— 400 —
المبحث الثالث
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ يا ايها الناس إناّ خلقناكُم مِن ذَكَرٍ واُنثى وجَعَلناكُم شُعوبًا وقبائلَ لِتعارفوا ﴾
(الحجرات: ١٣)
أي خلقناكم طوائفَ وقبائل وأممًا وشعوبًا كي يعرف بعضكم بعضًا وتتعرفوا على علاقاتكم الاجتماعية، لتتعارفوا فيما بينكم، ولم نجعلكم قبائل وطوائف لتتناكروا فتتخاصموا.
في هذا المبحث سبع مسائل:
المسألة الأولى: إنَّ الحقيقة الرفيعة التي تفيدها هذه الآية الكريمة تخص الحياة الاجتماعية، لذا اضطررتُ إلى كتابة هذا المبحث بنية خدمة القرآن العظيم، وعلى أمل إنشاء سدٍّ أمام الهجمات الظالمة. فكتبتُه بلسان "سعيد القديم" الذي له علاقة بالحياة الاجتماعية الإسلامية، وليس بلسان "سعيد الجديد" الذي يريد اجتناب الحياة الاجتماعية. [٭]: المقصود الأمور الاجتماعية التي تمس السياسة.
المسألة الثانية: نقول بيانًا لدستور التعارف والتعاون الذي تشير إليه هذه الآية الكريمة أنه: يُقسّم الجيشُ إلى فيالق وإلى فرق وإلى ألوية وإلى أفواج وإلى سرايا وإلى فصائل وإلى حظائر، وذلك ليَعرف كلُّ جندي واجباته حسب تلك العلاقات المختلفة المتعددة، وليؤدي أفرادُ ذلك الجيش تحت دستور التعاون وظيفةً حقيقية عامة لتُصان حياتهم الاجتماعية من هجوم الأعداء. وإلّا فليس هذا التقسيم والتمييز إلى تلك الأصناف، لجعل المنافسة بين فوجين أو إثارة الخصام بين سريتين أو وضع التضاد بين فرقتين.
وكذلك الأمر في المجتمع الإسلامي الشبيه بالجيش العظيم، فقد قُسّم إلى قبائل وطوائف، مع أن لهم ألف جهة وجهة من جهات الوحدة ؛ إذ خالقُهم واحد، ورازقُهم واحد،
— 401 —
ورسولُهم واحد، وقبلتُهم واحدة، وكتابُهم واحد، ووطنُهم واحد.. وهكذا واحد، واحد.. إلى الألوف من جهات الوحدة التي تقتضي الأخوةَ والمحبة والوحدة. بمعنى أن الانقسام إلى طوائف وقبائل -كما تعلنه الآية الكريمة- ما هو إلّا للتعارف والتعاون لا للتناكر والتخاصم.
المسألة الثالثة: لقد انتشر الفكر القومي وترسّخ في هذا العصر. ويثير ظالمو أوروبا الماكرون بخاصة هذا الفكر بشكله السلبي في أوساط المسلمين ليمزّقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم. ولما كان في الفكر القومي ذوقٌ للنفس، ولذةٌ تُغفِل، وقوةٌ مشؤومة، فلا يُقال للمشتغلين بالحياة الاجتماعية في هذا الوقت: دعوا القومية!
ولكن القومية نفسها على قسمين:
قسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنیزاع. ولهذا ورد في الحديث الشريف: (إنَّ الإسلام يَجُبّ ما قبله) ويرفض العصبية الجاهلية. [٭]: سبق تخريج الأحاديث المتعلقة بالعصبية الجاهلية في المكتوب الخامس عشر. وأمر القرآن الكريم بی
﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فانزلَ اللّٰه سكينتهُ على رسولهِ وعلى المؤمنين وألزمهم كلمةَ التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان اللّٰه بكل شيء عليمًا ﴾
(الفتح: ٢٦). فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضًا قاطعًا القومية السلبية وفكر العنصرية.لأن الغيرة الإسلامية الإيجابية المقدسة لا تدع حاجة إليها.
تُرى أي عنصر في العالم تعداده ثلاثمائة وخمسون مليونًا ويُكسب فكر المرء -بدل الإسلام- هذا العدد من الإخوان، بل إخوانًا خالدين؟
ولقد ظهرت طوال التاريخ أضرار كثيرة نجمت عن القومية السلبية، نذكر منها:
إن الأمويين خلطوا شيئًا من القومية في سياساتهم، فأسخطوا العالم الإسلامي فضلًا عما ابتلوا به من بلايا كثيرة من جراء الفتن الداخلية.
