الأرواح الذين ينسحقون تحت المشاق وتكاليف الحياة المرهقة.
ولأجل هذه الأسرار وأمثالها يرشد القرآن الكريم إلى حقيقة النوم في آيات عديدة، كقوله تعالى: وجعلنا نومكم سباتا (النبأ: ٩).
النكتة السادسة: وهي المهمة:
لقد بلغ عندي مبلغَ اليقين القاطع، وثبت بكثير من تجاربي الحياتية أنَّ الرؤيا الصادقة حجةٌ قاطعة على أن القَدرَ الإلهي محيطٌ بكل شيء.
ولقد بلغت عندي هذه الرؤى -ولاسيما في السنين القريبة الفائتة- درجةَ الثبوت والقطعية. إذ كنت أرى ليلًا أبسطَ المحاورات، وأتفه المعاملات، وأصغر الأمور التي ستقع غدًا. فكنت أقرأها ليلًا بعيني، لا أتكلم بها بلساني، حتى أيقنتُ أن الحوادث مكتوبةٌ ومعينة قبل مجيئها.
— 436 —
ولم تكن هذه التجارب التي مرّت عليّ تجاربَ قليلة ومنفردة ولم تكن مائة تجربة بل ألفًا من التجارب، حتى كنت أرى في المنام أشخاصًا لم أفكر فيهم قط ومسائل لم تخطر ببالي، وإذا بأولئك الأشخاص أراهم في النهار التالي لتلك الليلة، وتجري تلك المسائل، مع تعبير قليل. بمعنى أن أصغرَ حادثة من الحوادث مقيدةٌ ومسجلة في القَدر الإلهي قبل مجيئها إلى الحدوث، فلا مصادفةَ قطعًا، والحوادث ليست سائبة وليست عشوائية.
النكتة السابعة: إنَّ تعبير رؤياك المباركة المبشرة بالخير، خير لنا وللعمل القرآني، ولقد عبّر الزمان وما زال يعبّر عنها، ولم يدَع لنا حاجة إلى التعبير، فضلًا عن ظهور قسم من تعبيرها في الواقع.
ولو دققتَ النظر، تدرك ذلك. إلّا أننا نشير إلى بعضٍ من نقاطها فقط. أعني أننا نبين حقيقة من الحقائق، والحوادث التي هي من قبيل رؤياك هي تمثلات تلك الحقيقة. وذلك: أنَّ ذلك الميدان الواسع هو العالم الإسلامي وما في نهايته من مسجد هو ولاية إسبارطة، والماء المتعفن المخلوط بالطين هو مستنقع الحال الحاضرة الملوثة بالسفه والبدع والتعطل.. وأنت قد سلِمتَ منه ولم تتلوث بفضل اللّٰه فوصلتَ المسجد بسرعة، وهذه إشارة إلى أنك ستظل سليمًا معافى من اللوثات، ولا يفسد قلبُك، وتمتلك الأنوارَ القرآنية قبل الناس الآخرين.
أما الجماعة الصغيرة في المسجد فهم حمَلَة "الكلمات" من أمثال: "حقي، خلوصي، صبري، سليمان، رشدي، بكر، مصطفى، علي، زهدي، لطفي، خسرو، رأفت"، والكرسي الصغير هو قرية صغيرة كی"بارلا". أما الصوت العالي فهو إشارة إلى قوة "الكلمات" وسرعة انتشارها.
أما المقام الذي خصص لك في الصف الأول، فهو الموقع الذي أُحيل إليك من "عبد الرحمن". وتلك الجماعة الشبيهة بأجهزة اللاسلكي، إشارة إلى بث الدرس الإيماني إلى أنحاء العالم كافة وإسماعِهم إياه، وسيظهر تعبيرُه في المستقبل تمامًا بإذن اللّٰه. إذ إن أفرادها في حكم النوى الصغيرة -في الوقت الحاضر- وسيكونون بإذن اللّٰه في حكم شجرة باسقة، ومراكز بث.
— 437 —
وذلك الشاب المعمم هو رمز لشاب في صفوف الناشرين والطلاب، سيكون متكاتفًا مع "خلوصي" وربما يسبقه. وأنا أظنه أحدَهم ولكن لا أجزم به. وسيبرز ذلك الشاب في الميدان بقوة الولاية.
أما بقية النقاط فعبّر عنها أنت بدلًا مني.
إنَّ الحديث معكم -حديثًا طويلًا- لذيذٌ وممتع ومقبول، لذا أطنبتُ في الكلام في هذه المسألة القصيرة، وربما أسرفت فيه، ولكن لأنني شرعت بالبحث بنية الإشارة إلى تفسير آيات قرآنية تخص النوم، سيعفى عن ذلك الإسراف إن شاء اللّٰه، وربما لا يعدّ إسرافًا.