المكتوبات العربية
— 409 —

المبحث الرابع

تنبيه: كما أن المباحث الأربعة للمكتوب "السادس والعشرين" غير مترابطة، كذلك هذه المسائل العشر لهذا المبحث غير مترابطة أيضًا، لذا لا يُتحرى عن الارتباط والعلاقة فيما بينها. فقد كُتبت كما وردت.
فهذا المبحث جزء من رسالته التي بعثها إلى أحد طلابه المهمين، تتضمن إجابات عن خمسة أو ستة من الأسئلة.
المسألة الأولى
ثانيًا: إنك تقول يا أخي في رسالتك: إن المفسرين قالوا لدى تفسيرهم رب العالمين أنَّ هناك ثمانية عشر ألف عالَم، [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/٦٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١/١٣٨؛ البغوي، معالم التنزيل ١/٤٠. وتستفسر عن حكمة ذلك العدد؟.
أخي! إنني الآن لا أعلم حكمةَ ذلك العدد، ولكني اكتفي بالآتي:
إنَّ جُمل القرآن الحكيم لا تنحصر في معنًى واحد، بل هي في حُكم كلّي يتضمن معانيَ لكلِّ طبقة من طبقات البشرية، وذلك لكون القرآن الكريم خطابًا لعموم طبقات البشر. لذا فالمعاني المبيّنة هي في حُكم جزئيات لتلك القاعدة الكلية، فيذكر كلُّ مفسّر، وكلُّ عارف باللّٰه جزءًا من ذلك المعنى الكلي. ويستند في تفسيره هذا إما إلى كشفياته أو إلى دليله أو إلى مشربه، فيرجّح معنًى من المعاني. وقد كشفت طائفةٌ في هذا أيضًا معنًى موافقًا لذلك العدد.
فمثلًا: يذكر الأولياء في أورادهم ويكررون باهتمام بالغ قوله تعالى:
﴿ مَرجَ البحرين يلتقيان٭ بينهما برزخ لايبغيان ﴾
(الرحمن:١٩-٢٠) ولهذه الآية الكريمة معانٍ جزئية ابتداءً من بحر الربوبية في دائرة الوجوب وبحر العبودية في دائرة الإمكان، وانتهاءً إلى بحرَي الدنيا والآخرة، وإلى بحرَي عالم الشهادة وعالم الغيب، وإلى البحار المحيطة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، إلى بحر الروم و بحر فارس والبحر الأبيض والأسود -وإلى المضيق بينهما الذي يخرج منه السمك المسمى بالمرجان- وإلى البحر الأبيض والبحر الأحمر و قناة السويس،
— 410 —
وإلى بحار المياه العذبة والمالحة، وإلى بحار المياه الجوفية العذبة المتفرقة والبحار المالحة التي على ظهر الأرض المتصل بعضها ببعض وما يسمى بالبحار الصغيرة العذبة من الأنهار الكبيرة كالنيل و دجلة و الفرات، والبحار المالحة التي يختلط بها.
كلُّ هذه الجزئيات موجودة ضمن معاني تلك الآية الكريمة، وجميعُ هذه الجزئيات تصح أن تكون مرادةً ومقصودة، فهي معانٍ حقيقية للآية الكريمة ومعانٍ مجازية.
وهكذا فإن الحمد للّٰه رب العالمين أيضًا جامعةٌ لحقائق كثيرة جدًّا مثلما ذُكر، وإن أهل الكشف والحقيقة يبينونها بيانات متباينة حسب كشفياتهم.
وأنا أفهم من الآية الكريمة الآتي:
إنَّ في السماوات ألوفًا من العوالم، ويمكن أن يكون كلُّ نجم في مجموعته، عالَمًا بذاته، وإن في الأرض أيضًا كلَّ جنس من المخلوقات كذلك عالَم بذاته، حتى إنَّ كل إنسان عالمٌ صغير، فكلمة رب العالمين تعني: أنَّ كل عالَم يُدار ويُربىّ ويدبّر شؤونُه بربوبيته سبحانه وتعالى مباشرةً.