وكذلك شعوب أوروبا، لما دعوا إلى العنصرية وأوغلوا فيها في هذا العصر نجم العداءُ التاريخي المليء بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والألمان كما أظهر الدمار الرهيب الذي أحدثته الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية.
— 402 —
وكذلك الحال فينا؛ ففي بداية عهد الحرية (أي إعلان الدستور) تشكلت جمعياتٌ مختلفة للّاجئين وفي المقدمة الروم و الأرمن، تحت أسماء أندية كثيرة، وسبّبت تفرقةَ القلوب -كما تشتتت الأقوامُ بانهدام برج بابل، وتفرقوا أيدي سبأ في التاريخ- حتى كان منهم من أصبح لقمة سائغة للأجانب، ومنهم من تردّى وضل ضلالًا بعيدًا.
كل ذلك يبين نتائجَ القومية السلبية وأضرارَها.
أما الآن فإن التباغض والتنافر بين عناصر الإسلام وقبائله -بسبب من الفكر القومي- هلاكٌ عظيم، وخطبٌ جسيم، إذ إن تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض، لكثرة ما وقع عليهم من ظلم وإجحاف ولشدة الفقر الذي نیزل بهم ولسيطرة الأجانب عليهم، كل ذلك يسحقهم سحقًا؛ لذا فإن نظر هؤلاء بعضهم لبعض نظرة العداء مصيبة كبرى لا توصف، بل إنه جنون أشبه ما يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولا يعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله.
نعم، إنَّ أطماع أوروبا التي لا تفتر ولا تشبع هي كالثعابين الضخمة الفاتحة أفواهها للابتلاع. لذا فإن عدمَ الاهتمام بهؤلاء الأوروبيين، بل معاونتُهم معنًى بالفكر العنصري السلبي، وإنماءَ روح العداء إزاء المواطنين القاطنين في الولايات الشرقية أو إخواننا في الدين في الجنوب، هلاكٌ وأيّ هلاك وضررٌ وبيل.
إذ ليس بين أفراد الجنوب من يستحق أن يُعادى حقًا، بل ما أتى من الجنوب إلّا نورُ القرآن وضياءُ الإسلام، الذي شعّ نورُه فينا وفي كل مكان.
فالعداء لأولئك الإخوان في الدين هؤلاء يمس الإسلام والقرآن، والعداء للإسلام والقرآن هو عداء للحياة الدنيوية والأخروية لجميع هذه المواطنين، ولحياتَيهم، الدنيوية والأخروية.
فهدم حجر الأساس للحياتين بزعم الخدمة للحياة الاجتماعية باسم الحمية والشهامة ليس حمية ولا شهامة وإنما هو حماقة وبلادة.
المسألة الرابعة: القومية الإيجابية نابعة من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند، وتحقِّق قوةً نافعة للمجتمع، وتكون وسيلة لإسناد أكثر للأخوة الإسلامية.
— 403 —
هذا الفكر الإيجابي القومي، ينبغي أن يكون خادمًا للإسلام، وأن يكون قلعة حصينة له، وسورًا منيعًا حوله، لا أن يحل محل الإسلام، ولا بديلًا عنه، لأن الأخوة التي يمنحها الإسلام تتضمن ألوف أنواع الأخوة. وإنها تبقى خالدة في عالم البقاء وعالم البرزخ.
ولهذا فلا تكون الأخوة القومية مهما كانت قوية إلّا ستارًا من أستار الأخوة الإسلامية. وبخلافه، أي إقامة القومية بديلًا عن الإسلام جنايةٌ خرقاء أشبه ما يكون بوضع أحجار القلعة في خزينة ألماس فيها وطرح الألماسات خارج القلعة.
يا أبناء هذا الوطن من أهل القرآن !
