— 443 —
المسألة الثالثة
وهي الرسالة الثالثة
هذه المسألة جواب خاص جدًّا، فيه شيء من السرية والخفاء عن سؤال عام يسأله الإخوة عامة سواء بلسان الحال أو المقال.
والسؤال هو: أنك تقول لكل من يأتي لزيارتك:
"لا تنتظروا من شخصي همةً ومددًا، ولا تعدّوني شخصًا مباركًا، فأنا لست صاحبَ مقام. فكما يبلّغ الجندي الاعتيادي أوامرَ مقام المشير، فأنا كذلك أبلّغُ أوامرَ مشيرية معنوية رفيعة. وكما يقوم شخص مفلس لا يملك شيئًا بدور الدلّال لدكان مجوهرات غالية جدًّا، فأنا كذلك دلالٌ أمام دكان مقدس وهو القرآن الكريم".
هكذا تقول لكل زائر قادم إليك، ولكن عقولَنا تحتاج إلى العلم كما أن قلوبَنا تطلب الفيضَ وأرواحُنا تنشد النور.. وهكذا نطلب أشياء كثيرةً بجهات شتى. ونأتي إلى زيارتك علّك تفي لنا بحاجاتنا، إذ نحن بحاجة إلى صاحب ولاية وصاحب همة وكمالات أكثر من حاجتنا إلى عالِم. فإن كان الأمر كما تقول، فقد أخطأنا إذن في زيارتك!.. هكذا يقول لسان حالهم.
الجواب: اسمعوا خمسَ نقاط، ثم تفكروا في زيارتكم هل هي مُجدية أم أنها لا طائل وراءها، ومن بعدها احكموا ما شئتم!
النقطة الأولى
خادمٌ لسلطان عظيم أو جندي تحت إمرته، يسلّم إلى القواد العظام والمشيرين الكبار هدايا السلطان وأوسمتَه الرفيعةَ ويجعلهم في امتنان ورضى. فإن قال أولئك القواد والمشيرون: لِمَ نتنازل بتسلّم النعم السلطانية وإكرامه لنا من يد هذا الجندي البسيط؟! فلاشك أن ذلك يعدّ غرورًا جنونيًا.
— 444 —
وكذلك إذا أعجب ذلك الجندي بنفسه ولم يقم احترامًا للمشير خارجَ وظيفته وعدّ نفسه أعلى درجة منه، فليس ذلك إلّا بلاهة وجنونًا.
ولو تنازل أحد أولئك القواد الممتنّين وذهبَ إلى منیزل ذلك الجندي البسيط، الذي لا يجد ضيفُه الكريم عنده سوى كسرة خبز، فسوف يرسل السلطانُ الذي يعلم حال خادمه الأمين إلى منیزله طَبقًا من أطيب طعام وألذّه من مطبخه الخاص دفعًا للحرج عنه.
فكما أنَّ الأمر هكذا في خادم السلطان، كذلك خادم القرآن الصادق، إذ مهما كان من عامة الناس، إلّا أنه يبلّغ أوامرَ القرآن الكريم باسم القرآن نفسه إلى أعظم إنسان من دون تردد ولا إحجام ويبيع جواهرَ القرآن الثمينة جدًّا لأغنى إنسان روحًا، بافتخار واعتزاز واستغناء من دون تذلل وتوسل.
فهؤلاء مهما كانوا عظامًا لا يمكنهم أن يتكبّروا على ذلك الخادم البسيط أداءه لوظيفته. وذلك الخادم أيضًا لا يجد في نفسه ما يجعله يغترّ أمام مراجعة أولئك الأفذاذ له، فلا يتجاوز حدّه.
وإذا ما نظر بعضُ المعجبين بجواهر خزينة القرآن المقدسة إلى ذلك الخادم نظر الولي الصالح واستعظموه، فخليق بالرحمة المقدسة للحقيقة القرآنية أن تمدّهم وتفيضَ عليهم بهمتها من الخزينة الإلهية الخاصة من دون علم ذلك الخادم ومن دون تدخّل منه لئلا يُخجل خادمَها ذاك أمام ضيفه الكريم.