ثالثًا:
لقد قال الرسول (ص): (اِذَا أرَادَ اللّٰه بِقَوْمٍ خَيْرًا أبْصَرَهُمْ بِعُيوُبِ أنْفُسِهِمْ)[٭]: الديلمي، المسند ١/٢٤٢؛ ابن أبي شيبة ، المصنف ٦/٢٤٠؛ ابن المبارك، الزهد ٩٦. وقد قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم:
﴿ وما أُبرىء نفسي ان النفس لأمارة بالسوء ﴾
(يوسف: ٥٣).
نعم، إنَّ من يُعجَب بنفسه ويعتدّ بها شقيٌّ، بينما الذي يرى عيبَ نفسه محظوظٌ سعيد، لذا فأنت سعيد يا أخي. ولكن قد يحدث أحيانًا أن تنقلب النفس الأمارة إلى نفسٍ لوّامة أو مطمئنة، إلّا أنها تسلّم أسلحتَها وأعتدتها إلى الأعصاب والعروق فتؤدي الأعصابُ والعروق هذه تلك الوظيفة إلى نهاية العمر، ورغم موت النفس الأمارة منذ مدة طويلة فإنَّ آثارَها تظهر أيضًا، فهناك كثير من الأولياء والأصفياء العظام شكَوا من النفس الأمارة رغم أن نفوسَهم مطمئنة، واستغاثوا باللّٰه من أمراض القلب رغم أن قلوبَهم سليمة ومنوّرة جدًّا. فهؤلاء الأفاضل لا يشكون من النفس الأمارة، بل من وظيفتها التي أُودعت إلى الأعصاب. أما المرض فليس قلبيًا، بل مرضٌ خيالي. والذي يشن عليكم الهجوم يا أخي ليس نفسَك ولا أمراضَ قلبك، بل
— 411 —
هي حالة كما ذكرناها انتقلت إلى الأعصاب لأجل دوام المجاهدة واستمرارها إلى نهاية العُمُر -حسب مقتضى البشرية- والتي تسبّب رقيًا دائمًا.
المسألة الثانية
إنَّ أجزاء "رسائل النور" تتضمن الإجابة عن ثلاث مسائل، كان العالِمُ القديم قد سأل عنها وفيها إيضاحاتها، إلا أننا نشير هنا إليها بإجمال فحسب:
السؤال الأول: ماذا يعني محي الدين بن عربي عندما قال في رسالته الموجهة إلى فخر الدين الرازي: "...وأن العلم باللّٰه خلاف العلم بوجوده". [٭]: انظر: الفتوحات المكية، الجزء الأول ص ٢٤١ في الباب الثاني والأربعين. وما قصده منه؟
أولًا: إن ما قرأتَ له من المثال الموجود في الفرق بين التوحيد الحقيقي والتوحيد العامي المذكور في "الكلمة الثانية والعشرين" يشير إلى المقصود من السؤال، ويوضّحه أكثر ما جاء في "الموقف الثاني والثالث من الكلمة الثانية والثلاثين".
ثانيًا: إن الذي دعا محي الدين بن عربي إلى أن يقول هذا الكلام لفخر الدين الرازي وهو إمام من أئمة الكلام هو: أنَّ ما بيّنه أئمةُ أصول الدين وعلماءُ الكلام فيما يخص العقائد ووجود اللّٰه سبحانه وتوحيدَه غيرُ كافٍ في نظر ابن عربي.
حقًا! إنَّ معرفة اللّٰه المستنبَطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي، في حين أن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجِز، تصبح معرفةً تامة وتَسكب الاطمئنانَ الكامل في القلب. نسأل اللّٰه العلي القدير أن يجعل كلَّ جزء من أجزاء "رسائل النور" بمثابة مصباح يضيء السبيل القويم النوراني للقرآن الكريم.