لقد تحدّيتم العالمَ أجمع منذ ستمائة سنة بل منذ ألف سنة من زمن العباسيين، وأنتم حاملو راية القرآن والناشرون له في العالم أجمع. وقد جعلتم قوميتَكم حصنًا للقرآن وقلعة للإسلام، وألزمتم العالم إزاءكم الصمت والانقياد. ودفعتم المهالك العظيمة التي كادت تودي بحياة العالم الإسلامي حتى أصبحتم مصداقًا حسنًا للآية الكريمة:
﴿ فسوفَ يأتي اللّٰه بقومٍ يُحبُّهم ويُحبّونَهُ أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين يجاهدونَ في سبيل اللّٰه ﴾
(المائدة: ٥٤).
فلا تنخدعوا ولا تميلوا إلى مكايد الأوروبيين ودسائس المتفرنجين. واحذروا حذرًا شديدًا أن تكونوا مصداقَ بداية هذه الآية الكريمة. [٭]: وهو قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّٰه بقوم يحبهم ...)
حالة تثير الانتباه:
إنَّ الشعب التركي هو أكثر عددًا من أي قوم من الأقوام الإسلامية الأخرى، وإنهم مسلمون في كل بقاع العالم، بينما الأقوامُ الأخرى، فيهم المسلمون وغير المسلمين معًا، لذا لم تنقسم الأمة التركية كبقية الأقوام، فأينما توجد طائفةٌ من الأتراك فهم مسلمون، والذين ارتدّوا عن الإسلام أو الذين لم يسلموا أصلًا، قد خرجوا عن وصف الترك كالمجر. علمًا أن الأقوام الأخرى حتى الصغيرة منها فيهم المسلمون وغير المسلمين.
— 404 —
أيها الأخ التركي !
احذر وانتبه ! أنت بالذات، فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجًا لا يمكن فصلها عن الإسلام، ومتى ما حاولتَ عزلها عن الإسلام فقد هلكتَ إذن وانتهى أمرُك. ألا ترى أن جميع مفاخرك في الماضي قد سُجّل في سجل الإسلام، وأن تلك المفاخر لا يمكن أن تُمحى من الوجود قطعًا فلا تمحُها أنت من قلبك بالاستماع إلى الشبهات التي تثيرها شياطينُ الإنس.
المسألة الخامسة: إنَّ الأقوام المتيقظة في آسيا، قد تمسّكوا بالقومية، وحذَوا حذو أوروبا في كل النواحي. حتى ضحّوا بكثير من مقدساتهم في سبيل ذلك التقليد.
والحال أن كل قوم يلائمه لباس على قدّه وقامته، وحتى لو كان نوعُ القماش واحدًا فإنه يلزم الاختلاف في الطراز. إذ لا يمكن إلباس المرأةِ ملابس الشرطي، ولا يمكن إلباس العالم الديني ملابس الخليعات.
فالتقليد الأعمى يؤدي في كثير من الأحيان إلى حالة من الهزء والسخرية كهذه.. لأن:
أولا: إن كانت أوروبا حانوتًا، أو ثكنة عسكرية، فإن آسيا تكون بمثابة مزرعة أو جامع. وإن صاحب الحانوت قد يذهب إلى المسرح، بينما الفلاح لا يكترث به. وكذلك تتباين أوضاعُ الثكنة العسكرية والمسجد أو الجامع.
ثم إنَّ ظهور أكثر الأنبياء في آسيا، وظهور أغلب الحكماء والفلاسفة في أوروبا، رمزٌ للقدر الإلهي وإشارة منه إلى أن الذي يوقظ أقوامَ آسيا ويدفعهم إلى الرقي ويحقِّق إدامة إدارتهم هو الدينُ والقلب. أما الفلسفة والحكمة فينبغي أن تعاونا الدين والقلب لا أن تحلا محلهما.
ثانيًا: لا يقاس الدين الإسلامي بالنصرانية، إذ إن تقليد الأوروبيين في إهمالهم دينَهم تقليدًا أعمى خطأ جسيم؛ لأن الأوروبيين متمسكون بدينهم أولًا، والشاهید على هیذا، في المقیدمة (ولسن) و(لويد جورج) و(فينزيلوس) وأمثالهم من عظماء الغرب، فهم متمسكون بدينهم كأي قَسٍّ متعصب. فهؤلاء شهود إثبات أن أوروبا مالكةٌ لدينها بل تعدّ متعصبة.
— 405 —
ثالثًا: إنَّ قياس الإسلام بالنصرانية، قياسٌ مع الفارق، وهو قياس خطأ محض. لأن أوروبا عندما كانت متمسكةً بل متعصبة لدينها، لم تكن متحضرة، وعندما تركت التعصب والالتزام بدينها تحضّرت.