ثم إن معرفة اللّٰه التي استقاها الرازي من علم الكلام كما تبدو ناقصةً وقاصرةً في نظر ابن عربي، فإن المعرفة الناتجة عن طريق التصوف أيضًا ناقصةٌ ومبتورةٌ بالنسبة نفسها أمام المعرفة التي استقاها ورثةُ الأنبياء من القرآن الكريم مباشرة. ذلك لأن ابن عربي يقول: "لا موجود إلّا هو" لأجل الحصول على الحضور القلبي الدائم أمام اللّٰه سبحانه وتعالى، حتى وصل به الأمر إلى إنكار وجود الكائنات.
— 412 —
أما الآخرون فلأجل الحصول على الحضور القلبي أيضًا قالوا: "لا مشهود إلّا هو" وألقوا ستارَ النسيان المطلق على الكائنات واتخذوا طورًا عجيبًا.
بينما المعرفةُ المستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضورَ القلبي الدائم، فضلًا عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم ولا تسجنها في سجن النسيان المطلق، بل تنقذها من الإهمال والعبثية وتستخدمها في سبيل اللّٰه سبحانه، جاعلةً من كل شيء مرآةً تعكس المعرفة الإلهية، وتفتح في كل شيء نافذةً إلى المعرفة الإلهية، كما عبّر عنها سعدي الشيرازي شعرًا:
دَرْ نَظَرِ هُوشِيَارْ هَرْ وَرَقِى دَفْتَرِيسْتْ اَزْ مَعْرِفَتِ گِرْدِگَارْ
ولقد شبّهنا في كلمات أخرى من "رسائل النور" لبيان الفروق بين الذين يستلهمون نهجهم من القرآن الكريم، ذلك المنهج الأقوم، والذين يسلكون نهجَ علماء الكلام بمثال هو:
إنه لأجل الحصول على الماء، هناك من يأتي به بوساطة أنابيب من مكان بعيد يحفره في أسفل الجبال. وآخرون يجدون الماء أينما حفروا ويفجرونه أينما كانوا. فالأول سيرٌ في طريق وعرٍ وطويل والماءُ معرّض فيه للانقطاع والشّحة. بينما الذين هم أهلٌ لحفر الآبار فإنهم يجدون الماء أينما حلوا دونما صعوبة ومتاعب.
فعلماء الكلام يقطعون سلسلة الأسباب بإثبات استحالة الدَور والتسلسل [٭]: الدور: تعريف شيء أو البرهنة عليه بشيء آخر لا يمكن تعريفه أو البرهنة عليه إلا بالأول (المعجم الفلسفي). التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية. (التعريفات للجرجاني). في نهاية العالم، ومن بعده يثبتون وجود واجب الوجود.
أما المنهج الحقيقي للقرآن الكريم فيجد الماء في كل مكان ويحفره أينما كان. فكلُّ أية من آياته الجليلة كعصا موسى تفجّر الماء أينما ضربت. وتستقرئ كلَّ شيء القاعدة الآتية:
وَفِى كُلِّ شىْءٍ لَهُ ايَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ وَاحِدٌ
[٭]: انظر: الأصفهاني، الأغاني ٤/٣٩؛ القلقشندي، صبح الأعشى ١٢/٤١٣؛ الأبشيهي، المستطرف ١/١٦، ٢/٢٨٠.
ثم إنَّ الإيمان لا يحصل بالعلم وحدَه، إذ إن هناك لطائف كثيرة للإنسان لها حظها من الإيمان فكما أنَّ الأكل إذا ما دخل المعدة ينقسم ويتوزع إلى مختلف العروق حسب كل عضو من الأعضاء، كذلك المسائل الإيمانية الآتية عن طريق العلم إذا ما دخلت معدة العقل
— 413 —
والفهم، فإن كل لطيفة من اللطائف -كالروح والقلب والسر والنفس وأمثالها- تأخذ منها وتمصّها حسب درجاتها. فإن فقدتْ لطيفةٌ من اللطائف غذاءها المناسب وظلت محرومة منها، فالمعرفة إذن ناقصة مبتورة، وتظل تلك اللطيفة محرومة منها.