ولقد أثار التعصب الديني لدى أوروبا نیزاعات داخلية دامت ثلاثمائة سنة، وكان الحكام المستبدون يتخذون الدين وسيلةً في سحق العوام وفقراء الناس و أهل الفكر والعلم منهم، حتى تولد لدى عامة الناس نوع من السخط على الدين.
أما في الإسلام -والتاريخ شاهد- فلم يُصبح الدين سببًا للنیزاع الداخلي إلّا مرة واحدة فقط، وقد ترقى المسلمون -بالنسبة لذلك الوقت- رقيًا عظيمًا ما ملكوا الدين واعتصموا به. والشاهد على هذا؛ الدولةُ الإسلامية في الأندلس التي غدت أستاذة عظيمة لأوروبا. ولكن متى ما أهمل المسلمون دينهم تخلّفوا وتردّوا.
ثم إن الإسلام حامي الفقراء والعوام من الناس، وذلك بوجوب الزكاة وحرمة الربا، وأمثالهما من ألوف المسائل التي ترأف بحال العوام.
ثم إن الإسلام يحمي أهل العلم، ويستشهد بالعقل والعلم ويوقظهما في النفوس بمثل هذه الآيات الكريمة:
.. أفلا يتدبرون.. أفلا تتفكرون ..أفلا يعقلون
لذا كان الإسلام دومًا قلعةَ الفقراء وحصن العلماء وملجأهم، فلا داعي في الإسلام قطعًا لمثل هذه المجافاة.
وسرّ الحكمة والفرق الأساس بين الإسلام وسائر الأديان، ومنها النصرانية هو الآتي:
إنَّ أساس الإسلام هو التوحيد الخالص، فلا يسند التأثير الحقيقي إلى الأسباب أو الوسائط ولا قيمة لها في الإسلام من حيث الإيجاد والخلق.
أما في النصرانية، فإن فكرة البنوة التي ارتضوها، تعطي أهمية للوسائط وقيمة للأسباب، فلا تكسر الغرور والتكبر بل يسند قسطًا من الربوبية الإلهية إلى الأحبار والرهبان، حتى صدق عليهم قوله تعالى:
﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّٰه ﴾
(التوبة: ٣١).
— 406 —
ومن هذا فإن عظماء النصارى يكونون متعصبين لدينهم، مع أنهم يحافظون على غرورهم وأنانيتهم رغم ما يتسنّمون من مهام دنيوية كبيرة، مثال ذلك: رئيس أمريكا (ولسن) الذي كان رجل دين متعصبًا.
بينما في الإسلام الذي هو دين التوحيد الخالص، ينبغي للمتقلدين للوظائف الكبيرة في الدولة أن يدَعوا غرورَهم ويتركوا أنانيتهم، أو لا يبلغون التدين الحق، ولهذا يظل قسمٌ منهم مهملين أمور الدين، بل قد يكون منهم خارجين عن الدين.
المسألة السادسة: نقول لأولئك الذين يغالون في العنصرية وفي القومية السلبية.
أولًا: لقد حدثت هجراتٌ كثيرة جدًّا في بقاع الأرض كلِّها ولاسيما في بلادنا هذه، منذ سالف العصور. وتعرضت أقوامٌ كثيرة إلى تغيرات وتبدلات كثيرة، وازدادت تلك الهجرات إلى بلادنا بعد أن أصبحت مركزًا للحكومة الإسلامية حتى حامت سائر الأقوام كالفراش حولها، وألقتْ بنفسها فيها واستوطنتها. فلا يمكن -والحال هذه- تمييز العناصر الحقيقية بعضها عن بعض إلّا بانفتاح اللوح المحفوظ.
لذا فبناء المرء أعمالَه وحميتَه على العنصرية لا معنى له البتة، فضلًا عن أضرارها.
ولأجل هذا اضطرّ أحدُ دعاة العنصرية والقومية السلبية -الذي لا يقيم وزنًا للدين- أن يقول: إذا اتحد الدين واللغة فالأمة واحدة.
ولما كان الأمر هكذا فلابد من النظر إلى اللغة والدين والروابط الوطنية لا إلى العنصرية الحقيقية. فإن اتحدت هذه الثلاثة، فالأمة قوية إذن بذاتها. وإن نقص أحد هذه الثلاثة فهو داخل أيضًا ضمن القومية.