وهكذا ينبّه ابن عربي فخر الدين الرازي إلى هذه النقطة ويلفت نظره إليها.
المسألة الثالثة
سؤال: ما وجه التوفيق بين الآية الكريمة: ولقد كرّمنا بني آدم (الإسراء: ٧٠) والآية الكريمة: انه كان ظلومًا جَهولًا (الأحزاب: ٧٢).
الجواب: إن إيضاح هذا السؤال موجود في كل من الكلمات "الحادية عشرة" و"الثالثة والعشرين"، والثمرة الثانية من الغصن الخامس من الكلمة "الرابعة والعشرين". ومجمله هو الآتي:
إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى يخلق بقدرته الكاملة أشياءَ كثيرة جدًّا من شيء واحد كما يسوق شيئًا واحدًا إلى القيام بوظائف كثيرة جدًّا. فيكتب ألفَ كتاب وكتاب في صحيفة واحدة.
وقد خلق سبحانه وتعالى الإنسان أيضًا نوعًا جامعًا لكثير من الأنواع. أي أنه قد أراد أن يُنجز بنوع الإنسان ما تنجزه الدرجاتُ المختلفة لجميع أنواع الحيوانات. بحيث لم يحدّد قوى الإنسان ورغباته بحدودٍ وقيود فطرية، بل جعلها حرةً طليقة، بينما حدّد قوى سائر الحيوانات ورغباتها، أي أنها تحت قيود فطرية. بمعنى أن كل قوةٍ من قوى الإنسان تتجول في ميدان فسيح واسع جدًّا، لا تتناهى، لأنَّ الإنسان مرآةٌ لتجليات لانهاية لها لأسماء رب العالمين، لذا فقد مُنحت قواه استعدادًا لانهاية له.
فمثلا: لو أُعطي الإنسان الدنيا برمّتها، لطلب المزيد بحرصه، وإنه يرضى بإلحاق الضرر بألوف من الناس في سبيل منفعة ذاتية!.
وهكذا تنكشف أمامَ الإنسان درجات لا حدّ لها من الأخلاق السيئة، حتى توصله إلى دركات النماردة والفراعنة. فيكون مصداقَ صفة "ظلومًا" بحق (بالصيغة المبالغة)، كما تنفتح أمامَه درجاتُ الرقي التي لا منتهى لها في الخصال الحميدة حتى يبلغ مرتبة الأنبياء والصديقين.
— 414 —
ثم إنَّ الإنسان -بخلاف الحيوان- جاهلٌ بكلّ ما يخص الحياة ويلزمها ومضطر إلى تعلم كل شيء، فهو (جهول) بالصيغة المبالغة لأنه محتاج إلى ما لا يحدّ من الأشياء.
أما الحيوان؛ فعندما يفتح عيونه على الحياة، فإنه لا يحتاج إلّا إلى أشياء قليلة، فضلًا عن أنه يتعلم شروط حياته في شهر أو شهرين أو في يوم أو يومين بل ربما في ساعة أو ساعتين، وكأنه قد اكتمل في عالم آخر ثم أتى إلى هنا. بينما الإنسان لا يتمكن من أن يقف منتصبًا معتمدًا على نفسه إلّا بعد سنة أو سنتين، ولا يعرف نفعَه من ضرِّه إلّا بعد خمس عشرة سنة.
فالمبالغة في جَهولًا تشير إلى هذا أيضًا.