ثانيًا: نبين فائدتين -على سبيل المثال- من مئات الفوائد التي تكسبها الحَمية الإسلامية المقدسة للحياة الاجتماعية لأبناء هذا الوطن.
الفائدة الأولى: إنَّ الذي حافظ على حياة الدولة الإسلامية وكيانها -رغم أن تعدادها عشرون أو ثلاثون مليونًا- تجاه جميع دول أوروبا العظيمة، هو هذا المفهوم النابع من القرآن الذي يحمله جيشُها: "إذا متُّ فأنا شهيد وإن قتَلتُ فأنا مجاهد".. هذا المفهوم دفع أبناء هذا الوطن إلى استقبال الموت باسمين، مما هزّ قلوبَ الأوروبيين وأرهبَهم.
— 407 —
تُرى أي شيء يمكن أن يبرز في الميدان ويبعث في روح الجنود مثل هذه التضحية والفداء وهم ذوو أفكار بسيطة وقلوب صافية؟.
أية عنصرية يمكن أن تحل محلّ هذا المفهوم العلوي؟ وأيُّ فكر غيره يمكن أن يجعل المرء يضحي بحياته وبدنياه كلِّها طوعًا في سبيله ؟.
ثانيًا: ما آذت الدول الأوروبية الكبرى وثعابينها المَرَدة هذه الدولة الإسلامية وتوالت عليها بضرباتها، إلّا وأبكت ثلاثمائة وخمسين مليونًا من المسلمين في أنحاء العالم، وجعلتهم يئنّون لأذاها، حتى سحبت تلك الدول الاستعمارية يدَها عن الأذى والتعدي لتحُول دون إثارة عواطف المسلمين عامة، فتخلّت عن الأذى.
فهل تُستصغَر هذه القوة الظهيرة المعنوية والدائمة لهذه الدولة، وهل يمكن إنكارها؟
تُرى أية قوة أخرى يمكن أن تحلّ محلَّها؟ فهذا ميدان التحدي فليُظهروا تلك القوة؟ لذا لا ينبغي أن نجعل تلك القوة الظهيرة العظمى تعرِض عنّا لأجل التمسك بقومية سلبية وحَمية مستغنية عن الدين.
المسألة السابعة: نقول للذين يبدون حماسةً شديدة للقومية السلبية:
إنْ كنتم حقًا تحبّون هذه الأمة حبًّا جادًا خالصًا، وتشفقون عليها، فعليكم أن تحملوا في قلوبكم غَيرة تسعُ الإشفاق على غالبية هذه الأمة لا على قلة قليلة منها، إذ إن خدمة هؤلاء خدمة اجتماعية مؤقتة غافلةً عن اللّٰه -وهم ليسوا بحاجة إلى الرأفة والشفقة- وعدم الرأفة بالغالبية العظمى منهم ليس من الحمية والغيرة في شيء.
إذ الحمية بمفهوم العنصرية يمكن أن تجلب النفعَ والفائدة لاثنين من كل ثمانية أشخاص من الناس، فائدةً مؤقتة، فينالون مما لا يستحقونه من الحَمية، أما الستة الباقون فهم إما شيخ أو مريض أو مبتلى ببلاء، أو طفل، أو ضعيف جدًّا، أو متقٍ يخشى اللّٰه ويرجو الآخرة.. فهؤلاء يبحثون عن سلوان ونور يبعث فيهم الأمل، حيث إنهم يتوجهون إلى حياة برزخية وأخروية. فهم محتاجون إلى أيدي اللطف والرحمة تمتد إليهم. فأيةُ حميةٍ تسمح بإطفاء نورِ الأمل لدى هؤلاء والتهوين من سلوانهم؟
— 408 —
هيهات ! أين الإشفاق على الأمة وأين التضحية في سبيلها!.
إننا لا نيأس من روح اللّٰه قطعًا، فلقد سخّر سبحانه أبناء هذا الوطن وجماعاته المعظمة وجيشَه المهيب منذ ألف سنة في خدمة القرآن وجعلَهم رافعي رايته. لذا فأملُنا عظيم في رحمته تعالى ألّا يُهلِكَهم بعوارض مؤقتة إن شاء اللّٰه، وسيمد سبحانه ذلك النور ويجعله أسطع وأبهر إشراقًا فيديم وظيفتهم المقدسة.