المسألة الرابعة
تسألون يا أخي عن حكمة الحديث الشريف: (جددوا إيمانكم بی لا إله إلّا اللّٰه) [٭]: الترمذي، نوادر الأصول ٢/٢٠٤؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٥٩؛ عبد بن حميد، المسند ١/٤١٧. فقد ذكرناها في كثير من "الكلمات". والآن نذكر حكمةً منها:
إنَّ الإنسان لكونه يتجدد بشخصه وبعالَمه الذي يحيط به فهو بحاجة إلى تجديد إيمانه دائمًا، لأنَّ الإنسان الفرد ما هو إلّا أفرادٌ عديدة، فهو فردٌ بعدد سني عمره، بل بعدد أيامه، بل بعدد ساعاته حيث إنَّ كل فرد يُعدّ شخصًا آخر، ذلك لأنَّ الفرد الواحد عندما يجري عليه الزمنُ يُصبح بحكم النموذج، يلبس كلَّ يوم شكل فرد جديد آخر.
ثم إنَّ الإنسان مثلما يتعدد ويتجدد هكذا. فإنَّ العالَم الذي يسكنه سيارٌ أيضًا لا يبقى على حال. فهو يمضي ويأتي غيرُه مكانه، فهو في تنوع دائم، فكل يوم يفتح بابُ عالم جديد.
فالإيمان نورٌ لحياة كل فرد من أفراد ذلك الشخص من جهة كما أنه ضياءٌ للعوالم التي يدخلها. وما "لا اله إلّا اللّٰه" إلّا مفتاحٌ يفتح ذلك النور.
ثم إنَّ الإنسان تتحكم فيه النفسُ والهوى والوهم والشيطان وتستغل غفلتَه وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه، حتى تسد عليه منافذَ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام. فضلًا عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تعد لدى قسم من الأئمة في درجة الكفر.
— 415 —
لذا فهناك حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، بل في كل ساعة، في كل يوم.
سؤال: إنَّ علماء الكلام يثبتون التوحيد بعد ظهورهم ذهنًا على العالم كله الذي جعلوه تحت عنوان الإمكان والحدوث. وان قسمًا من أهل التصوف لأجل أنْ يغنموا بحضور القلب واطمئنانه قالوا: "لا مشهود إلّا هو" بعد أن ألقوا ستار النسيان على الكائنات. وقسم آخر منهم قالوا: "لا موجود إلّا هو" وجعلوا الكائنات في موضع الخيال وألقوها في العدم ليظفروا بعد ذلك بالاطمئنان وسكون القلب. ولكنك تسلك مسلكًا مخالفًا لهذه المشارب وتبين منهجًا قويمًا من القرآن الكريم وقد جعلت شعار هذا المنهج: "لا مقصود إلّا هو.. لا معبود إلّا هو". فالرجاء أنْ توضح لنا باختصار برهانًا واحدًا يخص التوحيد في هذا المنهج القرآني.
الجواب: إنَّ جميع ما في "الكلمات" و "المكتوبات" يبين ذلك المنهج القويم.
أما الآن فأشير إشارة مختصرة جدًّا نیزولًا عند رغبتكم إلى حجة واحدة من حججه العظيمة وإلى برهان واسع طويل من براهينه الدامغة.
إنَّ كل شيء في العالم، يُسند جميعَ الأشياء إلى خالقه.. وإنَّ كل أثر في الدنيا يدل على أنَّ جميع الآثار هي من مؤثره هو.. وإنَّ كل فعل إيجادي في الكون يثبت أنَّ جميع الأفعال الإيجادية إنما هي من أفعال فاعله هو.. وإنَّ كل اسم من الأسماء الحسنى الذي يتجلى على الموجودات يشير إلى أن جميع الأسماء إنما هي لمسمّاه هو.. أي أن كل شيء هو برهانُ وحدانية واضح، ونافذةٌ مطلة على المعرفة الإلهية.
نعم، إنه ما من أثر، ولاسيما الكائن الحي، إلّا هو مثالٌ مصغر للكائنات، وبمثابة نواةٍ للعالم، وثمرةٍ للكرة الأرضية. لذا فخالق ذلك المثال المصغر والنواة والثمرة لابد أن يكون هو أيضًا خالقُ الكائنات برمّتها، ذلك لأنه لا يمكن أن يكون موجدُ الثمرة غيرَ موجد شجرتها.
لذا فإنَّ كل أثر مثلما يُسند جميعَ الآثار إلى مؤثّره، فإنَّ كل فعل أيضًا يُسند جميع الأفعال إلى فاعله. لأننا نرى أن أي فعل إيجادي كان، وهو يبرز طرفًا من قانون خلاقية يسَع الكون كله ويمتد حكمُه وطولُه من الذرات إلى المجرات. أي أنَّ مَن كان صاحب ذلك الفعل الإيجادي الجزئي وفاعله لابد أن يكون هو أيضًا فاعلَ جميع الأفاعيل التي ترتبط بالقانون الكلي المحيط بالكون الواسع من الذرات إلى الشموس.
— 416 —
فالذي يحيي بعوضةً لابد أن يكون هو المحيي لجميع الحشرات بل جميع الحيوانات بل محيي الأرض كلها.
ثم إنَّ الذي يجعل الذرات تدور بجذبة حبٍّ كالمريد المولوي لابد أن يكون هو أيضًا ذلك الذي يحرك الموجودات جميعًا تحريكًا متسلسلًا حتى الشمس بسياراتها. لأن القانون الساري في الموجودات هو سلسلة والأفعال مرتبطة به.
بمعنى كما أن كل أثر يسند جميع الآثار إلى مؤثره هو وأن كل فعل إيجادي يسند جميع الأفعال إلى فاعله هو كذلك أن كل اسم يتجلى على الكائنات يُسند جميع الأسماء إلى مسمّاه ويثبت أنها جميعًا عناوينُه. ذلك لأنَّ الأسماء المتجلية في الكون متداخلٌ بعضها في بعض كالدوائر المتداخلة وألوان الضوء السبعة. كلٌّ منها يسند الآخر ويمدّه، كل منها يكمل أثر الآخر ويزيّنه.
فمثلا: إنَّ اسم "المحيي" عندما يتجلى لشيء وحالما يمنح شيئًا الحياةَ يتجلى اسم "الحكيم" أيضًا فينظّم جسد ذلك الكائن الحي الذي هو مأوى روحه، وفي الوقت نفسه يتجلى اسم "الكريم" فيزيّن ذلك العش والمأوى، وآنئذ يتجلى اسم "الرحيم" أيضًا فيهيئ حاجات ذلك الجسد، وفي الوقت نفسه يتجلى اسم "الرزاق" فيمنح ما يلزم ذلك الحي من أرزاق مادية ومعنوية ومن حيث لا يحتسب، وهكذا...
أي لمن يعود اسم "المحيي" فإن له أيضًا اسمَ "الحكيم" الذي ينير الكون ويحيط به، وإن له أيضًا اسمَ "الرحيم" الذي يربي الكائنات بالرحمة والشفقة. وإن له أيضًا اسمَ "الرزاق" الذي يغدق على الكائنات.. وهكذا...
بمعنى أن كل اسم ، وكل فعل، وكل أثر، برهانُ وحدانية، وختمُ توحيد، وخاتمُ أحدية بحيث يدل على أن الكلمات التي هي الموجودات المسطورة في صحائف الكون وفي سطور العصور إنما هي كتابةُ قلم نقاشه ومصوِّره جل وعلا.
اللّٰهمَّ صَلِّ على من قال: (أفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا وَالنَّبِيُّیونَ مِنْ قَبْلي لاَ إلٰهَ إلَّا اللّٰه)
[٭]: الموطأ، القرآن ٣٢، الحج ٢٤٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/٢٨٤ وانظر: الترمذي، الدعوات ١٢٣.
وعلى آله وصحبه وسلم.